سبتمبر
26
في 26-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    129 مشاهده

تمر في هذه الأيام ذكرى مرور عشرة أعوام على اندلاع انتفاضة الأقصى أو كما يسميها بين الفينة والأخرى إسرائيليين وفلسطينيين الانتفاضة الثانية. ويدور الحديث عن واحدا من أكثر الأحداث المأساوية في تاريخ العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية. وبالتاكيد، كأحد الصراعات المريرة بين الطرفين في القرن الماضي. ويمكن اعتبار انتفاضة الأقصى موجة إضافية في سلسلة من المواجهات المصيرية وواسعة النطاق التي وقعت بين إسرائيل والفلسطينيين منذ عام 1936-1939 وحرب الاستقلال وحرب لبنان الثانية والانتفاضة الأولى.

عقد على انتفاضة الأقصى

نظرة شاملة

 

ميخائيل ميليشتاين[1]

 

تمر في هذه الأيام ذكرى مرور عشرة أعوام على اندلاع انتفاضة الأقصى أو كما يسميها بين الفينة والأخرى إسرائيليين وفلسطينيين الانتفاضة الثانية. ويدور الحديث عن واحدا من أكثر الأحداث المأساوية في تاريخ العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية. وبالتاكيد، كأحد الصراعات المريرة بين الطرفين في القرن الماضي. ويمكن اعتبار انتفاضة الأقصى موجة إضافية في سلسلة من المواجهات المصيرية وواسعة النطاق التي وقعت بين إسرائيل والفلسطينيين منذ عام 1936-1939 وحرب الاستقلال وحرب لبنان الثانية والانتفاضة الأولى.

وفي العقد الأخير وقع نقاش شديد في أوساط السياسيين والإعلاميين والأكاديميين، وفي المجال العام –في صفوف الإسرائيليين والفلسطينيين، أو داخل المجتمع الإسرائيلي حول مسألة جذور انتفاضة الأقصى. وفي هذا الإطار طرحت مسألتين مركزيتين هما: الأولى، ما هو الرابط بين اندلاع المواجهات في “المناطق” وبين فشل مفاوضات كامب ديفيد في صيف 2000. والثانية، هل وقعت انتفاضة الأقصى نتيجة تخطيط مسبق من السلطة الحاكمة في صفوف الفلسطينيين، أو أن الاحداث وقعت بشكل عفوي. وبين ذلك، طرحت مسألة العلاقة بين انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان التي نفذت قبل نصف عام تقريبا من اندلاع المواجهة في “المناطق”. ولهذه الأسئلة أهمية كبيرة. لكن، ومن أجل فهم أعمق لجوهر الصراع ورسم طرق تطوره الممكنة يجب تحليل -من منظور العقد- الانعكاسات الشاملة على الطرفين، والطريقة التي يلخصون بها الصراع، ووضع وصف للعلاقات المستقبلية بين الطرفين.

أوضح اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية عصر في الشرق الأوسط. حيث عبر الصراع عن نهاية السنوات العشر من محاولة إسرائيل والفلسطينيين والعرب والإسرائيليين التوصل لحل النزاع الإقليمي بواسطة المفاوضات والتسويات سياسية. وتميز هذا العقد ،في ظل سيطرة أمريكية على الشرق الأوسط، بسياسة السعي لخلق وضع جديد بالمنطقة في أعقاب الحرب الباردة وحرب الخليج الأولى. وعرفت هذه المنطقة تطورات سياسية مثل مؤتمر مدريد (1991)، واتفاق أوسلو (1993)، وإقامة السلطة الفلسطينية (1994)، وتوقيع اتفاق السلام مع الأردن (1994)، والمفاوضات الإسرائيلية السورية في المنتصف الثاني من التسعينيات، وعملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل ومعظم الدول العربية والعالم الإسلامي. لكن مكان ذلك العقد حل الصراع الذي بدء عام 2000، حيث سيطر العنف عليه، وتعززت فيه قوة التيارات المتطرفة في كل المنطقة. وكانت انتفاضة الأقصى خلية مركزية في سلسلة من الأحداث المأساوية التي رسمت صورة كل المنطقة في العقد الأخير، وأهمها حرب الخليج الثانية واحتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والمعركة الدولية في أفغانستان، وحرب لبنان الثانية، والصراع الإسرائيلي والغربي والعربي مع إيران التي بدأت قوتها تتعاظم وعلى رأسها محاولتها الحصول على قدرات نووية. كذلك، مر العقد الحالي في ظل محاولات أمريكية لإعادة ترسيم المنطقة من جديد. لكن، يبدو أن نسبة نجاح الأمريكان بهذه السياسة في كل الجبهات خاصة العراقية والأفغانية كانت محدودة جدا مقابل العقد الذي سبقه. وعلاوة على ذلك، تشير الصعوبات المتزايدة لإحداث تغييرات بعيدة المدى في الشرق الأوسط على شاكلة دمقرطة المنطقة التي بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إلى سلبية صورة الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وتدمر تدريجيا تأثيرها في المنطقة.

وبشكل عام، هناك عدم اتفاق بين مختلف الباحثين حول القضية الفلسطينية فيما يتعلق بالتسلسل الزمني لإنتفاضة الأقصى. وفي الحقيقة يتفق الجميع على أن المواجهة بدأت في نهاية شهر أيلول عام 2000، لكنهم يختلفون حول موعد نهايتها، فهناك من يقول أن الانتفاضة انتهت بموت ياسر عرفات نهاية عام 2004 وتولي أبو مازن الحكم. وهناك من يدعي أن الحديث يدور عن حدث تاريخي لم ينته بعد، تميز بخطوات سياسية وعسكرية هي:

أ. من أيلول عام 2000 حتى عملية السور الواقي في أذار وأيار عام 2002 – وهي الفترة التي شهدت زيادة الإرهاب ضد الأهداف الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل، وشهدت مواجهات شعبية ضخمة، امتد بعضها للوسط العربي في إسرائيل، ووصلت إلى ذروتها في أحداث تشرين أول عام 2000، وبالانهيار السريع للسلطة الفلسطينية. وفي الجانب الإسرائيلي، تميزت هذه الفترة الأولى بذهول وحيرة حول كيفية مواجهة كيان صنعته هي بنفسها، ويستخدم في نفس الوقت العنف والمفاوضات السياسية. ووصلت هذه المرحلة إلى نهايتها عندما حسمت إسرائيل أمرها بضرب هذا الكيان بعمق، بعد سلسة من العمليات الارهابية كثيرة الضحايا في العمق الإسرائيلي، وفي مقدمتها العملية الانتحارية في فندق بارك بنتانيا خلال عيد الفصح عام 2002. وعبر عن ذلك بقرار إسرائيلي مركزي بإعادة السيطرة على مدن الضفة الغربية في عملية السور الواقي.

ب. من عملية السور الواقي حتى موت عرفات بتشرين الثاني عام 2004- وهي الفترة التي تميزت بتراجع حجم العمليات في إسرائيل. ويعود ذلك التراجع بسبب ،من ضمن ذلك، تشديد الإجراءات الإسرائيلية ضد الجهات الإرهابية، بما في ذلك الجهات التي خضعت لوصاية السلطة الفلسطينية. كما شهدت هذه الفترة، إضعاف كبير للسلطة الفلسطينية وحركة فتح ،حزب السلطة. الأمر الذي عزز قوة حماس. وعبر عن هذه المسيرة -في النهاية- بسيطرة حماس على جزء كبير من الساحة الفلسطينية. وفي إسرائيل، تميزت تلك الفترة في مراحلها الأولى بتفكير يدعو إلى تغيير السعي للتوصل لتسوية سياسية مع الفلسطينيين، إلى الفصل أحادي الجانب. وعبر عن هذا التفكير ببناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية وبفكرة الإنفصال عن قطاع غزة.

ج. بين موت عرفات وبين سيطرة حماس على قطاع غزة حزيران عام 2007- وهي مرحلة شكلت مفترق طرق تاريخي، حاولت في إطاره السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن -من دون نجاح- تبني استراتيجية جديدة تدمج فيها الجهات المعارضة المسلحة وفي مقدمتها حماس بمؤسسات الحكم، وبذلك يتم تقييد نشاطاتها العسكرية. وفي الوقت نفسه، حدث تقدم في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، حيث كان الإنفصال من غزة هو حجر الأساس في هذه السياسة. لكن هذه الخطوة، تحولت بسرعة إلى شهادة قاطعة بضعف أبو مازن، حيث فشلت حكومته في محاولتها فرض سيطرتها على القطاع. وبسبب ذلك، أصبح قطاع غزة مرتع اعمال خصب أكثر من الماضي للعناصر الإرهابية، وفي مقدمتها حماس التي سيطرت على القطاع بالقوة، مع تقويض سلطة أبو مازن في القطاع. وتقلصت كثيرا العمليات الإرهابية في العمق الإسرائيلي، معتمدين في ذلك على الأعمال العسكرية الواسعة للجيش الإسرائيلي وبسبب بناء الجدار الفاصل. وتغيرت هذه التهديدات بتهديدات عسكرية جديدة وقوية وفي مقدمتها الصواريخ التي تطلقها الجهات الإرهابية في قطاع غزة، وأقيمت في قطاع غزة كيان يركز على تعزيز البنية العسكرية وتحسين قدرات المس بإسرائيل، مع استغلال عدم قدرة إسرائيل على التواجد بين المصرية وحدود قطاع غزة بهدف إدخال كميات ضخمة من الوسائل القتالية. ورأت إسرائيل بهذه الفترة فرصة استراتيجية واعتبرت أبو مازن بديل لعرفات وحماس، لكن الرغبة الأولية بالتغيير في الحلبة الفلسطينية خيبت الأمال وبدلا منها واجهت إسرائيل واقع استراتيجي معقد ومهدد.

د. منذ حزيران 2007 حتى اليوم – وهي الفترة التي يعتبرها مختلف المراقبين انتقال لعصر جديد وهي فترة غير تابعة لانتفاضة الأقصى. وشهدت هذه المرحلة انقساما عميقا في الساحة الفلسطينية، مما ألزم إسرائيل اتباع سياسة ذات شقين هما: الأول، صراع عسكري وسياسي ضد كيان معادي يسيطر على قطاع غزة ويطور قدرات عسكرية محسنة موجهة ضد إسرائيل (بمساعدة وتوجيه إيراني)، حيث عبر عن هذه العلاقة بعملية الرصاص المنصهر التي اندلعت في كانون أول عام 2008 وتشرين الثاني عام 2009. وفي المقابل استمرار المفاوضات السياسية بما في ذلك البحث في قضايا الحل النهائي مع الكيان الفلسطيني الثاني الذي يعمل تحت سيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، في محاولة من إسرائيل تشجيع وتطوير قدرات مستقلة، تعتبر محدودة حتى الان.

 

تهدف هذه المقالة إلى عرض ميزان وخلاصة من وجهة نظر الطرفين المشاركين في الصراع. ويدور الحديث عن مهمة ترافقها بعض الصعوبات المنهجية وهي: حقيقة أنه لا يوجد اتفاق استراتيجي بين الطرفين. وعليه، فإن المقارنة المتوازنة ليست متجسدة لأنها ليست متعادلة. فالتنوع الداخلي للطرفين، خاصة الجانب الفلسطيني ،الذي انقسم إلى لاعبين مركزيين خلال المواجهة، يؤدي لطرح تحليلات مختلفة في المعسكرين حول جوهر ما حدث في العقد الأخير. وكذلك اختيار وجهة نظر رسمية للعشر سنوات من اندلاع الانتفاضة من دون تحديد نهاية رسمية وواضحة لها. لكن، تحليل مختلف التصريحات والمواقف من قبل الطرفين تساعد في الفهم الاستراتيجي الذي تبلور في صفوفهما بالعقد الأخير، ورسم التوجهات الأساسية الموجهة لهما نحو المستقبل.

 

الميزان من وجهة نظر فلسطينية

من دون الحاجة إلى الاجابة على من هو المبادر لحالة الصراع وكيف اندلعت انتفاضة الأقصى، يمكن بدرجة كبيرة وصف انتفاضة الأقصى كتعبير إضافي للارتباك الأساسي وبعدم القدرة على الحسم المستعصية، التي ترافق المؤسسة الفلسطينية الحديثة منذ عام 1948 –تخبط بين مصطلح ثورة الذي يجسد تحقيق الأهداف الوطنية العليا وفي مقدمتها تحرير كل فلسطين وتطبيق حق العودة، وبين مصطلح الدولة الذي يعبر عن الاستعداد للتوصل لحلول وسط مقابل السيادة الوطنية الكاملة، وهو الواقع الذي لم يرغب به الفلسطينيين مطلقا.

وخلال محادثات كامب ديفيد في صيف 2000 حول التسوية النهائية، واجه الفلسطينيون هذا التخبط بشكل لم يعهدوه في تاريخهم. وللهروب من ضرورة تبني قرارات تاريخية في القضايا الجوهرية وفي مقدمتها اللاجئين والقدس والحدود، عاد الفلسطينيون بقيادة ياسر عرفات وحركة فتح إلى الكفاح المسلح، بشكل أبعد مرة أخرى الساحة الفلسطينية عن اتخاذ قرارات تاريخية مؤلمة لكنها مطلوبة، وحولها لعقد من الصراع الذي رافقه تدمير عميق لمشروع الدولة الذي بذل الكثير من أجل تحقيقه في التسعينيات.

ومقارنة الوضع الحالي للفلسطينيين مع الذي ساد بعد اندلاع انتفاضة الأقصى يشير بدرجة كبيرة إلى السلبية، على الأقل وفق نهج التيار الوطني الفلسطيني أي م.ت.ف وحركة فتح. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى عدد من الخطوات الموجودة والمعكوسة كليا للرغبات الفلسطينية والإسرائيلية التي رافقت إقامة السلطة الفلسطينية في بداية التسعينيات وهي:

أ. تراجع إمكانية إقامة الدولة- لم يشهد العقد المنصرم انهيار لهذا المشروع، لكنه خربه بدرجة كبيرة جدا. ورافق الهجمات التي وجهتها إسرائيل لمراكز السلطة الفلسطينية تصاعدا في قوة المليشيا المسلحة وسيادة حالة الفوضى. الأمر الذي أدى لتراجع إمكانية إعادة بناء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولم تعد قوة مدنية وأمنية كما كانت في سنوات التسعينيات. وفي المقابل يتمتع حكم حماس في قطاع غزة بالاستقرار النسبي، الذي يعود في الأساس إلى استعدادها لاستخدام القوة الكبيرة من أجل فرض سيطرتها خاصة اتجاه حركة فتح والجهاد الإسلامي والمنظمات المحسوبة على الجهاد العالمي وكذلك على العائلات المحلية المختلفة.

ب. صعود حماس وتراجع م.ت.ف- في ظل المواجهة بدأت عملية تدمير متزايد في مكانة الحكم الفلسطيني ومعه م.ت.ف وحركة فتح. وفي المقابل تعززت قدرات حماس، التي استغلت فراغ السلطة لتعزيز قدراتها العسكرية وتعزيز علاقاتها مع بقية فئات المجتمع. ووصل هذا التوجه إلى ذروته بالانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الثاني عام 2006 والذي أصبحت بموجبه حماس الحزب الحاكم في السلطة الفلسطينية. والأهم من ذلك، سيطرت الحركة على قطاع غزة. وبذلك تحولت حماس من حركة معارضة مقاتلة إلى سلطة تواصل تبني نهج الجهاد، غير أنها تواجه اليوم، وبشكل تدريجي، الصعوبات الكامنة في الدمج بين الطريقتين. وفي المقابل، فقدت حركة فتح واليسار الفلسطيني الذين سيطروا على الساحة الفلسطينية المعاصرة منذ نشأت هذه التنظيمات (الناحية العملية هم من أوجدها) من قوتهم العسكرية والسياسية والفكرية وكذلك الجمهور. وصعود تيار إسلامي للحكم ليس “حادث طرق” في التاريخ الفلسطيني أو تعبير عن احتجاج عميق من الجمهور الفلسطيني ضد حركة فتح، بل هو مقدمة لمسيرة عميقة في المجتمع الفلسطيني، مثلها مثل المجتمعات المختلفة في المنطقة، بما في ذلك المجتمع العربي في إسرائيل. حيث يمر المجتمع الفلسطيني بتغييرات ثقافية بعيدة المدى تغير بشكل تدريجي في صورته، التي تدعو إلى تعزيز الهوية الدينية في أوساط واسعة فيه.

ج. مأسسة الانقسام الداخلي- في بداية الصراع واجه إسرائيل كيان سياسي موحد في منطقتين منفصلتين. أما اليوم، فتواجه إسرائيل كيانيين مختلفين من ناحية فكرية وثقافية وسياسية، ومعاديتان لبعضهما البعض، وتدعي كل منهما أنها تقود الساحة الفلسطينية وتقيم شبكة علاقات مختلفة الأهداف مع إسرائيل والمجتمع الدولي. وإقامة السلطة الفلسطينية ظل يسعى إلى تعميق وحدة السلطة والأرض بين قطاع غزة والضفة الغربية التي يشعر فيها سكان المنطقتين بغربة متبادلة. وأدى الصراع ونتائجه إلى تعميق الفصل الجغرافي والإجتماعي بين المنطقتين بطريقة لا تمكن أبو مازن اليوم الادعاء بأنه يمثل قطاع غزة في كل شأن، خاصة في مفاوضات الحل النهائي.

د. تراجع فكرة التسويات وتقدم فكرة المقاومة- رافق سنوات الصراع الصعبة هدم واسع النطاق في أراضي السلطة الفلسطينية. حيث عرض هذا الصراع الأطراف المؤيدة للسلطة للدمار خاصة أجهزة الأمن، نظرا للوجود المتواصل نسبيا لقوات الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي الفلسطينية، إلى جانب توسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية بطريقة يجسد من ناحية الفلسطينيين خسارة متزايدة في المجال السياسي. وعلى هذه الخلفية، كانت هناك خيبة أمل فلسطينية من إمكانية التوصل لتسوية سياسية مع إسرائيل. الأمر الذي أدى إلى تقدم فكرة المقاومة ضد إسرائيل، وتراجع فكرة التسويات. اليوم، لا توجد عودة لفكرة الكفاح المسلح -مصطلح طورته حركة فتح. بل هناك إعادة صياغة من قبل الجهات الإسلامية وفي مقدمتها حماس الذي غلفوه بمضمون ديني متطرف أكثر من الماضي. ورغم عدم اختفاء التسوية وبقائها المبدأ الإساسي في إدارة السلطة الفلسطينية نحو إسرائيل، لكن منطق التسوية تعرض لضربة قوية في أعقاب عقد من الكفاح المسلح، وحرب أهلية فلسطينية، وجمود متواصل في المسيرة السياسية. وفي المقابل، تبين للفسطينيين أن فكرة المقاومة تحدث أضرار كبيرة في صفوف الفلسطينيين التي عبر عنها في عملية الرصاص المنصهر. غير أن، فكرة المقاومة ما زال لها سحرها الخاص في أوساط كثيرة من المجتمع الفلسطيني، ويعتبرونها الطريق الأفضل والأنجح لمواجهة إسرائيل، وكبديل سياسي وثقافي مفضل على فكرة التسويات السياسية.

 

والتحليل المذكور وفق وجهة نظر السلطة الفلسطينية. وفي المقابل، فإن وجهة نظر حماس مختلفة وهي متفائلة أساسا. وكما ذكر تحولت حركة حماس في العقد الأخير، من مقاومة شبه سرية ومطاردة من قبل إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتنكر لها معظم المجتمع الدولي، إلى حزب حاكم يفرض سيطرته تدريجيا على الساحة الفلسطينية ويحصل على اعتراف متزايد من لاعبين خارجيين كثر. ورافق العقد الأخير ضربات شديدة ضد الحركة وفي مقدمتها اغتيال معظم القادة المؤسسين. لكن حماس التي تتبنى مبدأ الصبر والصمود، تحملت الضربات ومنها عززت قوتها. وحسب النهج الذي تسير عليه، يدور الحديث عن مرحلة مهمة في عملية إيجاد موقع كقيادة جديدة للساحة الفلسطينية عن طريق تحقيق هدفها بعيد المدى وهو إقامة دولة ذات طابع ديني على جميع فلسطين. وتعزيز سلطة حماس قلبت موازين الربح والخسارة وجعلتها أكثر تعقيدا من الماضي، حيث مطلوبا منها اليوم ضبط العمل العسكري ضد إسرائيل خاصة بعد عملية الرصاص المنصهر. لكن الوضع الجديد لم يؤدي لحدوث تصدعات جوهرية في الفكر المتطرف والانفعالي للحركة، ولم يضعضع الاستعداد المتواصل لمواجهة إسرائيل مرة اخرى.

وفي الجانب الإيجابي، لا بد من الإشارة بأن فكرة الدولة الفلسطينية لم تنهار بعد نتيجة الإنهيارات العميقة التي شهدها المجتمع الفلسطيني في العقد الأخير. فلإقامة دولة ما زالت الفكرة والهدف المركزي للسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي كأساس متفق عليه لتسوية سياسية مستقبلية. كذلك يرى فلسطينينون كثر أن هناك ناحية ايجابية أخرى نتجت عن الصراع، لكن هذه المرة في الحلبة الداخلية، حيث سمحت انتفاضة الأقصى بعملية حيوية لتبادل النخب في القيادة الفلسطينية. وكما أشار إلى ذلك باحثون كثيرون، وفي مقدمتهم خليل الشقاقي الذي قال أن الصراع جسد بصورة كبيرة السعي لزعزعة سلطة القيادة التاريخية في المجتمع الفلسطيني وفي مقدمتها قيادة عرفات وجيل المؤسسين من م.ت.ف وحركة فتح، مما أدى لصعود قيادة جديدة، وهي قيادة تختلف عن الحرس القديم. ويعد قادتها على الجيل الجديد الذي يميلون للداخل وليس للشتات. وهي قيادة نمت في ظل مقاومتها لإسرائيل خاصة خلال الانتفاضة الأولى، ويحسب معظمهم على الفئات الاجتماعية الريفية وأبناء المخيمات. وعبر عن ذلك في حركة فتح بنشاط المليشيات التي سمت نفسها كتائب شهداء الأقصى، والتي اعتبرت تهديدا لمؤسسة الحكم التي يقودها العائدين. وتسعي القيادة الداخلية –بنجاح محدود- إلى الحلول مكان الحرس القديم المسيطر على السلطة والحركة. أما حماس فقد مثلت التغيير بطريقتها الخاصة (مثل التغيير في القيادة الوطنية)، والمجموعة التي تقود اليوم في كل المجالات محسوبة بصورة كبيرة على “الداخل” خاصة على القطاع الريفي الاجتماعي، وبرز من بين صفوفها قيادات شابة كثيرة نتيجة اغتيال إسرائيل لجيل المؤسسين وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين خلال انتفاضة الأقصى.

ويعبر الجزء الأخير من العقد الماضي عن تفاؤل معين –متواضع وحذر جدا – في السلطة الفلسطينية. فبعد هزيمة ابو مازن بالمعركة ضد حماس بقطاع غزة حدثت مراجعة شاملة في السلطة، وتبنت توجها يدعو لسياسة تمنع سيطرة التيار الإسلامي على الضفة الغربية. وهذه السياسة التي تؤيدها إسرائيل تعتمد بالأساس على إجراءات ومحاولات تعزيز مؤسسات السلطة الفلسطينية التي يقودها سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطينية. وهي سياسة تعمل على تجسيد مؤسسات الدولة كأمر واقع أو “دولة من أسفل” (الساعية لتقييد قوة حماس)، العاملة في المجالات السياسية والعامة والمالية، وبدرجة أقل بالمجال العسكري (تطوير اقتصادي ومنح المواطنين الأمن وتقويض الفوضى تتم من خلال تعزيز أجهزة الأمن الفلسطينية مع محاولة التقدم بالمفاوضات السياسة مع إسرائيل بدفع متواصل من الإدارة الأمريكية.

لكن الواقع المتحسن ما زال بعيدا على أن يشكل بديلا مستقرا من وجهة نظر إسرائيل والكثيرين في المجتمع الفلسطيني. فقوة السلطة ما زالت محدودة، وهي بالتأكيد لا تكفي لبسط سلطتها على الأرض، حيث تعاني أجهزة الأمن من عيوب مختلفة ميزتها في الماضي، وفعالية مؤسسات السلطة ما زالت محدودة وإصلاح حركة فتح ما زال خجولا. ورغم احتواء حماس في مجالات مختلفة، إلا انها تتمتع بشعبية قوية في الضفة الغربية، وحكومة حماس في غزة قوية ومأسستها أصبح حقيقة واقعة وتشكل تهديدا لسلطة أبو مازن. والمشكلة الأكبر، ورغم التقويض الكبير للسلطة الفلسطينية في السنوات الماضية إلا أن القيادة الفلسطينية بقيادة أبو مازن لم تخض حوارا داخليا من أجل اتخاذ قرارات وطنية مصيرية مؤلمة في القضايا التي أدت للصراع الحالي مع إسرائيل مثل حق العودة واللاجئين.

 

الميزان من وجهة نظر إسرائيلية 

نتيجة لاندلاع الانتفاضة الثانية ومشاهدها الأولى الجريئة (المحاكمة الميدانية لجنديين من الجيش الإسرائيلي بمدينة رام الله، والعمليات الانتحارية في المدن الإسرائيلية التي خلفت ورائها عدد كبير من الاصابات، ومظاهرات تشرين أول 2000 بالوسط العربي وغير ذلك) وقع المجتمع الإسرائيلي في صدمة وارباك وحيرة. وكان لهذه الأحداث دور كبير في إعادة رؤية الحكومة والجمهور الإسرائيلي حول طبيعة الخصم وجوهر الصراع والتسوية معه. والصراع الذي اندلع بعد نصف عام تقريبا من انسحاب الجيش الإسرائيلي بصورة أحادية الجانب من جنوب لبنان كشف عن مجتمع وحكومة مستعدان ،أقرب من أي وقت مضى، لوضع حد للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني وحتى الإسرائيلي العربي. لكن كل ذلك تبخر.

والصدمة الأولى (إن كان ذلك في مؤسسات الحكم أو في أوساط الجمهور) تم تغييرها تدريجيا، إلى العمل بالمجال العسكري. وفي المقابل، كانت هناك خيبة أمل عميقة في الجانب الفلسطيني والبحث عن حلول جديدة للمشكلة الفلسطينية. والرد العسكري الإسرائيلي الجريء، عبر عنه بسلسلة عمليات عسكرية لم يسبق لها مثيل، اعتبرت انسحابا جوهريا من السياسات التي ميزت العقد الذي سبقه, وخلال هذه المرحلة دمرت إسرائيل مؤسسات الحكم الفلسطيني وأعيد احتلال المدن الفلسطينية وضربت القيادات الفلسطينية من كل التنظيمات (تصفية قادة التنظيمات مثل أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي من حماس وأبو علي مصطفى سكرتير عام الجبهة الشعبية واعتقال اخرين مثل مروان البرغوثي من فتح واحمد سعدات السكرتير الحالي للجبهة الشعبية) وفرض منع تجول متواصل على قلب القيادة الوطنية الفلسطينية –مبنى المقاطعة في رام الله الذي حوصر من قبل الجيش الإسرائيلي في بداية عام 2002 الذي تحصن فيه ياسر عرفات حتى مماته.

الحلول الجديدة، احادية الجانب في جوهرها، تجسدت أساسا ببناء الجدار الفاصل، وبالإنفصال عن قطاع غزة في صيف عام 2005. حيث ساهم الإجراء الأول في تراجع كبير في العمليات الموجهة للجبهة الداخلية في إسرائيل. في حين نمى في قطاع غزة بعد عامين من الانسحاب أحادي الجانب من القطاع واقعا مهددا لإسرائيل تمثل بسيطرة مطلقة لحماس على قطاع غزة ومن ثم تحويله لجبهة مقاومة لإسرائيل، وشن منه حرب استنزاف متواصلة حملت في طياتها تهديدات عسكرية خطيرة على التجمعات السكانية الإسرائيلية، بما في ذلك وسط البلاد. وعمقت الإجراءات المذكورة الشكوك بقدرة ونوايا الشريك الفلسطيني، لكنها لم تغلق المجال لمواصلة المفاوضات معه .

الميزان الشامل لإسرائيل بعد عشرة أعوام من انتفاضة الأقصى مختلط. فهو يميل نحو السلبية مقارنة بالوضع الذي ساد عشية اندلاع الانتفاضة، فما بالك بالأمال التي رافقت قيام السلطة الفلسطينية. ومنذ عام 2010 وجدت إسرائيل نفسها في واقع معقد فهي تواجه كيان معادي ومستقر في قطاع غزة، وخاضت ضده معركة عسكرية قوية. لكن هذا الكيان يواصل طوال الوقت الاستعداد لمعارك مستقبلية، من خلال التزود بوسائل قتالية كثيرة ومحسنة. ولإسرائيل القدرة على إزالة حماس واحتلال قطاع غزة، لكن ذلك يتطلب منها دفع ثمن من النوع الثقيل جدا بكل المعايير، بما في ذلك خوض كفاح مسلح متواصل ومعادي وإيقاع خسائر في المجالين السياسي والديبلوماسي والعمل على تزويد القطاع الفقير بالموارد، كل احتياجاته. أما في الضفة الغربية فيتطور تدريجيا الأمن والهدوء النسبيين، والذي يعود بالأساس للسيطرة الأمنية الإسرائيلية على المنطقة، ويعود بعضها الأخر لنشاطات التي تقوم بها السلطة الفلسطينية. وتعزز السلطات المحلية قوتها تدريجيا، لكن يبدو أنها غير قادرة بعد على مواجهة تحدي السيطرة الذاتية. وعليه، يتطلب الوضع من إسرائيل استمرار الوجود في المنطقة.

البعد السلبي الأخر الذي تطور في العقد الأخير يتجسد بالتراجع المتزايد في شرعية إسرائيل الدولية. فالعمل العسكري ضد السلطة الفلسطينية وبناء الجدار الفاصل وسياسة الحواجز في الضفة الغربية والخطوات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في قطاع غزة (خاصة عملية الرصاص المنصهر) لم يتفهمها المجتمع الدولي. فالنقد الشديد والمتعاظم يتم تفهمه، لإنه صادر من جهات في المستوى السياسي والعام والكاديمي والإعلامي الدولي الذين يتعاطفون بشكل تقليدي مع النضال الفلسطيني ويميلون لوصف إسرائيل “ببقايا الاستعمار” فاقد الشرعية. لكن، هذا النقد يدفع تدريجيا الجهات الحكومية والجماهير بالغرب الذين يميلون لتفهم إسرائيل إلى عدم التمسك بمواقفهم تلك في السنوات الأخيرة. وعبر عن هذا التوجه في محاولات فرض مقاطعة أكاديمية وإقتصادية على إسرائيل، وبتشكيل لجان تحقيق دولية فيما يتعلق بإجراءاتها ضد الفلسطينيين (خاصة تقرير لجنة غولدستون) وبدء إجراءات قضائية في محكمة العدل الدولية (في أعقاب بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية أو بقتل زعماء الإرهاب الذي رافقه مقتل مدنيين) والنقد اللاذع –من جانب إدارة أوباما- حول استمرار البناء في المستوطنات. والتحدي الأساسي بالنسبة لدولة إسرائيل ليس فقط بتوجيه النقد لسياستها المتبعة بحق الفلسطينيين وبنظرية “المعتدي الأبدي” والذي “يعمل ضد” التي ليس لها أساس من الصحة، بل من النقد المتزايد حول وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وصهيونية. وهذا النقد موجه بالأساس من تحالف غريب مكون من جهات سياسية وأكاديمية متطرفة في الغرب، ومن أنظمة حكم مختلفة في العالم الثالث (خاصة من الدول غير الامنحازة) وكذلك من زعماء في المعسكر الإسلامي المتطرف مثل إيران وحزب الله وحماس.

ولصالح الميزان الايجابي يطرح الصمود الناجح للدولة والمجتمع الإسرائيلي في الاختبارات المختلفة التي وضعها فيها الصراع الأخير. فقد تعرضت إسرائيل لضربات صعبة ومتواصلة من قبل الإرهاب الفلسطيني في قلب المدن الإسرائيلية، لكنها أظهرت حصانة أمام هذه الهجمات عبر عنه بمواصلة الحياة العادية في المجال العام والأقتصادي. وعلاوة على ذلك، نجحت إسرائيل بتقويض تحدي الإرهاب في الضفة الغربية ورسن التهديدات العسكرية الموجهة من قبل قطاع غزة. وبذلك منح الأمان والهدوء النسبي للدولة. وساهمت الإجراءات العسكرية التي اتخذتها إسرائيل خاصة الموصوفة في فصول هذه الكراسة والتي لم تتلائم مع المعايير وفي مقدمتها المس بقيادة المنظمات الفلسطينية والعمليات العسكرية مثل السور الواقي والرصاص المنصهر، في تعزيز قوة الردع الإسرائيلية بالساحة الفلسطينية وخارجها، وذلك من خلال إظهار إصرار إسرائيل واستعدادها لإلحاق الخسائر الثقيلة في صفوف أعدائها. وكان لهذه الخطوات أهمية في تعزيز الهدوء النسبي الذي يسود الضفة الغربية في الخمس سنوات الماضية، وبقطاع غزة منذ عام 2009. ونفس الوضع ينطبق على لبنان منذ الحرب التي شنتها إسرائيل على حزب الله في صيف عام 2006.

وكان الانفصال عن قطاع غزة الامتحان الأصعب أمام إسرائيل في انتفاضة الأقصى. حيث كمن في داخله احتمال نشوب صراع داخلي عنيف. لكن، ورغم الانقسام الذي حدث في المجتمع الإسرائيلي، إلا أنه انتهى بتجسيد سلطة القانون والوحدة الوطنية. وإلى جانب الخلاف المرير هذا، تطور خلال الصراع نقاشات إضافية في الساحة الإسرائيلية الداخلية حول قضايا مثل بناء الجدار الفاصل، وسياسة الحواجز في الضفة الغربية، ومكانة عرب إسرائيل (في أعقاب طرح الموضوع في إطار الحوار حول التسوية النهائية، خاصة في مجال إمكانية تبادل الأراضي).

وعبرت انتفاضة الأقصى عن وعي وتفهم أكثر عمقا للحكومة والجمهور في إسرائيل فيما يتعلق بطابع الخصم وجوهر التسوية والصراع معه. ففي مجال التسوية يبرز الاعتراف المتزايد بحل دولتين لشعبين، حيث أصبح هذا الحل مقبول تدريجيا عند كل اللاعبين السياسيين في الحلبة السياسة الإسرائيلية، خاصة من قبل الجهات المركزية في معسكري اليمين والوسط  (حزبي الليكود وكاديما). وعبر عن هذا التوجه، بسلسلة من الإجراءات في مقدمتها الانفصال عن قطاع غزة بقيادة رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون، إلى جانب التصريحات المتنوعة من قبل رئيسي الوزراء الذين جاءا بعده (إيهود أولمرط وبنيامين نتنياهو) بضرورة الاعتراف بقيام دولة فلسطينية إلى جانب تقديم تنازلات مؤلمة مطلوب من الجمهور الإسرائيلي تقديمها مستقبلا. ورغم أن هذه التنازلات جزئية وبعيدة جدا عن الإشارة إليها على أنها قدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في الجانب الإسرائيلي مستقبلا، إلا أنها أوسع من التوجه المتطور في القيادة الفلسطينية في العقدين السابقين (خاصة في موضوع اللاجئين) حيث تبرز عدم القدرة المطلقة على تكوين أي وعي جماعي عند الفلسطينيين من أجل تقديم تنازلات وطنية في هذا الموضوع مستقبلا.

إلى جانب الاعتراف بضرورة وجود تسوية نهائية يبدي القادة الإسرائيليين في العقد الأخير تفهما واضحا لصعوبات التوصل لمثل هذا الهدف في المستقبل المنظور. وفي هذا المجال، بدأت القيادة الإسرائيلية تتفهم جيدا الأبعاد العميقة لذكرى النكبة وفكرة حق العودة في الوعي الوطني الفلسطيني، وصعوبة دفع الفلسطينيين بالتصريح العلني عن تقديم تنازلات بعيدة المدى في هذا الموضوع. ولا يعني ذلك، أن هناك توجها في الجانب الإسرائيلي للموافقة على الموقف الفلسطيني في مسألة اللاجئين، بل تم التعرف على “الخطوط الحمراء” للطرف الثاني بصورة تساعد مستقبلا على تفهم هامش المناورة الحقيقية وإيجاد السبل الصحيحة للالتفاف عليها وايجاد حلول لها في المستقبل البعيد. وخلال ذلك، فإن القضايا الأخرى وبمقدمتها وضع حد للنزاع والاعتراف بدولة إسرائيل دولة يهودية، ما زالت هناك هوة جوهرية في مواقف الطرفين، ويبدو أنه لا يمكن جسر هذه الهوة في المستقبل القريب.

وفي المجال العسكري تعمق الوعي العام الإسرائيلي حكومة وجمهورا، خاصة في النصف الثاني من العقد الحالي، فيما يتعلق بالطابع الجديد للمعارك التي ستخوضها الدولة ، والثمن الذي يدفعه الجمهور، وبالطرق الملزمة لمواجهة الخصم. وفي عصر مواجهة تحدي المقاومة، الذي تمثله أحزاب (ليست دول مثل حزب الله وحماس) تسعى لإنهاك إسرائيل بدلا من خوض حرب مباشرة معها. والمطلوب من الجمهور الصبر وتفهم أنه لا يمكن تحقيق النصر الواضح والحاسم، وعليه أن يعلم أن العدو يفرض على إسرائيل وبقصد حرب يدمج فيها البعد العسكري بالبعد المدني، الذي يرافقه أضرار كبيرة بسكان الخصم.

وبرؤية استراتيجية أوسع، ورغم أن الصراع مع الفلسطينيين تطلب من إسرائيل التركيز عليه، إلا أن هذا الصراع تراجع تدريجيا لصالح تهديدات أخرى تطورت في العقد الأخير. فتحول إيران كدولة عظمى إقليميا وذات تطلعات نووية والساعية لإعادة رسم المنطقة من خلال تعزيز سيطرة تيار المقاومة بقيادتها. وعلى أية حال، فإن مواجهة القوة المتزايدة لحزب الله والحاجة إلى تحييد التهديدات المتوقعة من جانب سوريا (بناء مفاعل نووي) ألزمت إسرائيل بتقليل –بشكل نسبي- الاهتمام بالتحدي الفلسطيني الذي قيد بشكل أو بأخر في أبعاده العسكرية ولم يظهر أي أفق حقيقي في المجال الساسي.

ورغم احتلال الموضوع الفلسطيني مكانا مركزيا في جدول اعمال أصحاب القرار في إسرائيل، لكن تعالت الأصوات في السنوات الأخيرة في الجهاز السياسي والأمني في الدولة المطالبة بالتنازل في الموضوع الفلسطيني خاصة في موضوع المفاوضات معها، مقابل التقدم في معالجة التهديدات الأكثر استراتيجية وفي مقدمتها التهديد الإيراني. وينظر الكثير من أجهزة الدولة أن هذه التهديدات أضرارها أخطر من التهديدات التي تشكلها الساحة الفلسطينية، وهو الأمر الذي يدفع إسرائيل إلى تخصيص موارد كثيرة ووسائل قتالية حديثة وتطوير طرق مختلفة عن تلك المتبعة في الساحة الفلسطينية. وفي هذا المجال كانت حرب لبنان الثانية رسالة من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق بالثمن الذي دفع نتيجة الاهتمام المتواصل بالساحة والتعود على الحروب منخفضة المستوى، التي تحمل في طياتها تراجع متواصل في مستوى الاستعداد والتدريب على مواجهة حرب تقليدية.

كما ركنت الولايات المتحدة القضية الفلسطينية جانبا، كمشكلة تعتبر “قلب النزاع” وركزت اهتمامها في العقد الماضي شرقا. فالمشاريع الإستراتيجية الضخمة للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ومواجهة إيران تلزمها الاهتمام (الذي لم يسبق له مثيل) بتلك المنطقة وتضعها في مركز اهتمامتها السياسية. ورغم مواصلة الولايات المتحدة جهودها لإحياء فكرة التسويات في المجال الإسرائيلي الفلسطيني، وربطها ربطا دقيقا بين هذا الصراع وبين الصراعات الأخرى بالمنطقة، كانت النتائج متواضعة جدا مقارنة نتائج سنوات التسعينيات.

وتجسد انتفاضة الأقصى ميزات خاصة بالحلبة الفلسطينية، لكنها تمتد إقليميا على شكل صعود تيار المقاومة وضعف تدريجي –وليس هزيمة مطلقة- للمعسكر المؤيد للتسويات. والوضع الحالي في الساحة الفلسطينية يعبر عن نجاح التيار المتعاطف مع فكرة المقاومة والسيطرة على جزء من كيان سياسي وتحويله لساحة صراع ضد إسرائيل، مثل حزب الله في لبنان. وتعرض هذه القوى نموذجا من الحكم يتبنى نهج المقاومة. وفي المقابل تحكم أنظمة مثل نظامي الحكم أفغانستان والعراق التي تساعد في تقويض تيارات المقاومة، لكنها ضعيفة في مواجهة هذا التيار لوحدها.

نظرة مستقبلية: البحث في الخيارات المعقدة

بعد عشرون عاما من بداية الاتصالات السياسية بين إسرائيل وبين الفلسطينيين، وستة عشرة عاما من إنشاء السلطة الفلسطينية، تبدو العلاقات بين الطرفين معقدة جدا. ويبدو احتمال التوصل لتسوية تاريخية في المدى القريب ضعيفة جدا. فالسلطة الفلسطينية ضعيفة ومنقسمة على ذاتها، ونصفها يحكم من قبل جهات متطرفة. وفي المقابل، تواصل إسرائيل الامتناع عن اتخاذ قرارات استرتيجية في الموضوع الفلسطيني، وتجد صعوبات في تركيز اهتماها بالموضوع الفلسطيني، نتيجة تزايد التحديات التي تواجهها إسرائيل، وفي مقدمتها التحدي الإيراني المتعاظم. ومع ذلك، فإن العزاء الوحيد يكمن في إمكانية التوصل لتسوية سياسية رغم الهزات الشديدة التي مرت بها العلاقات بين الجانبين.

وفي الإطار المذكور يمكن الإشارة إلى ثلاثة سيناريوهات ممكنة لنمو العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين في المستقبل وهي:

أ. استمرار الوضع القائم: وجود كيان فلسطيني سياسي يتمتع بشبه حكم ذاتي في الضفة الغربية، إلى جانب كيان سياسي تسيطر عليه حماس في قطاع غزة. وستواصل إسرائيل وجودها العسكري العميق في الضفة الغربية للمساعدة في تطوير الإدارة الفلسطينية، إلى جانب توسيع المشروع الاستيطاني اليهودي في المنطقة، والامتناع عن اتخاذ قرارات استراتيجية أو التوصل لتسوية حول الحل النهائي. وعلى المدى القريب والمتوسط، يتوقع تجدد العنف من قبل الفلسطينيين، مع التاكيد على اندلاع انتفاضة شعبية واسعة النطاق في الضفة الغربية أو تجديد الكفاح المسلح بقيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح. وفي هذا المجال ربما يعلن سيناريو فلسطيني أحادي الجانب بالاستقلال السياسي. وُيدخل هذا الإعلان إسرائيل في تعقيدات عميقة في المجال السياسي والديبلوماسي وأمام المجتمع الدولي، ويؤدي لتوترات متزايدة مع السلطة الفلسطينية. وعلى المدى البعيد، يؤدي استمرار الواقع الحالي إلى قيام دولة ثنائية القومية، وهو واقع تتطلع إليه بعض الجهات الإسرائيلية والفلسطينية، باعتقاد أن هذا السيناريو يخلق قاعدة لسيطرة طرف ما على الكيان المشترك. وعمليا، يعتبر هذا الحل متفجر جدا، ويقود لصراع عنيف لم يسبق له مثيل بين اليهود والعرب، خاصة أنه يعرض للخطر وجود دولة صهيونية يهودية ديموقراطية على المدى البعيد.

ب. اتخاذ خطوة شجاعة: وهي سياسة من شأنها أن تدفع إسرائيل إلى انسحاب واسع وسريع من الضفة الغربية وإقامة دولة مستقلة في هذه المنطقة، بما في ذلك القدس الشرقية. لكن يبدو أن مثل هذه الخطوة ستكون مدمرة. لأن السلطة الفلسطينية ضعيفة في الأساس، ويعتقد أنها ستجد صعوبة في مواجهة حماس بشكل مستقل، رغم أنها تعزز قواها تدريجيا. وهذا الوضع يؤدي بعد عدة سنوات لتكرار سيناريو قطاع غزة من عام 2007 في الضفة الغربية. ولمثل هذه الخطوة انعكاسات استراتيجية خطيرة من وجهة النظر إسرائيل خاصة إذا امتلكت حماس إمكانية المس بمراكز المدن والبنى التحتية والوطنية الواقعة في وسط البلاد. كما أن اتخاذ قرار واضح بخصوص قطاع غزة سيؤدي إلى انهيار حكم حماس في المنطقة وإعادة احتلال القطاع. ومثل هذا السيناريو يحمل مخاطرا كبيرة نظرا لعدم القدرة على خلق بديل حقيقي على شاكلة نظام حركة فتح بدلا من نظام حركة حماس. كذلك هناك مخاطر من صعود جهات متطرفة أكثر في قطاع غزة خاصة تنظيمات محسوبة على الجهاد العالمي، مستغلين بذلك حالة الفراغ التي ستبيقها ورائها حماس.

ج. تبني حل تدريجي: يعتمد في الأساس على قرارات استراتيجية تاريخية من قبل القيادتين، يتم في إطارها التوصل إلى اتفاق إطار حول التسوية النهائية، لكن تنفيذ الاتفاق لا يكون فوريا، بل ينفذ على مراحل، تنفذ مرحلته الأخيرة في المدى البعيد، بعد وضع خطط تفصيلية وجداول أعمال. وسيمنح هذا الاتفاق الجانب الفلسطيني في الضفة الغربية القدرة على تعزيز وجوده في المجال المدني والأمني. والأهم من كل ذلك، وخلال فترة المراحل، تعزز قيادة جديدة في الضفة الغربية تكون شابة ومركز قوتها الداخل. وهذه القيادة، على عكس جيل المؤسسين للجهاز السياسي الفلسطيني الحديث، يقل تعاطفها مع تنفيذ حق العودة وذكرى النكبة، ومستعدة لخوض نقاش داخلي عميق بخصوص الإمكانيات الوطنية المطلوبة (وتكون فرصة لإسرائيل للبحث في المسألة المعقدة الكامنة في الإفراج عن مروان البرغوثي نظرا لمكانته كأحد القيادات المحبوبة في الضفة الغربية). وفي السياق المذكور،  مطلوب من إسرائيلي الضغط على الفلسطينيين للسعي إلى اتخاذ قرارات مصيرية وطنية خاصة في موضوع اللاجئين وحق العودة، وإحداث تغيير عميق في مراكز الوعي الجماعي الذي يعيشون فيه خاصة في التعليم ووسائل الإعلام والدين. وفيما يتعلق بقطاع غزة على إسرائيل مواصلة اتخاذ سياسة مستقلة نحو القطاع، مع الامتناع عن إحداث تغييرات جوهرية. وفي نفس الوقت اتباع خطوات متواصلة لإضعاف مراكز قوة حماس في هذه المنطقة مثل تضييق عمل مؤسسات سلطة حماس وقصف البنية التحتية المدنية والعسكرية للحركة وزعزعة المكانة الدولية لحكم حماس في المنطقة (مع الانتظار لتطور بديل معقول لحكم حماس في القطاع). وفي الجانب الإسرائيلي، مطلوبا منها اتخاذ قرارات تاريخية بعضها مؤلم، لكنها حيوية من أجل ضمان وجود دولة صهيونية يهودية وديمقراطية على المدى البعيد. وفي هذا المجال، مطلوب قرارات خاصة حول مستقبل جزء من مشروع الاستيطان في الضفة الغربية أو كله، وكذلك في موضوع مستقبل عرب إسرائيل، مع التأكيد على إمكانية ضم جزء من عرب إسرائيل لدولة فلسطين في إطار تسوية حول تبادل الأراضي بين إسرائيل وبين الفلسطينيين.

 

ومن الخيارات الثلاثة يبدو أن الخيار الثالث هو أفضل الحلول السيئة، فحل تدريجي بعيد المدى للتسوية النهائية يقدم مقامرة محسوبة العواقب، وهو حل أفضل من التطلع لحل النزاع بصورة شاملة وسريعة على أن ينفذ على المدى البعيد. ويجسد الخيار الثالث العبر التي استخلصتها إسرائيل من عشرة أعوام من المفاوضات ومثلها في الصراع مع الفلسطينيين،  وفي مقدمة هذه العبر تفهم الصعوبات الموجودة عند الطرفين من اتخاذ قرارات مصيرية في فترة قريبة نسبيا، مع الاعتراف بالتعقيدات الداخلية للساحة الفلسطينية، مع التاكيد على الانقسام العميق وعلى عدم قدرة واستعداد أبو مازن تطبيق تسوية نهائية في المدى القريب.  

ومر في العقدين الأخيرين على إسرائيل والسلطة الفلسطينية خيبات أمل مريرة، بطريقة جعلتهما يتصرفان بحذر –ولا اريد القول اكثر شكا- في كل ما يتعلق بالتوقعات بالتوصل لتسوية شاملة. لكن، إذا تغلبت القيادتين على معوقات الوعي وعلى المعوقات السياسية والتقليدية، فإن احتمال التوصل لتسوية نهائية سيصبح سهلا. ومثل هذا السيناريو سيخلص الطرفين من عدم القدرة على اتخاذ قرار تاريخي عميق في القضايا الجوهرية المتعلقة بتحديد هوية وأهداف وطنية استراتيجية. ومن دون الوصول لهذا الوضع يتوقع حدوث سيناريوهات خطيرة، على رأسها تصاعد الصراع العنيف، الذي ترافقه انعكاسات استراتيجية، في عصر تتعاظم فيه التحديات الإقليمية التي تشكلها إيران على إسرائيل وعلى السلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها السعي الإيراني إلى تعزيز مكانتها الإقليمية، مع العمل الحثيث على الحصول على القدرات النووية العسكرية.

 

 


[1]. ميخائيل مليشتاين: متخصص بتاريخ القضية الفلسطينية. وفي عام 2009 صدر عن مركز أبحاث الأمن القومي بحث كتبه ملشتاين باسم “صعود تحدي المقاومة وتأثيره على نظرية الأمن الإسرائيلي.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash