سبتمبر
28
في 28-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    103 مشاهده

هل يمكن التوصل إلى حل وسط تاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين ؟ . أعتقد ان لهذا السؤال جوابين هما : الأول نعم . والثاني نعم ، لكن ليس الان . والمحاضرة التي سألقيها أمامكم تتحدث عن الفوارق بين الجوابين .

هل يمكن التوصل إلى حل وسط تاريخي ؟

هل يمكن التوصل إلى حل وسط تاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين ؟ . أعتقد ان لهذا السؤال جوابين هما : الأول نعم . والثاني نعم ، لكن ليس الان . والمحاضرة التي سألقيها أمامكم تتحدث عن الفوارق بين الجوابين .

لا يوجد شك بأن كل الذين يؤمنون – في إسرائيل والفلسطينيين وفي مختلف أنحاء العالم – بإمكانية التوصل إلى حل وسط ومصالحة  يعتقدون أن هناك صيغة واحدة فقط وهي: دولتين لشعبين ، أي دولة لكل شعب . وبالنسبة لهؤلاء فإن حالة الدولتين لشعب واحد لا تعتبر حل وسط . لأن دولة إسرائيل كدولة يهودية تعبر عن الحلم الصهيوني وعن حق الشعب اليهودي بتقرير المصير وعن السيادة والاستقلال .

ومع ذلك ، فإن بحثا واقعيا للأحداث التي وقعت منذ تشرين أول من عام 2000 قادتني إلى خلاصة مفادها أن الفلسطينيين غير مستعدين للتوصل إلى حل وسط تاريخي يوافقون من خلاله على وجود دولة إسرائيل ، وسأكون مسرورا لو ثبت العكس . غير أن قرائتي لأحداث العامين السابقين – محاولا قراءة الموقف الفلسطيني – اقنعتني ليس فقط بعدم استعداد القيادة الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات بالتوصل إلى حل ، بل أن كل الفلسطينيين غير مستعدين لمثل هذا الحل .

وعدم استعداد الفلسطينيين التوصل إلى حل وسط تاريخي يمكن التعرف عليه من خلال المواقف التي طرحوها في كامب ديفيد بشهر تموز عام 2000 ومن المفاوضات التي جرت في طابا بعد ذلك بعام 2001 . وبالنسبة لنا ، إن كنا معارضون أو مؤيدون لطرح ايهود براك – إذا اعتقدنا أن استراتيجيته سليمة لكن تكتيكه غير سليم -  فإنه يعتبر أول رئيس وزراء إسرائيلي يصرح على رؤوس الأشهاد أنه يوافق على قيام دولة فلسطينية . وعلى أية حال ، فإن مؤيدي ومعارضي اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقات كانوا مقتنعين أن تنفيذها سيؤدي في نهاية الأمر إلى قيام دولة فلسطينية . ورغم أن الموقفان شرعيان لا بد من طرح النقاط التالية :

  • لم يعبر اسحاق رابين أو شمعون بيرس – الحائزين على جائزة نوبل للسلام – بصراحة عن تأييدهما لقيام دولة فلسطينية . أما ايهود براك فقد عبر بصراحة عن موافقته على قيامها .
  • لم يصرح أي رئيس وزراء قبل ايهود براك عن استعداده للتنازل عن 90-95% من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة .
  • كان ايهود براك أول رئيس وزراء يعلن عن استعداده لإخلاء من 20-30 مستوطنة يهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة وإخلاء 20 – 30 ألف مستوطن من مجموع عدد المستوطنين البالغ عددهم 170-180 ألف مستوطن من هاتين المنطقتين. وعندما تحدث ايهود براك عن هذه المواقف خسر شركائه في الائتلاف الحكومي والأغلبية داخل البرلمان الإسرائيلي . ورغم ذلك ، واصل طريقه لأنه اعتقد أن الحل مع الفلسطينيين يمكن التوصل إليه . وإذا اعتقدنا أن هذه المواقف حقيقية أو جنونية إلا أنه واصل الطريق التي آمن بها .
  • وافق إيهود براك على نقل أراضي من دولة إسرائيل – رمال حلوتسا – مقابل الأراضي التي رغب بضمها التي تصل من 5-7% . وهذا الاقتراح لم يقدم من قبل أي رئيس حكومة فقط ، بل لم يطرح في أية مفاوضات مع الفلسطينيين .
  • وعلى عكس كل روؤساء وزراء إسرائيل السابقين الذين رفعوا شعار القدس هي عاصمة إسرائيل وهي تابعة للشعب اليهودي ، فإن براك وافق على تقسيم القدس  وعلى تقاسم السيادة في هار هبيت .
  • كان ايهود براك مستعدا للموافقة على مبدأ حق العودة ، ومواجهة عودة عدد محدود من لاجئي عام 1948 – ضمن إطار انساني – إلى داخل حدود دولة إسرائيل . والاعتقاد بأن حكومة في إسرائيل ستقدم مثل هذا الاقتراح كان يندرج في حدود اللامعقول .

 

ومغزى عودة اللاجئين بالنسبة للفلسطينيين هي انهم لا يطالبون في البحث بنتائج حرب عام 1967 ، بل يرغبون في التفاوض حول نتائج حرب عام 1984 . وهو ما اعتبر جدول أعمال مختلف كليا .

وعلاوة على ذلك ، نشير في هذه المحاضرة إلى القرار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية بالعودة إلى طريق العنف ، بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد ومن بعدها مفاوضات طابا ، بعد التزامها في اتفاق اوسلو بعدم العودة إلى طريق العنف مهما كانت الخلافات .

ولا نعلم إذا كانت زيارة رئيس المعارضة حينها أرئييل شارون لهار هبيت سببا في دفع الفلسطينيين إلى تفجير الحرب ، أم أن هذه الحرب كانت ستنفجر من ذاتها . لكنني اعتقد أن مثل هذه الزيارة كانت ستتسبب بمظاهرات ليومين أو ثلاثة وهو أمر يمكن تفهمه من ناحية سياسية . غير أن الفلسطينيين قالوا بصراحة أنه إذا لم تقدم إسرائيل تنازلات فإننا لا نستطيع وقف الأرهاب .

ولا أعتقد أن الفلسطينيين يريدون قتل كل الإسرائيليين، لكنهم متفقون على أن الارهاب هو طريق النضال السياسي . وفي هذا المجال ، لا اتفق مع الذين يصرحون بأن هذه هي طرق حركات التحرر الوطني . وفي نفس الموضوع ، لا بد من الإشارة أن بعض تيارات الحركة الصهيونية شجبت الارهاب اليهودي الموجه ضد البريطانيين وضد العرب رغم كون الحركات ، التي مارست هذا الاسلوب ، جزء من حركة التحرر الوطني . واعتقد أن التحرر الوطني هو هدف والارهاب وسيلة تستحق الشجب كما شجبنا ذلك في الحركة الصهيونية، وأتمنى على الفلسطينيين شجب الإرهاب .

واتفق مع الرأي القائل بأن ياسر عرفات وقادة السلطة الآخرين ورؤساء الأجهزة الأمنية لا يستطيعون السيطرة بشكل مطلق على كل منتحر أو على كل وحدة عسكرية أو على الميليشيا . وعندما يصرح ياسر عرفات أنه مستعد لبذل جهود لكنه لا يستطيع السيطرة 100% فإنني أوافقه على ذلك . لكن ، ومن الناحية العملية فإن القيادة الفلسطينية تصرح بأمور مختلفة عندما تحدث عملية ارهابية ، فهم يدينون العملية نفسها لكنهم غير مستعدين لإدانة الإرهاب – وهذا الأمر له دلالات كثيرة – . وحتى عندما يشجبون الارهاب فإنهم يدينون في نفس الوقت ارهاب الدولة ، أي أنهم يشجبون الارهاب وإسرائيل .

الأمر الآخر الذي يزعجني هو تعامل الفلسطينيين مع جثث الانتحاريين التي تسلمها لهم إسرائيل بهدف قبرهم بطرق انسانية . فالفلسطينيون يتسلمون الجثث ويقيموا لها جنازات رسمية بمرافقة المارش العسكري ويعلن عنهم شهداء وأبطال فلسطين ، وتمنح عائلاتهم تقاعد خاص، وفي صبيحة اليوم التالي ترسل فاكسات إلى كل المدارس كتب فيها السيرة الذاتية لحياة المنتحر ونشاطاته بهدف تعليم الأطفال حب الشهادة .

وعلى هذه الظاهرة لا توافق أية دولة في العالم ، ويجب أن نقول ذلك لأنفسنا وللفلسطينيين ولكل العالم . ووفق وجهة النظر هذه يمكن القول أن ياسر عرفات هو أفضل تلميذ في مدرسة كلاوزفيتش الشرق أوسطية حيث يعتقد أن الأرهاب هو استمرار الدبلوماسية بطرق أخرى ، وأن الدبلوماسية هي استمرار الارهاب بشكل آخر .

 

الموضوع المركزي الآخر الذي أود الحديث فيه هو حق العودة ، فقد صرح يوسي بيلين في الآونة الأخيرة أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اتفاق في طابا بخصوص حق العودة أو مشكلة اللاجئين .

في هذا الموضوع يمكنني القول يؤسفني أن تصريحات بيلين ليست الحقيقة ، ففي الأيام الأخيرة من مفاوضات طابا قدمت ورقتا عمل فلسطينية وإسرائيلية ، ومن أجل الدقة non paper  لأنها لم تكن رسمية . والحديث هنا لا يدور عن خطاب موجه للجماهير بل عن وثيقة فلسطينية كنقطة بداية للمفاوضات – وهذا شرعي – توقعوا أن يتم التوصل إلى حل وسط بشأنها . وورقة العمل التي قدمت ليست روايتهم التاريخية التي يروونها فيما بينهم ، بل هي وثيقة طلبوا من إسرائيل التوقيع عليها . وهنا سأطرح عليكم الورقة وهي مترجمة إلى اللغة العبرية .

تدرك إسرائيل مسئوليتها الأخلاقية والقانونية عن التهجير الإجباري الذي تعرض له السكان والمدنيين الفلسطينيين ، وعن مصادرة أملاكهم في حرب عام 1948 ومنع اللاجئين من العودة إلى بيوتهم وفق قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 194 . وتتحمل إسرائيل المسئولية عن خلق مشكلة اللاجئين ، وإن التوصل إلى أية تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين بما يتلائم مع قرار مجلس الأمن 242 يجب أن يؤدي إلى تنفيذ قرار الجمعية العمومية 194 .

وحق العودة وفق قرار الجمعية العمومية 194 هو حق لكل اللاجئين الذين يرغبون بالعودة إلى إسرائيل والعيش بسلام مع جيرانهم ، ويجب أن ينفذ هذا الحق لكل لاجئ ، وذلك من خلال الطرق التي تحدث عنها الاتفاق .

واللاجئ الفلسطيني هو كل فلسطيني/ة منع/ت من العودة إلى بيته أو بيتها بعد 29 تشرين أول من عام 1947 . وذلك من دون انتقاص للمعنى العام لمصطلح لاجئ . وكلمة لاجئ في الاتفاق تتضمن اللاجئ نفسة ونسله من بعده واللاجئ أو اللاجئة وزوجها أو زوجته من دون أي انتقاص للمعنى العام لكلمة لاجئ، وكل المسجلين في الأونروا هم لاجئين وفق هذا الاتفاق .

وخلال المفاوضات اقترح الفلسطينيين دفع تعويضات وتشكيل لجنة تحدد حقوق اللاجئين، وحسب اقتراحهم فإن اللجنة تتكون من مندوبين عن الأمم المتحدة بما في ذلك الأونروا والولايات المتحدة والدول العربية المضيفة والاتحاد الأوروبي وكندا ، أي أن الحديث يدور عن تشكيل لجنة مكونة من ثلاثون دولة بما في ذلك إسرائيل . وأضاف الاقتراح ” أن عودة اللاجئين إلى وطنهم ستتم وفق قرارهم الشخصي وينفذ بطريقة يتم المحافظة فيها على لم شمل العائلات ” . 

 

بكلمات أخرى فإن طلب الفلسطينيين هو السماح بعودة اللاجئين وأبنائهم حسب سجلات الأمم المتحدة ووفق قررات اللجنة بالعودة إلى إسرائيل . وما طرح أعلاه هو موقف الفلسطينيين وليس أحلاما أو كلمات همس بها ياسر عرفات في آذان اللاجئين بهدف إرضائهم. على مثل هذه الوثيقة طلب ياسر عرفات من إسرائيل التوقيع . وحسب تقديراتي فإن هذا سيكون مطلب الفلسطينيين لو احتلوا إسرائيل – لا سمح الله – بالحرب . وتطبيق هذا المطلب هو نصر شامل لهم .

ما طرح كان مطلب الفلسطينيين عندم صرح يوسي بيلين ” أننا قريبون جدا من الاتفاق ” وأنا لا أدري ما هو أخطر من الوثيقة الفلسطينية . وعلاوة على ذلك ، وإذا كانت الأطراف قريبة جدا من الاتفاق ( تمت صياغته ) بحيث يكون حل وسط بين الوثيقة الفلسطينية وبين الوثيقة الإسرائيلية فلماذا لم تتم كتابته وفق الصيغة الإسرائيلية .

أما الورقة non paper   الإسرائيلية التي قدمها بيلين في 23 كانون الثاني – قبل اسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية – في طابا فقد تحدث بندها الأول عن أن حل مشكلة اللاجئين العرب هي المشكلة المركزية في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية ، وأن حل شامل وعادل لها ضروري لإيجاد سلام حقيقي وأخلاقي .

ومقابل الرواية الفلسطينية ، فقد اقترح بيلين الرواية الإسرائيلية التالية : ” تعبر إسرائيل عن حزنها للكارثة التي تعرض لها اللاجئين الفلسطينيين، والمعاناة التي تسببت لهم جراء فقدان ممتلكاتهم . وستكون إسرائيل شريكة فعالة في محاولة وضع حد للمشهد المأساوي الذي بدأ قبل 53 عاما .

بعد ذلك يبرز البند الأكثر خطورة وهو ” لأن دولة إسرائيل التي أنشئت في حينها وجدت نفسها في حرب وسكب دماء من عام 1948-1949 ، وهي حرب أدت إلى وقوع ضحايا ومعاناة للطرفين بما في ذلك تهجير وتوزيع السكان المدنيين الذين أصبحوا لاجئين .

ما طرح ليس صيغة معتدلة ، بل هي صيغة إسرائيلية . ولم تتحدث الوثيقة عن ” حق العودة ” بل تحدثت عن ” مشكلة اللاجئين ” . وذكرت الوثيقة أنه سيعرض على الفلسطينيين خمسة بدائل ويحق لكل لاجئ اختيار بديل من الخمسة . وهذه البدائل هي :

  1. عودة اللاجئين إلى دولة إسرائيل : لم يذكر عدد اللاجئين الذين تقرر عودتهم . لكن قيل أن العدد سيحدد في الاتفاق . أي أنه لن يعود الجميع إلى دولة إسرائيل ، لكن سيحدد عدد من سيعود بالاتفاق .
  2. العودة إلى أرض إسرائيل : أي العودة إلى الأراضي التي اقترحت إسرائيل تبادلها مع الفلسطينيين ضمن صفقة تبادل الأراضي – رمال حلوتسا .
  3. العودة إلى دولة فلسطين .
  4. إعادة بناء حياة اللاجئين في الدول العربية المضيفة
  5. الهجرة إلى دول أخرى .

 

وفي الصيغة الإسرائيلية التي اقترحها بيلين ذكر أن الأفضلية لعودة اللاجئين إلى دولة إسرائيل ستمنح للاجئين الذين يعيشون في لبنان مع الإشارة إلى أن إسرائيل تتحمل مسئولية أخلاقية لحل سريع لأزمة اللاجئين في مخيمي صبرا وشاتيلا . وذكر أنه سيقام صندوق دولي لإعادة بناء حياة اللاجئين ، وأن يكون المجتمع الدولي وإسرائيل المساهمين الحقيقيين فيه . ولم تذكر الدول العربية – لا العربية السعودية ولا الكويت . وعلاوة على ذلك ، فإن الدول العربية  التي استضافت اللاجئين وأبقتهم في وضعهم الحالي حتى الآن ستتلقى تعويضات من الصندوق الذي ستكون فيه إسرائيل إحدى الدول المساهمة ، وذلك مقابل المصاريف التي دفعتها نتيجة استضافتها لللاجئين على مدار أكثر من خمسين عاما .

وهنا يثار التساؤل : ماذا سيحدث لو تمت الموافقة على الاقتراح وذكر فيه أن عدد اللاجئين الذين سيعودون إلى دولة إسرائيل سيصل إلى مائة ألف. ولنفترض أن اللاجئين الذين يصل عددهم من 4-5 مليون لاجئ سيختارون الخيار الأول . حينها سنصل إلى طريق مسدود بحيث لا يمكن تطبيق الاتفاق الأمر الذي يتطلب إعادة البحث فيه من جديد .

ووفق ما ذكر لم ” نكن قريبون جدا من الاتفاق ” حتى بالصيغة التي طرحها يوسي بيلين . علما أن الفسطينيين رفضوا هذا الاقتراح وطالبوا بعودة 250 ألف لاجئ أو 500 ألف لاجئ ودخلوا في مساومة على العدد ، وخلال المفاوضات كان واضحا أننا لا نتحدث عن موضوع يتعلق بعام 1967 بل عن عام 1948 .

في موضوع آخر لا بد من الإشارة إلى كتب التعليم الفلسطينية التي تنفي أي ارتباط تاريخي لليهود بأرض إسرائيل . وأنا اتفهم عدم رغبة الطرف الآخر بتبني الرواية الصهيونية، لكنني لا استوعب تجاهلها بالمطلق ، فعلى سبيل المثال حاول السفير الأمريكي السابق في إسرائيل مارتن ايندك شرح حدود تنازل إسرائيل في هار هبيت حيث موقع الهيكل، وعندما أنهى حديثه أبلغه ياسر عرفات أنه يعرف مكان الهيكل ، إنه في نابلس، أي أن عرفات يعرف شيئا ما من التناخ (الكتاب المقدس) ، فهو يعرف مكان الهيكل السامري ، ومن المريح له الاعتقاد أن الهيكل أقيم في نابلس . وكما ذكرت لا أطلب من الطرف الآخر تبني الرواية الصهيونية كما لا نتبنى نحن الرواية الفلسطينية . لكن يجب إظهار أحاسيس ومشاعر تجاه الانعكاسات السياسية لرواية الطرف الآخر . ويجب أن لا نغمض أعيننا من تجاهل الطرف الآخر للرواية الحقيقية لليهودية ، وعندما يرفض الاعتراف بها يجب مواجهته.

سأكون مسرورا لو أن الفلسطينيين مستعدون لمفاوضات جدية مع الموافقة على وجود دولة إسرائيل ومع الاستعداد للمساومة على عدد اللاجئين الذين سيعودون إلى دولة إسرائيل من دون الإصرار على حق العودة وعلى طلب الاعتذار من إسرائيل على نتائج حرب عام 1948 . وعلى أية حال لا يمكن طلب الاعتذار من الروايات التاريخية .

غير أنني لا أرى استعدادا من جانبهم لمثل هذه المفاوضات .

والسؤال هو ، ما هو المطلوب من إسرائيل في ظل هذه الأجواء ؟ . والجواب هو ، تحكم إسرائيل اليوم من قبل حزبان كبيران فشلا في إيجاد حلول لمشاكلها . فأرئييل شارون انتخب لرئاسة الحكومة بعد الفشل الذريع لايهود براك بكامب ديفيد وفي طابا بعد ذلك ، وهو فشل أتأسف عليه كثيرا . أما شارون فقد وعد بأن يجلب للشعب الإسرائيلي الأمن والسلام ، لكن في العام الأخير قتل يهود في أعمال أرهابية أكثر من أي عام آخر منذ عام 1967 ، وحتى ضرب الفلسطينيين بقوة في الأسابيع الأخيرة لم يوقف الارهاب . ونتيجة لذلك فشلنا في حربنا ضد الارهاب وفي الحرب على صورتنا . وعندما تدخل الدبابات الإسرائيلية إلى نابلس فإنها لا تقضي على الارهاب لكنها تضر بقوة بصورة دولة إسرائيل . والنظرية التي تقول أنه يمكن ضرب العدو إلى أن يقول ” نعم أريد ” اثبتت أنها غير ناجحة .

وحتى الخط الذي سار عليه شمعون بيرس والذي حاول من خلاله العودة إلى اتفاق اوسلو لن ينجح لأن المفاوضات ستتفجر مرة أخرى إذا عدنا إلى المفاوضات وتم التوصل إلى هدنة وذلك بسبب موقف الفلسطينيين في المواضيع المركزية التي ذكرتها آنفا . واعتقد المؤيدون لاتفاق أوسلو في الجانب الإسرائيلي أن مسيرة أوسلو ستؤدي إلى حل وسط تاريخي ، لكن الحقائق على الأرض لم تقد إلى الغاية المرجوة ، وأنا لا أرى أية آلية تدفع الفلسطينيين إلى موقف يكونون فيه مستعدين لحل وسط تاريخي – والخلاف لم يكن على الموقع الذي ستمر به الحدود ، بل تمحور الخلاف على القضايا الجوهرية – كتلك التي توفرت لهم في كامب ديفيد أو في طابا .

والوضع القائم حاليا غير ممكن من ناحية انسانية وأخلاقية وأمنية ، واعتقد أن ياسر عرفات لا يريد دولة فلسطينية لأنها كانت في متناول يده. وأنا لا أحكم على الأشخاص من خلال تصريحاتهم بل من خلال تصرفاتهم ، ونتيجة لذلك يبدو لي أن ياسر عرفات يريد أن تمر إسرائيل بثمانية عشر عاما قادمة مثل الثمانية عشر شهرا السابقة . وعليه ، اعتقد أنه لا يوجد لإسرائيل شريك في المفاوضات ، الأمر الذي يتطلب اتخاذ سلسلة قرارات مؤلمة لإسرائيل وأشد إيلاما للفلسطينيين وذلك من خلال القيام بخطوة أحادية الجانب .

بلغة السياسة فإن الحديث يدور عن انفصال أحادي الجانب . وهنا أود ان أفرق بين الإنفصال أحادي الجانب وبين الفصل ، فالفصل بالنسبة لي هو قيام طرف ( أ ) بعمل شيئ ما لطرف ( ب ) ، اما الانفصال فهو اتخاذ طرف ( أ ) خطوة تتعلق به لوحده . وما علينا القيام به هو الانفصال ليس من كل الأراضي المحتلة بل من معظمها ، وعلى إسرائيل أن ترسم حدودها وفق ما تطلعت إليه في المفاوضات . ودولة إسرائيل اليوم هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد لها حدود ثابتة من معظم الجهات فحدودها مع لبنان والأردن ومصر ولبنان واضحة، أما مع المناطق الفلسطينية التي هي مصدر الحرب والكراهية والارهاب فهي غير معرفة حيث من السهولة بمكان الانتقال من رام الله إلى شارع يافا أو من طولكرم إلى تل أبيب ونتانيا ، فالحواجز الحالية غير مفيدة حيث تتسبب بإهانة الفلسطينيين وأحيانا يصبح الجنود ضحايا .

نحن بحاجة إلى حدود ، ومعنى ذلك أن هذه الحدود يجب عدم اجتيازها كتلك الموجودة مع سوريا التي لا تعتبر الحدود معها دولية معترفا بها . أما في الضفة الغربية فإن الوضع أصعب لكن الهدف هو الوصول إلى حالة نكون ” نحن هنا ، وهم هناك ” وليس لوضع نكون فيه ، نحن هنا وهم هناك لكننا نسيطر عليهم ” . اليوم يوجد شيئ أسمه دولة إسرائيل وشيئ آخر ليس من دولة إسرائيل . ويجب شرح ذلك للإسرائيليين الذين نسوا ذلك بعد عام 1967 ، وكذلك للفسطينيين. وعندما يذهب العمال الفلسطينيون للعمل في إسرائيل وهم يحملون تصاريح فإنهم ينفذون حق العودة حسب طريقتهم لأنه يعتبرون أن هناك دولة واحدة ( هذه لنا، وأيضا تلك) رغم كل الحواجز. وضمن هذا الفهم يمكن إدراك المقاومة العنيدة للفلسطينيين. ومواجهة التهديدات بالرد من قبلهم تتم من خلال الانفصال أحادي الجانب الذي يعني بالنسبة لي دولتين لشعبين .

وإذا لم أكن مخطأ فإن العمليات الانتحارية التي حدثت في الثمانية عشر شهرا السابقة لم تأتي من قطاع غزة ، لأن العمليات هناك تتم ضد المستوطنات الإسرائيلية وضد المواقع العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي . وكل الانتحاريين يخرجون من الضفة الغربية رغم أن القيادتين الروحيتين لحركتي حماس والجهاد الاسلامي موجودتان في قطاع غزة . والسبب في ذلك يعود إلى الجدار الفاصل الذي يضع العقبات أمام الدخول إلى إسرائيل رغم بدائيته . أما في الضفة الغربية فالوضع مختلف حيث توجد سهولة كبيرة في الدخول إلى المناطق الإسرائيلية ، ولذلك يجب إقامة حاجز مادي – حدود – وليس حواجز طرق .

ومن أجل ترسيم الحدود لا مناص من إخلاء 30 ألف مستوطن من عشرات المستوطنات، والحديث هنا يدور عن مستوطنات منعزلة لا توجد لها أية إمكانية للتطور يتم حراستها في بعض الأحيان بكتيبة كاملة ، وأنا متأكد أننا نستطيع إقناع الجمهور الإسرائيلي بذلك . وإذا أردنا أن نكون سالمين في شوارعنا وفي داخل دولة إسرائيل علينا إخلاء 30 ألف مستوطن مع إبقاء 150 ألف منهم .

وحول إدعاء المستوطنين أن الدولة هي التي أرسلتهم وبالتالي هم جنودها فإن عليهم التصرف مثل الجنود والعودة عندما يطلب منهم ذلك . ودولة إسرائيل التي أرسلتهم ستعيدهم مع تأمينها لمصدر رزق محترم وسكن بديل للمستوطنين الذين سيتم إخلائهم . وهذا الأمر ليس سهلا لكنه ليس مستحيلا .

ومفهوم أن الحدود لن تضمن دخول أي مخرب ، لكنها ستصعب من دخوله بصورة كبيرة. ومعنى آخر لذلك هو عدم دخول العمال إلى إسرائيل ، حيث لن تكون هناك استثناءات لأنه سيحصل تزييف وسيتمكن البعض من الدخول بصورة قانونية . وبهذه الطريقة نمنع الإهانات على الحواجز ، ولن يكون لإسرائيل أي التزام بخصوص مصدر رزق الفلسطينيين ، وأشير هنا أنني أسمع من بعض أصدقائي الليبراليين أحاديث حول الظلم الذي يمارسه الرجل الأبيض وعن ضرورة التزامنا بمصدر رزق الفلسطينيين . وطالما استمر وضع الاحتلال فإن المسئولية الأخلاقية والسياسية وفي القانون الدولي تقع على عاتق إسرائيل التي يجب عليها تأمين مصدر رزق لهم . لكن إذا انفصلنا عنهم فلن يكون هناك أي التزام من إسرائيل تجاههم وسيكون التزامنا نحوهم مثل الالتزامات تجاه دول مثل سوريا ولبنان ومصر وفي أي مكان آخر في العالم . وفي هذا المجال لا أتفق مع الادعاء القائل أنهم إذا لم يجدوا مصدر رزق فإنهم سينضمون لحماس . ولو أن الاعتبارات الاقتصادية سببا لشن حرب علينا من قبل معظم الفلسطينيين لما أعلنو عنها ، لأنها مست بمصدر رزقهم . ولم أسمع أن الفلسطينيين شنوا هذه الحرب نتيجة للأوضاع الاقتصادية التي يمرون بها . وعلى أية حال فإن الانضمام إلى حماس لم يأت نتيجة قلة عمل بل كان نتيجة لعملية تحريض واعتقادت ووجهات نظر تاريخية وعدم اعتراف بوجود دولة إسرائيل .

وبعد الانفصال عن الفلسطينيين عليهم حل مشاكلهم الاقتصادية بأنفسهم وبمساعدة من الدول العربية . والطلب في هذا المجال يجب أن يوجه إلى العربية السعودية وبدلا من سؤالها عما تتضمنه المبادرة السعودية علينا الاستفسار منهم عن الاستعدادت المتوفرة عندهم بخصوص إعادة بناء حياة الفلسطينيين لأن ذلك هو أساس التضامن العربي . ومسموحا لنا كيهود عشنا هذه الحالة أن نعلم الآخرين شيئا ما عن التضامن .

والانفصال أحادي الجانب لن يحل مشكلة الارهاب بصورة كلية لكنني اعتقد أنه سيحسن من الوضع القائم خاصة إذا أصبحت الصعوبات في الدخول إلى إسرائيل شبيهة بتلك الموجودة في قطاع غزة ، وهو الأمر الذي يعني تراجعا كبيرا في العمليات الارهابية . وربما يؤدي الانفصال إلى إعلان عرفات عن الاستقلال ( أعلنوا عن قيامها مرتين ) .

واعتقد أنه يحق للفلسطينيين تقرير مصيرهم والإعلان عن دولتهم الفلسطينية . وعلينا أن لا نواصل الاحتلال . وفيما يتعلق بالقدس وبسبب وضعها المعقد فإن الحل بخصوصها يجب أن يبقي الوضع القائم على حاله . ويفضل أن تعلن الدولة الفلسطينية باتفاق ، لكن إذا كان الأمر غير ممكن ، فعلى إسرائيل أن لا تفرض عليهم دولة . لكن إذا كانت نتيجة الانفصال هي الدولة فأنا أبارك ذلك .

ولإقامة الدولة الفلسطينية هناك ميزة قانونية ففي الوضع الحالي ورغم احتجاج إسرائيل على وصف وزير بريطاني ياسر عرفات برئيس دولة وليس رئيس سلطة ، فإن دولة إسرائيل لا تستطيع خداع نفسها ، فياسر عرفات هو رئيس دولة ويتم التعامل معه وفق ذلك في الجامعة العربية وفي المؤتمر الإسلامي وفي عشرات الدول التي تعترف بفلسطين . أما في إسرائيل فالبعض يعتبره رئيسا للحكم الذاتي ومناضل من أجل الحرية والبعض الآخر إرهابي.

واليوم يعيش عرفات كل الحالات . وعندما يصبح رئيسا لدولة فلسطين فلن يكون متعاطفا مع إسرائيل ولن يغير مواقفه ، لكنه سيضطر أن يكون مسئولا عن شعبه في أوضاع غير سهلة . والمسئولية تقود إلى ضبط النفس وذات مرة صرح روسو ” يجب أن تفرض على الناس أن يكونوا أحرارا ” . ولا يحق لأي شخص أن يفرض على عرفات أن يكون رئيسا لفلسطين. لكن على المستوى العملي وإذا كانت هذه هي النتيجة فإن إسرائيل هي المستفيدة من ذلك .

ومن السهل علينا رفع شعارات ” كفى احتلالا ” وأن الحل هو بالعودة إلى طاولة المفاوضات وتلقي الضربات من اليمين واليسار . لكن علينا أن نكون واقعيين ومسئولين لأن يعقوب ( في إشارة إلى قصة سيدنا يعقوب عليه السلام مع أبنائه ، من المترجم ) واقع في المشكلة الآن ، الأمر الذي يتطلب الترفع عن الخلافات . والاقتراح الذي قدمته بخطوطه العامة – لست الوحيد الذي يحمل مثل وجهة النظر هذه – يحمل عناصر معتدلة وأخرى متطرفة، هو اقتراح صعب على الفلسطينيين وعلى إسرائيل، وهي عبارة عن مشروع مفروض على الفلسطينيين ، لكنه اقتراح لا يكرس الاحتلال . كذلك فإن الاقتراح صعب على المستوطنين الذين يجب إخلائهم واعتقد أن علينا إظهار التعاطف معهم وليس تجاه الفلسطينيين وحدهم . وعلينا الحصول على موافقة المستوطنين على الإخلاء ، ويفضل عدم إخلائهم بقوة السلاح ، لكن إذا لم يكن هناك خيارا آخر فيجب استخدام السلاح .

ما هو مطروح خطة صعبة ولن تعجب المتطرفين والحمائم داخل إسرائيل. لكن هذه هي حل وسط بين الطرفين . واعتقد أن حكومة برئاسة اليمين لن تنفذ هذا المشروع ، أما حكومة برئاسة اليسار فلن تستطيع تنفيذه لأنها لن تقدر على ذلك . وربما يكون الخلاص من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية – ربما تنفذ مثل هذا الاقتراح – تعمل على التخفيف من الضائقة التي نعيشها الآن .

 

 

Be Sociable, Share!


التعليقات

ديب حجاجرة بتاريخ 10 مارس, 2013 الساعة 10:48 ص #

high


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash