سبتمبر
19
في 19-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    128 مشاهده

الذاكرة الجمعية هي مجموعة مواثيق ومعايير وقيم ومبادئ، توجه وتتميز بها أمة أو حركة فكرية. والروح هي المحرك لأفكار وتصرفات وعادات الإنسان في فترة معينة. وتستمد الذاكرة الجمعية قوتها من مجموعة أساطير تاريخية، ألفها أبائها وكتبوا حولها روايات بهدف شرح ظواهر غير مفهومة، مثل خلق العالم.

 

نحو تغيير المجتمع الإسرائيلي

يوؤاف غلبر·

ترجمة : عليان الهندي

 

الذاكرة الجمعية هي مجموعة مواثيق ومعايير وقيم ومبادئ، توجه وتتميز بها أمة أو حركة فكرية. والروح هي المحرك لأفكار وتصرفات وعادات الإنسان في فترة معينة. وتستمد الذاكرة الجمعية قوتها من مجموعة أساطير تاريخية، ألفها أبائها وكتبوا حولها روايات بهدف شرح ظواهر غير مفهومة، مثل خلق العالم. وفي وقت متأخر جدا توسع المصطلح وأصبحت الأساطير الحديثة عبارة عن روايات كتبت لأهداف النقاش والحوار، وذلك لتأكيد وإثبات صحة الإدعاءات في الأمور الخلافية خاصة في المجالات الدينية والسياسية، وبهدف نشر الآراء والمبادئ الأخلاقية وتعزيز روحية الإنسان في الأوقات الصعبة.

وعلى أية حال، فالأحداث التي تطرقت إليها الأساطير التاريخية كانت تكتب بشكل عام في أوقات الفشل والهزيمة. وكانت تحقق نجاحات تتحدث عن نفسها ولم تكن بحاجة إلى روايات لتعظيمها .

ونشهد، المؤرخين الإسرائيليين وغيرهم الذين تعلموا في ظل نمو الرواية الصهيونية الإسرائيلية وانتقدوا الأساطير القديمة التي تجمعت حول الصهيونية، في السنوات الأخيرة بروز أساطير إسرائيلية جديدة وكتابة روايات حولها لإثبات صحتها. والنقاش المتواصل في إسرائيل حول هويتها ازداد حدة خاصة حول صلاحية الدولة وحول الرواية الإجتماعية ومن سيقرر طرحها، وأي المجالات والقيم والمضامين والرموز يجب تبنيها. وبالإضافة إلى ذلك، يدور صراع بين النخب التي ستحكم الدولة في القرن الحالي. وتعرض الصحافة وأجهزة التلفزة هذه الخلافات كنقاشات تاريخية وفكرية تدور بين جيل قديم من الصهاينة وبين مجموعة من الأكاديميين والصحافيين الجدد الذين يعرفون أنفسهم برجال ما بعد الصهيونية. لكن، جوهر ما بعد الصهيونية ليس في الأيديولوجية، إذا كان الحديث يدور عن إيديولوجيا، بل عن تطبيقات اوسع للمجتمع .

وانتخاب بنيامين نتنياهو في صيف عام 1996 والنصر الذي حققه إيهود براك في أقل من ثلاثة أعوام لم يحل هذه المشكلة. ويبدو أنها لن تحسم في ظل أنظمة الحكم السياسية الحالية في إسرائيل. وفي العصر غير الأيديولوجي ما زالت المواقف السياسية تفصل بين الخصوم السياسيين وتقسم الجماعات السياسية الإسرائيلية من الداخل. وتطبيقات ما بعد الصهيونية هي عامل مشترك بين تياري الأحزاب الحاكمة في إسرائيل (المقصد هنا اليمين واليسار الوسط). ويعتبر ما بعد الصهيونية بسطة جديدة أضيفت على البضائع القديمة. وفي نهاية القرن التاسع عشر وخلال فترة الكارثة وحتى إقامة الدولة اليهودية اعتبر المطالبين بـ ما بعد الصهيونية معادين لها .  

 وتعود جذور مقاومة الصهيونية في المهجر إلى ثلاثة مصادر هي :

التيار الديني المتزمت والمتطرف : عزز الجوهر الوطني-العلماني الذي أدخلته الصهيونية لليهودية ردود أفعال من اليهود المتزمتين. فقد احتج هؤلاء على ما اعتبروه تطلع الصهيونية إلى استعجال قدوم المسيح ورأوا بذلك فوضى جماعية .

التيار الاشتراكي والايمان بأخوة الشعوب: اعتقد الاشتراكيين اليهود، باستثناء حركة العمل الصهيونية، أن الرد على “المسألة اليهودية” يكون من خلال إيجاد والمشاركة في تسوية عالمية جديدة “عالم الغد”. وبالاضافة إلى ذلك. عارض هؤلاء الصهيونية التي أبرزت الخصوصية اليهودية من خلال زيادة الوعي الوطني .

التيار الإندامجي : اعتبر أصحاب هذا التيار أن الصهيونية عائق أمام اندماج اليهود في المحيط الذي يعيشون فيه .

 وعلى عكس المعادين للصهيونية القديمة التي ميزت المهجر ، فإن ما بعد الصهيونية هي من إنتاج إسرائيلي. فالمتحدثين باسمها من مواليد البلاد أو أشخاص تربوا وتعلموا فيها، وهم يتطلعون لتغيير جوهر الهوية اليهودية من هوية صهيونية-وطنية إلى أخرى .        

 

مسألة هوية الدولة

ما هي القضايا الملحة في الصراع الداخلي لتحديد هوية الدولة اليهودية ؟ .

تطرح مجموعات متنوعة من المجتمع الإسرائيلي مشاكل مختلفة تعتبرها مهمة. وعدم الاتفاق بينها قائم في القضايا الجوهرية والخطيرة التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي اليوم. ومن هنا، فإن المشاكل الحقيقية لا تعبر عن رأي هذا القطاع أو ذاك، بل هي قضايا مشتركة لكل أطياف اللون السياسي في إسرائيل .

وامتد الخلاف إلى مرجعيات الدولة وصلاحياتها : وهل هم مواطنيها، بواسطة مندوبيهم في الكنيست ؟. أم الله، بواسطة الحاخامات. أو وثيقة، دستورية لم تكتب بعد، بواسطة مفسريها (مثل محكمة العدل العليا) ؟.

وفي الوقت الذي، تحدثت فيه النقطتين الأولتين انقساما بين العلمانيين والمتدينين، فإن الثالثة تعبر عن موقف نخبة ساقطة تتطلع إلى تخليد موقعها المسيطر، وذلك من خلال ضمان إعطاء الحق لنفسها بأن تكون أعلى مرجعية قانونية للمحسوبين عليها .

وفي نفس الموضوع، ما هو دور استطلاعات الرأي العام في اتخاذ القرارات بالمواضيع العسكرية والسياسية والاقتصادية ؟. ومن الذي يحق له تمثيل الجمهور : قادته المنتخبين أم الصحفيين ؟ الذين “يعبدون” الاستطلاعات .

وأي اعتبار نمنحه للرأي العام الدولي وللقانون الدولي عندما تتعارض هذه القوانين مع المصالح السياسية لإسرائيل ؟. وإلى أي درجة يعتبر خرق سيادة ومصالح الدولة من الأقلية القاطنة في الدولة ظاهرة قانونية وأخلاقية ؟. في الوقت الذي تضغط فيه هذه الأقلية من أجل تدخل دولي، وهو أمرا غير مقبول على أغلبية مواطني دولة إسرائيل ؟ .

مجموعة أخرى من القضايا المقلقة تدور حول تركيبة المجتمع الإسرائيلي وتعريفات انتماء المجتمع هي : هل الأصل اليهودي والذاكرة اليهودية هي التي ستحدد ؟. وماذا بخصوص العرب ؟. أو المهاجرين الجدد من غير اليهود الذين جاؤوا من الاتحاد السوفييتي سابقا ؟. وهل يستطيعون الاندماج في المجتمع الإسرائيلي ؟. وهل يجب أن يكون المجتمع الإسرائيلي متنوع ومفتوح لكل سكانه بغض النظر عن هويتهم الوطنية ؟. وفي هذا المجال يختلف المجتمع المفتوح والمتنوع عن التعددية التي لا تعني الشيئ  الكثير. وهل تكون التعددية لشخصيات انضمت إلى المجتمع بشكل مباشر، أو لجماعات عرقية ودينية تكون واسطة بين بين الفرد والمجتمع ؟.

مثل هذه القضايا تنبع من سؤال عميق جدا هو جوهر المجتمع : وهل الحديث يدور بوتقة من الأفراد والجماعات، أم أن الحديث يدور عن كيان مستقل يتجاوز الاتفاق الحسابي لكل عناصر المجتمع ؟. ومن الأهم الفرد أم المجتمع ؟. انسان ولد لمجتمع يرعاه إلى حين شيخوخته، وهل يستطيع الفرد التطور من دون الانتماء إلى هوية جماعية ؟ .

مسائل أخرى تتعلق بطابع المجتمع الإسرائيلي، وهل يجب أن يكون لها روايتها الخاصة بها، أو يقتصر ذلك على “جيل من المطالبين” مثل شعار “جيل كامل يطالب بالسلام” (لقد نسي الإسرائيليون كيف يطالبون، فهم يطالبون ويؤكدون على يحق ما لهم). وهل يجب أن يكون المجتمع تكتل لمجموعة من المصالح التي تصر على حقوقها وفق وجهة نظرها فقط؟. أو مجموعات ضغط تتنافس فيما بينها على الحقوق ومراكز القوى بروح “انهب قدر المستطاع” ؟. وهل سيكون لهذه الجماعات آلية قرار مشتركة، إضافة إلى السلطة التي تنظم المنافسة بينها ؟.

وأي عادات سينميها المجتمع ؟. هل هي عادات حددت من قبل الحرس القديم الذي يتحرك بين الرأسمالية والعمل، أو التضامن الإجتماعي في طرف، في حين تقف المنافسة بلا ضمير في الطرف الثاني؟. وهل وجهتا النظر المتطرفتان تستطيع إيجاد نقاط تعايش بينهما ؟. وأين سيكون موقع القيم مثل، المساواة والخدمة والأهداف والفطرة والتواضع والإيمان والتعاون وروح المبادرة وتحقيق الذات والمثل العليا والاستقامة والنجاح والتميز أو القوة، في سلم قيم المجتمع الإسرائيلي ؟ .

وأية مضامين على المجتمع أن ينميها : هل هي هي اليهودية العقائدية أو الإسرائيلية العلمانية أو العالمية أو الأمريكية ؟. وإذا كانت خليطا مما ذكر ستشارك فيها كل التيارات أم بعضها – وكيف ستكون العلاقة بين هذا الخليط ؟.          

وأية رموز يرفعها المجتمع (مثل: العلم والنشيد الوطني والطقوس والمناسبات والأعياد) هل هي ستكون يهودية خالصة أم مشتركة لجميع مكونات المجتمع، أم ستتبنى كل مجموعة قيم ورموز خاصة بها ؟.

ومن الذي سيحدد النخب الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ستقود الدولة في القرن الواحد والعشرون وما هو دورها ؟. وهل ستخدم الشعب أم تستغله ؟. وهل النخبوي هو من يدفع أكثر أو من ينجح بإستغلال أكثر ؟.

جزء من الأسئلة المطروحة قديم جدا، ولم تجد حلا حتى هذا اليوم. والبعض الأخر طرح في الآونة الأخيرة. وهي أسئلة تنبع من الأحداث ومن دورة المجتمع الإسرائيلي والدولة اليهودية خلال الجيل الأخير، ومن المواجهة بين الصهيونية وبين “مؤيدي ما بعد الصهيونية” ومن الاتصال المتزايد مع العالم المحيط بنا “القرية العالمية” الذي يعتبر أمريكي وليست عالمي.

لقد بنت الصهيونية نفسها على رواية تتوافق مع قومية جماعية يقف على سلم أولوياتها البعث القومي للشعب اليهودي. وركزت الروايات الجماعية لليهود على تفاني الفرد في خدمة الأمة والمجتمع والدولة. وأكدت الروايات على ضرورة العمل وتقديم المساعدة والقيام بالواجب. وحتى وقت قريب كان “تحقيق الذات” يعني عمل كل شيئ من أجل الشعب والحركة والمجموعات وما شابه ذلك. ولم يكن العمل من أجل الفرد. وشجبت الأنا في المجتمع. المخاطر الخارجية التي عرضت للخطر الوجود اليهودي في أرض إسرائيل منذ بداية الترد العربي في عام 1936 وحتى حرب الأيام الستة عام 1967 والتي أدت إلى تجميد المطالب (على الأقل من الناحية النظرية) الفردية والقطاعية . والمخاطر الخارجية هددت كل المجتمع اليهودي من دون التمييز بين الذين يحملون أيديولوجيات مختلفة أو بين الذين يرفعون شعارات إجتماعية واقتصادية مختلفة عن المجموع .

هذه التهديدات أجبرت كل الجهات العاملة في المجتمع اليهودي المتجانس والمتنوع التي تبلورت في أرض إسرائيل إلى تبني موقف تضامني واتفاق بحده الأدنى على الأهداف والوسائل التي يجب اتباعها بهدف تحقيق أهداف اليهود. وهذا القرار أملى على مختلف الجهات اتخاذ خطوات متفق عليها في كل ما يتعلق بالإدارة السياسية وبالموافقة على سيادة المجموع . أما المعارضون لهذا النهج أو لقرارات المؤسسات الوطنية التي عبرت عن المجموع فقد تم نبذها من المجتمع واعتبرت غير منتمية، إن كانوا من المتدينين المتطرفين أو الشيوعيين أو الصهيونية الإصلاحية .

وبعد حرب الأيام الستة خفت التهديدات الخارجية. الأمر الذي أدى إلى حدوث عيوب داخل المجتمع تتوسع يوما بعد آخر في مواضيع الإجماع القومي حول الرواية الصهيونية . وفي نهاية الأمر أدت إلى ضياعها. ونتيجة لذلك، فإن أجزاء من المجتمع الإسرائيلي مثل أبناء الطبقة الوسطى والغنية وأبناء الكيبوتسات شتتوا أو تركوا الحلم الصهيوني وقيمه والروايات التي اعتمد عليها .

 

الرواية الجديدة – الفرد         

وفي الوقت الذي ترك فيه الحلم الصهيوني أوجد أبناء النخب المذكورة رواية جديدة تتناقض مع الرواية الجماعية القديمة. والقادم الجديد منح شرعية وفضل الذات عن المجموع، ورفع لواء الخصخصة. وأصحاب هذه النظرية يؤمنون بالحياة الاقتصادية التي تمنح امتيازات وفيها عيوب. ومع ذلك، فالاقتصاد الإسرائيلي تبنى الخصخصة في الآونة الأخيرة. في حين خشي من إجراء تعديلات على مجالات الحياة الأخرى تحت ذرائع مختلفة. الأمر الذي شوش البقايا الأخيرة من التضامن والوحدة الاجتماعية .

وسوف أقدم مجموعة من النماذج المأخوذة من مجالات الحياة المختلفة بهدف التأكيد على حجم التغيير وقوته .

المقاتلين من أجل ما بعد الصهيونية غيروا مفهوم الأمن بصورة كبيرة. فبعد أن كان ضمان الأمن الجماعي والاستقلال والسيادة لإسرائيل كدولة ومجتمع. فإن الكثيرن اليوم مم يسمون بيهود ما بعد الصهيونية يعتبرون الأمن هو المحافظة على الرفاه الاجتماعي والأمن الشخصي. ومثل هذا الأمن (الفردي) غير واقعي حتى في الدول الكبيرة والهادئة أكثر من دولة إسرائيل مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال. وجرت محاولات فاشلة للتوصل لهذا الوضع على حساب الأمن القومي الجماعي والحيوي للقضاء على التهديدات الحقيقية التي تعرض للخطر وجود الأمة الإسرائيلية ومصالحها وسيادتها .

   وكجزء من خصخصة الأمن. خصخص أصحاب الرواية الجديدة الضحايا والثكالى واستغل أهالي الضحايا خاصة الأمهات لأهداف سياسية. وهو أمر ليس جديد فقد قام التيار اليساري في الحركة الصهيونية بمثل هذا الاستغلال في الحرب العالمية الثانية وفي حرب الاستقلال. ومع ذلك، فقد توسعت الظاهرة في الآونة الأخيرة ، وتجمعت أمهات الجنود حول أهداف سياسية مختلفة مستغلات أمومتهن. ومن هذه الحركات نساء بالسواد من الطرف اليساري ونساء بالأخضر من الجانب اليميني. وحتى فترة قريبة، كانت العائلة والتضحية والثكالى خارج حدود النقاش السياسي والأيديولوجي، وكانت موضوعا مشتركا للجميع . وفي عصر الفردية أصبحت هذه المواضيع خارج الأخوة والتضامن، وأصبحت مصدرا وحافزا للإحتكاك السياسي والإجتماعي .

أما تبني الأطفال فقد كان رمزا لمسئولية المجتمع تجاه الأولاد الأيتام أو المشردين. ورفاهية الأطفال كانت الحجر الأساس في العلاج القضائي والمهني والإداري في حالات التبني. وحل مكان هذه المسئولية مبدأ حق الأمومة (القانونية والبيولوجية) كأساس موجه. ونتيجة لذلك، تنازلت الدولة عن معاييرها في عمليات التبني، ودخلت المؤسسات الخاصة إلى المجال بهدف الاستجابة المتزايدة للأمومة في إسرائيل. أما الزبائن فهم أباء للمستقبل وليس للأطفال أو المشردين أو أطفال الجانب . وعليه فإن هذه الوكالات تخدم مصالح الأباء وليس الأطفال المحتاجين .

أما التعليم وتحت شعار “تحقيق الذات” فقد مر هو أيضا في مرحلة الخصصة ببطأ لكن بثبات. وتم ذلك بتشجيع من جماعات من الأكاديميين والأباء، وذلك على حساب مبادئ أخلاقية مثل مساواة الفرص وتقليص الفوارق الإجتماعية والثقافية واستيعاب الهجرة وقيم التضامن بشكل عام. والتوجه الحالي سيقود إلى تعزيز الفصل والفوارق بين الطلاب على خلفية العايير الإقتصادية والاجتماعية والطائفية والأيديولوجية (المدارس الديموقراطية). ومن المثير للقلق هو التحول السريع لقيم التعليم الرسمي من يهودية-صهيونية إلى قيم ديموقراطية هدفها الأساسي تطر الفردية. وهذه العملية تثير الغضب أكثر من غيرها في عمليات الخصخصة المختلفة، لأن الخصخصة هنا تتم على حساب المجموع، لكن ومن أجل انعزالية الأقوياء في المجتمع فإن هذه الإجراءات ستساعد في إضعاف الفئات الفقيرة بدرجة كبيرة .

وحتى تخليد الكارثة التي مر بها الشعب اليهودي فقد دخلت في مرحلة الفردية . فالكارثة هي المأساة الوطنية للشعب اليهودي. وفي السنوات الأخيرة فقد مرت عملية تخليدها أصبحت تميل إلى التأكيد على إبراز الفرد وليس على الضياع الجماعي وذلك تحت شعار “لكل انسان اسم”. وفي الماضي كان موضوع ضحايا الكارثة والاحساس بذلك هو مركز الاهتمام. أما اليوم، فالقضية تتعرض للاستغلال من قبل المطالبين بوراثة الأملاك اليهودية التي نهبت. وهذه هي المواضيع التي تقف في مركز اهتمام الرأي العام في كل ما يتعلق بالكارثة .

ومع ذلك فإن رواية الفرد لم تسيطر بعد على جميع الحلبة. فأصحاب هذه النظرية يخوضون صراعا من أجل اكتساب الشرعية، ويحاولون إثبات صحة نظريتهم من خلال تدمير الروايات القديمة وتشجيع الروايات الجديدة التي يطرحونها .

“السلام” هو الرواية المركزية في اسطورة ما بعد الصهيونية والفردية. فمنظري “السلام” يصفون في أحلامهم كيف أن تحقيق السلام سيلغي بصورة نهائية ضرورة التضامن الإجتماعي. ويضيفون أن اعتبار تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية أمرا زائدا عن اللزوم ليس بعيدا اليوم الذي ستلغى فيه مشاركة الفرد في تقليص مثل هذه الفوارق. وهذا سيتم عندما عندما يدخل اليهود في عصر “سلام” ما بعد الصهيونية. وأحلام مؤيدي وجهة النظر هذه يصرحون أن السلام سيعزز من حرية الفرد ولن تقييد باسم “الأمن”. ومن المعلوم أن مواطني دولة إسرائيل يدفعون اليوم ثمنا من وقتهم ومن مواردهم الوطنية وأحيانا من حياتهم للدفاع عن دولتهم ومجتمعهم ، وهو أمرا يعتبره انصار ما بعد الصهيونية لا حاجة له إذا تم التوصل إلى سلام . لكن وجهة نظرهم “بالسلام على الأرض” ( يجب تفريقها عن السلام في السماء) ضبابية ومرت بعمليات تجميل كثيرة قبل طرحها على شكل علاقات سياسية بين الشعوب والدول ، وطرحت بشكل تخاطب فيه أحلام الفرد ورغباته . وبالنسبة لهؤلاء الحالمين فإن التوصل إلى سلام كفيل بحل مشكلة الوجود وتحقيق الذات في “شرق أوسط جديد” .

هذا التوجه يذكر بجهود الأحزاب الشيوعية التي سعت إلى العمل على عمليات غسل دماغ الأوروبيين تحت أعين وسمع الحكومات الأوروبية. وهم يشبهون إلى حد بعيد مؤيدي المصالحة العربية اليهودية الذين يعملون باسم “معسكرات السلام” وطرحوا مبادرات في الغرب وفي جامعات أمريكا الشمالية حول “اتحادات السلام” ومجموعات سلمية أخرى. وذلك بهدف التغطية على هويتهم الحقيقية واستغلال الحاجة الانسانية والطبيعية للراحة والهدوء .   

   

 الروايات الجديدة – السلام والديمقراطية والقانون والحكم والانجازات

أ. حلم السلام

        انقاذ السلام من الواقع وتحويله إلى حلم ومن وسيلة إلى هدف وقيمة عليا، تعرض للخطر الديمقراطية وسكان الدولة الديمقراطية. والعالم الذي تريد إسرائيل اليوم الانضمام إليه لم يصل إلى حالته التي نراها اليوم نتيجة سجوده لآلهة السلام. فالعملية حدثت بعد الاستعداد للتضحية بالراحة من أجل الحرية والاستقلال والبقاء مع الاستعداد للقتال والتضحية . والسلام الذي نتطلع إاليه لن يأت نتيجة إرضاء المستهترين، بل من خلال القتال والتضحية وهو الاحتمال الوحيد لإسرائيل بالتوصل إلى السلام .

 

ب. الديمقراطية

        تعد الديمقراطية أسطورة أساسية أخرى عند أصحاب الرواية الجديدة. ومعلوما أن اللدمقراطية تتمتع بامتيازات كثيرة، لكنها مليئة بالتناقضات والعيوب والمخاطر والإجحاف. فمرة سيطرت الديمقراطية باسم الشعب، وبعد ذلك باسم الأغلبية والأن باسم الحرية الشخصية. وهي ثلاثة قضايا حكمت الديمقراطية باسمها وهي تختلف كليا عن بعضها البعض.  لكن في المراحل الثلاث كانت الديمقراطية خاضعة لأشخاص فوضويين وسياسيين يحبون ذاتهم فقط ومجموعات ضغط، وصحفيين لا يملكون ضميرا وبتصرفاتهم مثل الديكتاتوريين. ومقارنة مع التجارب التاريخية المتراكمة لأنظمة الحكم، فإن الديمقراطية هي أقل السيئات، لكنها غير مقدسة وبالتأكيد ليست طاهرة .

        وللديمقراطية وجهات نظر مختلفة ، في كل واحدة منها تجد مزيج كامل من من التناقضات الداخلية ، أي توضع معايير ديمقراطية بما يتلائم والتسوية السياسية والأوضاع المتغيرة والواقع الإجتماعي الجديد ، ونفس الحالة تنطبق على المطالب الوطنية . ولا تشبه الديقراطية البريطانية مثيلتها في فرنسا ، والأثنتان مختلفتان عن الديمقراطية الأمريكية . وهذه التغيرات مصدرها في الإرث المختلف لكل شعب من شعوب العالم وبالألنماط الإجتماعية المختلفة التي تخدم الديمقراطية .

        من كل وجهات النظر حول الديمقراطية تبنى الذين يعتبرونها قيمة عليا في إسرائيل وجهة نظر متطرفة جدا موجودة في المجتمع الأمريكي – التي ترى بالحكومة عدوا للفرد. وفيما يتعلق باليهود فقد عاشوا في المنافي ألفي عام وأقاموا دولتهم منذ خمسون عاما فقط والبعض يعتبر الحكومة المنتخبة في إسرائيل حكومة متطرفة تقمع الحريات وتمس بحقوق الفرد. وفي أحيان يبدو أن هناك من يعتبر حكومة إسرائيل الديمقراطية بحاجة إلى تغييرات أساسية كثيرة بهدف تعزيز قدراتها لضمان بقاء الأمة وتحمل مسئولياتها اتجاه ناخبيها. وبشكل أو بآخر، فإن صمود الديمقراطية الإسرائيلية في مجتمع مركب من جماعات ذات أصول بلشفية وديني وأبوي هي معجزة . فمن جانب ، تواصل التعايش الهش بفضل الحساسية والتسامح الذي اظهرته الأغلبية الديمقراطية اتجاه الثقافات الأخرى . ومن جهة ثانية فإن التهديدات الخارجية أجبرت الجهات غير الديمقراطية للإستجابة لقواعد اللعبة التي التي وضعتها الأغلبية الديمقراطية . وعلى أية حال، فإن المحافظة على المبادئ والتسامح والتوازن الإجتماعي قولا وفعل هي شروط أساسية لإستمرار الديمقراطية الإسرائيلية . أما الذين يتحدون ويرغبون بعرض المبادئ المذكورة لإمتحانا متطرف وذلك باسم الديمقراطية والمساواة وحقوق الفرد ، فإنهم يعرضون للخطر الديمقراطية التي لا يدعمونها . ونشاطهم في هذا المجال سيخرج الأمور عن حيز السيطرة ويؤدي إلى فوضى وفراغ في السلطة .

        التسامح والانفتاح على الغير هما مبدأين أساسيين في العملية الديمقراطية. لكن تحويل الديمقراطية إلى اسطورة وقيمة عليا سيحول إسرائيل إلى دولة غير متسامحة ولا تأخذ بعين الاعتبار الغير ، وبالتالي تصبح غير ديمقراطية . وما يطرحه المنظرين الجدد حول حرية الفرد ما هو إلا فاشية مقنعة وفاشية ليبرالية تتغطى بالرموز الديمقراطية .

 

ج. سلطة القانون

          اسطورة ثالثة من الروايات التي طرحها جيل ما بعد الصهيونية وهي “سلطة القانون” وهي البديل “للحكم بواسطة القانون” . ضعف القيادة والأسلوب السياسي في إسرائيل منذ حرب عام 1973 وتراجع مكانة القيم المتفق عليها بين الجميع ، خلقت حالة من الفراغ . فقد استغل هذا الفراغ مجموعة من القضاة الذين اعتقدوا أن القانون فوق كل شيئ وأن الجهاز القضائي قادر على حل أية مشكلة بواسطة القضاة . ولم يقتصر هذ الدور على إصدار الأحكام ، بل امتد ذلك إلى التدخل في القوانين وفي اعتبارات الرأي العام أو في مهنية السياسيين والشخصيات العامة والضباط والأطباء والمهندسين وحملة درجات البوفيسور ، وإلخ . ونتيجة لذلك أصبح كل شيئ محل انتقاد . ووفق روؤيتهم فإن المحامون والمستشارون القضائيون والقضاة هم السلطة المخولة بالحكم على النشاطات والشكاوى .

        وتعد هذه الاستراتيجية انحرافا متطرفا عن المبادئ التي كانت مقبولة على الجهاز القضائي نفسه في السابق. ونتيجة لذلك أصبح هناك خلل أخلاقي كبير وخرق لمجموع القيم التي حكمت حتى هذا اليوم وفق القاعدة التوراتية “لا تحكم على صاحبك حتى تتأكد من إدانته”. ووفق وجهة النظر الجديدة فإن الجهاز القضائي يملك صلاحيات من دون أن يتمل مسئوليات أو نتائج للقرارات التي اتخذها. ومع احترامي للقانون ومن يحرص على تطبيقه واللدور الحيوي الكبير الذي تلعبه في المجتمعات المتنورة ، فإن القانون لا يملك صلاحيات أو قدرة على إعطاء أجوبة مناسبة لكل قضية خلاف. وعلى سبيل المثال لا يملك ولا يستطيع الجهاز القضائي فيجاد حلول للمشاكل الطائفية والأيديولوجية والتاريخية والعمليات العسكرية والطبية وحتى السياسية .

        مؤسسات مختلفة في المجتمع تهربت “باسم القانون” . وتتخذ هذه المؤسسات القرارات غير المسئولة وتحمل مسئوليتها للجهاز القضائي. الأمر الذي حول الجهاز القضائي إلى حاوية زبالة تلقى فيه كل المشاكل التي لا تستطيع المؤسسات الأخرى إيجاد حل لها. لقد أخطأ الجهاز القضائي عندما أخذ على عاتقه ايجاد حلول للمسائل المذكورة أعلاه وفتحت أبوابها عندما أعطت حقوق لكل من هب ودب .

        الإمبريالية القضائية غير المحدودة سترتد على نحور أصحابها وهي ستنهي البند الذي اعتمدت عليه سلطة القانون . وفي نهاية الأمر فإن السلطة القضائية تعتمد على ثقة الجمهور بها وعلى الاحترام العام للقضاة . وكلما تدهورت هذه المكانة بسبب دور القضاء في قضايا حلها لا يمكن قضائيا ، فإن شرعية القضاء في إسرائيل سوف تهتز عندما تصدر قرارا قانونيا لا جدال فيه . وفي هذه الحالة سيخرج الجهاز القضائي من الأسطورة الموجود فيها اليوم والتي يحمل فيها صلاحيات حقيقية لا يستطيع المجتمع المتنور التنازل عنها .

        وفي عصر ازدهار شعار “سلطة القانون” برزت ظاهرة في الأونة الأخيرة تدهور خطير في المحافظة على القانون. وأدعي أن هذه المسيرة لا يمكن منعها نتيجة شرعية زائدة، أي تفعيل غير مناسب لبنود قانونية حلت مكان القيم وتمس بالإعتبارات السياسية والأخلاقية والأمنية والدينية والتاريخية والعلمية. وعلى أية حال فإن “سلطة القانون” الشامل تشوه القيم الأخلاقية.

وعندما يصبح القانون معيار مطلق فإن القيم الأخرى تختفي. ويعاني الجهاز القضائي في إسرائيل اليوم من صلاحيات زائدة عن اللزوم. وتحت هذا الحكم يستطيع أي شخص الحصول على وظيفة حكومية أو إعلامية أو أكاديمية إلى حين إدانته. فالمجتمع المحترم يصر على تبني قادته ومن يتولى المناصب العامة ويخطط للرأي العام الالتزامات المطلوبة منه وليس الاعتماد على مطلب عبثي هو “عدم الإدانة الجنائية”

وارتبط ضعف الجهاز السياسي في إسرائيل ببروز الإمبريالية القضائية. الأمر الذي أدى إلى خرق التوازن بين أعمدة الحكم المختلفة في إسرائيل. وفي الأونة الأخيرة شهدنا صراعات بين مشرعين (بعضهم مشارك في اختراق القانون) وقضاة ومفسرين ومحامين ومطبقي القانون. وإذا استمر هذا التوجه فإن اليوم لن يكون بعيدا الذي سيصدر فيه الحكم من قبل الصحفيين، الذين يعملون اليوم على خلق الجو وخلفية لبداية التحقيق. فهم ينتقدون القضاة والأحكام وينشرون معلومات قانونية للجمهور معتمدين في ذلك على الوشاية وعلى آرائهم الشخصية من دون أي تأهيل قانوني مهني، وهو لا يملكونه، وليس وفق معلومات شاملة . إن الحكم بواسطة الأخبار يشبه إلى حد بعيد المحاكم الفورية .

 

د. انجازات

        الأسطورة الرابعة التي تحل مكان الطلائعية الإسرائيلية السابقة هي التقدم في الوظيفة والسجود “للإمتيازات”، أي النجاح المادي أو التطور في مؤسسة. ومع ذلك، لا يوجد طريقة للحكم على نجاح أو تميز بدون قيم وأخلاق تحدد من هو المتميز وما هو النجاح : وهل سيكون الشخص الناجح والمتميز هو الذي يحرث الأرض ويأكل من خبزها أم الشخص الذي يستثمر أمواله في العقارات يبيعها عندما يرتفع ثمنها عاليا ؟. أو الذي يقدم التقارير الحقيقية حتى لو كانت غير مرضية ، أو الناجح الذي يخفي فشله ويعتاد على التنكر له ؟ أو الذي ينتج منتوج جيد أم الذي يسوق بضاعة فاسدة ؟. هل التميز هو العمل أو الذي يربح أكثر . 

        في هذا المجال يجب التوضيح أن اسطورة التميز لا تعبر عن تحول الأيديوللوجيات التي مرت بها إسرائيل، بل تعبر عن الصراع بين النخب الجديدة والقديمة. في الماضي، حملت الرواية الصهيونية من قبل نخب طلائعية من المستوطنين والمقاتلين ومن مستوعبي الهجرة والمثقفين والمدرسين ومجددي اللغة والثقافة العبرية ومؤسسين في المجالات العلمية والتكنولوجية المختلفة. أما النخب التي تحمل الرواية الجديدة فهم مكونين من رجال البنوك والأعمال  والمستثمرين والمحامين والمحاسبين ورجال الإعلام ومقدمي برامج التسلية والذين يسعون إلى التقدم في الوظائف من دون أي رادع، والذين يحملون شعارات النجاح والمساهمة والفائدة والتي حلت مكان الخدمة والشعور بالمسئولية التي كانت قيم أساسية في عالم النخب القديمة .

        التوتر بين القيم القديمة والقيم الجديدة يربك المجتمع الإسرائيلي الذي فقد التوازن بين الصلاحيات وبين من يتحمل المسئوليات : رد فعل وعقاب، حقوق والتزامات، خدمات وعلاج، غنى وفقر، العمل ورأس المال، الأخوة والمنافسة. وتحت الضغط الممارس وحالة الارباك التي أشرنا إليها لن يستطيع الطيار السيطرة على مقود القيادة الأمر الذي يؤدي – المجتمع الإسرائيلي – إلى تحطم الطائرة .

       

عملية السلام

        نحبث هنا انهيار عملية السلام التي ساعدت كثيرا على حدوث التغييرات الأيديولوجية والاجتماعية في إسرائيل . وهل عملية السلام تبرر التغييرات أو أن ذلك وهما ذاتيا ؟.

        على مدار فترة طويلة تطلعت إسرائيل إلى الحصول على اعتراف الدول المجاورة لها. وأدرك معظم الجمهور الإسرائيلي أن تحقيق هذا الهدف يتطلب منه التنازل والموافقة على الحلول الوسط .  وفي الوقت الذي تمحور فيه النقاش الداخلي في إسرائيل حول حجم التنازلات والحلول الوسط ، وبدا أن معظم الجمهور الإسرائيلي مستعدا للحلول الوسط ، تطلع الفلسطينيين رفض الحلول الوسط والتعايش وطالبوا (وفق وجهو نظرهم) بتسوية نهائية مع إسرائيل هدفها تصليح الظلم الذي لحق بهم في الماضي . والعدل بالنسبة لهم هو العدل المطلق ولا يبقي مجالا لحلول وسط . الحوار الإسرائيلي–الفلسطيني تمحور في مجالات مختلفة بهدف التوصل إلى نقطة التقاء . وما اعتبر بالنسبة لإسرائيل حل وسط ضروري للمصالحة ، اعتبره الفلسطينيون إعادة مسروقات ، وليس تنازلا من قبل الطرف الثاني يتطلب خطوة مقبلة . وكلما لائمت تنازلات إسرائيل مطالب الفلسطينيين فإن عملية السلام تواصلت . وعندما توقفت إسرائيل عن التنازل وأصرت على حقها بدأ الفلسطينيون بأعمال عنف . وكان هذا الرد تأكيدا على عدم استعدادهم للتنازل عن كل شيئ يعتبرونه تابعا لهم. وزاد هذا الرد من شك إسرائيل بنوايا الفلسطينيين .   

        وكان للأحداث التي رافقت مسيرة أوسلو آثار مدمرة. فالاتفاقات أحيت الآمال والتوقعات رغم مرافقة الخوف الخشية لها. ومنذ بداية المسيرة وبعد الاحتفال الإعلامي انخفضت التوقعات بالسلام وحل مكانها الخوف الذي توصل وتزايد كلما تم التوصل إلى اتفاق جديد. ولو كانت عملية المصالحة بين الشعبين عميقة لكانت العملية معكوسة. فالمعسكرات التي تتطلع إلى تخليد الصراع العميق في يهودا والسامرة وقطاع غزة وبين اليهود في إسرائيل تبين أنها أصلب من الواقع الذي نراه على شاشات التلفزة ومن التقارير العلنية التي يقدمها الديبلوماسيين. وهذه المعسكرات أقوى من المصالح السياسية والاقتصادية للقطاعات المختلفة من طرفي الصراع .

وعلى عكس التوقعات أو الأوهام التي عاشها كثيرا من الإسرائيليين فإن التاريخ لم يتغير في صيف عام 1993. فرفض العرب الموافقة على وجود دولة إسرائيل قوية ومزدهرة لم يتغير. وإذا تغير فقد ازداد وتعاظم الرفض العربي للوجود اليهودي في هذه البلاد. فظروف الحياة لعرب إسرائيل في يهودا والسامرة وقطاع غزة لم تتغير رغم تدفق الأموال الهائلة عليهم من أوروبا ومن الدول العربية، والمبالغ لم تصل إلى أهدافها لتحسين الحياة في أراضي السلطة الفلسطينية. وواصل العرب الفلسطينيين صراعهم العنيف ضد الصهيونية، والذي تحول من عصيان مدني إلى هجمات إرهابية. والهجمات الارهابية نفذت بسهولة بفضل الامكانيات التي منحهم إياه اتفاق أوسلو والاتفاقات التي تبعتها. والثقة الساذجة بأن سلطات الأمن والشرطة الفلسطينية ستكون مندوب إسرائيل في الحرب ضد الارهاب تحطمت بثمن غالي من الدماء. التوقعات والأمال بمستقبل من السلام التي سادت خلال مسيرة أوسلو تبددت.

 

تحويل المشكلة من أوروبا إلى الشرق الأوسط

كل الاستنتاجات المذكورة كانت واضحة قبل مقتل إسحاق رابين : لكنها لم تأت نتيجة القتل . فالأساطير تأتي بشكل عام بسبب الفشل والهزيمة، لأن النجاحات تتحدث عن نفسها . أما الأساطير فتحتاج إلى أبطال . ومثل خيبات الأمل التاريخية الكثيرة ، فقد تحولت أوسلو إلى أسطورة وإسحاق رابين بطلها. والأسطورة يمكن استبدالها بواقع خيالي، لكنها لن تغير الحقائق على الأرض. وهي نفس الأسباب التي منعت التوصل إلى سلام قبل مقتل رابين. فالبعد بين البحر الأبيض المتوسط وبين نهر الأردن لم يتغير، ولم تضاف إليه مياه جديدة، ونظرة العرب لليهود لم تتغير هي أيضا، وإذا تغيرت فنحو الأسوء .

والتغيرات التي حدثت في المجتمع الإسرائيلي تحمل في طياتها وهم عميق. فقبل قرن من الزمان اقترحت الحركة الصهيونية حل وطني جماعي لمشكلة الوجود اليهودي في أوروبا التي رفضت هذا الوجود، ووضعت صعوبات أمام اليهود بالإندماج بينهم، وفي نهاية الأمر عملت على إبادتهم. ونجاح الحركة الصهيونية في حل المسألة اليهودية في أوروبا كان مذهلا، لكنه غير كامل، لأن الصهيونية نقلت مشكلة بقاء اليهود من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأخرجتها من إطارها الشخصي والفردي والطائفي ووضعتها في مكانها الوطني والدولي . والعالم العربي المحيط بإسرائيل يرفض اليوم الاعتراف بوجود دولة يهودية ذات سيادة في الشرق الأوسط،– بالضبط كما هو الحال في أوروبا الحديثة التي رفضت الوجود اليهودي الفردي والجماعي أو المحافظة على الهوية اليهودية. هذه الحقيقة من شأنها أن تشعل ضوء آخر ومختلف فيما يتعلق بعلاقة أوروبا بالعالم العربي. وبالنسبة لأوروبا فإن اليهود من الماضي بينما العرب من المستقبل .

وفي غضون ذلك، يبدو أن اليهود وجدوا حلا فرديا ناجحا لهم في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تنوع المجتمع هناك. وهل هنالك إمكانية لسحب اللنموذج الأمريكي على الشرق الأوسط ؟. بكلما أخرى: هل من الطبيعي التخلي عن مشكلة البقاء اليهودي الجماعي من خلال التنازل عن فكرة الدولة الوطنية اليهودية وتحويلها إلى دولة متنوعة ؟. وهذا هو بالضبط ما يسعى إليه الواهمين من أنصار ما بعد الصهيونية. فإسرائيل موجودة في الشرق الأوسط ولا تقع غرب الولايات المتحدة. والشرق الألوسط لا يؤمن بالتعددية بمفهود دولة متعددة القوميات العرقية والثقافية، ولا يقاد من قبل أية جماعة حاكمة .

ويبدو أن هناك مجالا لإعادة البحث وتحديث وتطوير بعض النظريات الأصلية للحركة الصهيونية والتنازل عن بعض الأساطير التي لا تتوافق مع التاريخ. ومع ذلك فإن تبني الرواية الأمريكية المتنوعة هو رفض سلبي ومتطرف لجوهر الصهيونية، وتؤدي في نهاية المطاف (من وجهة نظر تاريخية) إلى دمار ذاتي ووطني .

     

 


  • ·   البروفيسور يوؤاف غلبر : رئيس مؤسسة هيرتسل للدراسات الصهيونية . ورئيس قسم التاريخ في جامعة حيفا .
Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash