أكتوبر
06
في 06-10-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    100 مشاهده

ُعبر عن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني المتواصل منذ عشرات السنوات، بجولات عنف كثيرة ومكلفة دمويا من الطرفين. لكن، عنف الانتفاضة الثانية حمل طابعا خاصا[1]، في أوساط اليهود بإسرائيل على الأقل، الذين تعرضوا لعدد كبير من القتلى والجرحى في وقت قصير نسبيا.

عقد على الانتفاضة

 

نمو وتراجع العمليات الانتحارية

 

يورام شفايتسر·  

 

الحلقة الثالثة

ُعبر عن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني المتواصل منذ عشرات السنوات، بجولات عنف كثيرة ومكلفة دمويا من الطرفين. لكن، عنف الانتفاضة الثانية حمل طابعا خاصا[1]، في أوساط اليهود بإسرائيل على الأقل، الذين تعرضوا لعدد كبير من القتلى والجرحى في وقت قصير نسبيا.

العنف الذي استخدمه الجانب الفلسطيني خلال الانتفاضة الثانية برز من خلال الإرهاب الذي نفذه “مخربين انتحاريين”. حيث كان هذا السلاح هو الأكثر فعالية، والقوة الأساسية التي ملكها مخططي هذه العمليات. ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية في نهاية أيلول 2000 وحتى أيلول 2010 بلغ مجموع العمليات الانتحارية 146، وأجهضت أكثر من 389 عملية[2]. ورغم عدم ارتفاع عدد هذا النوع من العمليات المتنوعة التي استخدمتها المنظمات الفلسطينية ضد إسرائيل، لكنها كانت العنصر الأساسي في القتل الذي تعرض له اليهود، حيث بلغ 516 قتيل. يذكر انه قتل خلال العقد الأخير (منذ أيلول عام 2000) 1178 إسرائيليا منهم 43,8% بسبب العمليات الانتحارية. وعلاوة على القتل الجماعي للمواطنين المدنيين الإسرائيليين، وقع ألاف الجرحى والمرضى النفسيين. وساعد إرهاب الانتحاريين المنظمات الفلسطينية على فرض سيطرتهم على الجمهور الإسرائيلي وخلق إحساس في صفوفهم، ولو مؤقت، بعدم الأمان بالأسواق والمواصلات العامة وفي أماكن الترفيه.

وسأحاول في هذا المقال التركيز على وصف وتحليل نمو وتراجع إرهاب الانتحاريين من خلال دراسة الماضي -بعد عقد من اندلاع الانتفاضة الثانية- مع محاولة عرض وجهات نظر الطرفين المختلفة بمدى نجاح هذه العمليات في تحقيق أهدافها.

 

عمليات 1993-200: خلفية لنمو إرهاب الانتحاريين

كمنت قوة إرهاب الانتحاريين في الانتفاضة الثانية، من الاستخدام المسبق لمثل هذا النموذج من العمليات في الفترة الواقعة من 1993 حتى عام 2000. وفي هذه الفترة، تركز نشاط إسرائيل والسلطة الفلسطينية على المفاوضات السياسية، المعروفة بمسيرة أوسلو، التي يتوصل في نهايتها المرحلية لحل للنزاع التاريخي بين الطرفين بطرق غير عنيفة. لكن حماس والجهاد الإسلامي اللتان عارضتا هذه المسيرة نفذتا أكثر من 30 عملية انتحارية خلال هذه الفترة.   

وفي نيسان عام 1993، وقبل أن يعلم الجمهور عن اتفاقات أوسلو، وقبل وصول قيادة م.ت.ف برئاسة ياسر عرفات من تونس للمناطق، شنت حركة حماس سلسلة عمليات انتحارية، انضمت إليها حركة الجهاد الإسلامي منفذة عدة محاولات فاشلة لعمليات انتحارية ضد الجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد المذبحة التي نفذت ضد الفلسطينيين بمغارة الماكفيلا في الخليل من قبل باروخ غولدشتاين بعيد المساخر عام 1994 زادت حماس وفي أعقابها الجهاد الإسلامي من جهودهما لتنفيذ عمليات انتحارية مؤلمة في المدن الإسرائيلية. واستخدام إرهاب الانتحاريين من قبل أفراد هاتين المنظمتين لتحقيق عدة أهداف هي:أولا، الانتقام من إسرائيل على عملياتها ضد الفلسطينيين (مذبحة مغارة الماكفيلا وتصفية المهندس يحيى عياش) كتعويض عن عدم التناسق وتقليص الفوارق غير المعقولة وفق وجهة نظر الفلسطينيين في الضحايا بين الطرفين التي مالت لصالح إسرائيل. ثانيا، تحدي شرعية السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات الذي اختار المفاوضات السياسية مع إسرائيل. ثالثا، أن تثبتا للجمهور الفلسطيني أن اسلوبهما –نهج الكفاح المسلح- هو الطريق السليمة والوحيدة لتحرير فلسطين. رابعا، انتعاش الأمل بصفوف حماس في بناء قوتها كي تصبح بديلا مناسبا للسلطة.

وكلما أثبت إرهاب الانتحاريين نجاعته، تحول لنموذج العمل المفضل في مهاجمة إسرائيل من قبل هذه التنظيمات مستقبلا، كونه غير مكلف ماديا وسهل التنفيذ نسبيا وقاتل في نتائجه[3].

ولم يكن قرار القيام بتنفيذ عمليات انتحارية ضد إسرائيل متبلورا عند التنظيمات الفلسطينية الإسلامية. في بداية استخدام هذا النهج جرى بصفوف هذه التنظيمات نقاش لاهوتي  فقهي حول شرعية العمليات الانتحارية، نتيجة رفض الإسلام العمليات الإرهابية الشخصية (انتحار). حيث كان الخوف من قبل هذه التنظيمات هو تصويرها على أنها تسمح بالانتحار أو التضحية بالنفس (الاستشهاد)، وتشجعه[4]. وأثار النقاش اللاهوتي الذي رافق النشاط المكثف للانتحاريين الفلسطينيين في أيام الانتفاضة الثانية، نقاشا في أوساط رجال الدين الإسلامي في أنحاء العالم الإسلامي، نظرا للانتشار السريع لإرهاب الانتحاريين لمناطق نزاع أخرى خارج فلسطين، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. ورغم أن العمليات الانتحارية حصلت على تأييد واسع في صفوف الفلسطينيين، لنجاحها بضرب إسرائيل وإيقاع خسائر فادحة بمواطنيها، الذين اعتبروهم جنود بكل معنى الكلمة. وساهم في الدعم الجارف لمثل هذا النوع من العمليات، أنها اعتبرت ردا على العنف الإسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين، ومحاربة الاحتلال من أجل تحرير الأراضي الإسلامية المقدسة[5].

وتسببت العمليات الانتحارية في المدن الإسرائيلية (العفولة والخضيرة وتل أبيب ونتانيا والقدس) في فترة أوسلو خاصة خلال الفترة من عام 1994-1996، في سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف مواطني دولة إسرائيل. وأثبتت هذه العمليات للفلسطينيين ولكل المنظمات الإرهابية أن العمليات الانتحارية وسيلة فعالة وقاتلة وقادرة على ضرب المجتمع الإسرائيلي بشدة. وبرز هذا النجاح خاصة إثر الإحساس بالضعف الذي انتشر في صفوف الفلسطينيين نتيجة فوارق القوة بين الطرفين، وكذلك الفارق المدوي بعدد القتلى بين الجانبين الذي مال دائما لصالح إسرائيل.

وفي الفترة التي بدا للجمهور الفلسطيني أن مسيرة أوسلو من شأنها تحقيق دولة مستقلة لهم، توجه دعمهم لمن قاد هذا التوجه. حيث اعتبر العمليات الانتحارية التي تنفذها حماس والجهاد عاملا لإفشال السلطة في تحقيق أهدافها بإقامة الدولة الفلسطينية. وعليه، تحفظوا منها. لكن وكلما خاب أمل الفلسطينيين في تحقيق أمالهم بالحصول على الاستقلال السياسي والتخلص من الاحتلال الإسرائيلي المعيق لحياتهم، نضجت تدريجيا الظروف لتجدد أعمال العنف ودعم المعارضة العنيفة لإسرائيل، ومن ضمن ذلك العمليات الانتحارية التي وصلت لذروة نضوجها مع اندلاع الانتفاضة الثانية.

 

إرهاب الانتحاريين خلال الانتفاضة الثانية

مع اندلاع الأحداث العنيفة في الانتفاضة الثانية شارك أعضاء حركة فتح –الذين كانوا جزء من السلطة الفلسطينية- في المصادمات العنيفة مع الجيش الإسرائيلي، أو أطلقوا النار على المواطنين الإسرائيليين[6]. وانضم إليهم فيما بعد وبشكل تدريجي أعضاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي، الذين كان معظمهم معتقل من قبل قوات الأمن الفلسطينية في أعقاب الضغط الذي مارسته إسرائيل على عرفات بعد الموجة الكبيرة من العمليات الإرهابية في عامي 1996 و 1997. لكن، وبعد اندلاع الانتفاضة تم الإفراج عنهم تدريجيا من سجون السلطة. حيث بلور هؤلاء النشطاء مع زملائهم في المنظمة بنية تحتية، أعادت تشغيل إرهاب الانتحاريين بصورة كبيرة ومتصاعدة. وعليه، بدأت العمليات الانتحارية التي نفذها أعضاء حركة حماس والجهاد الإسلامي في نهاية عام 2000، لكنها لم توقع عدد كبير من القتلى في صفوف الإسرائيليين. لكن هذا النشاط، وصل لذروته بين العام 2001-2003.

انضم في عام 2000 إلى موجة مرسلي الانتحاريين أعضاء حركة فتح -الذين لم يتبنوا هذا النهج في السابق- المنتمين في معظمهم لقوات الأمن الفلسطينية. جاءت بداية نشاطهم في هذا المجال، ردا على مقتل أحد زملائهم –رائد الكرمي، الذي كان مطلوبا على أعمال إرهابية نفذها هو وزملائه، ومن ضمن ذلك، محاولة فاشلة لإرسال منتحر[7]. إلى جانب الرغبة بالانتقام لمقتل رائد الكرمي استغل أعضاء حركة فتح المتطرفين من الطبقة العسكرية الوسطى، ومعظمهم من مؤيدي مروان البرغوثي، الفرصة التي اتيحت لهم من أجل أن يديروا بأنفسهم جهاز لتنفيذ العمليات الانتحارية، تمنحهم مكانة رفيعة أمام منافسيهم من حماس والجهاد الإسلامي، واحتراما في المجتمع الفلسطيني الذي يتطلع للانتقام من إسرائيل. وبذلك عبر أعضاء حركة فتح، عن احتجاجهم من ضعف رؤية عرفات في إدارته للمواجهة العسكرية المتصاعدة مع إسرائيل، وعلى عدم دمجهم في قيادة فتح القديمة من تونس، وعلى عدم منحهم مواقع قيادية في الأجهزة العسكرية لفتح والسلطة الفلسطينية[8].  

وكلما ازدادت عجلة العنف وكثرت الإصابات بالجانب الفلسطيني في أعقاب القبضة الحديدية التي استخدمتها إسرائيل للرد على الانتحاريين الذين انتشروا بالمدن الإسرائيلية، ارتفع عدد المتطوعين الذين رغبوا بالمشاركة في مثل هذه الهجمات. وعلى عكس فترة أوسلو، التي ُأختير فيها الانتحاريين من مجموعة قليلة في حماس والجهاد الإسلامي، والذين تم إعدادهم لفترات طويلة نسبيا، اختارت منظمات الإرهاب في فترة الانتفاضة الثانية، مرشحين (من بين عدد كبير من المتطوعين) اعتبرتهم مناسبين للقيام بهذه المهمة. وبدا، أنه وكلما ازداد العنف المتبادل وارتفع  نتاج ذلك عدد المصابين في الجانب الفلسطيني، ارتفع عدد المتطوعين لدرجة أنه أصبح هناك وضعا قام فيه متطوعين ،لم ينتموا بالمرة لأية منظمة إرهابية، بتجنيد مستقل للانتحاريين، بدلا من العكس. وساعد توفر المتطوعين وسهولة علاقتهم بمرسليهم في تحويل هذا النوع إلى “صناعة” سهلة التنفيذ ورخيصة التكاليف. وعلاوة على ذلك، وفي كل ما يتعلق بالعمليات الانتحارية، اخفت الانتفاضة الثانية الفوارق الأيديولوجية بين حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، وبين فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فيما يتعلق بالعمليات الانتحارية. وأدى الاستخدام الكبير للعمليات الانتحارية إلى خلق أساطير جديدة منها أن المنتحرين الذين يضحون بأغلى ما يملكون من أجل الشعب، هم أبطال. أما منظمات الإرهاب فقد اعتبرت كقوة ضخمة وذات قدرة مثبتة على مواجهة إسرائيل وتعريضها لعدد كبير من الإصابات في صفوف الإسرائيليين. وبسرعة تعلم الفلسطينيين أن قوة الاستشهاد (التضحية بالذات من أجل الرب) ليست “فقط” أداة تسبب الألم والدمار والموت للإسرائيليين، بل أصبحت سلاح نفسي في الحرب ضد إسرائيل بسبب قدرة هذه العمليات على تهديد الأمن الشخصي وفي تراجع معنويات الجمهور الإسرائيلي. وامتد تأثير هذه العمليات خارج حدود إسرائيل، حيث لفتت انتباه العالم الإسلامي والمجتمع الدولي إلى الأزمة التي يعيش فيها الفلسطينيين.

وفي الجانب الثاني من المعادلة، وبسبب العمليات الإرهابية القوية، يئست أطراف كثيرة من الجمهور الإسرائيلي من إمكانية التوصل لسلام مع الفلسطينيين بشكل عام، ومن مسيرة أوسلو نفسها بشكل خاص. والدعم العام الجارف لسياسة السلام الإسرائيلية التي عبر عنها بالموافقة على اتفاقات أوسلو تضعضت. واتضح أن لإستراتيجية الاستشهاد تأثير كبير على القدرة –أو بأكثر دقة على عدم القدرة- على القيام بخطوات استراتيجية استعدادا للتوصل لحل بالطرق السلمية.

من بداية أوسلو حتى أواسط سنوات تسعينيات القرن الماضي على الأقل، رأت إسرائيل بالتعاون الأمني مع الجانب الفلسطيني عنصرا أساسيا في دفاعها ضد الإرهابيين الانتحاريين. أما في الانتفاضة الثانية فقد اعتمدت السياسة الأمنية الإسرائيلية على افتراض أن السلطة الفلسطينية لن تعمل بجدية ضد الانتحاريين، وعلى اعتقاد أن تفاهم جرى بين الجهات الحاكمة داخل السلطة على أنهم شركاء في التخطيط والتنفيذ لهذه العمليات. وعليه، تركزت السياسة الإسرائيلية على الاعتقالات وعلى تصفية قادة التنظيمات الفلسطينية العسكرية والسياسة. واتبعت هذه السياسة نتيجة للعدد الكبير في العمليات الانتحارية التي أوقعت عدد كبير من القتلى في صفوف الإسرائيليين. الأمر الذي أدى لتصاعد في كمية العمليات الانتقامية من الجانب الفلسطيني، ورفعت من معنويات الشبان الفلسطينيين للانضمام لمنظمات الإرهاب وتنفيذ المزيد من العمليات الانتحارية.   

 

كيف تعاملت الأطراف مع نتائج الصراع

اعتبرت العمليات الانتحارية من قبل إسرائيل على أنها محاولة لفرض جدول أعمال فلسطيني على حكومتها من خلال إيقاع خسائر غير محتملة، وتشويش الحياة اليومية في كل مجال وشن حرب استنزاف ضدها. وبسبب ذلك، اتخذت الحكومة الإسرائيلية سياسة تطلعت إلى المحافظة على إدارة الحياة الطبيعية قدر الإمكان، وعلى عملية اتخاذ القرارات في قضايا النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني من دون الشعور بالأزمة أو بالضغط. كان هدف السياسة الإسرائيلية المضادة الأول هو أولا وقبل أي شيء الدفاع عن حياة مواطنيها، مع القضاء على النوايا الفلسطينية بإلغاء التفوق بين الطرفين من خلال إرهاب الانتحاريين الذي وصف في أحيان بـ “قنبلة الضعفاء الذرية”. ومع الصراع العنيف ضد إرهاب الانتحاريين الذي تم بقبضة حديدية، حاولت إسرائيل المحافظة على رباطة جأشها كدولة ديمقراطية تعيش في مثل هذا النوع من القتال، وفي نفس الوقت إبقاء الباب مفتوحا لتجدد المسيرة السلمية مستقبلا مع جهات من السلطة الفلسطينية.

وبواسطة الدمج بين الوسائل الدفاعية، مثل جمع المعلومات واعتقال الانتحاريين قبل تنفيذ مهمتهم، وإيجاد مناطق أمنية فعالة تعتمد على جهود منسقة للجيش والشرطة وبناء الجدار الفاصل على طول طرق المناطق التي يسهل اختراقها للدخول إلى إسرائيل، ومع وسائل هجومية تعتمد في الأساس على المعلومات الاستخبارية، تمكنت إسرائيل من إدارة معركة واعتقال وتقويض ُمركز للمبادرين والمنفذين لمثل هذه العمليات[9]. ونتيجة لذلك، نجحت إسرائيل بمواجهة التهديد الذي وضعه خصمها –إرهاب الانتحاريين.

وعندما أدركت المنظمات الإرهابية التي تقود العمليات الإرهابية أن هذه العمليات تفقد من قيمتها كسلاح قاتل، وأنها لن تنجح في تغيير موازين القوى بين الأطراف ووقوع خسائر كبيرة في صفوفهم، حاولت هذه التنظيمات إيجاد بدائل لذلك، وتبين ذلك من خلال بيان التهدئة الذي نشر في آذار عام 2005، وفي توجههم نحو استخدام صواريخ القسام. ووضعت إسرائيل هدف تراجع العمليات الانتحارية بشكل كبير كهدف استراتيجي لها، بحكم واجبها بالمحافظة على أمن وسلامة مواطنيها. وضمن هذا المفهوم، يمكن اعتبار نتائج المعركة العسكرية ضد إرهاب الانتحاريين نجاحا واضحا. فالانخفاض المتواصل في عدد العمليات الانتحارية في أعوام 2001 (35) و 2002 (53) و 2003 (26) حتى وصولها لصفر في عامي 2009 و 2010 (حتى أواسط أيلول من هذا العام)، هو إثبات لهذا النجاح. وفي المقابل، كان واضحا أن نجاح التصدي للعمليات الانتحارية قد تم نتيجة القدرة العسكرية الإسرائيلية، وليس بسبب تراجع معنويات الانتحاريين ومرسليهم. حيث اتضح أنه ورغم  السنوات التي شهدت تراجعا في عدد العمليات الانتحارية ،من عام 2004، بقي مئات الشبان الفلسطينيين المستعدين للتضحية بحياتهم من أجل قتل الإسرائيليين. ويعود نجاح المعركة التي خاضتها إسرائيل ضد إرهاب الانتحاريين يعود لعدة اعتبارات هي:

أ‌.   العودة للمناطق في أعقاب عملية السور الواقي في نيسان 2002، حيث توسعت حرية العمل العسكري للجيش الإسرائيلي وبقية الأجهزة الأمنية التي عملت على مطاردة ومحاصرة قادة الإرهاب ومنفذيه، من خلال تحسن كبير في جمع المعلومات التي تمت بفضل التواجد في المنطقة.

ب‌.  بناء الجدار الذي شكل حاجزا أمام التحرك بحرية داخل المدن الإسرائيلية للانتحاريين.

ت‌. التحسن الذي حدث في التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، الذي كان من نتائجه سرعة الرد في حال ورود إنذارات على تسلل مخربين، وتقليص فترة الرد من أجل اعتقال المخربين قبل تنفيذ مرادهم.

ث‌.  ارتفاع مستوى القتلى مثل قادة التنظيمات ساهم في عملية الردع.

 

أما في الجانب الفلسطيني، فالآراء هناك مختلفة فيما يتعلق بنجاح الانتفاضة الثانية بشكل عام، وبهجمات الانتحاريين بشكل خاص. وتعبير عن ذلك، يكمن في تصريحات رئيس السلطة أبو مازن الذي وصف العمليات العسكرية في الانتفاضة وترك المسيرة السياسة بأنه خطأ تاريخي[10]. كما تحدثت أوساط الإرهاب الذين شاركوا في الانتفاضة وأرسلوا الانتحاريين عن آراء مختلفة حول إعادة التفكير فيما يتعلق بطريقة إدارة المعركة. لكنهم لم يتحدثوا عن ندم عقائدي. فالبعض أشار إلى الثمن الباهظ، والبعض الأخر عزا ذلك إلى أخطاء في تركيز الإرهاب في إسرائيل بدلا من تركيزه على الجنود والمستوطنين، التي لو نفذت ضدهم لنالت على شرعية أكبر[11]. وفي المقابل، سمعت أصوات اعتبرت المعركة العسكرية نجاح استراتيجي لأنها استطاعت أن تدفع إسرائيل ثمن جدا من مواطنيها، وأنها المرة الأولى التي يدفع فيها الاحتلال الإسرائيلي ثمن احتلاله المتواصل للمناطق، ولم تتمتع بخيرات المناطق فقط. واعتبر انتصار حماس في الانتخابات البرلمانية التي جرت بكانون الثاني عام 2006 واختيار أحد أعضائها لتشكيل الحكومة الفلسطينية وتحويل حماس لأهم تيار في الحياة السياسة، من قبل المتحدثين باسم حماس على أنه إثبات بأن نهج حماس هو النهج السليم والصحيح من خلال خوضهم -وفق وجهة نظرهم- معركة الانتحاريين، التي كانت حماس الأبرز فيها. وعليه، تستطيع حماس القول أنه ورغم انتصار إسرائيل التكتيكي في المعركة العسكرية التي أدارتها ضد الانتفاضة العسكرية الفلسطينية بشكل عام وضد الانتحاريين بشكل خاص، فإن النصر الاستراتيجي يسجل لحماس ولمن يتمسك بنهج المقاومة. ويبدو أن حماس توقفت عن إرهاب الانتحاريين بشكل واسع لصالح إطلاق الصواريخ بساحة المواجهة في غزة. ومن غير الممكن التحديد المؤكد أن اختيار التغيير التكتيكي هذا نابع بالأساس من الثمن الباهظ الذي دفعه التنظيم بالقتلى والاعتقال، بما في ذلك اغتيال الشيخ أحمد ياسين وخليفته عبد العزيز الرنتيسي، أو أن ذلك نبع من قرارها بخوض الانتخابات والدخول في الحلبة السياسة، التي ألزمتها بوقف أعمال الإرهاب المتطرفة، التي وقفت سدا للحصول على الشرعية السياسية والدولية. ويبدو أن الأمر نبع من العنصرين سويا.

أحد أهم العبر المستخلصة من إرهاب العمليات الإرهابية الانتحارية في الانتفاضة الثانية هو أن الحديث يدور عن نموذج لسلاح واحد من ضمن مجموعة واسعة من نماذج العمل التي استخدمها الفلسطينيين. وأثبت إرهاب الانتحاريين قوته في توجيه ضربات شديدة لحياة ومعنويات الجمهور الإسرائيلي. كما لم يتراجع الاستعداد القائم في أوساط الشباب الفلسطيني للتطوع وتنفيذ هذه العمليات. وإمكانية العودة لاستخدام هذه الوسيلة قائمة إذا اندلعت أعمال عنف جديدة في المنطقة على خلفية الجمود السياسي المتواصل أو لاعتبارات تنظيمية أخرى. ورغم ثمنها المرتفع في الجانب الفلسطيني، إلا أن القرار للعودة لاستخدام هذه الوسيلة ما زال شأنا تختاره المنظمات الفلسطينية، ويتأثر ذلك بكل تأكيد من تقييمهم لمدى الدعم من قبل الرأي العام الفلسطيني. ومستوى نجاحهم باستخدام هذه الوسيلة ،بقوة كما حدث ذلك في أوج الانتفاضة الثانية، متعلق بقدرة الحكومة الإسرائيلية على جمع المعلومات وتطبيق التجربة المتراكمة التي تجمعت لدى أجهزة الأمن بالمواجهة الناجحة لإرهاب الانتحاريين. وتنفيذ هذه الوسائل أدى في نهاية الأمر إلى وقف استخدام مثل هذا السلاح عام 2006.

 

 

 


  • ·  يورام شفايتسر: من كبار باحثي مركز أبحاث الأمن القومي، ورئيس مشروع القتال بمستويات منخفضة في المركز.

[1]. موعد بداية الانتفاضة الأولى معروف. المواجهات اندلعت في 29 أيلول 2009، بعد زيارة الوزير أريئيل شارون لهار هبيت، الذي اعتبره الفلسطينيين تحريض مقصود، لكن وقت انتهائها غير واضح، ولم يعلن عن نهايتها رسميا. وعمليا العنف المكثف الذي استعمل تراجع بالتدريج.   

[2]. Yoram Schweitzer, “Palestinian Istishhadia: A Developing Instrument”, Studies in Conflict & Terrorism, Vol. 30, No. 8 (2007), pp. 667-689.

[3] . جرى في أوساط الجهاد الإسلامي نقاش نظري–شرعي في نهاية الثمانينيات، وتقرر استخدام هذا التكتيك قبل أن ينفذه أعضاء الجهاد عمليا.   

[4]. متاي شتيينبرغ، مسئولين عن مصيرهم: الوعي الوطني الفلسطيني 1967-2007. يديعوت أحرنوت وحيمد، من ص 279-280، تل أبيب، 2008.

[5]. عاموس هريئيل وآفي يسسخاروف، الحرب السابعة : كيف انتصرنا ولماذا خسرنا في الحرب مع الفلسطينيين، يديعوت أحرنوت ودار النشر حيمد، ص 77-82، تل أبيب 2004.

[6] . لقاء المؤلف مع أحمد البرغوثي، آذار 2005. ولقاء للمؤلف مع ناصر أبو حميد 3  كانون الثاني 2006.

[7]. نفس المصدر

[8]. Mohammed M Hafez and Joseph M. Hatfield, “Do Targeted Assassinations Work?A Multivariate nalysis of Israel’s Controversial Tactic during Al-Aqsa Uprising”,Studies in Conflict and Terrorism Vol. 29, No.4, (2006), pp. 359-382. Hafez and Hatfield defied in their article the effective role played by the targeted killings in Israel’s policy.

[9].  Roee Nahmias, “Abbas: 2nd intifada was a mistake”, Ynet, May 26, 10.www.ynetnews.com

[10]. لقاء مصور للمؤلف مع ثابت مرداوي 23 تشرين الثاني عام 2005.

[11]. لقاء للمؤلف مع عباس سيد 1 كانون أول عام 2005.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash