سبتمبر
28
في 28-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    105 مشاهده

بدأت تتبلور خطة الانسحاب من قطاع غزة خلال تولي أريئيل شارون الحكومة. وتضمن الخطة ضمنها سحب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع وتفكيك المستوطنات اليهودية في غوش قطيف وبعض المستوطنات في يهودا والسامرة (غنيم وكديم وسانور وحومش). وشكل كشف خطة الفصل مفاجئة للجمهور الإسرائيلي. ومنذ سنوات طويلة تنشر بين الحين والأخر إشاعات عن نوايا إخلاء الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.

 

عقد على الانتفاضة

 

خطة الانفصال– الحلم ومدمره

 

 

زاخي شالوم·

 

الخلفية لخطة الانفصال أحادي الجانب

بدأت تتبلور خطة الانسحاب من قطاع غزة خلال تولي أريئيل شارون الحكومة. وتضمن الخطة ضمنها سحب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع وتفكيك المستوطنات اليهودية في غوش قطيف وبعض المستوطنات في يهودا والسامرة (غنيم وكديم وسانور وحومش). وشكل كشف خطة الفصل مفاجئة للجمهور الإسرائيلي. ومنذ سنوات طويلة تنشر بين الحين والأخر إشاعات عن نوايا إخلاء الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة. وللكثير منهم اعتبر الاستيطان الإسرائيلي في القطاع فكرة عديمة الفائدة. وفي هذا الموضوع طرحت ثلاثة أسباب هي: أولا، غزة ليست مكانا ذو قيمة دينية أو تاريخية للشعب اليهودي. ثانيا، من الناحية الديموغرافية، تظل المستوطنات اليهودية في قطاع غزة جزر معزولة وفرعية في قلب منطقة مكتظة ومضغوطة لا مثيل لها في الوجود الفلسطيني. ثالثا، لا يوجد للاستيطان اليهودي في قطاع غزة أي وزن من الناحية الأمنية[1].

ولم تصل هذه الإشاعات لدرجة طرح خطة سياسية. وعلاوة على ذلك، استثمرت كل حكومات إسرائيل بيمينها ويسارها موارد ضخمة جدا بالمستوطنات اليهودية في قطاع غزة حتى تنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب. وكان من الصعب الاعتقاد أن يتجرأ أريئيل شارون، الشخصية التي رمزت إلى الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر من غيرها في المجتمع الإسرائيلي، على اجتثاث المستوطنات في القطاع من جذورها. فقبل عدة أشهر فقط عاد وأكد أن نتساريم مثلها مثل تل أبيب. وفي خطابه بالكنيست حول الفصل عبر عن الصعوبات الشخصية التي يمر بها من أجل تنفيذ خطة الانفصال حين قال:

” صعبا علي أن أقرر في هذا الموضوع، لم أعرف قرارا أصعب منه. وفي كل حياتي كمقاتل سياسي وعضو كنيست ووزير في حكومات إسرائيل وكرئيس للحكومة لم أتخذ قرار أصعب من قرار إخلاء ألاف الإسرائيليين الذين يقطنون منذ عشرات السنوات في قطاع غزة، والذين أرسلوا إلى هناك بقرار من حكومات إسرائيل حيث بنا هؤلاء بيوتهم وزرعوا أشجارهم وورودهم وأنجبوا هناك الأولاد والبنات الذين لا يعرفون بيتا أخر لهم. وأنا أعرف ذلك جيدا وأرسلت إلى هناك العديد منهم، وكنت شريكا في هذا المشروع وكثيرا منهم هم أصدقائي الشخصيين. وأنا أقدر جيدا ألمهم وغضبهم وأراعي يأسهم[2]“.

 

وسيذكر تاريخ دولة إسرائيل أن الانفصال كان حدثا ذو طابع خاص.  فدولة إسرائيل لم تنسحب أبدا بصورة أحادية الجانب وفككت مستوطنات بحجم كبيرا جدا في منطقة تخضع لسيطرتها. ولأن الانفصال اعتبر خطو ة مأساوية وبعيدة المدى، وعلى خلفية الرغبة بالحصول على الدعم العام الواسع بهدف إبراز ضرورة تنفيذ هذه الخطوة، تحدث رجالات الحكومة ومن ضمنهم رئيس الحكومة عن ضرورات هذه الخطوة ومبرراتها. حيث تتطلب إخلاء ألاف الإسرائيليين من بيوتهم وتدمير مشاريع الزراعة والصناعة والكنس والمدارس وإخلاء المقابر، حملات إعلامية واسعة النطاق هدفها إبراز ضرورة تنفيذ الخطة وميزاتها.

 

خطة الانفصال – بين الرغبة وبين الواقع

اليوم، وبعد خمسة أعوام من تنفيذ خطة الانفصال، يمكن القول أن جزء كبير من التوقعات والتقديرات التي رافقت الخطة لم تنفذ كما توقع واضعوها. فالتحضيرات لتنفيذها على الأرض كانت جذرية ودقيقة جدا وكذلك التوقعات من ورائها كانت معقولة أيضا. لكن في نهاية الأمر “خرب كل شيء”.

وحسب توقعات شارون، كان أحد الأهداف المركزية لخطة الانفصال هي التوضيح للفلسطينيين أن لا رغبة لدولة إسرائيل بالسيطرة عليهم وأنها ترغب بالتقدم بالسرعة الممكنة نحو الحل النهائي على أساس دولتين لشعبين. وفي هذا الإطار صرح شارون :”نحن معنيون بأن تديروا حياتكم بأنفسكم في دولة خاصة بكم، دولة فلسطينية ديمقراطية وذات تواصل إقليمي في يهودا والسامرة وبقدرة اقتصادية معقولة وتقيم مع دولة إسرائيل علاقات طبيعية وهادئة بأمن وسلام”[3] .

ومن الناحية العملية، حققت عملية الانفصال نتائج عكسية مما هدفت، فبدلا من التقدم نحو التسوية النهائية حسب مفهوم دولتين لشعبين، أوجدت خطة الانفصال والأحداث التي رافقتها فيما بعد سلسلة من الحواجز السياسية والأمنية والعاطفية التي وقفت في طريق التسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وعلاوة على الأحداث، التي كانت نتيجة مباشرة لخطة الانفصال، تراكمت في المنطقة أحداث وتطورات أخرى ،التي ليس بالضرورة لها علاقة بها، ساهمت في وضع الحواجز الإضافية أمام التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية النهائية[4].

وفي هذا المقال أحاول دراسة الخلفية والأسباب التي أدت إلى طرح خطة الانفصال والتوقعات التي رافقت المبادرين إليها. وفي المقابل سأبحث النتائج المباشرة لانعكاسات هذه الأحداث على حلم التسوية النهائية الإسرائيلية-الفلسطينية. 

 

خطة الانفصال – رسائل سرية وعلنية

رغم التصريحات المتناقضة بأهداف خطة الانفصال، إلا أننا نتوقع أن هدف الخطة هو اعتبارها مرحلة أولى في رسم الحدود النهائية لدولة إسرائيل، ومرحلة حاسمة في التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية الشاملة التي تتضمن في مرحلة معينة إقامة دولة فلسطينية وفق تسوية دولتين لشعبين التي وافقت عليها كل حكومات إسرائيل والمجتمع الدولي منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو. وكانت التقييمات هي أن مثل هذه الخطوة ستوضح لسكان دولة إسرائيل وللسلطة الفلسطينية وللعالم كله أن القيادة الإسرائيلية مصرة على تغيير الواقع العبثي الذي تمر به إسرائيل منذ حرب الأيام الستة كدولة لا حدود دائمة لها ومتفق عليها. وعليه، على إسرائيل ،هكذا ذكر، أن ترسم حدود دولتها للمحافظة على هويتها كدولة يهودية-ديمقراطية[5].

وعلاوة على ذلك، ومن التصريحات التي صدرت عن الشخصيات ذات العلاقة بخطة الانفصال وتنفيذها، يمكن التقدير أن هذه الخطة كانت هدفت بالأساس إلى زعزعة -من الأساس- الإيمان الباطني السائد بأوساط عديدة من الجمهور الإسرائيلي من اليمين واليسار منذ سنوات طويلة بأن الاستيطان اليهودي في المناطق هو حقيقة غير قابلة للتراجع في المجال الإقليمي والسياسي. ومغزى هذه الخطة هو أن هامش المناورة لحكومة إسرائيل إن كانت من اليمين أو اليسار، في كل ما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين هو هامش صغير جدا. وكان الاعتقاد أن تسوية إسرائيلية-فلسطينية تؤد لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل إقليمي متواصل، تتطلب إخلاء مكثف لمستوطنات إسرائيلية في يهودا والسامرة. ويتحدث المخطط على أن هذه الدولة تضم قطاع غزة ومعظم أراضي يهودا والسامرة، بحيث تشمل على ممر بري يقطع دولة إسرائيل من أجل الربط بين جزئيها[6]

كما هدفت الرسالة التي رافقت الانفصال التوضيح أن القيادة الإسرائيلية عندما تقرر إخلاء مستوطنين فإنها تفعل ذلك، وتعلم كيف تستعد لمثل هذه المهمة المعقدة وتنفيذها حسبما هو مطلوب. ومعنى  ذلك، أنه لا يمكن الاعتماد على التقديرات التي تقول أنه نشأ واقعا غير قابل للتراجع عنه. ومن اللحظة التي نفذت هذه الخطة حلقت علامات استفهام شديدة على الاستيطان اليهودي في كل مكان موجود خارج الخط الأخضر. ومنذ الانفصال، لم يعد مشروع الاستيطان في المناطق يحمل شهادة ضمان بعدم الإخلاء. وحكومة إسرائيلية قادرة على إخلاء كتل مستوطنات بحجم غوش قطيف تستطيع تنفيذه بكتل أكبر حجما وعددا. وأن المسألة هي فقط مسألة إصرار وتخصيص موارد إنسانية ومالية مطلوبة لتنفيذ مثل هذه المهمة. وفي المؤتمر الاقتصادي في نهاية عام 2005 صرح شارون:

خطة الانفصال التي بادرت إليها ونفذتها أوجدت رغبة كبيرة لنا وللفلسطينيين. ويفهم الجميع اليوم أن إسرائيل جدية عندما تتحدث عن تنازلات مؤلمة. وعلاوة على ذلك، شاهد الجميع أنها عندما تلتزم، فإنها تنفذ حتى لو كانت خطوات مؤلمة جدا[7].

 

والرسالة السرية المرفقة لذلك هي أن الانفصال أوجد سابقة إخلاء مكثف للمستوطنين في بعض المناطق. وإذا نفذ الإخلاء وفق المطلوب، وبدون عنف شاذ وبصورة تمكن الذين تم إخلاؤهم من الحياة الطبيعية في الأماكن التي تم إخلاؤهم إليها، مع تسوية وضعهم الاقتصادي-الاجتماعي، وإذا ساد الهدوء في المنطقة –إذا تم- سيخلق نموذج يؤدي لتنفيذه في يهودا والسامرة  ،في إطار تسوية مع الفلسطينيين أو بدونها، لرسم الحدود النهائية لدولة إسرائيل[8].

وسادت تقييمات بأن تنفيذ خطة الانفصال سيوضح للجميع، أن القيادة في إسرائيل وأوساط واسعة في الجمهور، مقتنعة أن الانسحاب ،ن المناطق بحد ذاته، وليس بالضرورة في مجال أخذ “المقابل” هو مصلحة وطنية لدولة إسرائيل. وهذا انعطاف كبير في مواقف دولة إسرائيل في مسألة المناطق كما رسمت بعد حرب الأيام الستة. وعلى مدار العقود الماضية كان مقبولا مبدأ أن المناطق التي احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة، هي أمانة. وستعاد للجانب العربي مقابل تسوية سلمية.

الآن وبعد تنفيذ خطة الانفصال، تبنت إسرائيل ، على ما يبدو، توجها مختلف كليا. والرسالة التي يمكن قراءتها من الفصل هو أن إسرائيل تنازلت عن هذا المبدأ الحديدي، وأوضحت أن الانسحاب بحد ذاته هو مصلحة حيوية لدولة إسرائيل من دون أن تأخذ مقابل شيئا من الجانب العربي- الفلسطيني. وفي لقاء مع الجنرال أييلاند حول الانفصال عن قطاع غزة صرح :

عندما تقول أن الانفصال هو أمر جيد لإسرائيل، فأنت لا تتوقع أن تأخذ بدلا عن ذلك. وقالت لنا كوندلزا رايس في أحد اللقاءات صراحة : تعالوا أوضح لكم ما هو معنى الخطوة أحادية الجانب. وخطوة أحادية الجانب هي أنك تتخذ ما هو جيد لك. وعليه لا تتوقع أن تأخذ مقابل معروف صنعته لنفسك[9].

 

وعلاوة على ذلك حدد الانفصال مرة أخرى أن مبدأ الانسحاب من أجل التقدم بالمسيرة السلمية مع العرب هو الانسحاب لحدود الرابع من حزيران عام 1967. ووضع هذا المبدأ في اتفاق السلام مع مصر في كامب ديفيد، في إطاره وافقت إسرائيل على الانسحاب من كل مناطق سيناء. كما أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في عام 2000 عبر عن الانسحاب إلى حدود الهدنة من عام 1949. والان جاء الانسحاب من قطاع غزة حيث حدد مرة أخرى ، وبأكثر قوة، عن المبدأ المذكور أعلاه. وهنا أيضا حدث تراجع في المواقف السياسية الإسرائيلية منذ حرب الأيام الستة بخصوص تفسيرها لقرار 242. فطوال السنوات الماضية ادعت إسرائيل ، وما زالت تدعي، أن قرار مجلس الأمن 242 يلزم إسرائيل بالانسحاب من “مناطق” وليس من “المناطق. أي أن إسرائيل غير ملزمة في إطار تسوية سلمية الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967. وفي الواقع وبصورة عملية –غير رسمية- تعبر انسحابات إسرائيل إلى خطوط الرابع من حزيران عام 1967 من سناء وقطاع غزة وجنوب لبنان عن رسالة مفادها انها تتبنى الموقف الإيجابي والملزم بالانسحاب إلى حدود الهدنة في إطار التسوية السلمية.

وفي النهاية، وربما الأهم في كل ما ذكر، أن إخلاء الجيش الإسرائيلي من القطاع  وهدم المستوطنات داخلها وإخلاء المستوطنين الإسرائيليين الإسرائيليين، سيؤدي إلى انفصال كلي لدولة إسرائيل ويرفع مسئوليتها بشكل مطلق عن هذه المناطق ويسلم مصيرها لسكان القطاع أنفسهم. حيث اعتقد واضعي المخطط أن سكان القطاع سيكونون سادة أنفسهم. وسوف ينتخبون لأنفسهم قيادة تتحمل مسئولية أعمالها، بالجيد والسيء. غزة، هكذا قيل، هي مستنقع يغرقن وبرميل من دون قاع. وإزالة المسئولية الإسرائيلية عنها هو ذخر استراتيجي ذو أهمية كبيرة لاستمرار تطور وازدهار دولة إسرائيل[10] .

 

الانفصال لم يرفع المسئوليات عن مصير غزة

عمليا، وكما ذكر، لم تتحقق التوقعات. وعلى الورق بدا أن خروج قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع وتفكيك المستوطنات اليهودية من القطاع ونقل المستوطنين اليهود الذين عاشوا في القطاع إلى داخل حدود دولة إسرائيل الصغيرة، ستمكن من انفصال كلي من قطاع غزة، ومن المسئوليات عنها. وهذه النظرية عبر عنها بالشعار الذي رفعه إسحاق رابين وتبناه إيهود براك لمدة سنوات في دعمه لانفصال إسرائيل عن المناطق :”نحن هنا وهم هناك. وقيل في خطة الانفصال من 18 نيسان عام 2004 أن الانسحاب من قطاع غزة سيؤدي لمسح المطالب من إسرائيل بخصوص مسئوليتها عن الفلسطينيين في قطاع غزة[11].

وبعد خمسة أعوام من الانفصال عن قطاع غزة يمكن القول بوضوح وبكل تأكيد أن مبادري خطة الانفصال عن قطاع غزة ومن المسئوليات عنها تعرضوا لخيبة أمل كبيرة. وقد عبر الانفصال عن عدم معرفتهم بالواقع. ومقولة “نحن خرجنا من غزة، وغزة لم تخرج منا” هي أكثر المقولات المعبرة عن الواقع. فكل المجتمع الدولي يرى بإسرائيل وبحكومتها مسئولة بصورة كاملة حول كل ما يجري في قطاع غزة. كما أن الجمهور والقيادة الإسرائيلية يعترفون بمسئوليتهم عن قطاع غزة، رغم أنهم ينتقدون بشدة كل من ينتقدهم بخصوص مسئوليتهم عن القطاع. ورغم كثرة الاقتراحات في هذا المجال، لا يبدو أن إسرائيل تفكر بفك ارتباطها الحقيقي من قطاع غزة في المدى المنظور[12].

هذه التطورات تلزم القيادة إسرائيلية بخطوات حذرة في كل ما يتعلق بالتسويات المستقبلية للقضية الفلسطينية،  ومن الجدير التذكير، أن الجميع اعتبر اتفاقات أوسلو اتفاقات واعدة على الورق، حيث ساد اعتقاد في ذلك الوقت أنها ستؤدي لمفاوضات سلام دائمبين إسرائيل وبين الفلسطينيين، ومن الناحية العملية كان الوضع مختلف كليا. فالمواجهات العنيفة اندلعت بين الطرفين، مما أدى لوقوع أضرار في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني. والنتيجة المستخلصة من هذه التطورات هي أن مخططات التسوية التي تبدو وكأنها متوازنة ومستقرة على الورق وترافقها طقوس احتفالية ودعم دولي من شأنها ، كما تبين ذلك، أن تؤدي إلى نتائج عكسية مختلفة كليا عما توقع المبادرين إليها. وهذه النتائج تخلق بالضرورة حاجزا في التوصل لحل سياسي.

 

الإرهاب والانفصال

خرجت خطة الانفصال للعلن في أعقاب النشاطات المكثفة لمنظمات الإرهاب الفلسطيني ضد المدنيين والجنود الإسرائيليين وضد المستوطنين في دولة إسرائيل وفي أراضي يهودا والسامرة وقطاع غزة خلال الانتفاضة. بكلمات أخرى، وعلاوة على الأحاديث الكثيرة التي غلفت خطة الانفصال والتي هدفت إلى تبرير طرحها، وفق أسس محددة ومتنوعة، هناك حقيقة ثابتة وهي ، أنه لولا أعمال الإرهاب في قطاع غزة بشكل عام وفي غوش قطيف بشكل خاص، ولو ساد الهدوء في أنحاء القطاع، لم تكن تطرح خطة الانفصال عن غزة ولم تصبح مهمة في جدول الأعمال العام في دولة إسرائيل ولم تكن تنفذ. وذكر المراسل العسكري لصحيفة هأرتس زئيف شيف أن شارون: لم يوضح كما هو مناسب وبالتفصيل ما الذي دفعه للانعطاف الحاد في سياسته [والتي دفعته لطرح وتنفيذ خطة الانفصال]. التغيير جاء على خلفية موجة الإرهاب التي لم تتوقف رغم الوسائل العسكرية القاسية التي اتبعت ضد منفذي العمليات الانتحارية. كما تطرق رئيس الأركان السابق موشيه يعلون إلى خطة الانفصال بقوله أنه ينسب خطة الانفصال عن غزة ، أولا وقبل أي شيء أخر، إلى ظاهرةة الإرهاب حيث صرح أن : إمكانيات اتخاذ خطوة أحادية الجانب لإخلاء المستوطنات، طرحت في أعقاب انهيار وقف إطلاق النار في صيف 2003 وذلك في أعقاب العمليات الصعبة التي نفذتها حماس[13].

ومن هذه التصريحات يجب عدم الاستنتاج أن الإرهاب كان هو المصدر الوحيد لتنفيذ خطة الانفصال أحادي الجانب من قطاع غزة. وحسب تقديري كان الإرهاب شرطا أسياسيا ، لكن لا يكفي. ومن دون الإرهاب لم يكن بالإمكان طرح مثل هذه الخطة. ومن طبيعة الأمور، كان من الصعب على دولة إسرائيل وأجهزتها الأمنية الاعتراف العلني والرسمي بأن خطة الانفصال هي نتيجة لنشاطات منظمات الإرهاب الفلسطيني ضد دولة إسرائيل ومواطنيها وجنودها. ومنذ أواخر عام 2000 بالغت منظمات الإرهاب في توجيه ضرباتها ضد مواطني دولة إسرائيل وجنود الجيش الإسرائيلي بطرق متنوعة منها العمليات الانتحارية وإطلاق النار بكثافة على المواطنين وتفجير عبوات ناسفة وسيارات مفخخة والطعن وتوجيه ضربات جسدية أخرى وخطف جنود وكما هو مذكور إطلاق الصواريخ والقذائف. وخلال فترة طويلة تصعب الجيش الإسرائيلي وبقية أجهزة الأمن في إيجاد رد فعال على التهديدات الخطيرة المذكورة، خاصة عمليات الإرهابيين. وفي الفترة من بداية الانتفاضة الثانية وحتى تنفيذ خطة الانفصال (2000-2005) قتل أكثر من ألف شخص –بعضهم بعضهم مدنيين والبعض الأخر جنود وجرح الآلاف جسديا ونفسيا بدرجات متفاوتة[14].

وعلاوة عن البعد الكمي للمصابين، أن أعمال الإرهاب توجد جدول أعمال يومي جديد للمجتمع الإسرائيلي وتغير جوهريا اسلوب حياة مواطني إسرائيل. وتأثير العمليات العمليات كان واضحا في المجال الاقتصادي وفي مجال المعنويات. حيث أغلقت الكثير من المشاغل بسبب تقلص النشاط الاقتصادي لمواطني دولة إسرائيل وتراجع الاستثمارات الخارجية. وفي النهاية كان للعمليات تأثير على الواقع السياسي داخل دولة إسرائيل. ويمكن التحديد أن الإرهاب أصبح الموضوع المركزي في جدول الأعمال خلال الانتخابات الإسرائيلية في العقدين السابقين. وعليه كان الإرهاب عنصرا مهما ، من الصعب تقدير حجمه، في صعود وسقوط القادة الإسرائيليين في هذه الفترة[15].

على مدار السنوات ساد في إسرائيل توجهان أساسيان في كل ما يتعلق بمواجهة قضية الإرهاب وهما :التوجه الأول، يؤكد على نظرية أن الدولة الحديثة والديموقراطية المعتمدة على قوات نظامية لا تستطيع أن تواجه بنجاح منظمات الإرهاب، ومن وجهة النظر هذه، المقبولة على الجهات التي تسمي نفسها اليسار الإسرائيلي، فإن الحل في مواجهة الإرهاب يكمن في التوصل لتسوية سياسية. أما الاتجاه الثاني، خاصة في أوساط اليمين، فيرفض كليا هذه النظرية، ويصرح بأن منظمات الإرهاب مثلها مثل كل المنظمات تعمل بطريقة إرادية وفق حسابات الربح والخسارة، وعليه يمكن ردعها وهزيمتها.

وبعد سنوات من تنفيذ خطة الفصل، ومن دون علاقة بادية للعيان، حدث تراجع كبير في نشاطات منظمات الإرهاب، خاصة إرهاب الانتحاريين داخل مدينة إسرائيل. وفي السنوات الثلاث الأخيرة (2007-2010) تراجعت هذه ظاهرة نشاطات منظمات الإرهاب كليا من مشهد بلادنا. وصورة الوضع هذه تساهم في تغيير تدريجي وتصاعدي في المزاج لدى أوساط واسعة في الجمهور الإسرائيلي في هذا الموضوع. والتعبير الأساسي لهذا التغيير يكمن ، حسب تقديراتي، بالقبول المتزايد بالموقف القائل بأن إسرائيل نجحت بهزيمة منظمات الإرهاب والوقف الكلي للنشاطات المكثفة داخل مدنها المركزية لهذه المنظمات، حتى في ظل عدم وجود تسوية سياسية مع السلطة الفلسطينية.

صورة الوضع القائمة في السنوات الأخيرة تمكننا من التحديد أن ظاهرة الإرهاب، خاصة إرهاب الانتحاريين ( على فرق من إطلاق صواريخ القسام على مستوطنات النقب) والتي كانت عنصرا أساسيا في وضع خطة الانفصال، تراجعت كليا من الافق كمصدر مهم  في جدول اعمال دولة ومواطني دولة إسرائيل. ولا يستطيع أي شخص أن يحدد أن الحديث يدور عن اختفاء كلي وعلى المدى البعيد. ومثل كل نصر أخر، فإن النصر على منظمات الإرهاب هو نصر محدود، وهو نصر ضعيف وبدرجة كبيرة يعتبر نصر مؤقت. وعلى الرغم من ذلك هو نصر. والاستنتاج المهم ، حسب تقديراتي، هو أن رغبات الجمهمور والقيادة الإسرائيلية بالتوجه نحو التسوية السلمية المرفقة بالضرورة بتنازلات بعيدة المدى تراجعت بدرجة كبيرة، ومن الصعب التقدير كم هي نسبة هذا التراجع، على ضوء تراجع الكبير في النشاطات الإرهابية. ومرة أخرى أمامنا حاجزا في طريق التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية.

 

الأرض مقابل السلام

مقابل اختفاء ظاهرة إرهاب المدن، بدأت منذ تنفيذ مخطط الفصل، وبدرجة كبيرة بسببها، صعود خطير في إطلاق الصواريخ والقذائف والراجمات نحو مستوطنات النقب، خاصة نحو مدينة سديروت. وعلى هذه الخلفية، ساد انطباع، بتراجع في الموافقة على صيغة :الأرض مقابل السلام، التي رافقت إسرائيل منذ حرب الأيام الستة، وبأكثر قوة منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو. وعمليا وحسب تقديراتي فإن مبدأ الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران في لبنان وقطاع غزة لم تؤد إلى تهدئة، بل أدت . وعمليا وحسب تقديراتي فإن مبدأ الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران في لبنان وقطاع غزة لم تؤد إلى تهدئة، بل أدت لى تصعيد. ونتيجة لذلك كيف يمكن التوقع بلأن الانسحاب في جبهة أخرى سيؤدي للسلام.

هذه التطورات، هكذا حصل الانطباع، تعارضت مع توقعات واضعي مخطط الانفصال. وفي معظم تصريحاتهم في هذا المجال، يجب التأكيد أن التوجه كان حذرا. ولم يكن هناك توجها لخلق توقعات غير واقعية لهدوء متواصل في أعقاب الانسحاب. وحدد أريك شارون الذي ،الذي قاد المبادرين لخطة الفصل حين صرح في أحد خطبه أن :هدف خطة الفصل هو تقليل الإرهاب قدر الامكان ومنح مواطني دولة إسرائيل الأمن الكامل[16].

لكن، خيبة الأمل والإحباط التي رافقت التصعيد الأمني في القطاع وفي الحدود الشمالية زادت ،حسب تقديري، الخشية من تنفيذ انسحابات إضافية. وهذه النقطة عادت وتأكدت في التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء نتنياهو وبقية الوزراء لتوضيح الحذر الكبير المطلوب في وضع مواقف إسرائيل أمام الفلسطينيين. وهذا الواقع يزيد، حسب تقديراتي، من الحواجز القائمة والتي رافقت التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية.

 

الانقسام في السلطة الفلسطينية وانعكاساته

نتيجة أخرى لخطة الفصل كانت تولي نظام حكم حماس السلطة في قطاع غزة. وعبرت سيطرة حماس على قطاع غزة ،حسب تقديري، حاجزا ذو أهمية كبيرة في طريق التوصل لتسوية إسرائيلية-فلسطيني. كما عمقت من الانقسام السياسي والإقليمي وبدرجة كبيرة المشاعر وفي الاقتصاد، بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ورافق هذا الانقسام وما زال، لمن بمستوى منخفض، صراع دموي ووحشين ما زالت تأثيراته كبيرة على الأرض. وكل محاولات المصالحة التي جرت حتى الآن لإعادة الوحدة بين الكيانين ذهبت خواء. وعلى ما يبدو سيظل الانقسام سيد الموقف في المستقبل المنظور.

وأول انعكاس لهذا الانقسام هو مراهنة السلطة المتمركزة برام الله بتمثيل الشعب الفلسطيني وهو ادعاء ليس له أساس من الصحة. وفي أفضل الأحوال تمثل قطاعا معينا منه. كما أنه لا توجد دولة فلسطينية حقيقية في قطاع غزة. والسلطة الفلسطينية لا تستطيع تمثيل قطاع غزة.

وعلى هذه الخلفية، يجب التأكيد أن أوساط ليست بقليلة في قيادة الدولة ترى في هذا الانقسام ذخرا استراتيجيا لا مثيل له لدولة إسرائيل. وحسب تقييم هذه القيادات، فإن الانقسام الفلسطيني يضي على احتمالات قيام دولة فلسطينية بالضرورة، وتقسم إسرائيل من العرض بواسطة ممر بري، وبعد ذلك، ربما جوي. وإذا أقيمت دولة فلسطينية في مناطق يهودا والسامرة فقط، فستكون هذه الدولة دولة “معاقة” وصغيرة ومنقسمة على حالها ومن دون مخرج إلى البحر. وتعلقها بإسرائيل سيكون كبير جدا.        

وعلاوة على ذلك، فمجرد وجود سلطة حماس، ستجد السلطة الفلسطينية صعوبة في تليين مواقفها أمام إسرائيل في المفاوضات على التسوية السياسية. وتعمل السلطة ،وبصدق كبير، تحت خشية كبيرة جدا حول إمكانية أن تتهم من قبل حماس بالتعاون مع إسرائيل. واستعداد قائد السلطة أبو مازن لإجراء مفاوضات مباشرة مع حكومة نتنياهو من دون شروط مسبقة، أي من دون الموافقة على مطلبه بتجميد الاستيطان،، تتعرض لنقد شديد من قبل حماس. وبقية التنظمات المتطرفة. وهذا الوضع ،حسب تقديري، يتطلب من أبو مازن تشديد مواقفه في أية مفاوضات حول التسوية. وهذا أيضا يعتبر حاجز مهم جدا في طريق التوصل لتسوية إسرائيلية-فلسطينية.

 

خشية السلطة من خروج الجيش الإسرائيلي من أراضي الضفة 

إدارة السلطة الفلسطينية المتحفظة برئاسة أبو مازن حول مسألة تجدد المفاوضات للتوصل لتسوية سياسية مع إسرائيل لا يمكن أن لا تثير الحيرة. فقادة السلطة قادة أذكياء بما يكفي من أجل فهم أن كل يوم يمضي من دون تسوية مع إسرائيل يعزز أكثر فأكثر سيطرة دولة إسرائيل على أراضي يهودا والسامرة. وعمليا، يزجد ،او أوجدت، واقعا لا يمكن التراجع عنه، يصعب مستقبلا كثيرا، وربما يحيد كليا احتمال قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في أراضي يهودا والسامرة.

وعلى هذه الخلفية، تطرح إمكانية من أن طريقة إدارة السلطة الفلسطينية تعبر عن الخشية السائدة في أوساطها من انعكاسات التوصل لتسوية مع إسرائيل، أولا وقبل أي شيء أخر، حول انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق يهودا والسامرة. وخلال العوام الماضية شنت إسرائيل عمليات مكثفة من أجل إضعاف حركة حماس وبقية التنظيمات الراديكالية في الضفة، وهي جهات  لا تهدد إسرائيل فقط بل تهدد السلطة الفلسطينية. وفي حال عدم وجود قوات إسرائيلية في الضفة سيكون هناك خطرا ملموسا متمثلا بصعود قوة حماس بالضفة. ويبدو أن السلطة الفلسطينية لا تملك اليوم ومستقبلا أمكانية مواجهة التنظيمات الفلسطينية المتطرفة.

وإذا تم التوصل لتسوية مع إسرائيل، وانسحبت قوات الجيش الإسرائيلي من الضفة الغربية ، لن يكون هناك أي قوة لمنع سيطرة حماس على على الضفة، والقضاء على السلطة، وربما تصفية قيادة السلطة جسديا. ومن الواضح أن أي قائد في السلطة الفلسطينية لن يعترف علنا برغبة السلطة في وجود قوات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية في المستقبل المنظور. وربما وجود هذه القوات هو يمثل الرغبة السرية ، أو على الأقل لبعض الأقيادات فيها. وإذا كان ذلك هو الوضع، ولا نملك مصدرا لتأكيدها، ربما نستطيع شرح “تضييع الفرص” الواضحة من قبل قادة السلطة الفلسطينية بالتوصل لتسوية مع إسرائيل. ويحتمل بقوة وجود شخصيات فلسطينية فيلا قيادات السلطة المتحفظين والخائفين من أن تسوية سياسية مع إسرائيل ستفقدهم دورهم. وهنا أيضا نقف أمام حاجز إضافي في التوصل لتسوية سياسية مع إسرائيل .

 

فرض الإخلاء

سلطة حماس في غزة والمواجهات المتواصلة مع إسرائيل أدت في نهاية الأمر إلى اتخاذ قرار في إسرائيل إلى تعميق الإغلاق على قطاع غزة من أجل خلق ضغط اقتصادي على سلطة حماس في قطاع غزة ومنع تهريب الأسلحة للقطاع. ورغم امتلاك إسرائيل للأدوات الممكنة لفرض إغلاق، إلا أنه تبين لها أن فرض الإغلاق على قطاع غزة يرتبط بصعوبات كثيرة، بعضها لوجيستي وبعضها الأخر سياسي-إعلامي وقانوني. فأحداث سفينة الحرية إلى قطاع غزة وانعكاساتها عبرت بحدية عن هذه الانعكاسات، وأدت إلى تصلب دولة إسرائيل في مطالبها في كل ما يتعلق بالتسويات الأمنية مع الفلسطينيين من أجل ضمان خلو الدولة الفلسطينية المستقبلية من السلاح ، إذا قامت هذه الدولة[17].

وعبر رئيس الحكومة عن موقفه من الإخلاء مرارا استعدادا لجولته في الولايات المتحدة  (تموز 2010) وخلال الجولة نفسها، مع التأكيد على الحاجة لتسويات أمنية شديدة جدا من أجل إخلاء الدولة الفلسطينية من السلاح. وحسب تقديراتي، فإن ذلك يعني، ان إسرائيل غير مستعدة لوجود قوات دولية لمعالجة هذه المسألة المهمة، حتى لو كانت هذه القوات من حلف شمال الأطلسي.  وبكل تأكيد تقريبا فإن إسرائيل ستصر على أن قوات الجيش الإسرائيلي هي التي ستشرف على بقاء إخلاء الدولة الفلسطينية من السلاح ، وربما تشرك بذلك قوات أجنبية. ومن الواضح لنا أن السلطة الفلسطينية ستجد صعوبات كبيرة جدا في الموافقة على وجود القوات الإسرائيلية على حدود السلطة بعد التوصل لتسوية سلمية. لأن ذلك يعني المس بسيادتها. والمطلب الإسرائيلي يعتبر عائقا أخر أمام التوصل لتسوية سياسية ولا ندري كيف ستم التوصل لحال وسط في هذا الموضوع[18].

 

زعزعة ثقة بالبيت الأبيض

في النقاشات التي جرت مع الإدارة الأمريكية استعدادا لتنفيذ خطة الفصل، تم التوصل لتفاهمات استراتيجية لم يسبق لها مثيل. وعبر عن هذه التفاهمات بالرسائل الرئيس جورج بوش لرئيس الحكومة أريئيل شارون في 14 نيسان عام 2004، وبالرسائل المتبادلة بين مدير عام مكتب رئيس الحكومة دوف فايسغلاس مع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس. ومن ضمن ما اتفق (هكذا قيل) عليه في هذه الرسائل أن الولايات المتحدة :(1) واصل استمرار تمسكها بخارطة الطريق، وتعمل ما بوسعها لمنع فرض خطة أخرى على إسرائيل .(2) تعبر عن اعترافها بحق إسرائيل بالمحافظة على قوة ردع خاصة بها (من المؤكد أن المقصد هنا هو الخيار النووي). (3) تعترف بسيطرة إسرائيل على كتل المستوطنات في يهودا والسامرة في إطار تسوية سلام إسرائيلية-فلسطينية. كذلك تم التوصل لتفاهمات أكثر تفصيلا في مجال البناء في المستوطنات[19].

وأميل إلى الموافقة أن إدارة الرئيس الأمريكي براك أوباما تجاهلت هذه الالتزامات بشكل مكثف منذ توليه سدة الحكم من خلال: (أ) وضع على جدول الرئيس الأمريكي ، وما وال موضوعا)، خيار بطرح الإدارة الأمريكية مشروعا للتسوية ويفرضها على الطرفين. وفي هذه المرحلة  ليس واضحا إذا كانت هذه الخطة ذات طابع مفروض أم لا، لكن مجرد طرحها يشكل انحرافا عن التفاهمات التي تم التوصل إليها مع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش. (ب) حتى في الموضوع النووي فقد حدث هناك تراجع محدود، من الصعب أن نحدد في هذه المرحلة خجم الالتزامات طويلة المدى من الإدارة المدنية بحق إسرائيل بامتلاك قوة ردع مستقلة. (ج) في قضية المستوطنات تراجعت إدارة براك أوباما كليا من وجود مثل هذه التفاهمات. وفي فترة متأخرة اضطر للاعتراف بوجودها، لكنه طلب إعادة صياغة وثيقة تفاهمات جديدة[20].

واعتقد أن سياسة الإدارة الأمريكية ستلزم إسرائيل ستجبر إسرائيل أن تتعامل في المستقبل بشكوك وظنون لأية التزامات مستقبلية تقدم لإسرائيل من قبل الرئيس الأمريكي براك أوباما في إطار تسوية سلمية. وتعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع “رسالة الضمانات” التي أرسلها براك أوباما كاقتراح مقابل استمرار تجميد الاستيطان، تعطي حسب اعتقادي تعبيرا ملموسا عن الشكوك السائدة في القيادة الإسرائيلية بصدق نوايا ا؟لإدارة الأمريكية. وهذه الشكوك تعتبر عثرة في طريق التوصل لتسوية سلمية.

 

خلاصة

الهدف الإساسي لخطة الانفصال كانت هي التقدم في احتمالات لتوصل لتسوية إسرائيلية-فلسطينية على أساس مبدأ دولتين لشعبين، وذلك وفق المعايير التي وضعت من قبل إدارتي الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش

وفي اطار هذا المقال اهتممت كثيرا بالجوانب السياسيةالأمنية التي رافقت خطة الفصل. لكنني لم أهتم بالقضية ذات الأهمية الكبيرة والتي تعتبر أيضا هي حاجزا أمام التوصل لتسوية إسرائيلية-فلسطينية وهي كيفية معالجة مسألة إعادة بناء حياة الذين تم إخلاؤهم من غوش قطيف.

خلاصة القول، اعتقد أن خطة الانفصال، وطريقة تنفيذها والأحداث التي جاءت بعدها خلقت واقعا مختلف كليا عما توقعه مبادري خطة الانفصال. والعنوان الرئيسي لهذه التطورات والانعكاسات هو تراجع إمكانية التوصل لتسوية إسرائيلية-فلسطينية في المستقبل المنظور.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


  • · البروفيسور زاخي شالوم: من كبار باحثي مركز بن غوريون للدراسات الإسرائيلية، وزميل باحث في معهد أبحاث الأمن القومي.

[1]. تبلغ مساحة قطاع غزة 365 كم. ونسبة الاكتظاظ السكاني هي 25,400 نسمة لكل كيلو متر. أما الاكتظاظ في مخيمات اللاجئين فهو 50,478 نسمة لكل كم.

[2]. خطاب رئيس الحكومة أريئيل شارون في الكنيست بموضوع الانفصال، 25 تشرين أول عام 2004.  

[3]. خطاب رئيس الحكومة شارون بمؤتمر هيرتسليا في 18 كانون أول عام 2003. موقع رئيس الحكومة .

[4]. حول الاستعدادات اتنفيذ خطة الفصل راجع: يغيل ليفي، الجيش متعمق: نجاح الجيش الإسرائيلي في تنفيذ خطة الانفصال، من يعقوب بار سيمنتوف، (محرر) صندوق أدنفار ومعهد القدس للدراسات الإسرائيلية، القدس 2009، ص 148-169 .  

[5].خطاب شارون في مؤتمر هيرتسليا 2003 .

[6]. راجع أيضا، حنان غرينبرغ، موفاز :أثبتنا أننا قادرون على تقديم تنازلات مؤلمة، الموقع الاليكتروني لصيحفة يديعوت أحرنوت، 24 آب 2005. 

[7] . أقوال رئيس الحكومة شارون في مؤتمر إسرائيل للأعمال في 5 كانون أول عام 2005. كذلك راجع: ميرون بنبنستي ، هكذا تحولت دولة إسرائيل لدولة ثنائية القومية، هأرتس، 23 كانون الثاني 2010 .

[8] . حول خطة الانفصال كسابقة لانسحابات أخرى راجع :المعهد الإسرائيلي للديموقراطية ، الطاولة المستديرة: الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية للفصل، 22 حزيران 2005. كذلك راجع www.idi.org.il  2005.

[9] .راجع: أوري شبيط، اييلاند: الانفصال-تضييع فرصة تاريخية، الانطواء لن يؤدي لاستقرار، هارتس، 14 حزيران 2006. أحد الشخصيات التي قادت هذه النظرية كان حاييم رامون. راجع أيضا: ألوف بن، الكنيست ودعت حاييم رامون- الرجل الذي نظر، لكنه لم ينفذ، هأرتس، 4 حزيران 2009 . 

 

[10]. حول مسألة إنهاء المسئوليات عن قطاع غزة في أعقاب خطة في أعقاب خطة الفصل. راجع أيضا نهاية المسئوليات في غزة، إنتاج سياسات، معهد رئوت 29، أيلول عام 2005.

[11]. كما اقتبس من نشرة معهد رئوت، الأبعاد السياسية لخطة الانفصال، 2005، راجع الموقع الاليكتروني www.reut-institute.         

[12].  بعد أن أكملت إسرائيل الانفصال عن 21 مستوطنة من قطاع غزة، واصل متحدثين رسميين الادعاء بأن الانفصال من قطاع غزة لم يتغير شيء. وكلما كانت الأمور متعلقة بهم، غزة ظلت منطقة محتلة لم يتغير فيها شيء. وحسب موقع الانترنت التابع لوزارة الخارجية الفلسطينية، أعلن رئيس السلطة في 7 تموز عام 2005. المكانة القانونية للمناطق التي يفترض من إسرائيل إخلاؤها لم يتغير، مركز القدس للشئون العامة والدولة، آب 2005.

[13]. زئيف شيف، أريئيل شارون، تعديلات واستكمالات، هأرتس، 3 شباط 2006. تصريحات يعلون: الفصل من الحقيقة للواقع، معاريف 24 شباط 2006. العميد عيبال غلعادي الذي كان من قادة خطة الانفصال ذكر في لقاء مع معاريف أن خطة الانفصال نضجت عنده عندما قتل الوزير رحبعام زئيفي (17 تشرين الثاني عام 2001) بن كسفيت، هكذا ولدت خطة الانفصال، معاريف 16 تموز عام 2005.  

[14]. راجع: جهاز الأمن العام، تحليل ميزات العمليات في العقد الأخير. راجع موقع انترنت: www.wserv.bgu.ac.il .  

[15]. مزال معلم، أصوات حرب، هأرتس 4 كانون الثاني عام 2005. 

[16]. راجع: خطاب رئيس الحكومة في مؤتمر هيرتسليا في 18 كانون الثاني 2003. راجع أيضا آفي ديختر، الذي توقع أن خطة الانفصال لن تؤد إلى استقرار امني. راجع أيضا عاموس هرئيل، آفي ديختر يؤيد الانفصال هأرتس 10 حزيران 2005.

 

[17]. حول قضية تطبيق خلو القطاع من الأسلحة راجع: من السلبية للايجابية: أحداث السفينة التركية المتوجهة لقطاع غزة. 20 حزيران  2010.

[18]. راجع: زاخي شالوم، بين المطرقة والسنديان حكومة نتنياهو استعدادا للمفاوضات المباشرة، ، نظرة عليا، عدد 192. 18 تموز 2010

[19]. شارون، مؤتمر هيرتسليا. راجع أيضا: خطاب شارون أمام لجنة رؤساء الجمعيات اليهودية، نيويورك، 22 أيار 2005. راجع أيضا :تبادل الرسائل بين رئيس الحكومة شارون والرئيس بوش 14 نيسان 2004. وزارة الخارجية الإسرائيلية  www.mfa.gov . كذلك راجع تفاهمات حول الاستيطان في:  

Elliot Abrams, “Hillary Is Wrong About the Settlements; The U.S. and Israel reached a clear understanding about natural growth”, Wall Street Journal, June 26, 2009.

[20] راجع أيضا: زاخي شالوم، العلاقات الإسرائيلية الأمريكية: هل هناك تحولات جوهرية ؟. أخر التطورات الاستراتيجية مجلد 13، 1 حزيران 2010 .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash