سبتمبر
19
في 19-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    339 مشاهده

   ترفض الثقافه الإسرائيلية مصطلحات مثل ما بعد الصهيونية أو معاداة الصهيونية أو الصهيونية. والصهيونية التي نعرفها هي شعار يسيطر على الحوار السياسي في البلاد، وبصورة أدق تعتبر الأيديولوجيا الرسمية (تقريباً) للدوله، والصهيونية بالنسبة لنا وصفا للوطنية.

عن الأيديولوجيا الصهيونية :

بين الاستعمار الأوروبي وما بعد الصهيونية

 

شموئيل أمير

          ترفض الثقافه الإسرائيلية مصطلحات مثل ما بعد الصهيونية أو معاداة الصهيونية أو الصهيونية. والصهيونية التي نعرفها هي شعار يسيطر على الحوار السياسي في البلاد، وبصورة أدق تعتبر الأيديولوجيا الرسمية (تقريباً) للدوله، والصهيونية بالنسبة لنا وصفا للوطنية. وللتأكيد على ذلك نضرب مثلاً من الماضي   عندما رفع ماتي بيلد وأوري أفنيري واَخرون دعوى قضائية بالقذف والتشهير ضد من أتهموهم  بأنهم غير صهاينة، لأنهم يدعمون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وتشير كثرة المصطلحات المستخرجة لتوجيه الأنتقادات إلى الصهيونية على قوة الأيديولوجيا التي تتبناها. وفي السنوات الأخيرة ظهر باحثون وكُتاب يشككون بالمبادىء الأساسية للصهيونية من حيث المضمون والتاريخ، حيث نظر إليه على أنه نشاطاً ثقافياً شجاعاً. ومن أجل فهم ساحة الحرب الأيديولوجية التي بعثت، علينا تلخيص خلفية تطور القلعة الأيديولوجية المتمثلة بالصهيونية

 الصهيونية كأيديولوجية أوروبية

بشكل عام نعرف نوعين من القوميات هما : الأولى، ولدت خلال الثورة الفرنسية وتعتمد على البعد الإقليمي في طرحها، أي أن كل البشر القاطنين في منطقة معينة تابعون تبعية كاملة للأمة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطبقة أوالجنس، وكل من يسكن هذه المنطقة يعتبرون موطنين متساويين(Inclusive). وضمن هذه القومية أستوعبت ،على سبيل المثال، الطائفة اليهودية الفرنسية في ذلك الوقت داخل الأمة الفرنسية من دون أثار جانبية .

وأصبحت القوميات الأقليمية العلمانية نموذجا يحتذى لكل الحركات الوطنية التقدمية أينما كانت مثل دولة الهند التي أشار إليها إيسيجز أحمد، عندما صرح أن الهند اليوم هي أمة واحدة مكونة من مجموعات عرقية كثيرة تتحدث بـ 200 لغة بما في ذلك الإنجليزية .

أما النوع الثاني من القوميات فهو الذي يعتمد على العرق، جنس واحد وثقافة ولغة مشتركة. وكان طرح هيردر والرومانسية الالمانية أساسا للنظرية الصهيونية، وهي نوع من القوميات المقلصة أو الخاصة، وتتعارض روايتها للقوميات العلمانية المدنية. ووصف هينس كوهين الرومانسية الألمانية قائلاً : خلق الرومانسيين أفكارا من الماضي القومي مقابل المبادىء التي وضعت في عام 1786 وعملوا على تضخيم التفاؤلية في عصر التنوير.

ونجحت وثيقة إستقلال دولة إسرائيل في طرح النموذج الثاني من القوميات حين ذكرت :

“بعث الشعب اليهودي في أرض إسرائيل، وفيها بلور شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وأحيا فيها ثورته الرسمية، وفيها أنتج ثقافة وطنية وعالمية ومنحت العالم كله كتاب التوراة الأبدي” .

“وبعد نفي الشعب اليهودي من وطنه بالقوة العسكرية حافظ على عهده لها في كل بلاد المهجر، ولم يتوقف عن الصلاه متأملاً العودة إلى وطنه ليعيد فيها تجديد حريته السياسية ” .

“ومن خلال العلاقة التاريخية والعقائدية سعى اليهود على مر العصور بالعودة والتمسك بوطنهم القديم؛ وخلال العقود الأخيرة عاد اليهود إلى وطنهم جماعات وطلائعيين ومتسللين وكانو دروعاً لتهريب البشر ، وفيها أعادوا إحياء لغتهم العبريه وبنوا القرى والمدن وأنشأو القرى الزراعية المتنامية التي سيطرت على إقتصادهم وثقافتهم، ويتطلعون إلى السلام ويدافعون عن أنفسهم ويتمنون الخير والتقدم لكل سكان البلاد ويتطلعون إلى الأستقلال” .

وسأطرح عليكم نموذجاً مالوفاً عن تشويه الماضي البعيد الذي لا يعتبر تاريخاً حسب الحقائق، ورومانسياً وفق التحليل التاريخي، وهذا النموذج يذكر بالمقولة المشهورة لرنان وهي أن :” تزوير التاريخ جزء من تكوين الأمة ” والنموذج المذكور يشبه إلى حد بعيد إعلان إستقلال إسرائيل، وتلائم هذه المقولة بشكل أو باَخر إعلان استقلال دولة إسرائيل التي ظهرت على المسرح الحديث .

وبالأضافة إلى ذلك، لا تعتبر العرقية –الرومانسية للصهيونية– رغم مركزيتها، العنصر الأهم في نشأتها، ولولا العصر الأوروبي لما ولدت الحركة الصهيونية، وفي هذا المجال صرح المؤرخ هوبساوم واصفاً الفترة الممتدة من 1875 – 1914 قائلاً: لا يمكن تجاهل أن المخطط الصهيوني أرتبط بالبعد الإستعماري الأمبريالي القائم على الأيديولوجية الأوروبية .

وينظر إلى العنصرية على أنها البعد الأيديولوجي للأمبريالية، وهي أمر مبرر للاحتلال والاستغلال وإذلال البشر في الامبراطوريات الاوروبية الحديثة المترامية الاطراف. ومن عام (1885- 1914 ) التي أنتشرت فيها الإمبريالية هيمنت نظرية نقاء العنصر ليوستنى ستيورات تشمبرلين وجوزيف ارتور ده غفيانو ومؤيدي نظرية داروين الاجتماعية التي تعتبر غير الاوروبيين من الفئات المتخلفة إجتماعيا ومعاقة ثقافياً وضعفاء ومتوحشين. وبإختصار، يستحقون السيطرة عليهم .

وتطابقت توجهات الحركة الصهيونية ،التي طالبت من مؤيدها ترك أوروبا والهجرة إلى أرض إسرائيل، مع الأيديولوجية الامبريالية–العنصرية في تجاهلها لحقوق السكان المحليين وتطلعاتهم، ولو استوطن الفرنسيون فلسطين لوجد اليهود صعوبة كبيرة جداً في الأستيطان فيها وإقامة دولة خاصة بهم فيها. لكن شعارات التحدي المنسوية للأديب الإسرائيلي يسرائيل زنغويل ” ارض بلا شعب لشعب بلا ارض ” لم تكن مبشرة بالسوء من وجهة نظر الصهيونية- كانت كابوساً حقيقيا على ملايين الفلسطنيين الذي اصبحوا لاجئين.

وعند عقد المؤتمر الصهيوني الاول (1897) وضع الاديب اليهودي ماكس نورداو مقارنة بين اليهود والاوربيين وبين الشعوب المتخلفة حين قال: ” معظم اليهود منفتحون لكن وضعهم بائس، وهم مؤهلين ويملكون قدرات أكثر من الاوروبيين، ولا أرغب بمقارنتهم بالأسيويين والأفارقة الذين يحتضرون .

أما ثيودور هيرتسل فصرح أن دولة اليهود هي “جزء من القلعة الاوروبية ضد أسيا، وقلعة حضارية ضد البربر .

وهنا يجب التأكيد أن الحركة الصهيونية هي حركة حديثة لم تعتمد في طرحها على عقائد قديمة أو مقدسة، بل نمت من عقيدة الامر الواقع ، وتطورت إسوة بحركات وطنية في أوروبا ومع حركات  وطنية لشعوب اعتبرت غير تاريخية مثل السلوفاك والمقدونيين والباسك والولزيين .

وأمام التصريحات الرسمية حول الأيديولوجية الصهيونية، أعترف نورداو بالروابط بين الصهيونية والحركات الوطنية، وفي هذا المجال كتب في عام 1904 يقول : ” بعثت الصهيونية الجديدة من دوافع يهودية داخلية، تمثلت بشوق المثقفين اليهود لوطن وأبطال. ( … ) أما العامل الأهم في تشكيل الصهيونية فيعود إلى عنصرين هما : الأول، مبدأ القوميات الذي ساد أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي من ناحية فكرية وعاطفية –وهو المبدأ الذي رسم السياسات الدولية. أما الثاني ، فهو معاداة السامية، التي وجهت بشكل أو بأخر ضد اليهود بغض النظر عن مكانهم أو هويتهم .

إذا، لم تكن هناك أمة يهودية تنتظر مثل ملكة الجمال النائمة أميرها الصهيوني لبعثها بعد ألفي عام من النوم. وعليه، كانت الحركة الصهيونية ظاهرة جديدة كلياً مثل بقية الحركات الوطنية الأخرى، ووفق وجهات نظر كثيرة تخلت الصهيونية عن العقائد اليهودية القديمة مفضلة اعتبارها جزء لا يتجزء من الثقافة الأوروبية وتعبر بإخلاص عن التيارات السائدة فيها. وبالإضافة إلى ذلك، ارتبطت صورة وتطلعات الصهيونية ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والشخصية الاوروبية الدينية والقومية الإامبريالية التي سادت القارة خلال القرن التاسع عشر .

والتوسع في هذا الموضوع غير وارد، لكن لفهم الجذور الأوروبية -خاصة الألمانية– للقومية اليهودية، علينا التعرف ولو قليلاً على العلاقة بين الصهيونية وبين الثقافة الاوروبية، حيث كتب المؤرخ اليهودي المعروف سالو برون ،الذي ولد وتعلم في النمسا قبل الحرب العالمية الاولى، يقول : “دُفع اليهود إلى الشوق المسيحي للقوميات الحديثة، لأن هذا الشوق ميزة نموذجية تنطبق على اليهود الذين تعرضوا لمعاناة تاريخية. ولعب الشوق المسيحي دوراً مهماً في الوطنيات الاوروبية، حيث لخص برون هذا الشوق بالخصوصية والايمان العميق وقرب يوم القيامة المتوقع التي كان لها دور في البعث النهائي للقوميات الحديثة. وربط برون بين الشوق المسيحي بالأديان القديمة الموحدة بالله . وبالإضافة إلى ذلك، تحدث بيان ريستني عن الشوق الديني الامريكي. ووصف الاديب البولندي ادم ميسفوبيتش الشعب البولندي أنه تقمص شخصية المسيح المعذب. أما بيان ميتسني فقد ذكر أن كرومويل والشعب الانجليزي استمدوا من التوراة لغتهم وإبداعاتهم وأرائهم من أجل الثورة البرجوازية التي قادوها. أما المتعبدين الامريكان فقد تجولوا في العالم الجديد يروجون من أجل تأسيس القدس الجديدة. أما تولستوي فقد شبه في كتابه الحرب والسلام ” موسكو بالقدس. وألبس فيردي فقد الوطنيين الايطاليين بلباس العبرانيين القدماء وهم يبكون بجانب أنهر بابل وذلك عند ذكره صهيون. وفيما يتعلق نورداو فقد ذكر أن الصهيونية تنبت الرغبات اليهودية جزئياً، وتجاهل المساهمة الكبيرة التي قدمتها الثقافة الاوروبية عند تأسيس الحركة الصهيونية. وعلى أية حال، أسست الحركة الصهيونية من اليهود المثقفين ولم يشارك في تأسيسها التيار الديني الذي أنضم جزء صغير جداً منه إلى الحركة بعد تأسيسها . وبشكل عام . تعتبر الصهيونية حركة أيديولوجية أوروبية، وفيما يتعلق باليهود الشرقيين ذوي الثقافة والتاريخ العريق فلم تنبعث من صفوفهم حركة وطنية مطلقاً .

وفي القرن التاسع عشر ساعدت أوروبا على تطوير فكرة الصهيونية اليهودية والأوروبية الدينية بعد  قدوم الإستعمار إلى فلسطين. وبعد احتلالات نابليون التي اثارت أهتماماً امبريالياً كبيراً، وساعدت في قيام رحلات سياحية قام بها مارتين وفلاوفر شطوبريان ومارك توين ومجموعات كثيرة، حيث كانت أهدافها متنوعة. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر أصبح ميناء يافا هدفاً طبيعياً، وأسست فيها وكالات سياحة وسفر بعد عشرة أعوام بهدف تنسيق الرحلات إلى الأراضي المقدسة. وعلى ضوء الموقف العلمي الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت ازدادت الوفود الاثرية خاصة من أكبر دولة إمبريالية (بريطانيا ) التي أهتم قادتها كثيرا بالمكتشفات الأثرية الجديدة. وفي هذا المجال كتب نيل سيلبرمان في كتابه أن الصحراء التوراتية تحولت إلى مركز اهتمام غربي“God and country pigging for“ من جانبي المحيط. أما المانيا وبريطانيا فقد تعاطفت من ناحية دينية وإمبريالية مع الأراضي المقدسة وأعتبرت أرض فلسطين ارضاً لليهود.

ويبدو أن التدخل الأوروبي في أرض إسرائيل خلق انطباعاً عميقاً عند المثقفين اليهود من ذوي التوجهات الوطنية، وفجأة تحول الحلم إلى حقيقة قابلة للتحقق، وتحولت أرض إسرائيل من مجرد ذكريات تاريخية إلى واقع عملي، وخرجت من إطار العقائد ووضعت على جدول الأعمال اليومي، بإختصار، اعتبرت ارض إسرائيل اختراع جديد وعادت تحمل اسم صهيون .

ومن دون التطورات المذكورة من الصعب وصف كيف يمكن لفلسطين أن تتحول لمشروع استيطاني يهودي. وقبل ذلك إنشغل البارون هيرش ويهود كرماء آخرون في البحث عن حلوللمساعدة إخوانهم التعساء واعتبروا أن الأرجنتين ودول أمريكا الجنوبية مكانا مناسبا لهم. ومن النظرة الأولى لم تلائمهم فلسطين. وحتى صهاينة مشهورين مثل هيرتسل ونورداو فتشوا في خرائط العالم على مكان مناسب وأشاروا إلى أوغندا كمكان مفضل.  وعلى أية حال كانت هذه الخيارات كانت اكثر ضبابية مقابل صورة أرض إسرائيل المرصعة بأماكن تاريخية–توراتية مصورة، كما وصفها المتجولين والسياح والباحثين الأوروبيين.  وعلى أية حال، زودت القوميات الأوروبية اليهود بنسبة ليس بسيطة من الافكار والتطلعات، ومنحتهم المكان لتحقيق هذا الحلم .

وهنا أضيف ملاحظتين هما : الاولى، وصف الايديولوجية الصهيونية هنا تم من وجهة نظر تقول أن الصهيونية الأيديولوجية تسيطر على البلاد اليوم . وفي نهاية القرن التاسع عشر وخلال فترة طويلة كانت الصهيونية تيار صغير في أوساط يهود أوروبا الشرقية وغير موجودة مطلقاً في أوروبا الغربية. ومكانتها تعززت فقط بعد الحرب العالمية الثانية حيث استطاعت الصهيونية السيطرة .

والثانية، القوة والتأثير للايديولوجيات القومية تبحث بشكل عام بناء على حقيقة أن أمم كثيرة مثل الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا والعديد من دول امريكا الجنوبية أسست من دون أيديولوجيا وطنية أو تاريخية، بل حاولت الانتساب إلى الماضي

 ظاهرة الهجرة الجماعية

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الاولى هاجر ثلاثة ملايين يهودي من الدول الاوروبية معظمهم إلى الولايات المتحدة. وهاجر من روسيا ومحيطها ما يقارب 2,6 يهودي (30% من يهود أوروبا انتقل من قارة إلى أخرى) وكثيرا منهم استبدلوا أماكن سكناهم داخل أوروبا نفسها .

ووصل منهم إلى أراض إسرائيل عدد قليل جداً.

ولا يتفق المؤرخ برون مع الذين يصرحون بأن الهجرة الجماعية لليهود تمت بعد على المذابح التي تعرضوا لها في روسيا عام 1881 ، ويضيف أن الهجرة نبعت من الإمكانيات المفتوحة فتحت امام المهاجرين إلى الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية والتطور السريع في صناعاتها. وعلاوة على ذلك كان السفر رخيصاً وبسيطا وتجول وكلاء شركات السفر في اوروبا لترغيب المهاجرين بالعالم الجديد. وخلال ذلك قدمت منظمات يهودية اجتماعية مساعدات سخية لمساعدة اليهود على الهجرة .

لكن المذابح التي تعرض لها يهود روسيا أثرت على وضعهم الإقتصادي والاجتماعي وكانت عاملاً لهجرة المثقفين وأصحاب روؤس الأموال .

وحتى سنوات العشرين من القرن العشرين لم يهاجر إلى أرض إسرائيل سوى 1% من مجموع المهاجرين اليهود، وازدادت الهجرة إلى أرض إسرائيل بعد تشديد قوانين الهجرة الامريكية. وفي هذا المجال ذكر شترنهيل أن موجات الهجرة الأولى تمت لأسباب (الهجرات ، إذا استخدمنا المصطلح الصهيوني المبرر) لكن مبررات نجاح المشروع الصهيوني تمت بعد موجات الهجرة إلى فلسطين من أوروبا من سنوات 1924 – 1939، حيث قدم أكثر من 300 الف مهاجر وشكلوا القاعدة للمجتمع الإسرائيلي المتبلور. وجائت هذه الهجرات بناء على الوضع الأقتصادي الصعب في بولندا ومطاردة المانيا النازية لهم. وحسب شترنهيل، فإن فلسطين كانت هي المكان الوحيد الذي سمح لليهود بالهجرة إليه، وهذه الهجرات منحت الإستيطان اليهودي تأشيرة عقائدية – والتي بدونها من الصعب إقامة دولة .

ولا يوجد نقاش مع الحقائق : نموذج الهجرات الأولى وضعت الأساس للهجرات الجماعية التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن ظلت مسألة المبرر الأخلاقي مفتوحة. فالصهيونية لا تستطيع القول أنها انتصرت ايديولوجياً وعقائدياً لأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تمت بعد إغلاق الولايات المتحدة لأبواب الهجرة اليهودية ولموافقة بريطانيا ،لأسبابهم هم، السماح لليهود الدخول إلى البلاد. وفي نهاية الأمر أ أدت هذه القرارات إلى إجتثات جماعي للفلسطينيين .

والبحث الموضوعي في عملية الهجرة اليهودية إلى أرض إسرائيل منذ تأسيس الحركة الصهيونية يشير إلى رغبة اليهود بأغلبيتهم المطلقة بالهجرة إلى الولايات المتحدة وإلى دول غربية نامية. وذلك على عكس ما قيل في بيان استقلال دولة إسرائيل، حيث قيل أن اليهود توجهوا إلى أرض إسرائيل فقط عندما لم يكن أمامهم خيار أخر. وبالإضافة إلى ذلك ، لمتمنع الحركة الصهيونية إبادة يهود أوروبا .

وإقامة دولة اليهود لم تكن معجزة وبالتأكيد لم تكن شيء خاص. وضمن هذا المفهوم كانت هناك دول أخرى مشابهة – ليس تشابه مطلق.  فإسرائيل هي جزء من تيار واسع في التاريخ الحديث ، وهي أحدى الدول الكثيرة التي أقيمت في أعقاب الأزمات الاقتصادية التي عمت أوروبا وتم تحويل هذه الأزمات إلى أزمات سياسية. ويعتقد أن الهجرة الايديولوجية المبٍكرة التي ضمت عدد صغير جداً -قياساً مع موجات الهجرة الكبيرة- أصبحت القيادة فيما ما أصبح يعرف بدولة إسرائيل .

اليوم يمكن إيجاد مبرارات وأوصاف مبالغ فيها حول الهجرة الصهيونية، وبمصطلحات الصهيونية، فإن المهاجرين من البلاد يسمون هابطين (مقابل صاعدين إلى إسرائيل) . وكان هناك حوالي نصف مليون مهاجر إلى الولايات المتحدة يبحثون عن الكأس المقدس الذي يسمى  .the green Cardومن الصعب وصف ما يحدث لو ألغيت قوانين الهجرة الامريكية رغم هجرة 50 الف يهودي أمريكي إلى إسرائيل منذ 1948 ، لكن جزء كبير منهم يعود إليها. وفي المقابل فقد هاجر في السنوات الأخيرة إلى إسرائيل عشرات ومئات الأف العمال الأجانب من كل الدول المعمورة بحثاً عن الرزق ، ويدور الحديث عن عمال عددهم يتراوح من 100 – 300 الف أجنبي، جزء من أولادهم ولدوا في إسرائيل ويتعلمون في مدارسها. لكن من الواضح أنهم ليسوا مهاجرين، لأن الهجرة هو حق اليهود فقط .

 بحث مجدد للصهيونية الايديولوجية والعملية 

خلال الإنتداب البريطاني، كان السكان اليهود موحدين أيديولوجيا، وكان من الصعوبة بمكان الإشارة إلى جيوب معارضة ذات وزن ، وأستمر هذا الوضع حتى بعد إقامة الدولة بسنوات كثيرة .

وفي الأونة الأخيرة دارت نقاشات جدية حول ما سمي :” التمثيل التاريخي ماضي إسرائيل”. ومن ناحية العملية أعتبر هذا النقاش تحدياً للأسس العليا للصهيونية كأيديولوجية عملية ومراجعة لتاريخ الدولة ووجود اليهدو في فلسطين. وتطرح هذه المسائل في الجامعات والصحافة والتلفزيون وفي كل الأماكن . وظهرت مئات المقالات جزئها الأكبر بتوقيع مجموعات اكاديمية شابة، سمو أنفسهم فيما بعد بالمؤرخين الجدد أو يهود ما بعد الصهيونية الذين ظهروا لأول مرة في نهاية الثمانينيات عندما نشرت الكتب الأولى لبني موريس وإيلان بابه وآفي شلييم وغرشون شبير، وبعد ذلك ساهم باروخ كرملينخ وأروي رام  واَخرون . ويتركز تحديد الأسس الصهيونية ليس فقط على تاريخ إسرائيل في عام 1948 وهم يشككون بالوصف الرسمي المطروح منذ سنوات طويلة بأن حرب الاستقلال كانت حرب أقلية ضد أغلبية، ويتساءلون هل هرب الفلسطنييين عام 1948 بناء على مطالب القيادة العربية لهم، أو تم الطرد من قبل الجيش الاسرائيلي. ويريدون أن يعرفوا هل القيادة الأسرائيلية في ذلك الوقت كانت معنية حقيقة بالسلام أو بإقامة دولة فلسطينية حسب القرار التقسيم الذي وافقت عليه الأمم المتحدة في 21 نوفمبر من عام 1947 – وهو القرار الذي يرفضون مناداته بإسمه الكامل. ويتحدى مؤيدي ما بعد الصهيونية الزعماء اليهود ويطالبون بكشف حقيقة الزعماء اليهود بيهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. وينتقدون طريقة إستيعاب المهاجرين اليهود بعد حرب الاستقلال وهي الطريقة التي أصبحت أساساً للتعامل العام مع يهود الشرق. لكن معظمهم أمتنع عن توجيه انتقادات مبدئية للأيديولوجيا الصهيونية وسياسة الأسكان (أو الأستيطان) قبل عام 1948 . والشاذ عن هذه القاعدة هو غرشون شبير، الذي يصف السكن اليهودي في أرض إسرائيل على أنه أستعمار.

وبناءً على المواضيع المعرضة لنقد في التاريخ الإسرائيلي، هناك بعض البقرات المقدسة المعدة للذبح. لكن ذلك لم يكن نقاشاً فارغاً أو نقاشا أكديميا محددا. لقد أشعل النقاش المذكور كل المنطقة من أكاديمين وصحافيين وسياسيين وحتى قراء الصحف أنضموا إلى الموضوع وأغرقوا صفحات الجرائد بردود غاضبة في معظمها. وأتهم أحد الأكاديميين المؤيدين للصهيونية مؤيدي ما بعد الصهيونية بإستخدام الذرائع التي استخدمها الاتحاد السوفييتي في معاداته لإسرائيل . أما شبتاي تيبت، الذي كتب سيرة حياة بن غوريون، فقد اتهمهم بأنهم مؤيدين للفلسطينيين لأنهم يزيلون الشرعية عن الصهيونية”. ومع الأخذ بعين الأعتبار للجو الذي ساد في البلاد، فإن ردود الأفعال قيدت من شرعية المفكرين الشباب.

وأحد أسباب ردود الفعال قيام أفراد هذه المجموعة بمس خطير بالشخصية الإسرائيلية المستقلة. والأهم من ذلك هو تحويل النقاش إلى نقاش سياسي خارج الحرم الأكاديمي

ومن أجل توضيح الأمر حول الإستعمار والكارثة وما بعد الحداثة، سابحث في مقال البرفسيور أنيتا شبيرا (تعد من أوائل مؤرخي الصهيونية) التي ناقشت مؤيدي ما بعد الصهيونية وكتبت مقالات كثيرة عن اليهود ومن كتبها سيرة حياة برل كتسنلسون، الذي أسسس مع بن غوريون حركة العمل. وتطرقت إلى المؤيدين لما بعد الصهيونية في مقدمة مقالها قائلة : ” وجهة نظر الجديدة تعبر عن تغيير جوهري اتجاه المشروع الصهيوني من رؤيته كمشروع ايجابي ومهم في تاريخ اليهود والإنسانية – رغم مشاكل التنفيذ التي رافقتهه– إلى الملاحظة بالموافقة على حقيقة وجود دولة إسرائيل، لكنهم لا يمنحونها قيمة جوهرية ” .

ومن دون الدخول في الصياغة الغريبة “للقيمة الجوهرية” (أية قيمة جوهرية للدنمارك أو المغرب ؟) من الواضح أن شبيرا تتعامل مع المشروع الصهيوني بروح ايجابية “رغم مشاكل التنفيذ” التي وقعت جميعها على كاهل الفلسطينيين. لكن قبل البحث في هذه المشاكل من الجدير التوقف للحظة والتفكير بعمق حول طريقة الدفاع الصهيوني عن مشاكل التنفيذ التي لا يوجد لها وزن في “المشروع الإيجابي. ولغة المنتصر تعطيه الحق بتحديد ما هي المشكلة وما هي الكارثة الوطنية .  

هل كان إستعمارا

          لا توافق شبيرا على دراسة إقتراح مؤيدي ما بعد الصهيونية على نقاش الموضوع وفق النموذج الإستعماري، الذي يقول أن دولة إسرائيل هي مجتمع مستوطنين مثلها مثل  كثير من الدول. لأن هذا الموضوع يعتبر نقطة الضعف الرئيسية في التأريخ الصهيوني التقليدي. وتؤكد الرواية الصهيونية بشكل دائم على الفرق بين السكن والاستيطان (Colonialism and Colonization  ). فالاستعمار معناه إستغلال وقمع واستبدال سكان أصليين من قبل أو بمساعدة من قبل دولة استعمارية. مقابل ذلك فإن الرواية الصهيونية تصر على أن إسكان البلاد تم بطرق سلمية وذلك من خلال تهجير اليهود الذي كان لمصلحة السكان المحليين.

          وفي المقابل، فإن غرشون شبير يعتقد أن الإستيطان اليهودي يبرر أعمال المشروع الاستعماري. والتحديث الذي قامت بتنفيذه الحركة الصهيونية [...] كان جزءا من الأعمال الإستعمارية، وأهداف الاستيطان وإحتلال العمل والأرض تمت بدعم من مؤسسات الإستيطان مثل اتحاد النقابات (الهستدروت) والصندوق القومي لإسرائيل (كيرن قييمت) بصورة غير محدودة. والأراضي التي قام الصندوق القومي بشرئها منع بيعها للعرب ومنع تشغيل العمال العرب في أراضي الصندوق القومي. أما الكيبوتسات التي تم بناؤها بشكل عام على أراضي الصندوق القومي فقد أسكنت باليهود فقط، وكان ذلك البناء حالة فريدة عند أبناء الهجرة الثانية- وضمن هذا المفهوم أصبحت وطنية من أساسها.      

ويوضح شبير أن مصلحة الدول الأوروبية العظمى هي التي جعلتهم يدافعون هجرة اليهود  من مصالح، وذلك لضمان تحرك مندوبي الأمم الاوروبية بحرية قياسا مع القيود التي وضعتها الإمبراطورية العثمانية. وكذلك التأثير المباشرة على إقامة علاقات سوق رأسمالية – خاصة ما يتعلق بشراء الأراضي. أما السكان المحليين فأعتبروا جزءا من المنظر الطبيعي الواجب قمعهوترويضه وهو يبتسم”. وفي المقابل، فإن المحليين خافوا من فقدان أراضيهم “وبذلوا كل شيئ من أجل الدفاع عما تبقى” .

ونظرا لصعوبة مقاومة الحقائق، حدث أمر غريب في النقاش مع المؤرخين الجدد ، حيث اعتمدت معظم أبحاثهم واستنتاجاتهم –من دون رغبة – وتحول النقاش حول تفسير الحقائق. وتحت هجوم المؤرخين الجدد، تراجع النقاش للدفاع عن الصهيونية. وفي هذا المجال كتبت شيبرا قائلة : “عدم الرغبة بإستخدام هذه الافكار ينبع من حقيقية أنها كانت جزء من الدعاية المعادية للصهيونية التي أتهمت إسرائيل والصهيونية بالإنتماء لقوى الشر وأنها ضد العالم المتطور والمعادي للأستعمار. اليوم، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي الذي حول الإستعمار إلى الشيطان الأبيض للعالم الثالث. وتحرير العالم من الوصاية الغربية، فإن هناك مجالا لنقاش رزين متحرر من الأيديولوجيا في كل ما يتعلق بالاستعمار. وأضافت، ليس كل حركة إستيطانية مرفوضة اتوماتيكيا، وليست كل حركة وطنية مقدسة. يجب نقاش النموذج الاستعماري نقاشا اكاديميا مفتوحا، لا يعتمد على مواقف مسبقة من الرفض له أو توجيه الاتهامات له : وتتسائل شبيرا، هل الاستيطان الابيض للولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا سيذكر إلى الأبد بخجل بسبب التعامل المتوحش مع السكان المتخلفين ؟.

يجب الاعتراف أن أقوال شبيرا بقصد او بدون قصد ،ظلت ثابتة . ومن أجل الدفاع عن الاستعمار في فلسطين يجب الدفاع عنه في كل مكان ، أو على الأقل التشكيك بالنموذج الاستعماري .

ويعتقد أن الأوساط الاكاديمية الليبرالية لم تعد تعتبر أن “الشيطان الأبيض” إنتاج سوفييتي، بل هو حقيقة واقعة مرفوض من الغالبية العظمى من الشعوب منذ مئات السنين . وبالإضافة إلى ذلك، كان يمكن تفهم التمسك بالراي القائل أن العالم الثالث تحرر من سيطرت الغرب. أما اليوم فإن أحد أخلص المحافظين يتمسك بهذه النظرية على ضوء الازمة التي يتعرض لها السوق العالمي وتدخل صندوق النقد العالمي والبنك الدولي في شئون العالم الثالث. ويكفي التطلع إلى خارج إسرائيل، وحتى داخل إسرائيل نفسها كي نشعر بالتعلق الاقتصادي  والسياسي والعسكري المطلق بالغرب .

المهم في هذا النقاش الذي جرى هو الإبتعاد وعدم الإحساس بمعاناة ملايين البشر نتيجة استعمار بلادهم. وبدلاً من النقاش المتروي والمتحرر من الايديولوجيا يجدر بنا الاستماع إلى الأصوات الأيديولوجية للذين يعيشون تحت الاستعمار؟ . وفي هذا المجال كتب إيما سيزار -أديب من المارتنيك- يقول : “ما هو قصد ؟ هذه الفكرة : لا يوجد شخص يستعمر بصورة بريئة (…) أو متحرره من العقوبات. والأمة التي تستوطن بلاد أخرى وتبرر الاستيطان فيها بما في ذلك اسخدام القوة هي أمة مريضة ومجتمعها يعاني من مرض أخلاقي (…). والعلاقة بين المستوطن وأحد افراد المجتمعات المتخلفة هي علاقة: عبودية وتخويف وشرطة وضرائب وسرقة وأغتصاب وزراعة إجبارية وكراهية وعدم ثقة وحقد ورضا ذاتي، ومحرمات. أنهم نخب غير واعية وجماهير مذلولة .

          وتتسائل شبيرا هل سيذكر المستوطنين البيض إلى الأبد بالسوء؟ . وتجيب أن المجتمعات الغربية الكبيرة والقوية لن تتهم بسوء معاملتها للأمم المتخلفة، وسينسى ضحايا الصهيونية بعد عيشهم في مستقبل وردي. وعلى أية حال ، فإن التذكر والنسيان سيحددا على ما يبدو من قبل المنتصر .

          وما هو الواضح، أن الجرائم والمخالفات وعدم عدالة الاستعمار، لا تنفي حق الوجود للشعوب التي هجرت أو التي حلت مكانها. لكن هناك فرق بين الموافقة على حقوق الاستراليين والأمريكان وحتى الإسرائيليين للعيش بسلام وبين مسح الظلم الذي لحق بغيرهم منذ بداية المشروع . ويذكرنا جورج سنتانا    أن التاريخ يكرر نفسه .          

وفي حالات كثيرة يمكن تصحيح الاخطاء، خاصة في حالة الفلسطينين. لأننا في حالتهم لا نعيش الماضي وإنما نقف أمام حقائق تاريخية، فهم يعيشون بيننا كشعب ويستطيعون طلب العدالة لهم، أو على الأقل إقامة كيان سياسي قابل للحياة، مثل دولة فلسطينية في الضفة الغربية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس .

الكارثة – إستخدامات وإستخدامات سيئة

تعتبر رواية الكارثة أمراُ مركزياُ في الدفاع الصهيوني بشكل عام، وعند البروفيسور شبيرا بشكل خاص، وتنتقد إيلان بابه حين يقول: أن إقامة دولة إسرائيل تم بمساعدة غربية، وهجر الفلسطينيين عن قصد. وبرر التهجير العملي لمنح اليهود خصوصية خاصة بهم في أعقاب الكارثة التي حدثت لهم .

وترد شبيرا على ذلك قائلة: من يرى بالنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني في المجال الشرق أوسطي فقط، يرفض إعتبار الكارثة من سلسلة الأسباب والشروحات التي تبرر تصرفات إسرائيل. فالهوية الإسرائيلية المحلية الجديدة والموصوفة بالمعزولة عن التاريخ اليهودي لا تبقي مكاناً للأسباب التي ادت إلى حدوث الكارثة. كذلك، فإن وضع النزاع العربي- الإسرائيلي في سلم الأولويات الإسرائيلية يعتبر مصدرا لمسح تأثير الكارثة على الهوية الإسرائيلية.

والمهم جداً بالنسبة لشبيرا هو أن موضوع الكارثة يشوش أية محاولة للمقارنة المبسطة بين الوضع في إسرائيل وبين الوضع في الدول الإستعمارية الأخرى .

ولا تتطرق شبيرا بالمرة إلى الشعارات التي يطرحها بابه مثل “لا للإستعمار ولا لتهجير الفلسطينيين، ولا لإستخدام الكارثة لتبرير وجود الصهيونية. غير أنها تستخدم الكارثة في النقاش لتصل إلى الوضع المرغوب عندها. وعلى اية حال، فإن تهجير الفلسطينيين (بمساعدة الإستعمار) الذي ساهم في وضع حجر الأساس للدولة حدث قبل الكارثة، وإستمراره بعدها غير مرتبط بما يدعيه بابه. غير أن شبيرا حولت الكارثة إلى أساس دفاعي في النزاع الإسرائيلي– الفلسطيني. ولهذا فهي تتنازل عن الحاجة إلى نقاش جدي حول الأسباب والمسببات وعن القيم الإنسانية وعن المبررات والمساواة .

وخلال فترة بناء المستوطنات اليهودية في فلسطين اضطر الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم في البداية، وإلى ترك وطنهم فيما بعد. وحسب شبيرا فإن الكارثة التي تعرض لها اليهود هي السبب والمفسر لتصرفات إسرائيل. وتقول : الكارثة جزء من هويتنا، وفهمها يساعد على تبرير إحتلال الضفة الغربية عام 1967 وضم القدس الشرقية ومواصلة مصادرة الأراضي العربية .

وتستخدم إسرائيل الرسمية الكارثة بكل الأشكال حتى أن كل شخصية رفيعة تقوم بزيارة إسرائيل “تفوز” بزيارة مقر الكارثة والبطولة (ياد فشيم). كذلك، جرت مقارنة بين عرفات وهتلر لسنوات طويلة. ولم تصمت إسرائيل عندما نشرت صورة لطفلة قتلت في مخيم اللاجئين صبرا وشاتيلا مع صورة لطفل من غيتو وارسو وهو منقول إلى المحرقة .

وتعتبر الكارثة -كمأساة حلت باليهود- حجر الأساس في بناء الامة، حيث تعتبر الضياع تهديدان دائمان. غير ان إسرائيل لم تتعاطى مع الكارثة خلال اول عشرين عاماً من تأسيسها معتبرة إياها غير مهمة، وذكرت في إحدى الروايات على أنها لم تساهم في مدح إسرائيل. وفي عام 1960 أصبحت الكارثة أمر مركزي واستخدمت كسلاح أيديولوجي ضد الدعاية الفلسطينية – أستخدمت داخلياً وخارجياً لإقناع العالم بأن الإسرائيليين هم الضحايا الأساسيين .

وكم هو محزن التفكير بحقيقة أن الكارثة استخدمت في بعض الأحيان لغسل الادمغة الوطنية، وكما تقول شبيرا :”بالتعامل الوطني المعتدل مع العرب”، بدلاً من إستخدامها في الدعوة إلى الأخوة والصداقة بين الشعوب وضد العتصرية والتعصب القومي والإهتمام بمعاناة الآخرين .

ويجدر هنا القول، أن شبيرا واحدة من عدد كبير من المدافعين عن الصهيوينة من بينهم خبراء عقائديين مشهورين مثل غرشوم شالوم ومارتن بوبر، الذين يميلون التهرب من المواضيع المطرحة والتوجه نحو الأدب الفلسفي بشكل عام. وعلى سبيل المثال اقتبس بوبر يقول أن ” جهودنا الإستيطانية كانت إحتلالاً بطرق سلمية، وأصحاب الأخلاق من بيننا لم يرغبوا بالبقاء أنقياء لأننا نخوض صراعا من أجل البقاء. وأضاف، عندما خصصنا أرضا للأجيال القادمة اضطررنا إلى تقليص الأراضي الممنوحة للأجيال العربية القادمة… يقولون أن نورداو جاء إلى هيرتسل غاضباً وقال له :” علمت أن في فلسطين عرب، وإذا كان ذلك صحيحاً فالحق لن يكون بجانبنا”. ويضيف بوبر، إذا ما ذكر كان صحيحا، فإن ذلك يعبر عن نزاهة مذهلة. والحياة بطبيعتها مرفقة بجرائم. اما إنكسمندر فيعتقد أن وجودنا يدل على عدم عدالة الوجود العالمي، وعلينا رد ذلك إلى بشر آخرين. وفي جميع الأحوال لا توجد حياة من دون تدمير حياة أخرى. وإذا نظرنا بتركيز سنرى أن كل شيء خاضع، فشخص ما يسرق من شخص آخر قطعة أرض ليعيش، وكل من يركز النظر لا يستطيع تحمل حياته .

كل ذلك يكفي لتفهم العذابات الفكرية التي مر فيها بوبر والتي تلخص “بجهود الإستيطان التي قمنا بها”. ما يجري أمامنا هو تقاسم أدوار مذهل. فالمنتصرين يفكرون بطريقة فلسفية (بمساعدة إنكسمندر) . من جهتنا ربما نندم قليلاً، أما هم فسوف تقلص “مناطق عيشهم” وهم ستقيد ” .

ويمكن الإتفاق مع شبيرا في رفضها لطرح دان دينر الذي قال بأن ” الكارثة هي الأسطورة المؤسسة لدولة إسرائيل، لكن يوجد إتفاق بان مخيمات اللاجئين التي أنشأت بعد الحرب ساهمت مساهمة فاعلة في تجنيد الرأي العام الدولي لصالح تقسيم البلاد إلى دولتين، دولة يهودية إلى جانب دولة فلسطين، كذلك ناقشت شبيرا طرح مؤيدي ما بعد الصهيونية الذين ذكروا أن القيادة الصهيونية في فلسطين لم تبذل جهود كافية لإنقاذ يهود أوروبا، وهي ترفض هذا الطرح مدعية أن المبدأ الصهيوني يرفض الوجود في المنافي ومن الصعب على القيادة اليهودية في فلسطين إنقاذ عدد كبير من اليهود وقت الحرب. واضافت قائلة: يبدو أن القيادة اليهودية كانت تستطيع المساعدة قليلاً لو طالبت بفتح جبهة ثانية في سنوات 1943-1944 وذلك عن طريق تجنيد الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وتقول أن المحزن في هذا الأمر أن القيادة اليهودية لم ترغب إحراج دول الحلفاء .

وإذا سمح لي بتجاوز الموضوع قليلاً، فإن عدم الإعتراف بان المهجر هو جزء لا يتجزأ من الأيديولوجيا الصهيونية يشير إلى المصدر الأوروبي للصهيونية التي تعاملت بكبرياء وتحقير مع يهود المنفى – lufmensch – الذين إعتبرتهم غير منتجين وغير مستعدين لتوسيخ أياديهم بالعمل الأسود، وهم أشخاص ضعاف وجبناء وغير مثقفين. ومن غير الصعوبة بمكان إكتشاف الوصف الفارغ ومعاداة الصهيونية من أجل إقناع اليهود بالتخلي عن المهجر المذل. أما اليهودي الجديد في أرض إسرائيل فقد قيل عنه انه جريء وفلاح عائد إلى أرضه وجذوره ووطنه من أجل إنقاذ أرضها وتجفيف المستنقعات فيها وليزرع الصحراء .

وعودة إلى فترة الكارثة التي حلت باليهود خلال الحرب وموقف القادة اليهود منها، حيث ذكر أن القيادة اليهودية تعمل كالمعتاد. وفي هذا المجال ذكرت دينا بورات المحسوبة على مؤيدي ما بعد الصهيونية في كتابها –موقف يهود أرض إسرائيل من إبادة يهود أوروبا– أن اليهود وقياداتهم لم يغيروا من نمط حياتهم شيء ولم تكن هناك إنفعالات خاصة على اليهود الذين حلت بهم الكارثة، وذلك على عكس الرواية الرسمية .

ويقول توم سغيف ان الرد لم ياتي من بسطاء الناس فقط، بل امتد ليشمل القيادة اليهودية التي لم تكترث لما يحدث لليهود في أوروبا، واقتبس عن بن غوريون قوله :” أنني لا أفهم بشؤون الإنقاذ رغم رئاستي للوكالة اليهودية، وجل إهتمامي منصب على تجنيد الشعب اليهودي للمطالبة بإقامة الدولة اليهودية” .

وقتبس عن بن غوريون قوله: أن الكارثة التي تعرض لها يهود أوروبا لا تعنيه مباشرة. أما شبيرا فتقول أن الزعيم الروحي لحركة العمل الصهيوني برل كتسنلسون ظل صامتاً بشكل مطلق عندما حصلت الكارثة التي تعرض لها اليهود .

أما إسحاق غرينبويم رئيس لجنة الإنقاذ في الوكالة اليهودية وكان قبل الحرب من أبرز زعماء الحركة الصهيونية في أوروبا وزعيمهم في البرلمان البولندي، فقد صرح في جلسة عقدتها القيادة الصهيونية خلال الحرب: [...] يطلبون مني أموال من الصندوق التأسيسي لتمويل إنقاذ اليهود وقد رفضت ذلك واكرر رفضي مرة أخرى. وأضاف منذ شهر يضغط الحاخام ليفين مطالبا بأموال من الصندوق التأسيسي لإستخدامها في إنقاذ اليهود ـ وطالب بوقف بناء القرى الجديدة لذلك الهدف [...] وهنا أقول أن الصهيونية فوق الجميع .

ورغم وجود مثل هذه المقولات إلا أن شبيرا لا تشير أن القيادة واليهودي لم يكترثوا بما حدث ليهود أوروبا وتقول أن كثير من القيادات اليهودية لها أقارب هناك وبالتاكيد إهتمو بهم. لكن الحقيقة هي أن سلم الأفضليات للحركة الصهيونية كان مختلف، وكان بناء الأمة موضوع بشكل دائم على جدول الأعمال اليومي. ويوجد دفاع آخر عن اليهود وقيادتهم في فلسطين وهي أن المعلومات عن الكارثة التي حلت باليهود أتت متأخرة، وأن حجم الكارثة لم يتبين إلا بعد فترة طويلة. ورغم أن ذلك كان صحيحا، إلا أن السبب الأساسي لتجاهل الكارثة يعود إلى إهتمام القادة اليهود بالكيان المنفرد وبجدول الأفضليات الذي وضعوه، حيث اهتموا ببناء مؤسسات إقتصادية وعامة وجيش مستقبلي وثقافة خاصة بهم، وحينها امتلك اليهود كل مؤشرات الخصوصية بإستثناء الإستقلال. وعليه كان طبيعياً أن تنصب الجهود على تحقيق التطلعات الوطنية .

غير أن القيادة الصهيونية لم تعترف بأنها تفضل المصلحة المحلية على المعاناة اليهودية، لأن ذلك يتناقض مع الأيديولوجيا الصهيونية من أساسها، وما زال هذا الموقف سائداً حتى هذا اليوم. وعلى أية حال هناك فوارق كبيرة بين إسرائيل وبين يهود الخارج، فالمصلحة  الإسرائيلية الداخلية أهم من المصالح اليهودية الخارجية .

ودخلت الامة الجديدة في وعي وطني عميق وأعتبرت نفسها في مرحلة ما قبل الدولة. وبعد تحقيق الصهيونية لأهدافها برزت تناقضات داخلية، لأن الصهيونية خرجت من الرحم الأوروبي ولم تتلائم مع الحلم الأصلي. ولم تكن الأمة الجديدة يهودية بالمعنى المقبول، رغم أنها إنبثقت من رحم اليهودية وتعاملت مع مرجعياتها كما هو الحال مع الأمم الإستيطانية الأخرى مثل الأمريكان والكنديين في علاقتهم مع بريطانيا . أما تمسك إسرائيل بالصهيونية كأيديولوجيا فإن لذلك أسباب مختلفة كلياً .

وعلى أية حال صدق مختلف الناقدين عندما ذكروا أن القيادة الصهيونية لم تتعاطف مع يهود أوروبا وتنكرت لهم (وهي تصرفات عادت وكررت نفسها في التعامل مع اليهود الشرقيين). لكن الناقدين تجاهلوا حقيقة أساسية وهي بروز قومية جديدة .    

 ما بعد الصهيونية وما بعد الحداثة فيما يتعلق بالشرق الاوسط

وتهاجم شبيرا مؤيدي ما بعد الصهونية كونهم من مؤيدي ما بعد الحداثة ، وحسب فهمها فان مؤيدي ما بعد الحداثة يعرفون التاريخ بأنه رواية (Narrative) قصة يكتبها مؤرخين تلبية لاحتياجاتهم الايدولوجية. وتصل إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد رواية مفضلة عندهم عن الاخرى، ويعتبرون الراويات وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية للذين يتحدثون بإسمهم. وتعلن شبيرا أن المنطق الداخلي Deconstructionism لكل رواية يتساوى في القيمة مع غيره من الروايات. وتستخدم شبيرا هذا التعريف لمعرفتها أن مؤيدي ما بعد الصهيونية لا يحترمون الحقائق ويسمحون لانفسهم بتعبئة ما ينقص الحقيقة من دون أسس.

ويصف بعض مؤيدي ما بعد الصهونية أنفسهم بأنهم من مؤيدي ما بعد الحداثة بمفاهيم معينة. لكن عندما يتعلق الأمر بنقاش يدور في البلاد حول تعدد الروايات فهم بالتأكيد تابعون للمدرسة القديمة التي تريد رؤية الحقائق كما هي. وفي ساحة الموجهة الحقيقية مع مؤرخي الصهيونية الرسمية، يتمركز مؤيدي ما بعد الصهيونية حول مواقفهم بطريقة لا يتحملها حتى مؤيدي ما بعد الحداثة .

    وعمليا يمكن الاشارة إلى عناصر ما بعد الحداثة والتي دخلت إلى أحاديث شبيرا نفسها، ورغم أنها ترفض بشدة أي استخدام “للروايات” إلا أنها تسمح لنفسها باستخدامها. وفي لقاء معها عام 1994 قالت إن “الصراع العربي اليهودي بدأ عندما داست أول قدم صهيوني أرض فلسطين، ولم يستطيع اليهود التنازل على ما بدا أنه الأمل الوحيد للشعب اليهودي. أما الفلسطينيين فلم يكن لهم أي سبب للتنازل عما يعتبرونه حقهم الوحيد بهذه البلاد” .

 عرض الأمور بالصورة المذكورة يشير أن قائلها تحدث بالطريقة التي يتحدث فيها مؤيدو ما بعد الحداثة. فأمامنا روايتين، كل شعب وروايته وهناك اعتراف بوجود رواية “للآخر” والإعتراف برواية الآخر ليست امرا جديدا ومؤيدو ما بعد الحداثة –كما جرى في مجالات كثيرة– يصيغون المواضيع القديمة بطريقة جديدة. لكن عندما تعرض المواقف بهذه الطريقة علينا الخوف من ظاهرة ما بعد الحداثة .

وعلى مدار السنوات السابقة كانت هناك حقيقة تاريخية صهيونية واضحة، ومن الناحية العملية فان طريقة طرح شبيرا هي عرض لروايتين وفق الرؤية الدفاعية للصهيونية التقليدية. وهي تضع الروايتين في نفس الميزان. وهل ذلك ممكنا ؟. من جانب أمامنا “الصهيوني الأول الذي داس أرض فلسطين” وفي المقابل السكان الفلسطينين (هنا يجب الانتباه بسهوله غير محتملة كيف حول الشعب الفلسطيني المتخلف إلى سكان). ومنح الصهيوني الأول والوحيد (الذي يحمل على كاهله الأمل الأخير للشعب اليهودي) مكانة مساوية لشعب متخلف يعيش في وطنه. ومسألة العدالة هنا غير مثارة لعدم وجود قيم انسانية. وأين الحقيقة والعدل عندما وافق الصهيوني الأول على اجتثاث شعب كامل من أرضه. وبعد ذلك نقول أن الصراع لا يمكن منعه ؟ وفي اية محكمة يمكن الموافقة على وجهة النظر هذه ؟ .

اذا لا عجب ان التأريخ الصهيوني المعرض للهجوم يضطر الى التمسك بروايته، وربما يكون ذلك المخرج الوحيد للوطنيين اليهود .

وفي المجال الأوسع يمكن القول أن شبيرا ومن شابهها (من دون القصد) ينتمون للتيار المؤيد لما بعد الحداثة الذي يتبناه الأمريكي ريتشارد رورتي –مثل القومية الامريكية الحديثة التي تتطلع إلى مصالح الولايات المتحدة كقوة عظمى . ويشير ميخائيل بيليغ أن رورتي ينتقد بشدة التوجهات الإنسانية في الفلسفة والثقاقة (Enlightenment Philosophy). ويعرف روتي نفسه على أنه أمريكيا شماليا وليبراليا وبرجوازيا مؤيدا لما يسمى لعصر ما بعد الحداثة، ويتبنى موقفا يطالب بعد إقحام الأخلاق والسياسة في الأفكار الأنسانية المشتركة .

ومن هو منطقي او من هو متطرف امر نسبي للمجموعة التي نريد ان ننتمي اليه – الى مجموعة المواثيق المشتركة لنا والتي تحدد مقصد كلمة ” نحن “( … )

وبشكل عام ، فان المجموع هو خارج القضاء الاخلاقي والسياسي والعلمي ووحدة اطياف المجتمع هي هدف بحد ذاته ، ومن غير الممكن تبرير ذلك وفق مبادىء اخلاقية اخرى ، لان ذلك يضع اساسا لمثل عالمية موجودة غير متوفرة لليهود .

وحسب هذا المنطق ، فنحن محررين من واجباتنا القديمة النابعة من قيم عالمية . فالمحكمة لنا والمدعي العام والدفاع منا ونحن الحكم والمحلفين . ومسألة الاستعمار وأزمة اللاجئين الفلسطينين وخروجهم الجماعي مما سمي وطنه ، كل هذه المشاكل تحل وتختفي من ذاتها .

شبيرا لم تذهب بعيدا كما هو الحال عند رورتي بخصوص العرق وعدم توزيع الموارد ، فهي لا تستطيع التجاهل مطلقا لمشاكل الاستعمار ، غير انها اقتربت كثيرا من رورتي عندما قالت ” نحن نحتاج تأملات داخلية ” وكيف سيرى المجتمع نفسه ؟ وهذا الشرح خاص لكل مجتمع وينبع من تقاليده الثقافية وميزانية الروحية والايديولوجية للتابعين له وتطلعلتهم ، وهذا هو الاستخدام وهو شرعي لكل مجتمع ” .

العرق وعدم توزيع الموارد التي طرحها رورتي ، مثل التطرق الذاتي الساخر ، تبارك من قبل بعض المؤرخين الصهاينة الذين يعبوا في الدفاع عنها . وفي اليوم الدراسي الذي اشترك عدد كبير وعقد في جامعة حيفا دار نقاش بين احد المؤرخين المذكورين اعلاه مع آخر من مؤيدي ما بعد الصهيونية الذين لا يوافقون على ان اسرائيل كانت الطرف الاضعف في حرب عام 1948 حيث قال ” كما هو معلوم كنا اقوى من العرب – ولولا ذلك لما انتصرنا في الحرب ولو لم نطرد الفلسطينين . كيف تستطيع اسرائيل العيش مع اقلية عربية كبيرة ؟ وان اعلم اننا اقمنا دولتنا على دمار الفلسطينين ، ومن الصح ان هناك شعب آخر . واليوم توجد دولة يهودية ، ولا توجد دولة فلسطينية . ماهو موجود هم لاجئين فلسطينين !

وحرب التحرير كانت حربا من اجل توسيع حدودنا … كان هناك طرد ، وانا مارست الطرد والمشكلة العملية كانت هل نسمح بعودة اللاجئين ( … ) نعم ، انا ازور مؤيدي ما بعد الصهيونية بالسلاح ، لكن جيد اننا سمحنا لهم بان يكتبوا ما يرودن .

ويجب اضافة امر واحد فقط : وكان امتحث من اوساط اليسار الصهيوني حيث قال : هذا هو تأثير الصهيونية على الصهيونية المتطرفة ، وفي الحياة الاكاديمية لا ينفع النفي ، ونتيجة لذلك نحن امام حالة من ” الاستقامة ” المطلقة . نعم لقد عملنا كل هذه الامور ، لكن الهدف يبرر الوسيلة والاستقامة تعفينا من تهمة الجرائم .

وتتسائل شبيرا هل المستوطنين البيض سيذكرون الى الابد بالخزي ؟  وردت مشيرة ان المجتمعات الغربية الكبيرة والقوة لنا تتهم بسبب تعاملها مع المجتمعات المتخلفة ، بل ضحايا الصهيونية سينسون في المستقبل الوردي والمفهوم ، والذكريات او النسيان سيحدد على ما يبدو من قبل المنتصر .

 من هم ما بعد الصهيونية

يعتبر أنصار ما بعد الصهيونية مجموعة (رغم الفوارق بينهم) متجانسة كثيرا، ومعظهم من جيل الباحثين الشباب الذين ولدوا بعد عام 1948، ولا يشك في استقامتهم الاكاديمية وتلقى معظمهم تعليمه العالي في جامعات انجلترا والولايات المتحدة، وتنشر كتبهم باللغة الانجليزية. ويعترف بعضهم أن بروزهم مرتبط بتغيير الاجيال، أو بفتح الإراشيف (يوجد في إسرائيل قانون السرية لمدة 30 عام ) مع بداية حياتهم الأكاديمية -ربما ذلك ليس صحيحا فمعظم المعلومات التي نشرت كانت معروفه مسبقا (صرح شبير أن المعلومات التي تعتمد عليها ابحاثه ليست من النوع السري) .

أما إيلان بابه، وهو أحد رموز هذه المجموعة، فيتحدث باسم المؤرخين الجدد حول حرب عام 1973 (حرب يوم الغفران) .

ويصرح بابه أن “الهجوم المفاجىء للجيوش العربية في عام 1973 أحدث أول خرق في جدار النفاق الاخلاقي وبالاحساس بالرضا الذاتي، وأضاف أن الخسائر التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي والفساد الذي مر فيه حزب العمل أضعف الشوق الايدولوجي عند معظم الإسرائيليين” .

ويضيف بابه أن الباحثين الإسرائيليين بدءوا بالإعتراف بالرواية التي يطرحها الباحثين الفلسطينيين حول أسباب النزاع بعد الإنتفاضة الاولى. وأضاف، أن الشكوك ومراجعة الذات تتم بسهولة عندما يحدث فشل او كوارث (الثورات تحدث بعد خسارة في الحروب). ويبدو أن الإنتفاضة الأولى كانت العامل الحاسم. أما حرب اكتوبر فقد فتحت النقاش حول الشئون الإجتماعية الداخلية، لكن الإنتفاضة أجبرت الجمهور الإسرائيلي على الدخول في صراع آخر هو النزاع الاسرائيلي–الفلسطيني بطريقة مباشرة. وكان الطفل الفلسطيني المسلح بالحجارة ويواجه دبابة إسرائيلية، عكس قصة دافيد وجولييت. ما حدث مس بشريان حساس عند الجمهور، وأجبر الاسرائيلين على الاعتراف بـ م. ت. ف بأنها شريك بالمفاوضات. وساعدت فترة السلام في نمو نقد تاريخي للصهيونية الرسمية .

ولم يكن المؤرخين الجدد هم أول من شكك بالايدولوجية الصهيونية الرسمية. فالعكس صحيح، فقد ولدت الصهيونية ومعها ولدت الانتقادات، التي وجهت من قبل أبرام لفين وإيلان هيلفي ومكسيم روديسن وموشيه سنيه وتمار غوجانسكي -من وجهة نظر ماركسيه. وكتب سماحة يلبن حول الأساطير والواقع عند إقامة الدولة وبوغز عبرون انتقد الحركة الصهيونية بشكل شامل. وكثيرة هي المقالات والحوارات التي نشرت على مدار السنوات العارضة للصهيونية وغيرها، ونضيف الى هذه القائمة الكتب التي نشرت في الخارج بأقلام كتاب مرموقين مثل ادوارد سعيد ونوعم شومسكي ونورمان فينكلشتاين وآخرين .

لكن معظم مؤيدي ما بعد الصهيونية والمؤرخين الجدد تجاهلوا الأدب الواسع، وصرحوا أنهم ينتقدون الأبحاث التي كتبها مؤرخين مهنيين، ويعلمون وفق أسلوب الاضطلاع على آخر المستجدات من دون رؤية ايدولوجية. ويمكن الاكتفاء بالقول أن النفاق هو مرض أكاديمي معروف ومقبول. لكنني اعتقد أن هناك جذور عميقة جدا. وبكل بساطة، لا يعتبر الأكادميين المؤيدين لما بعد الصهيونية انفسهم بأنهم تابعون لسابقيهم، الذين عارضو الصهيونية وانضموا إلى الحركات الاجتماعية اليسارية -هناك بعض الاستثناءات. وبعضهم يعتبر نفسه صهيوني ملزم بتقديم ” الحقيقة ” من أجل تصحيح  الاخطاء في سياسة الصهيونية في الماضي والحاضر، لكن معظمهم تابعون لليسار الليبرالي وقريبون في تطلعاتهم لمؤيدي ما بعد الحداثة . ويعتبرون أن الفكرة الصهيونية فكرة أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد صالحة للبحث الحديث كما هو الحال في الخارج. وفي المقابل ، “يشعر”  مؤيدي ما بعد الصهيونية أن الثقافة  الاسرائيلية الجديدة أصبحت ثقافة ما بعد الحداثة. واشعر أن بعض هؤلاء معني بعرض التاريخ أكثر من التاريخ نفسه ، وهم معنيون بالأساطير والمناسبات اكثر من الحاضر، ويرفضون وصفهم بمعاداة الصهيونية ويشعرون براحة عند تعريفهم بأنهم مؤيدي ما بعد الصهيونية.

ماذا يعنى مصطلح “بعد” في المجال الصهيوني من ناحية ايديولوجية ؟ أو بصورة أدق أية رسالة يبعثها ؟. يعتبر مصطلح “بعد” مسايرا للعصر وله علاقة ما بمصطلح ما  بعد الحداثة وفي هذا الاطار يفهم منه أن الصهيونية رواية يمكن إزالتها عن كاهلنا أو على الأقل تفكيكها)  Deconstruct ) بشكل سريع. ويمكن القول أنها مثل كل الروايات، يمكن تفهمها والعيش معها بسلام. وما بعد الحداثة ليست نظرية عالمية تحارب من أجل أمر معين أو موجه ضد شخص ما، بل هي مصطلح يستسلم لها مؤيدوها الذين لا يملكون فكرة مركزية يحاربون من أجلها، وبالنسبة لهم فان كل الجهود يجب أن تركز على النص .

ويمكن تفهم مصطلح “بعد” بمفهومه البسيط والمثالي والاخلاقي. وربما تعني بعد أن الصهيونية أمر خاطىء في وقتها، لكنها كحركة انتهت ولم تعد خيارا، ونحن نعيش اليوم في عصر جديد يسمى “عصر ما بعد الصهيونية” .

  بالنسبة لي اعتبر هذا الافتراض خاطىء ولا يتعامل مع الواقع السياسي الاسرائيلي، لان المضامين الصهيونية للدولة ما زالت سارية المفعول. فمعظم الضفة الغربية محتلة والمستوطنات فيها تتوسع، ويوجد اتفاق بين الحزبين الكبيرين على مواضيع أساسية مثل استمرار السيطرة على الضفة الغربية قدر المكان (50 % منها) والمحافظة على القدس موحدة (أي استمرار السيطرة على القدس الشرقية). وهذه الأمور تشير الى استمرار السياسة الصهيونية التقليدية التي تدعو إلى التوسع الدائم. وفيما يتعلق بنجاح هذه السياسة، فان ذلك مسألة اخرى. لكن الأيديولوجية الصهيونية تعزز يوميا في المدارس والكنس والصحف وفي وسائل الاعلام الاليكترونية، وعند معظم الاحزاب. وللتأكيد على قوة الصهيونية كأيدولوجية وسياسة وتاثيرها على الرأي العام ، اقدم مثالا عن البرنامج السياسي لميرتس ، التي تقف على يسار الخارطة السياسية وتضم العديد من المثقفين واصحاب المهن الحرة وأكاديمين (معظمهم من مؤدي ما بعد الصهيونية). ويدور الحديث عن ثلاثة مبادىء من سبعة هى :

  1. الصهيونية: هي الحركة الوطنية للشعب اليهودي التي نجحت خلال مائة عام من وجودها في تجميع قسم مهم من الشعب اليهودي في إسرائيل، وحصلت على حق تقرير المصير في دولة اسرائيل ذات السيادة . وتتطلع ميرتس إلى تجديد الحركة الصهيونية وتحويلها الى عنصر مركزي يقاوم الإرباك الذي يهدد وجود الشعب اليهودي في المنافي .
  2. ترى ميرتس بالهجرة الى اسرائيل وتجميع معظم الشعب اليهودي فيها وتعزيز الهوية اليهودية على أسس التعددية كدور مركزي للحركة الصهيونية في المستقبل .
  3. تعتبر العلاقة بين إسرائيل والطوائف اليهودية عنصرا مركزيا لضمان وجود الشعب اليودي .

 

ويبدو أن الصهيونية لن تختفي، والادعاء بانها انتهت هو تهرب من الموضوع. والتهرب غير موجود في التأريخ أو حتى في المجال الايديولوجي. وفي هذا المجال، فان ما بعد الصهيونية موجه ضد التأريخ الصهيوني. ويمكن القول أن مؤيدي ما بعد الصهيونية، أو على الأقل معظمهم معادون للصهيونية، لكنهم لم يبرزو بعد .

ويدعي بعضهم أنهم لا يستطيعون معاداة الصهيونية لانهم ولدوا في البلاد وهم بالنتيجة ابناء الصهيونية، وهذا ادعاء خاطىء وغير مقنع حيث لا يوجد فرق بين الصهيوني والإسرائيلي. ويمكن أن تكون إسرائيليا وتنتقد وترفض حتى الصهيونية . فالامريكي من ليدا غير ملزم بالتعاطف مع الذين قتلوا ودمروا الهنود الحمر أاو يؤيد الذين بنوا سعادتهم على الأمر الواقع. ونفس الحال ينطبق على الدول الاخرى التى يوجد فيها مهاجرين استغلوا المجتمعات المتخلفة بصورة وحشية .

وتحاول الأيديولوجيا الصهيونية خلق هوية مطلقة بين الصهيوني والإسرائيلي، وتمكين من يعنيهم الامر بالقول أن من هو غير صهيوني هو ضد الدولة ! .

وحق وجود إسرائيل ليس موضوع بحثنا، فمعظم الدول العربية والفلسطينين اعترفوا بهذا الحق. لكن السؤال هنا هو ، كيف بنظر الإسرائيلي إلى ماضيه. وفي هذا المجال لا يوجد شك أننا نواجه مشكلة حول كيفية مواجهة الماضي والتغلب عليه . وهناك صعوبات في بناء وعي ذاتي تاريخي واقعي افضل من النفاق الميت حول ماضينا. ولهذا السبب فان ما بعد الصهيونية – ما زالت في مهدها وهي مشروع اكاديمي – تساهم مساهمة مهمة في الوعي الجماعي للاسرائيليين. الامر الذي يؤدي الى ردود فعل مذهلة .

الاهم من كل ذلك هو الربط السياسي في النقاش حول ما بعد الصهيونية، وربما تستطيع إسرائيل التوصل إلى اتفاقات ضعيفة أو سلام بارد مع الفلسطينين في الاطار الصهيوني. لكن السلام الحقيقي أي التسليم والمصالحة – يتطلب منا اعتراف حقيقي بماضينا .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash