سبتمبر
19
في 19-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    199 مشاهده

حان الوقت كي لا نتجاهل وكأن هناك وجهة نظر موحدة بين الولايات المتحدة وبين الإتحاد الأوروبي، أو أنهما يعيشان في نفس الظروف العالمية. وامتد الخلاف إلى موضوع استخدام القوة –السؤال الحاسم هو فوائد استخدامها وأخلاقيتها وهل استخدام القوة مرغوب فيه أم لا– في العلاقات الدولية حيث تبتعد امريكا عن أوروبا بصورة كبيرة جدا.

الضعف والقوة

 روبرت كيغن*

ترجمة عليان الهندي

 

أ

 حان الوقت كي لا نتجاهل وكأن هناك وجهة نظر موحدة بين الولايات المتحدة وبين الإتحاد الأوروبي، أو أنهما يعيشان في نفس الظروف العالمية. وامتد الخلاف إلى موضوع استخدام القوة –السؤال الحاسم هو فوائد استخدامها وأخلاقيتها وهل استخدام القوة مرغوب فيه أم لا– في العلاقات الدولية حيث تبتعد امريكا عن أوروبا بصورة كبيرة جدا. فالأخيرة تركت استخدام القوة ورائها وتتقدم باتجاه عالم مبني على قواعد القانون والأعراف المستمدة من المفاوضات والتعاون بين الأمم. ودخلت أوروبا اليوم إلى جنة عدن ما بعد التاريخ وحققت حلم “السلام المخلد” الذي طرحه الفيلسوف الألماني كانت. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة تثبيت نفسها في المستنقع التاريخي، مستخدمة القوة في عالم تسوده الفوضى والتسلط، وهو عالم لا يجوز فيه الاعتماد على القوانين والقواعد المعمول بها دوليا للوصول إلى الأمن الحقيقي، وهو عالم يتم فيه الدفاع عن النظام اليبرالي وتطويره من خلال وجود قوة عسكرية عظمى تستطيع استخدامها عند اللزوم .     

وعليه، عندما يدور الحديث في قضايا استراتيجية ودولية مهمة يحدث الشرخ في الموقفين، لأن نقاط الإتفاق بينهما قليلة ونقاط الخلاف كبيرة وهي في تزايد مضطرد. وهذه الحالة، ليست  مؤقتة أو متغيرة أو وليدة حملة انتخابية أمريكية واحدة أو نتيجة لكارثة واحدة. بل هي نتاج  لجذور وخلافات عميقة تاريخيا، وهي مرشحة للتصعيد المتواصل. واختلفت توجهات الولايات المتحدة عن أوروبا في كل ما يتعلق بسلم الأفضليات الوطنية والمخاطر وتحديد التهديدات وتخطيط وتنفيذ سياسة خارجية وأمنية. ويسهل على الأمريكي الذي يعيش في أوروبا إكتشاف التناقضات بين الطرفين. أما الأوروبيون فيدركون تزايد تناقض مواقفهم مع الولايات المتحدة، وربما يخشون منها. وفي هذا الإطار، صرح بعض المثقفين الأوروبيين المستقلين أن الطريق التي سارت عليها أوروبا وأمريكا لم تعد جزءا من “الحضارة الاستراتيجية”. وتصور أمريكا على أنها دولة تسيطر عليها “ثقافة الموت” وأن طابعها العنيف هو نتيجة طبيعية لمجتمع عنيف يملك فيه كل فرد سلاح، ويطبق الأعدام في هذا البلد بسهولة. أما المعتدلين الأوروبيين والذين لا يتفقون مع وجهة النظر المذكورة يقرون بوجود فوارق عميقة حول إدارة السياسة الخارجية لكل من أوروبا والولايات المتحدة .

وتدعي أوروبا، أن الولايات المتحدة تسارع إلى استخدام القوة وتقلل من أهمية الديبلوماسية وتميل إلى تقسيم العالم إلى طيبين وأشرار وأصدقاء وأعداء، وفي مواجهة أعداء حقيقيين أو متوقعون يفضل الأمريكان استخدام القوة قبل الإقناع والعقوبات على الامتيازات ويبكرون باستخدام العصا على الجزرة ولا يتمتعون بالصبر في حالة عدم الوضوح وعدم وجود دلائل ويتوجهون مباشرة للقضاء على التهديدات وحل المسائل التي يعتقدون أنها عالقة بالقوة. وبالإضافة إلى ذلك، تزداد توجهات الولايات المتحدة لحل الأزمات الدولية بشكل أحادي الجانب ويتباطئون في التوجه إلى المؤسسات الدولية خاصة الأمم المتحدة، والقانون الدولي بالنسبة لهم ليس خطا أحمر وهم على استعداد لخرقه كلما وجدوا ذلك ضروريا أو مفيد لهم. ولا يترددون بالتعاون مع الأمم الأخرى من أجل الحصول على إنجازات مشتركة.

غير أن الصورة التي يطرحها الأوروبيين في مواجهة الصراعات أكثر تعقيدا، حيث يصر الأوروبيين على أن طريقهم لحل المشاكل يجب أن تكون حكيمة ولطيفة ويحاولون التأثير بشكل غير مباشر وبأساليب ملتوية، وهم على استعداد لتحمل الفشل ويبدون صبرا عندما لا تجد المشاكل التي يواجهونها حلا سهلا. وبشكل عام، يفضل الأوروبيين التوجه نحو السلام والمفاوضات والديبلوماسية والأقناع على أساليب القوة، ويسارعون إلى استخدام القانون والمواثيق الدولية والرأي العام العالمي من أجل حل النزاعات. ويستخدمون العلاقات التجارية والإقتصادية من أجل جمع الأمم. وفي أحيان متقاربة يعطون أهمية للمسيرة نفسها على تحقيق النتائج لإعتقادهم أن المسيرة تؤدي في نهاية الأمر إلى أمر نتائج .   

وكما هو معلوم، فإن الصورة الثنائية التي يقدمها الأوروبيين هي نوع من الرسم الكاريكاتيري المشوه ويحمل مبالغات كثيرة وتعامل مبسط. فأوروبا ليست عنصرا واحدا: فعلى سبيل المثال، يفضل البريطانيون استخدام القوة على الطريقة “الأمريكية” أكثر من دول القارة التي تنتمي إليها أوروبا. وهناك خلافات بين قطبي حلف شمال الأطلسي وحتى خلافات بين الدول نفسها.أما في الولايات المتحدة فيعتبر الديمقراطيون أنفسهم “أوروبيين” أكثر من الجمهوريين، فوزير الخارجية الأمريكي يعتبر نفسه “أوروبي” أكثر من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وتتحفظ كثير من النخب الأمريكية المثقفة من “العدوانية” المتجسدة في سياسة بلدهم الخارجية مثل زملائهم الأوروبيين، وفي المقابل يوجد أوروبيين يعطون استخدام القوة أهمية بنفس الردجة التي يوليها الأمريكي .

ومع ذلك، فإن النسيج الكاريكاتوري يحمل نواة من الحقائق هي: وجود فوارق أساسية بين الولايات المتحدة وبين أوروبا. فوجهات نظر باول ورامسفيلد تتشابه إلى حد بعيد، وتختلف عن وجهات نظر وزير الخارجية الفرنسي أو حتى مع وجهات نظر وزير الخارجية البريطاني. وفيما يتعلق باستخدام القوة، فإن مواقف التيار المركزي في الحزب الديموقراطي تشبه إلى حد بعيد مواقف الجمهوريين وتتعارض مع مواقف معظم التيار الاشتراكي والاشتركيين الديمقراطيين في أوروبا. وفي سنوات التسعينييات مال الديمقراطيون إلى استخدام القوة للتعبير عن وجهات نظرهم مقارنة مع نظرائهم الأوروبيين. فحكومة كلينتون استخدمت القوة للتعبير عن عظمة القوة عندما قصفت العراق وأفغانستان والسودان. ويمكن القول وبدرجة كبيرة من الثقة أن الحكومات الأوروبية كانت ستمتنع عن ذلك. ويجب عدم الاندهاش أن بلغراد قصفت عام 1999 نتيجة ضغوط الولايات المتحدة .             

وعليه، ما هي مصادر الخلافات في التوجهات الاستراتيجية بين الطرفين ؟. لم تنل هذه المسألة الانتباه المطلوب، لأن الباحثين والقادة العاملين في حقل السياسة الخارجية من طرفي الحلف ظلا ينفيان بشكل دائم وجود مثل هذا الفوارق –من لاحظ هذه الفوارق، خاصة الأوروبيين منهم فضلوا مهاجمة الولايات المتحدة بدلا من دراسة أسباب تصرفاتها– أو أسباب تصرفات الأوروبيين. وقد حان الوقت، أن نضع جانبا النفي والخجل ومواجهة الموضوع مباشرة .

على عكس الاعتقاد السائد، فإن الفوارق بين الثقافتين الإستراتيجيتين الأمريكية والأوروبية ليست لها علاقة بالطابع الوطني العام، لأن إختلاف المجتمع الأوروبي عن الأمريكي حديث. وتعتبر الثقافة الاستراتيجية الأوروبية المتطلعة للسلام جديدة نسبيا على المجتمع الأوروبي. وخلال القرون السابقة –حتى الحرب العالمية الأولى- كان السياسة الأوروبية تعتمد على القوة، وخاضت حكومات أوروبا وشعوبها حروبا دموية. وتعود جذور وجهة النظر الأوروبية الموحدة والمطروحة حاليا –ونفس الحال ينطق على الاتحاد الأوروبي الحالي- إلى عصر التنوير. غير أن سياسة الدول الأوروبية في القرون الثلاثة الماضية لم ترسم بناء على طلب الفلاسفة وعلماء الطبيعة (خاصة الفرنسيين) أبناء ذلك الجيل .

كذلك مرت السياسة الأمريكية في عدة مراحل، ولم تعتمد على القوة كوسيلة في علاقاتها الدولية بشكل دائم أو استخدمت القوة بشكل منفرد بديلا عن القانون الدولي. ويعتبر الأمريكان من أبناء عصر التنوير، وفي السنوات الأولى من وجود الجمهورية كان المبشرين لعصر التنوير ينطلقون من أمريكا. واعتبر السياسيين الأمريكان في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ،كما هو حال سياسيي أوروبا اليوم، أن التجارة والاقتصاد هما الحل السحري للنزاعات الدولية، وحاولوا مرات عديدة تجنيد القانون الدولي والرأي العام الدولي لصفهم بدلا من استخدام القوة. ورغم أن الدولة الأمريكية الفتية استخدمت القوة ضد الشعوب القريبة في أمريكا الشمالية، لكن في علاقاتها مع الدول الأوروبية العظمى فضلت الامتناع عن ذلك، ورفضت أكثر من مرة سياسة القوة التي تنتهجها الأمبراطوريات الأوروبية كسياسة مطلقة .

وبعد قرنين من الزمان تبدلت الأدوار ووجهات النظر، نظرا لتغير موازين القوى العالمية بشكل هائل خاصة في العقود السابقة لصالح الولايات المتحدة. وفي أيام ضعفها استخدمت الولايات المتحدة إستراتيجية الضعف، غير أنها اليوم قوية وتتصرف كأنها زعيمة الأمم القوية. وعندما كانت الدول الاوروبية العظمى في أوج قوتها أمنت بالقوة وبالحلول العسكرية، غير انها اليوم تتعامل من وجهة نظر إستراتيجية تعتمد على الضعف. وجهات النظر المختلفة ،الضعف مقابل القوة، أنتجت بشكل طبيعي وجهات نظر إستراتيجية مختلفة حول تقييم التهديدات وأنسب الوسائل لمواجهتها. ونتيجة لذلك أصبحت المصالح مختلفة .

إلى جانب التطورات الطبيعية التي برزت نتيجة فوارق القوة بين طرفي حلف الأطلسي (الولايات المتحدة وأوروبا) التي تميل لصالح الولايات المتحدة، برزت هناك فوارق أخرى بين الطرفين في المجال الأيديولوجي. حيث أشارت التجربة التاريخية خاصة في النصف الأول من القرن الماضي إلى نمو مجموعة أفكار ومبادئ أوروبية حول فوائد عدم استخدام القوة العسكرية. أما الولايات المتحدة فقد تبنت مبادئ وأفكار أخرى نتيجة عدم مشاركتها في التجربة الأوروبية. لذلك، فإن الأزمة الإستراتيجية بين الطرفين تبدو أعمق من أية فترة سابقة وهي بازدياد مقلق. والفوارق الأيديولوجية والمادية بين الطرفين تعزز من قوة هذه الأزمة، التي لا يبدو في الأفق حلا لها .                    

 

 

ب

الضعف العسكري الأوروبي ليس بالأمر الجديد، رغم عدم معرفة ذلك حتى الأونة الخيرة. لأن الحرب العالمية الثانية دمرت تقريبا مكانة الدول الأوروبية كدول عظمى، وأصبحت تعاني نقصا في  الموارد البشرية والمالية لإستمرار سيطرتها على المستعمرات التابعة لها في أسيا وأفريقيا والشرق الوسط، وأجبرت على الإنسحاب منها بعد خمسماية عام من السيطرة الإستعمارية عليها. وكان ذلك، أكبر دمار لتأثير الدول الأوروبية العظمى في تاريخ البشرية. لكن، وخلال نصف القرن الماضي بعد الحرب العالمية الثانية إختبأ الضعف الأوروبي وراء أسباب جيوغرافية فرضتها الحرب الباردة. وظلت أوروبا الضعيفة المحشورة بين دولتين عظميين الحلبة الإستراتيجية الأساسية للصراع العالمي بين الشيوعية والرأسمالية الديموقراطية. وفي ذلك الوقت كانت مهمة أوروبا الأساسية والأخطر هي مواجهة هجوم سوفييتي محتمل عليها أو على الأقل التصدي له إلى حين قدوم المساعدة العسكرية الأمريكية. ومع ذلك، ورغم فقدانها لرموز القوة العظمى ظلت أوروبا المحور الجغرافي والسياسي الأهم. وبهذ الصفة واصلت أوروبا تقديم نفسها على أنها حاضنة القيادة الدولية، الأمر الذي مكنهم من المحافظة على نوع من التأثير الدولي تفوق بكثير قدرتهم العسكرية .

وبعد انتهاء الحرب الباردة فقدت أوروبا أهميتها الإستراتيجية، وبعد سنوات معدودة بدأ يتراجع سراب القوة التي برزت. وفي أعقاب حرب البلقان في سنوات التسعينييات من القرن الماضي واصل الأوروبيين والأمريكان التمسك بأهمية القارة من ناحية إستراتيجية وبضرورة مواصلة حلف الناتو لنشاطاته، وجاء هذا القرار للتأكيد على النصر الذي حققه الحلف في الحرب الباردة الذي أسفر (من ضمن ذلك) عن انضمام دول كثيرة من حلف وارسو إلى حلف الناتو وأبقى أوروبا في مركز الخطاب الإستراتيجي.

وكان هناك وعد بإقامة “أوروبا الجديدة” يبدأ بإقامة اتحاد اقتصادي وسياسي يضم جميع الدول الأوروبية –الإنجاز التاريخي لميثاق ماستريخت الذي وقع في عام 1992 . وببناء الاتحاد المذكور توقع الكثيرون أن تعود أوروبا كدولة عظمى كما كانت في السابق لكن في إطار جديد. وتوقع الكثيرون أن تكون أوروبا دولة عظمى قادمة، ليس فقط من ناحية اقتصادية وسياسية، بل من ناحية عسكرية، مما يؤدي إلى معالجة الأزمات التي تقع بالقارة مثل النزاعات العرقية في البلقان وأن تعود للعب دور مركزي في الحلبة الدولية. وصرح الأوروبيين أنفسهم (في التسعينييات) قال أن الإتحاد الجديد سيعيد بناء التعددية القطبية في العالم الذي دمر بعد نتائج الحرب الباردة. ووافق معظم الأمريكيين –بمشاعر مختلطة- على أن أوروبا هي الدولة العظمى القادمة. وتوقع سمويل هنتينغتون من جامعة هارفرد أن تكون الوحدة الأوروبية أهم المحطات المستقبلية في مقاومة السيطرة الأمريكية، مما يؤدي إلى بروز مائة وعشرون قطب جديد في العالم .

وعلى العكس، فقد تبين أن المراهنة الأوروبية والخوف الأمريكي ليس لهما أساسا من الصحة. فسنوات التسعينييات لم تشهد ظهور قوة أوروبية عظمى بل شهدت تراجعا وضعفا لقوة أوروبا الجديدة. فالنزاع في البلقان كشف الضعف العسكري الأوروبي وعدم المنهجية في السياسة الأوروبية. وفي نهاية العقد الأخير من القرن العشرين كشف النزاع في كوسفو الفرق الهائل بين أمريكا وأوروبا في مجال التكنولوجيا العسكرية والقدرة على إدارة حرب حديثة، الذي ازداد في الأعوام الأخيرة. وتبين أن دول أوروبا منفردة أو مجتمعة لا تستطيع إرسال قوات لمناطق النزاع الواقعة خارج حدودها. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أرسل قوات كبيرة لحفظ السلام في البوسنة وكوسوفو إلى أنه لم يستطع إرسال قوات محاربة مع المحافظة على استمرار وجودها في مناطق معادية، حتى داخل أوروبا نفسها. وفي أفضل الأحول فإن الدور العسكري الأوروبي تركز على حفظ السلام، بعد أن مهدت الولايات المتحدة لها ذلك عسكريا وحسمت المراحل المهمة من المعارك بقوتها فقط. ووصف بعض الأوروبيين تقاسم الأدوار بين الولايات المتحدة وبين أوروبا بالصورة التالية: أمريكا “تعد الوجبة” وأوروبا “تغسل الأواني” .

ولا غرابة مطلقا بنقص التوازن المذكور، خاصة إذا ذكرنا أن هذه القيود هي بالضبط التي دفعت أوروبا منذ البداية إلى تراجع تأثيرها الدولي. والأمريكان والأوروبيين الذين اقترحوا توسيع الدور الاستراتيجي لأوروبا خارج القارة وضعوا أمامها هدفا غير معقولا، لأن الدور الأوروبي في الحرب الباردة تركز على صد هجوم قادم من الإتحاد السوفييتي، وبالتالي ليس منطقيا التوقع منها لعب دور قوة عظمى بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا إذا أظهرت الشعوب الأوروبية استعدادا لتحويل جزء من مواردها المخصصة للرفاهية نحو التطوير العسكري .

ومع الوقت، تبين أن أوروبا لا ترفض تمويل نشاطات عسكرية خارج أوروبا فقط، بل – بعد انتهاء الحرب الباردة- داخل أوروبا نفسها من دون مشاركة أمريكية. ويبدو أن رد سكان أوروبا موحدا عندما يطلب منهم تعزيز قدرات حلف الناتو أو تعزيز سياسة الخارجية والأمن الأوروبي المستقل. وبدلا من استغلال فرصة إنهيار الاتحاد السوفييتي لإظهار قوتهم الدولية، اعتبر الأوروبيين ذلك فرصة للمحافظة على السلام. ونتيجة لذلك انخفضت ميزانيات الأمن في أوروبا إلى أقل من 2% من المنتوج العام، مما أدى إلى وجود فرق شاسع بين مستوى القوة الأوروبية مقارنة مع الولايات المتحدة منذ بداية التسعينيات .         

وفي الجانب الآخر من المحيط الطلسي أدت نتائج الحرب إلى بروز واقع جديد مختلف كليا عن الواقع الوروبي. ورغم رغبة الأمريكان بالتمتع بمرحلة السلام وتقليص ميزانية الدفاع، إلا أن نفقاتها العسكرية ظلت تشكل 3% من المنتوج الوطني العام. وبعد فترة قصيرة من انهيار الإتحاد السوفييتي غزا العراق الكويت مما حدى بأمريكا إلى مهاجمتها بقوة كبيرة جدا لم تستخدمها منذ ربع قرن. وفي السنوات التي تبعت الحرب على العراق قلصت الإدارة الأمريكية حجم قواتها قياسا مع القوات أيام الحرب الباردة –لكن ليس بصورة كبيرة. وعلى أية حال، ظلت القوة العسكرية الأمريكية قادرة على استخدام القوة في جميع أسقاع العالم من دون منافسة .

وزاد انهيار الاتحاد السوفييتي كثيرا من قوة الولايات المتحدة مقارنة مع بقية دول العالم. واستعمل المخزون العسكري الكبير –الذي كان يكفي لمواجهة الاتحاد السوفييتي بصعوبة – المتوفر في العالم من دون وجود خصم حقيقي. ونتيجة إنهيار الإتحاد السوفييتي ووجود كميات هائلة جدا من السلاح أصبح العالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة، وكان ذلك نتاج طبيعي ومتوقع للوضع المذكور. وعليه، وبعد انهيار الخصم السوفييتي زادت الولايات المتحدة استعدادها لإستخدام القوة في مختلف أنحاء العالم والتدخل في أي مكان أو وقت ترغب فيه والشواهد على ذلك كثيرة : فخلال فترة بوش الأب غزت الولايات المتحدة بنما عام 1989 وشنت حرب على العراق وتدخلت إنسانيا في الصومال عام 1992، وتواصلت في عهد كلينتون حيث تدخلت الإدارة الأمريكية في هاييتي والبوسنة وكوسوفو. كل ذلك حدث حتى عام 2001 وقبل -هنا يجب التأكيد- أحداث 11 سبتمبر وحالة الحرب الشاملة التي أعلنت بعدها. هذا الوضع مكن السياسيين الأمريكان من الحديث عن سحب قوات من دول أخرى في العالم، لكن في الحقيقة تدخلت الولايات المتحدة في شئون دول كثيرة خارج حدودها أكثر من تدخلها فيها طوال الحرب الباردة. والتكنولوجيا الحديثة التي ملكتها مكنتها من استخدام قوتها من مناطق بعيدة نسبيا وذلك من خلال هجمات جوية أو بواسطة الصواريخ الموجهة – وهوالأمر الذي ازداد وتواصل .

إذا، أدى فارق القوة بين الطرفين (بالضرورة) إلى وجود فوارق في الإستراتيجيات؟. وهذه الفوارق كانت موجودة أيام الحرب الباردة وكادت تسبب خلافات كبيرة وصلت في بعض الأحيان إلى حد الخطر. فالفرنسيين والألمان والحركات المختلفة الداعية لإستقلال ووحدة أوروبا طالبت بعلاقة إحترام من قبل الولايات المتحدة وبحرية العمل عنها. واعتقدت الدول والجماعات المذكورة أن الولايات المتحدة موجه مبالغ فيه وعسكرية زائدة عن اللزوم وخطيرة جدا، وأنهم يفضلون مواجهة مواجهة الاتحاد السوفييتي بواسطة الإعلام والإغراءات والعلاقات التجارية والإقتصادية والتسامح وضبط النفس. وكان ذلك الطرح مشروعا ويشاركه كثيرا من الأمريكان. لكن، في الحقيقة عبرت هذه التوجهات عن ضعف أوروبا التي تملك ردود عسكرية مقارنة بالولايات المتحدة. وربما يعود الضعف المذكور إلى الذاكرة الأوروبية من الحروب التي هجرتها بعد الحرب الكونية الثانية. وفي المقابل، اعتبرت أمريكا -التي لم تضعف علاقاتها مع الدول- الرؤية الأوروبية للصراع سياسة تسامح وعودة على عقلية القلق التي سادت أوروبا سنوات الثلاثينيات التي تعتبر المصالحة مصطلع سهل للأطراف الضعيفة التي لا تملك خيارات كثيرة. ويشسير ذلك إلى سياسة حكيمة.

نهاية الحرب الباردة وزيادة الفوارق في موازين القوى العسكرية بين أوروبا والولايات المتحدة زادت من حدة هذه الأزمات. اليوم، يمكن اعتبار حفل تسلم الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن بداية التوتر بين طرفي حلف الناتو بشدة رغم بدايته في عهد الرئيس بيل كلينتون وظهوره إلى السطح أيام حكم جورج بوش الأب. وفي هذا الإطار تبادل الطرفان في عام 1992 الإتهامات  بخصوص السياسة الواجب اتباعها في البوسنة إثر رفض الولايات المتحدة استخدام القوة، في حين لا تملك أوروبا القدرة على العمل العسكري. وخلال فترة حكم كلينتون بدأ الأوروبيون يشتكون من “الشقي المسيطر” الذي ينظر عليهم بأخلاق. وفي تلك الفترة استخدم فيدرين تعبير “القوة العليا” عند وصفه للعملاق الأمريكي الذي يصنف نفسه على أنه قوة عظمى، وذلك لا يتلائم والواقع (كان ذلك التصريح ردا على مادلين أولبرايت التي صرحت أن الولايات المتحدة هي أمة لا مثيل لها). وخلال التسعينييات برزت أمام أوروبا مشكلة أخرى عندما أعلنت الولايات المتحدة عن وضع خطط عسكرية لمواجهة الصواريخ البالستية، حينها صرح الأوروبيين أن الولايات المتحدة تميل لإستخدام القوة والعقوبات بدلا من الديبلوماسية والإقناع .

وفي غضون ذلك بدأت إدارة كلينتون -التي كانت مترددة نسيبا- فقدان صبرها لأن أوروبا مترددة خاصة عندما أبدت عدم رغبتها في مهاجمة صدام حسين. وعلى أية حال، فإن الخلاف حول العراق لم يبدأ عام 2000 بعد انتخاب بوش، بل بدأ عام 1997 عندما حاولت الإدارة الأمريكية زيادة ضغوطها على بغداد ووجدت نفسها في صراع مع فرنسا وبدرجة أقل مع بريطانيا في مجلس الأمن. وأثارت الحرب في كوسوفو مخاوف ألمانيا وإيطاليا واليونان لأن هذه الدول تعاملت مع الموضوع من ناحية عسكرية واعتبرت مخططات الولايات المتحدة الهجومية مبالغ فيها. وفي نهاية الأمر، وقفت أوروبا والولايات المتحدة في جبهة واحدة ضد بلغراد. لكن النجاح الكبير في البلقان لم يهدئ من مخاوف أوروبا نظرا لمظاهر القوة الكبيرة التي تقدمها أمريكا, وقد ازدادت هذه المخاوف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 .

 

 

ج

بكلمات أخرى، النزاع بين طرفي حلف الأطلسي لم يكن سببه جورج بوش، فالمشكلة هي القوة. فالقوة الكبيرة التي تملكها الولايات المتحدة ولدت رغبة عندها لإستخدامها، وفي المقابل فإن ضعف أوروبا ولد رغبة بقيام عالم يسيطر عليه القانون الدولي ومؤسساته، عالم يمنع فيه على الأمم القوية العمل من جانب واحد وفيه كل أمة –مهما كانت قوتها- جديرة بالتمتع بالحقوق المتساوية ومن دفاع القوانين الدولية المتفق عليها. ولأوروبا مصلحة عميقة في تراجع ،وفي النهاية تصفيتها، قوانين الطبيعة الجهنمية السائدة في عالم الفوضى الذي تحسم فيه الأمور بواسطة القوة فقط

فيما ذكر لا توجد نوايا احتقار، فذلك ما تطالب به الأمم الضيفة منذا بداية الوجود على وجه البسيطة. وكان ذلك هو نفس المطلب الأمريكي في القرنين الثامن والتاسع عشر عندما كانت الدول الأوروبية العظمى المتوحشة مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا تهاجم الأمريكان ضمن سياسة الاستعمار التي اتبعت حينها. وهو نفس ما تطالب به الدول الأوروبية الضعيفة في ذلك الوقت. وكان الرد عليهم من قبل الدول الأوروبية العظمى هو السخرية منهم والحديث عن “مصالح الدولة”. في القرن الثامن عشر كانت الولايات المتحدة أكبر الداعمين لتطبيق القانون الدولي على البحار المفتوحة، بينما عارضت ذلك سيدة البحر –بريطانيا. وفي عالم الفوضى تخشى الدول الصغيرة والضعيفة من الوقوع فريسة الدول الكبرى، بينما تخشى الدول العظمى من تقييد تصرفاتها باسم القانون الدولي أكثر من خشيتها من الفوضى التي توفر لها القوة والأمن والإزدهار.

الخلاف التاريخي بين القوي والضعيف هو البنية التحتية التي اعتمد عليها النقاش في مسألة التصرف من جانب واحد. ويؤمن الأوروبيين بشكل عام أن تحفظاتهم من التصرفات الأمريكية أحادية الجانب تثبت التزامهم للأفكار المؤيدة للنظام العالمي. ورغم أن هذا الأمر يخدم مصالحهم، إلا أنهم غير مستعدين للإعتراف بذلك بالفم المليء. وحسب قولهم، أحادية التصرف الأمريكية تخلد التسلط الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى العدوان. ويضيف هؤلاء، ربما تسيطر الولايات المتحدة بسهولة، لكن أعمالها خطيرة من ناحية الاستقطاب ومعيقة لنمو نظام عالمي يدافع عن الدول الضعيفة.

وهذا هو أحد الأسباب التي دعت الإتحاد الأوروبي -في الأعوام الأخيرة- إلى الضغط على الولايات المتحدة للعمل سويا والتنسيق مع الدول الأخرى (متعدد الجوانب حسب وصف مراقب أوروبي). وحسب إدعاء هنتنغيتون ومنظري الواقعية في أوروبا، فإن الاتحاد الأوربي لا ينوي تشكيل جبهة عسكرية مناوئة للولايات المتحدة، بل على العكس فهم يتبعون تكتيك الضعفاء ويأملون في كبح جماح القوة الأمريكية من دون استخدام قواهم الذاتية. وبخطوة جريئة وذكية يحاولون السيطرة على المارد بواسطة الحديث مع ضميره.

وهذه استراتيجية متوازنة وذكية رغم محدوديتها .

وفي الحقيقة تعتبر الولايات المتحدة مارد صاحب ضمير، فهي ليست فرنسا التي حكمها لويس الرابع عشر أو بريطانيا التي حكمها جورج الثالث. وأمريكا لا تبرر –حتى بينها وبين نفسها- أعمالها “بمصالح الدولة”. فأمريكا لم تتبنى مبادئ النظام الأوروبي القديم أو أفكار ميكافيلي وهي مجتمع ليبرالي ومتقدم داخليا، وإذا آمن الأمريكان بالقوة، فإنهم يعتبرونه آداة لتطوير مبادئ ثقافية ليبرالية ونظام عالمي ليبرالي. وهم شركاء للطموحات الأوروبية في بناء نظام عالمي أكثر تنظيما يعتمد على المبادئ وليس القوة. وبشكل عام، عملت الولايات المتحدة على تطوير مثل هذا العالم حتى في العصور التي كان فيها الأوروبييين يمتدحون قوانين القوة .

والأفكار والتطلعات المشتركة تساهم في بلورة سياسة خارجية موحدة لطرفي حلف الناتو. لكن ذلك لا يلغي الفوارق الجوهرية بين الطرفين حول رؤيتهما للعالم ودور القوة في حقل العلاقات الدولية. لكن استطلاعات الرأي المنشورة في الولايات المتحدة تفيد بأن الأمريكان يؤيدون التعاون المشترك –حتى بقيادة الأمم المتحدة.

وأود هنا أن أوكد أن معارضة أوروبا للتصرفات الأمريكية أحادية الجانب لأنها لا تملك القوة العسكرية أو الرغبة في استخدامها .

 لكن الولايات المتحدة تستطيع العمل بمفردها وقامت بذلك مرات كثيرة بنجاح منقطع النظير. وفيما يتعلق بأوروبا فإن العمل في الإطار الدولي يقلل من خسائرها، في حين تعتبر الولايات المتحدة أنها ستخسر بدرجة ما في حال موافقتها على ذلك. وبالنسبة لها فإن دعم تصرفات أممية موحدة هو في الحقيقة نموذج لأفكار طاهرة غير واقعية .

وحتى لو اتفقت أوروبا مع أمريكا على النظام العالمي الجديد فإنهم سيختلفون في مسألة ما هو النظام الذي يعرض النظام العالمي للخطر. ويتركز الخلاف الأساسي بينهما اليوم على تعريف المخاطر التي يمكن تحملها وتلك التي لا يمكن تحملها. وفي هذه المسألة هناك فوارق كبيرة في مواقف الطرفين .

وتشتكي أوروبا من الولايات المتحدة التي تطالب “بالأمن الكامل” وتصرح أنها تعرف جيدا كيفية العيش في ظل المخاطر –إلى جانب محور الشر- لأنهم عاشوا هذه الحياة منذ مئات السنين. وعليه، فهم متسامحين أكثر اتجاه المخاطر القادمة من عراق صدام حسين أو ايران آيات الله. وحسب قولهم، فإن الولايات المتحدة تبالغ في تقدير المخاطر التي تشكلها هذه الأنظمة. وكان هذا الرأي يسمع براحة في الولايات المتحدة قبل11 سبتمبر.

 وفي العقود الأولى لإستقلال الولايات المتحدة كان هناك إحساس دائم بعد الأمان، حيث كانت محاطة بالإمبراطوريات الأوروبية المعادية ومعرضة لخطر الحصار من قبل قوات مركزية مدعومة من الخارج، وكانت مشكلة إنعدام الأمن القومي حاضرة في خطاب الوداع الذي ألقاه الرئيس جورج واشنطن. وهنا يجب الامتناع عن المبالغة بالتصريحات الأوروبية عن التسامح، فخلال القرون الثلاثة الماضية واصل الكاثوليك والبروتستنط ذبح بعضهم البعض، ولم يشهد القرنين الماضيين تسامح مشترك بين ألمانيا وفرنسا .

وربما هناك من يقول: بسبب المعاناة التي عاشتها أوروبا فإن لها مواقف جيدة اتجاه آلام الأخرين –مقارنة مع الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، تبدي تسامحا وصبرا اتجاه الآخرين. لكن العكس هو الصحيح، فذاكرة المعاناة من الحرب العالمية الأولى لم تؤد لتسامح بريطانيا وفرنسا مع ألمانيا، وكان التسامح المذكور نتاج الخوف الكبير من ألمانيا وهو الأمر الذي أجبر الدولتين المذكورتين التوقيع على معاهدة الصلح بميونخ في ثلاثينيات القرن الماضي .

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تسامح الدول الأوروبية اتجاه الأخرين يعود إلى حالة الضعف النسبي وإلى قلة المخاطر التي تتعرض لها القارة مقارنة مع الولايات المتحدة التي تعتبر أكثر قوة وتستطيع استخدامها في أي زمان ومكان .       

ونفسية الضعف التي تمر بها أوروبا ليست حالة صعبة لا يمكن فهمها. فالشخص الذي يحمل سكينا في الغابة يستطيع أن يقرر أن الدب المتوحش والمفترس هو أمر يمكن تحمله، لأن الخيار البديل –صيده بسكين- أخطر من المحافظة على مخبأ على أمل أن لا يهاجم الدب. لكن عندما يكون نفس الشخص مزود ببندقية فإنه سيقول لماذا علي العيش بخوف من الدب وأنا أستطيع قتله .

وساهم التصرف الإنساني الطبيعي في غرز الإسفين في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا في الأشهر التي سبقت الحرب على العراق العام الماضي. فقد وصل الأوروبيين إلى نتيجة، وبحق ولهم ما يبرر ذلك، أن الخطر الذي يشكله صدام حسين لا يتساوى مع خطر غيابه. لكن بعد التحرش الذي قام به الأمريكان بصدام حسين وأسلحة الدمار الشامل التي تيبن أن نسبة وجودها منخفضة استخدمت الولايات المتحدة القوة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. ويصف الأوروبيين الأمريكيين بأنهم “يحلون المشاكل بالقوة”، لكن من الطبيعي أن من يملك القدرة لحل المشاكل سيستخدم القوة بكثرة، مقارنة مع من لا يملك مثل هذه القوة.

وكان الأمريكان يدركون أنهم يستطيعون غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وأيد 70% من المجتمع الأمريكي القيام بمثل هذه الخطوة. وفي المقابل وجد الأوروبيين –ولم يكن ذلك مفاجأة- صعوبة في تطبيق هذا السيناريو، الأمر الذي أدخل الخوف إلى قلوبهم.

وعلى أية حال، عدم القدرة على مواجهة التحديات والمخاطر لا يولد نوع من الصبر فقط، بل يخلق حالة من نفي وجود هذه المخاطر. ونتيجة لذلك يحاول الأوروبيين عدم طرح سيناريوهات لا يستطيعون التأثير فيها. وحسب تصريحات ستيفن إبيرتس مدير خطة خارج المحيط في مركز الإصلاح الأوروبي فقد قال :”أن واضعي السياسات الأمريكيين يختلفون عن زملائهم الأوروبيين حتى في استخدام المصطلحات”. وأضاف :”يركز الأمريكيون على التهديدات مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل وتنامي الأرهاب ودول محور الشر. في حين يواجه الأوروبيين تحديات مثل النزاعات العرقية والهجرة والجريمة المنظمة والفقر والأضرار التي تحدث في البيئة”. وحسب إبيرتس، فإن الفارق الأساسي مرتبط بدرجة أقل بالثقافة والفلسفة وبدرجة أكبر بالقدرة. ويهتم الأوروبيين أكثر في القضايا … التي يمكن حلها بواسطة العمل السياسي والأموال الضخمة. بكلمات أخرى يعمل الأوروبيين على مواجهة “التحديات” التي يدركون أنهم يستطيعون حلها، ويمتنعون عن مواجهة التهديدات التي يشعرون أن ضعفهم سيخلق صعوبات أمام حلها. وتعبر ،الثقافة الإستراتيجية الأوروبية المستمدة من الوسائل “اللينة” في مواجهة التحديات مثل الاقتصاد والتجارة وتمتنع عن استخدام القوة المباشرة، عن الضعف العسكري وعن القوة الإقتصادية الهائلة. وفي المقابل يسارع الأمريكان إلى الاعتراف بالتهديدات –في بعض الأحيان ملاحظة ولادة مثل هذه التهديدات قبل الأطراف الأخرى- لأنهم يعتقدون (بكل بساطة) أنها ستشكل تهديدا خطيرا على أمريكا .

والفوارق بين الطرفين ليست في المجال النفسي فقط، بل هناك عدم مساواة  في التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة مقارنة مع أوروبا، فالعراق ودول محور الشر لا تشكل خطرا متساويا على الطرفين: ويعود ذلك إلى توفر ضمانات أمنية لأوروبا منذ ستة عقود من قبل الولايات المتحدة وبالمحافظة على النظام في الدول التي انسحبت منها معظم الدول الأوروبية العظمى –من شبه الجزيرة الكورية وحتى الخليج الفارسي. ويؤمن سكان أوروبا إن كان ذلك باعترافهم أو بداخلهم – أن زيادة الخطر العراقي سيجعل الولايات المتحدة تتوجه إلى هناك لمواجهة الخطر المذكور كما قامت بذلك عام 1991. وفي الوقت الذي اضطرت فيه أوروبا إلى دفع فاتورة باهظة للدفاع عن نفسها في الحرب الباردة، تتمتع اليوم بالأمن “مجانا” من دون أية تكاليف، لأن معظم التهديدات موجودة خارج القارة، في المناطق التي تستطيع فيها الولايات المتحدة استخدام القوة. وبالمعنى العملي، فإن دول مثل العراق أو إيران أو كوريا الشمالية أو أية دولة أخرى ستنضم إلى محور الشر ليست مشكلة لأوروبا، ولا يوجد شك أن نفس الوضع صحيح بالنسبة للحالة الصينية. ويتفق الأمريكان والأوروبيين على أن حل هذه المشاكل يتم من خلال الولايات المتحدة فقط.

لهذه الأسباب، لا يعتبر صدام حسن تهديد على أوروبا كما هو الحال على الولايات المتحدة، وبناء على ذلك وضعت مسئولية ضبط صدام حسن على الولايات المتحدة وليس على اوروبا، والجميع متفق على ذلك بما فيهم صدام حسين الذي يرى بالولايات المتحدة العدول الأول. وتلعب الولايات المتحدة دور المنفذ للقانون في الخليج الفارسي والشرق الأوسط وفي جميع مناطق العالم بما في ذلك أوروبا. وذات مرة قال الأوروبيين للأمريكان: لستم أقوياء بما فيه الكفاية، لأنكم تشعرون بالتهديد الدائم. لكن الواقع هو أن القوة العسكرية الأمريكية قوية جدا وهي بالنسبة لهم الهدف الأساسي في بعض الأحيان. ونتيجة لذلك من السهل أن نفهم لماذا يرغب الأوروبيين بإبقاء الوضع على حاله .

ويميل الأوروبيين إلى وصف الولايات المتحدة “بالكابوي”. وبهذا الوصف نوع من الحقيقة ، فقد أصبحت الولايات المتحدة الشرطي رقم 1 في العالم وهم يتقبلون قيام مسئول الشرطة بفرض قليل من السلام والعدالة في عالم يعتقد الأمريكيون أنه عالم متوحش يجب ردع المجرمين أو القضاء عليهم بفوهة البندقية في بعض الأحيان. وحسب مقارنة الحانات وقادة الشرطة يشبه الأوروبيين الوضع بصاحب الحانة التي يقوم فيها المجرمين بإطلاق النار على أفراد الشرطة من دون المس بصاحب الحانة. ومن الناحية العملية يخاف أصحاب الحانات من محاولات مسئول الشرطة تطبيق القانون والنظام بالقوة أكثر من المجرمين الذين حضروا لبل ريقهم فقط .

وبعد خروج ملايين الأوروبيين للتظاهر بعد أحداث 11 سبتمبر، اعتقد معظم الأمريكيين أنهم قاموا بذلك نتيجة شعورهم بالتهديد المشترك ووحدة مصالح وأن الضربة القادمة ستكون من نصيب أوروبا. لكن الأوروبيين لم يعتقدوا ذلك وما زال هذا الشعور يتملكهم، واعتقدوا أنهم لن يكونوا الهدف الأساسي القادم وأنهم أهداف ثانوية كونهم حلفاء للولايات المتحدة، لأنهم لا يلعبون دورا إمبرياليا في الشرق الأوسط الذي يصدر لهم الكراهية والحقد. وعندما بكت أوروبا على أمريكا في 11 سبتمبر قامت بذلك نتيجة مشاعر إنسانية حقيقية اتجاه الأمريكان. وفي جميع الأحوال فإن منظمي مظاهرات التضامن مع الولايات المتحدة قاموا بذلك نتيجة شعورهم بالشراكة الأخوية مع الأمريكان وليس لمصالح شخصية.

 

 

د

ويعتبر فارق القوة في وضع الاستراتيجيات في الولايات المتحدة وأوروبا جزء من القصة. فخلال الخمسون عاما الماضية من انتاء الحرب الباردة نما في أوروبا عالم ووجهات نظر مختلفة عن تلك الموجودة في الولايات المتحدة في كل ما يتعلق باستخدام القوة في العلاقات الدولية، تختلف عن تلك التي تحملها الولايات المتحدة لأن الظروف التاريخية التي مرت بها تختلف عن تلك الموجودة في أورروبا .

وتركز الثقافة الإستراتيجية الأوروبية على المفاوضات والديبلوماسية والعلاقات التجارية وتفضل التوجه إلى محكمة العدل الدولية على استخدام القوة أو الإغراءات على العقوبات والخطوات الجماعية على الخطوات الفردية. غير أن هذا التفكير لم يكن نتيجة تطورات تاريخية عميقة بل هو وليد تطورات حدثت منذ عدة عقود. والثقافة الأوروبية الاستراتيجية الحديثة تنبذ ماضيها المتمثل بالسيطرة واستخدام القوة بشكل مفرط ضد الآخرين تحت شعار مصلحة الدولة. وبهذه الروح صرح وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر عام 2000 : “من عام 1945 ترفض أوروبا التعامل وفق موازين القوى والسيطرة التي ميزت أوروبا منذ التوقيع على سلام فيستفلايا عام 1648″. وعلى أية حال، فإن الاتحاد الأوروبي الحالي هو نتاج قرن مخيف من الحروب التي اندلعت في أوروبا .

وندرك أن وجود الاتحاد الأوروبي هو ضبط محاولة أمة أو قومية السيطرة على غيرها، وبالنسبة لأوروبا فإن دمج وتطويع ألمانيا هو أكبر إنجاز. ومن وجهة نظر تاريخية فإن تطويع ألمانيا وكبح طموحاتها يعتبر أهم انجاز عالمي منذ الأزل وحتى هذا اليوم. وهناك بعض الأوروبيين ومن ضمنهم فيشر الذين يتذكرون الدور المركزي الذي لعبته الولايات المتحدة في إيجاد حل “للمشكلة الألمانية”. لكن القليل منهم يتذكرون أن تدمير ألمانيا النازية كان شرطا ضروريا للسلام الذي عم أرجاء أوروبا بعد ذلك. ويعتقد معظم الأوروبيين أن الثورة التي حدثت في أوروبا –التخلي عن إرث استخدام القوة منذ مئات السنين – هي التي صنعت النظام العالمي الجديد. ويبدو أن هناك إحساسا أن الأوروبيين الذين انتجوا نظرية القوة أعلنوا التوبة وأصبحوا عقلانيين برغبتهم فقط، عندما تخلوا عما يصفه فيشر “شبكة التوازنات القديمة” التي تعتمد على القوميات التابعة لها وعلى القيود التي تضعها التحالفات وعلى السياسة التقليدية التي تعتبر المصالح هي العنصر الأول فيها وعلى المخاطر الموجودة في الأيديولوجيات الوطنية وعلى الصراعات الوطنية .

ورغم وجود فيشر في أحد ثنايا الواقعية الأوروبية الحالية، فإن مسألة القوة لم تعد تشغل بال اليمين واليسار في أوروبا. ويوافق معظم الأوروبيين على وجهة نظر فيشر حين قال :”أن أوروبا تجاوزت النظام السابق الذي يعتمد القوة كأساس للتعامل في العلاقات الدولية، وأن أوروبا اكتشفت أسلوب جديد يدعو إلى السلام”. وفي شهر إبريل عام 2002 كتب الديبلوماسي البريطاني المعروف روبرت كوفر في المجلة الاسبوعية أوبزيرفر يقول: تعيش أوروبا اليوم “عصر ما بعد الحداثة” الذي يعتمد في تطوره على رفض منطق القوة وإجبار الآخرين على التنفيذ، وأن “عصر ما بعد الحداثة” يتحدث عن الوعي الأخلاقي في العلاقات الدولية بدلا نظرية “الغاية تبرر الوسيلة” التي اخترعها ميكافيلي .

وأدت النظرية إلى سخرية المنظرين الواقعيين في أمريكا، حيث صرح جورج كينان أن زملائه الأمريكيين هم السذجاء فقط -وليس الأوروبيين الذين يحملون أفكار ميكافيلي والذي ملوا الحروب ويملكون وعيا تاريخيا فيها- الذين سقطوا ضحية الأفكار المستحوذة من الشرعية والأخلاق المذكورة.

لكن، لماذا لا يطرح الأوروبيين الواقعيين وجهة نظرهم بخصوص العلاقات الدولية، خاصة عندما يتصرفون بروح “ما بعد الحداثة” ؟ في حين تسود مبادئ العلاقات الدولية القديمة التي عفى عليها الزمن حتى داخل دولهم. وفي العقود التي مرت بعد الحرب العالمية الثانية أسست الحياة الأوروبية على الخيال الجيوسياسي، وحدثت المعجزة المهمة جدا في التاريخ العالمي حيث جمع النمر الألماني مع الجدي الفرنسي ووصل النزاع الذي دمر أوروبا منذ الولادة العنيفة لألمانيا في القرن التاسع عشر إلى نهايته، بعد أن اضطر الأوروبيين التخلص من الفوضى والتسلط وساروا باتجاه عالم من السلام الأبدي المنغلق.

وحققت المعجزة الأوروبية التي غلفت بهالة من القدسية بعد الحرب العالمية الثانية بعدة وسائل أهمها المصالحة الألمانية الفرنسية التي اعتمد فيها العمل الديبلوماسي والمفاوضات وإقامة العلاقات الإقتصادية والنشاطات السياسية المشتركة وقدمت الإغراءات بدل العقوبات والتقدم التدريجي وضبط التطلعات واستبدالها بالنجاح. ونفس العوامل استخدمت في توحيد أوروبا. ولم يحتاج الاتحاد المذكور إلى الردع العسكري أو موازين القوى. بل العكس، فقد حدث ذلك نتيجة رفض التعامل بالقوة والتوقف عن إستخدام القوة كآداة في العلاقات الدولية –على الأقل داخل أوروبا. وفي سنوات الحرب الباردة شكك قليلا من الأوروبيين بضرورة وجود قوات عسكرية تردع الاتحاد السوفييتي، لكن داخل أوروبا نفسها فقد كانت قواعد اللعبة مختلفة .    

الأمن الجماعي لأوروبا جاء من المنقذ الأمريكي الذي عمل معهم من خلال حلف الناتو. ومن وراء السور الأمني المذكور بحث الأوروبيين عن نظام جديد خاص بهم، نظام متحرر من القوانين الوحشية وحتى من عبأ سياسة القوة. وبدأ الإنتقال من القديم إلى الجديد بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب الباردة. لكن نهاية التهديد الخارجي (انهيار الاتحاد السوفييتي) مكن النظام الجديد من البدأ بالعمل وفكرته الأساسية الانتعاش والنمو. والأن وعندما تحرروا من أية حاجة لقوة ردع عسكرية من الداخل والخارج أصبح الأوروبيين مقتنعين أكثر بعالمية اسلوبهم في حل المشاكل .

وفي شهر أيار من عام 2001 صرح رئيس المندوبية الأوروبية برودي أن “فخر الأباء المؤسسين ترجمت من تطلعات سياسية….إلى سلسلة من القرارات التدريجية والمفصلة والتقنية بطبعها أدت إلى الوصول إلى ما نحن فيه اليوم”. وأضاف “من المواجهة تقدمنا إلى التعاون الاقتصادي، ومع الوقت إلى الإتحاد”. وهذا هو المنتوج الأوروبي القابل للتصدير العالمي وهو أمر خالي من القوة أو التعالي. وفي نفس المجال صرح أبترس “إخضاع العلاقات بين الدول لسلطة القانون، وتجربة أوروبا الناجحة في حكم متعدد الأقطاب ولد رغبة بجر العالم إليها”. وفي هذا المجال صرح برودي أن :”على أوروبا لعب دورا في القيادة العالمية يعتمد على سحب النموذج الأوروبي على جميع أنحاء العالم. وأضاف أن بديل سلطة القانون هو القوة … التي أكل عليها الدهر وشرب، وأن نجاح الاتحاد هو نموذج يرسل إلى العالم صيغة السلام الأوروبية.

لا يوجد شك برفض عدد كبير من سكان بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول أخرى انتشار هذه الفكرة. لكن الكثير منهم بما في ذلك شخصيات مركزية في الحكم يطالبون بتطبيق التجربة الأوروبية على بقية أنحاء العالم. وما النقد الموجه لأمريكا التي تحارب مخترقي القانون يعود إلى الرغبة المذكورة. وتتفق أوروبا مع الولايات المتحدة بأن دول مثل العراق وايران وليبيا وكوريا الشمالية هي دول خطيرة ومعادية وحتى شريرة، لكن يطالبون باستخدام الأسلوب الأوروبي في التوصل إلى نتائج ايجابية؟. ويقولون أن الانتقال من المواجهة إلى المصالحة، بدأ من خلال تعاون اقتصادي وتحول إلى اتحاد بطرق سلمية؟. لكن هل تنجح الصيغة الناجحة أوروبيا في إيران على سبيل المثال؟. يصر كثيرا من الأوروبيين على أن ذلك ممكنا .

ويعتبر تصدير التجربة الأوروبية في الوحدة هي البشارة الثقافية الجديدة وسر السلام الأبدي فيها. بالضبط كما اكتشف الأمريكان سر السعادة الانسانية وطالبوا بنشرها في جميع انحاء العالم .             

وهنا ربما نصل إلى أهم الأسباب في الفوارق بين الولايات المتحدة وأوروبا وهو أن: القوة الكبيرة للولايات المتحدة واستعدادها لإستخدامها بشكل أحادي الجانب تهدد ،وربما أكثر من أي أمر آخر، الرسالة الجديدة التي تحملها أوروبا. ويواجه راسمو السياسة الأمريكية صعوبة كبيرة في الموافقة على وجهة النظر الأوروبية، لكن كبار سياسيي وموظفي الاتحاد قلقون من الطريقة التي عالجت فيها الولايات المتحدة المشكلة العراقية وذلك بعد قيام الولايات المتحدة باستخدام القوة من جانب واحد. ويعتبرونها عملا خارج القانون الدولي وأخطر من صدام حسين نفسه ومن أسلحة الدمار الشامل التي يملكها. ولا يوجد شك أن ما أزعج أوروبا هو إمكانية أن تزعزع العملية في العراق الاستقرار في الشرق الأوسط وتؤدي لموت عدد كبير من الناس مجانا، لكن أسس الخوف الأوروبي أعمق بكثير. فعمل عسكري من هذا النوع يهدد جوهر أوروبا “ما بعد الحداثة”. فالهجوم الأمريكي هو هجوم على الأفكار الجديدة لاوروبا ونكران بسريان مفعولها العالمي، كما فعلت بالضبط الأنظمة الملكية في أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر التي فرضت شبكة تهديد على الأفكار الجمهورية للولايات المتحدة. ومن يعلم أكثر من الأمريكان أن تهديد الشخص بمعتقداته من شأنه ان يخيفه بدرجة لا تقل عن أمنه الشخصي .

ومثل الأمريكان خلال قرنين، يتحدث الأوروبيين اليوم عن الأمن وعن الترفع والفهم السياسي وعن الفائدة الكبيرة جدا من طريقة حلهم للمشاكل الدولية وعن الحكمة المتوفرة لهم لتقديم اقتراحات للأمم الأخرى فيما يتعلق بحل النزاعات، أي أن الأوروبيين يصرحون كما صرحت الولايات المتحدة في العقد الأول من إنشاء الجمهورية. ويبدو أن الأوروبيين تواقين لاعتراف الدول عامة والولايات المتحدة خاصة بالأفكار الأوروبية، ويصرحون أن من يشكك بقوة وإمكانية تنفيذ هذه الأفكار على الساحة الدولية يطرح شكوكا عميقة فيما يتعلق بمشرع الوحدة الأوروبية. إذا، لا يمكن حل المشاكل الدولية على الطريقة الأوروبية. لكن هل يعني ذلك أن أوروبا لن تحل مشاكلها هي مع انعكاسات ذلك الفظيعة ؟. وكما هو مفهوم، فإن المذكور أعلاه هو الخوف الذي يرفرف على رأس الأوروبيين، حتى في ظل تقدمها اتجاه الاتحاد .

وأوروبا ،خاصة فرنسا وألمانيا، غير مقتنعة كليا أن المشكلة التي سميت يوما ما “المشكلة الألمانية” قد حلت، فاقتراحاتهم بخصوص الدستور الأوروبي تشير أن الفرنسيين ما زالوا غير مقتنعون أنهم يستطيعون الوثوق بألمانيا، وحتى الألمان غير واثقون من إمكانية الاعتماد على أنفسهم. وهذا الخوف من شأنه أن يعيق التقدم والاتحاد العميق، لكن ذلك يحرك أوروبا باتجاه الوحدة رغم الصعوبات والعوائق الكثيرة التي لا تحصى. وعلى المشروع الأوروبي أن ينجح، وإذا لم ينجح كيف يستطيع الأوروبيين ،كما وصفها فيشر في خطابه في جامعة هومفولت، التغلب على المخاطر والمطامح الذاتية لألمانيا التي تقع في وسط أوروبا ؟. والمطامح الألمانية التاريخية تزعج كثير من الأوروبيين، وفي كل مرة تقرر أوروبا استخدام القوة، أو تجبرها الولايات المتحدة على ذلك يطرح الأوروبيين تأثير ذلك على “المسألة الألمانية .

وربما لم يكن صدفة أن التقدم الهائل الذي حدث في الأونة الأخيرة بخصوص الاتحاد الأوروبي وقيام دولة أوروبية عظمى رافقه تقليصا في القدرة العسكرية مقارنة مع الولايات المتحدة. والحلم بتحويل أوروبا إلى قوة عظمى لتتوازن عسكريا مع الولايات المتحدة منح فكرة الاتحاد دفعة كبيرة في مراحله المبكرة –في حين كان الهدف من رسم سياسة أمنية وخارجية مستقلة هو أن تكون إحدى أهم إفرازات الاتحاد. لكن من الناحية العملية، هناك نوع من المفارقات التاريخية في التطلع إلى القوة. ولا يعتبر ذلك دافعا يتوافق مع أوروبا “ما بعد الحداثة” التي تعتبر عدم استخدام القوة أساس وجودها. ومهما تكن نوايا مهندسي الاتحاد، فقد تبين الاتحاد الأوروبي هو العدو الكبر لبروز القوة العسكرية الأوروبية العظمى، ومن هنا يعتبر الاتحاد العدو الأكبر لتطلعات أوروبا لقيادة العالم .

ولم يعبر عن هذه الظاهرة بتقليص ميزانيات الدفاع الأوروبية فقط، بل عبر عنها بطرق أخرى مثل مجالات استخدام القوة “اللينة”. ويتحدث الزعماء الأوروبيين عن الدور الحيوي لأوروبا في العالم، حيث صرح برودي :”أنه ينتظر اليوم الذي يسمع فيه صوت أوروبا وأن تأخذ الأفكار الأوروبية على محمل الجد”. ورغم أن الأوروبيين يقدمون مساعدات خارجية أكثر من الولايات المتحدة، إلا أنهم يسارعون إلى القول أن القوة الأوروبية المستخدمة خارج القارة هي للمحافظة على السلام فقط. لكن، وعلى الرغم من تدخل الاتحاد الأوروبي في الشئون الخارجية الملتهبة في الشرق الأوسط أو في شبه الجزيرة الكورية، يبدو ان السياسة الخارجية الأوروبية هي نتاج ضعيف جدا للإتحاد الأوروبي. وفي الأونة الأخيرة صرح تشالرز غرانت ،أحد المحلين المؤيدين للإتحاد الأوروبي أن قليل من الزعماء الأوروبيين يخصصون وقتا للشئون الخارجية. وأن المبادرات الأوروبية في مجال السياسة الخارجية تنتهي بسرعة وفي أحيان نادرة تحصل على دعم متواصل من قبل أمم أوروبا نفسها. ولنفس الأسباب ترفض المبادرات الأوروبية ،كما تصرف معها رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئييل شارون عندما رفض في مارس 2002 اللقاء المخطط له لخافيير سولانا المسئول عن السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي لقاء ياسر عرفات في حين وافق في صبيحة اليوم التالي على لقاء موظف أمريكي أقل بكثير من سولانا اللقاء مع الزعيم الفلسطيني .

وعلى أية حال، يهتم المواطن الأوروبي بالقضايا الداخلية ويهمل القضايا الداخلية. وهو الأمر الذي فاجأ كل أطياف المجتمع الأمريكي السياسي والإستراتيجي: ويتذكر الليبراليين الأميركان جيدا موقف الأوروبيين الغاضبين من الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي انسحب من ميثاق الحد من الصواريخ البالستية. ومع الأخذ بعين الاعتبار جدول الأعمال اليومي والمعقد للإتحاد الأوروبي من الصعب اتهامهم بأنهم يركزون على الشئون الداخلية فقط، حيث تعتبر مسائل مثل توسيع الاتحاد الأوروبي وتطوير الإقتصاد والزراعة المشتركة والتوتر بين السيادة الوطنية وبين الحكومة العليا للإتحاد وعدم رضا الدول الصغيرة ووضع الدستور الأوروبي، تحديات ثقيلة لا يمكن الامتناع عن مواجهتها. وفي الوقت الذي بدا فيه أن الصعوبات التي تواجه المشروع غير قابلة للحل أصبح الاتحاد حقيقة واقعة .

وتتبنى الإدارة الأمريكية مواقف لا يتقبلها الاتحاد الأوروبي –مثل مواضيع الصواريخ البالستية والحرب ضد العراق ودعم إسرائيل- ويزداد عدم تعاطف الأوروبيين مع هذه القضايا بهدف الالتفاف على الشئون الأوروبية الملتهبة. وفي هذا المجال يصرح الأوروبيين أن الولايات المتحدة منقطعة عن العالم وهي ضيقة التفكير. وتناسى الأوروبيين أنهم انكمشوا في الاونة الأخيرة داخل أنفسهم. وفي مقال نشر في فيننشال تايمس ذكر دومينيك مويزي ،نائب رئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، في شهر مارس عام 2002 أن “حملة الانتخابات الفرنسية لم تشهد تطرقا …. لأحداث 11 سبتمبر ونتائجها بعيدة المدى، ولم يتسائل أي شخص ما يجب على فرنسا عمله بخصوص ميزانية الدفاع والنظريات العسكرية الفرنسية والأوروبية كي يصبح هناك توازن عسكري من نوع ما الولايات المتحدة أو على الأقل بين بريطانيا وفرنسا. وكان موضوع الشرق الأوسط هو أول المواضيع المطروحة على جدول العمال الفرنسي بسبب وجود أقلية مسلمة كبيرة في هذا البلد – كما أشارت إلى ذلك نتيجة التصويت العالية لـ لي بن الذي يتبنى مواقف سياسية متطرفة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية”. وأوضح مويزي أن “معظم الناخبين الفرنسيين (في عام 2002) لم يتعاملوا مع قضية الأمن كقضية جيوسياسية من الدرجة الأولى وكان جل اهتمامم مركز على أيا من المرشحين يستطيع الدفاع عنهم من الجريمة المنظمة المنتشرة في المدن والضواحي الفرنسية .

وبناء على ذلك، هل تستطيع أوروبا تغيير الاتجاه ولعب دور مركزي أكبر في الحلبة الدولية؟. لا يوجد شك بأن كثيرا من الزعماء الأوروبيين معنيين كثيرا بهذا الموضوع، والضعف الحالي في السياسة الخارجية الأوروبية لن يستمر بالضرورة في المستقبل، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار القدرة الواضحة للإتحاد في التغلب على نقاط ضعفه في أمور أخرى. لكن، ما ينقص أوروبا اليوم هو الرغبة السياسية بالمطالبة بمزيد من القوة والتأثير، حيث تتمركز قوتها اليوم في معارضة القوة وليس استخدامها. ويبدو، أن أوروبا غير معنية بتوسيع تأثيرها الاستراتيجي، وحتى الذين يطالبون بتعزيز القوة العسكرية الأوروبية فإنهم يطالبون ذلك بهدف رسن الولايات المتحدة وإجبارها على العمل المشترك. وكتب الباحث البريطاني تيموتي غرتون إيش المؤيد لأمريكا في نيويورك تايمس “أن قوة أمريكا كبيرة جدا بشكل لا تفيد أحد وعلى أوروبا أن تبني نفسها عسكريا لهدف واحد هو انقاذ العالم وأمريكا نفسها من مخاطر الوضع الحالي غير المتوازن .

ومهما يكن رأينا فإنني أشكك بنية الأوروبيين ببناء قوة عسكرية كبيرة، وحتى فيدرين لا يتحدث عن ايجاد قوة موازية للولايات المتحدة،  ويهز كتفيه قائلا: “لا توجد مبررات لأوروبا يدعوها إلى مساواة نفسها مع دولة تستطيع خوض أربعة حروب في وقت واحد”. وفي سنوات التسعينيات رفع الأوروبيين ميزانية الدفاع من 150 مليارد دولار إلى 180 مليارد دولار في حين بلغت ميزانية الدفاع الأمريكية 280 مليارد دولار. أما اليوم وعندما تخصص الولايات المتحدة 500 مليارد دولار للميزانية العسكرية فإن أوروبا لا تنوي السير في أعقابها. ويشتكي المحللين الأوروبيين من عدم التنوع الاستراتيجي للقارة. ووصف السكرتير العام لحلف الناتو أوروبا “بالنعومة العسكرية” في محاولة منه لإحراج الأوروبيين وإجبارهم على تخصيص ميزانيات عسكرية أكثر لتعديل الوضع، لكن من يؤمن أن يغيير الأوروبيين تصرفاتهم بصورة جوهرية ؟. هنا يجب القول أن لهم أسباب كثيرة لعدم القيام بذلك .        

 

 

ه

 في الوقت الذي تدرس فيه أمريكا الفرق بين طموحاتهم وبين الطموحات الأوروبية عليها أن تتذكر جيدا النقطة الأساسية وهي أن اوروبا الجديدة هي معجزة عجيبة على الطرفين مباركتها. وبالنسبة لسكان أوروبا فإن الاتحاد هو تحقيق لحلم قديم وهو غير واقعي تقريبا، فقد تحررت القارة من الصراعات الوطنية ومن إراقة الدماء والمنافسة العسكرية وسباقات التسلح. ومن الصعب اليوم توقع اندلاع حرب بين الدول الأوروبية الكبرى. وبعد مئات السنين الحزينة –غير البعيدة– التي مرت بها القارة (كما حدث مع الأمريكان مرتين في العقد المنصرم) تبدو أوروبا الجديدة وكأنها جنة عدن الحقيقية. وهذه الحالة يجب المحافظة عليها خاصة من قبل الولايات المتحدة التي سال دماء أبنائها على التراب الأوروبي وسيسال مرة أخرى إذا سقطت أوروبا الجديدة مرة أخرى .

وعلينا أن لا ننسى أن أوروبا الجديدة هي نتاج سياسة أمريكية خارجية استمرت ستة عقود من الحرب العالمية الثانية وحتى الوصول إلى الاتحاد. وعليه يعتبر الاتحاد الأوروبي مشروع أمريكي بدأ مع بداية الحرب الباردة، وفي نفس الفترة بدأ أيضا الضعف الأوروبي. وكما ذكر، تطلع الأمريكيون مثل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين أيشسون إلى تحويل أوروبا لشريك قوي ضد الاتحاد السوفييتي. لكن ذلك لم يكن الحلم الوحيد الذي يراود الأمريكا، فقد كان هناك حلما آخر يرواد الرئيس الأمريكي روزفلت الذي لم يعطي أوروبا أي وزن استراتيجي في القرن العشرين وتطلع إلى إخراجها كليا من ساحة السياسة الدولية .

والشباب الأمريكي الذي انتصر في الحرب الباردة نظر إلى أوروبا على أنها مركز الحرية الحيوي في الصراع ضد الديكتاتورية السوفييتية. غير أن الأمريكان أبناء جيل روزفلت تعاملوا مع أوروبا بمنطق مختلف. ففي سنوات الثلاثينيات ساد اعتقاد في الولايات المتحدة أن أوروبا “دول متعفنة من أساسها وأن الحروب جزء لا يتجزء من القارة وعلى الأوروبيين أن يتهموا أنفسهم فقط بذلك. وفي الأربعينيات من القرن الماضي نظر الأمريكان إلى أوروبا على أنها حاضنة حروب العالم التي خرجت عن السيطرة وأن الولايات المتحدة دفعت ثمن ذلك. وخلال الحرب العالمية الثانية اعتقد الأمريكان من أمثال روزفلت أنه يجب إخراج أوروبا من السياسة الدولية كليا بعد “إخلاء ألمانيا من السلاح”، وصرح روزفلت لماذا على فرنسا أن تملك جيشا كبيرا ؟. لكن ديغول صرح أن: “مثل هذا الطرح يقلق أوروبا وفرنسا كثيرا”. ورغم تصرف الولايات المتحدة مع أوروبا وفق سياسة أشيسون إلا أن سياستها كانت دائما تسير وفق مبادئ روزفلت. وكان موقف الرئيس الأمريكي ايزنهاور اتجاه بريطانيا وفرنسا عندما غزتا قناة السويس هو أحد الأمثلة البارزة على التوجهات الأمريكية الساعية لإخراج أوروبا من حلبة السياسة الدولية. وعلى أية حال ، فقد ضعفت أوروبا كثيرا منذ ذلك الوقت .

لكن المساهمة الأمريكية المهمة جدا في الحالة الأوروبية الحالية لم تنبع من معارضة الرغبات الأوروبية بل جاءت وفق نفس الرغبات. والالتزام اتجاه أوروبا وليس عدائها هو الذي دفع إلى إبقاء القوات الأمريكية في القارة بعد الحرب والعمل على إنشاء حلف شمال الطلسي. ووجود القوات الأمريكية في القارة كان ضمانة للأمن الاوروبي ووجودها لعبت دورا مهما في جعل الاتحاد حقيقة واقعة .

وعموما فإن التطورات الأوروبية الحالية هي نتاج الضمانات الأمنية الأمريكية، ولم يكن بالأمكان قيام الإتحاد بدونها. وخلال نصف قرن دافعت الولايات المتحدة عن أوروبا من وجه التهديدات الخارجية (الاتحاد السوفييتي) ومن التهديدات الداخلية (على سبيل المثال، الصراعات العرقية في البلقان)، وكانت المفتاح لحل “المشكلة الألمانية” ويبدو انها ما زالت تلعب هذا الدور. وفي الخطاب الذي القاه يوشكا فيشر في جامعة هومفولت ذكر قرارين تاريخيين مكنا نمو اوروبا الجديدة وهما: قرار الولايات المتحدة البقاء في اوروبا. والثاني التزام ألمانيا وفرنسا بضرورة اتحاد اوروبا التي كانت في البداية علاقات اقتصادية. وعلى أية حال، لا يمكن تقديم القرار الأخير على الأول بأي حال من الاحوال. واستعداد فرنسا بالمخاطرة بإعادة ضم المانيا إلى اوروبا –في هذا الموضوع كانت هناك مخاوف فرنسية كبيرة – يعود إلى تدخل الولايات المتحدة في الشأن الأوروبي كضامنة لمنع إمكانية إحياء التطرف الألماني. وفي نفس الوقت، أدركت ألمانيا ،التي أنشات بعد الحرب، جيدا أن مستقبلها في أوروبا مرتبط بالوجود العسكري الأمريكي فيها .

بكلمات أخرى استطاعت الولايات المتحدة حل حالة الإنغلاق الأوروبية. وذكر الفيلسوف الألماني كانت أن الحل الوحيد لفظائع العالم القوي يتم فقط من خلال إقامة حكومة عالمية. لكن، كانت خاف أن تشكل الحكومة العالمية التي ستقيم “سلام عالمي” تهديد كبير على الحرية الإنسانية وعلى النظام الدولي، لأن عامل القوة الكبيرة التي تخضع لسيطرتها سيحولها إلى ديكتاتورية أكثر خطورة من أي نظام متسلط آخر. ولم يستطيع كانت الإجابة على سؤال كيف تستطيع الأمم الوصول إلى حالة سلام من دون مس خطير بحقوق حرية الإنسان. غير أن الولايات المتحدة حلت مشكلة أوروبا، فالأمن الذي وفرته من الخارج القارة وفر على الحكومة العالمية في أوروبا الحاجة من الاهتمام به بنفسها. فالأوروبيين لم يحتاجو إلى القوة للوصول إلى السلام ولا يحتاجون إلى القوة للمحافظة عليه .

الوضع الحالي مغرق بالسخرية. فالقدرة الأوروبية على رفض سياسة القوة والتقليل من أهمية القوة كأداة في العلاقات الدولية أعتمدت أصلا على وجود القوات الأمريكية في أراضيها لضمان السلم العالمي. والنظام الإنغلاقي لأروبا الجديدة يستطيع الإزدهار فقط تحت المظلة الأمريكية التي تستطيع التصرف بقواتها وفق قواعد السيطرة القديمة. ووجود القوات الأمريكية هو الذي منح الأوروبيين الشعور أن القوة غير مهمة. والسخرية الكبرى هي أن حل المسألة الأوروبية خاصة “المسألة الألمانية” لم يكن ليتم لولا الوجود العسكري الأمريكي، وهو الذي مكن الأوروبيين اليوم من القول أن القوة الأمريكية “والثقافة الاستراتيجية” التي أوجدها هذا الوجود هي خطير وقديمة .

ولا يستوعب معظم الأوروبيين حجم التناقض: فإنتقالهم إلى عالم “ما بعد الحداثة” مشترط بعدم انتقال الولايات المتحدة إلى نفس الحالة. نظرا لعدم امتلاك أوروبا القدرة في المحافظة على جنة عدن التابعة لها من الغزو الروحي والمادي لأولئك الذي لم يوافقوا على “الوعي الخلاقي”. وبقاء أوروبا في وضعها الحالي مرهون بجاهزية الولايات المتحدة في استخدام قوتها العسكرية من أجل الردع والأنتصار على الجهات المنتشرة في العالم التي تؤمن بسياسة القوة فقط .

لكن هناك بعض الأوروبيين الذين يفهمون المعضلة، مثل البريطانيين الذي لم تكن مفاجأة فهمهم لهذه الحقيقة أكثر من غيرهم. وعلى سبيل المثال كتب روبرت كوفر يقول :”علينا مواجهة الحقيقة عارية كما هي والإعتراف بأن عالم “ما بعد الحداثة” (أي أوروبا القديمة) لا يواجه تهديدات أمنية تقليدية. في حين تنتشر تهديدات من عالم متحضر وغير متحضر. غير أن عالم “ما بعد الحداثة” لن يدافع عن نفسه ويعرض نفسه للدمار. لكن كيف ستدافع أوروبا  عن نفسها من دون أن تتخلى عن الأفكار والمبادئ التي اعتاد عليها المجتمع الذي يتطلع إلى العيش بسلام .

ويضيف كوبر :” التحدي الذي يواجه “عالم ما بعد الحداثة” هو كيفية التعود على فكرة ثائية الأخلاق. ويضيف :” بين أنفسهم، يحق للأوروبيين الإعتماد على القوانين وعلى الأمن المشترك الواضح، لكن في كل ما يتعلق بالصراعات العالمية المنتشرة خارج أوروبا فإن علينا التصرف بقسوة العصر القديم وهي القوة والأعمال العسكرية الوقائية كلما تطلب ذلك”. وهذا هو المبدأ الذي يطرحه كوبر لحماية المجتمع حين يقول :” بين أنفسنا نطبق القانون. لكن، إذا عملنا في الغابة فإن علينا الإنصياع لقوانينها.

وتصريحات كوبر موجه بالأساس نحو أوروبا التي يطالبها بالعودة إلى حماية نفسها “من ناحية جسدية ونفسية”. ولا يفهم من القول كوبر أنه يتحدث عن مستقبل أوروبا، بل يتحدث هو عن حاضر الولايات المتحدة المجبرة على المناورة بين عالمين: فمن جهة عليها الالتزام بقوانين المجتمعات المتحضرة والدفاع عنها وتعزيز مكانتها في العالم، ومن الجانب الأخر عليها استخدام القوة العسكرية ضد الذين يرفضون الإنصياع لهذه القوانين. وتعمل الولايات المتحدة اليوم وفق القيم الثنائية المذكورة التي تحدث عنها كوبر ولنفس الأسباب التي ذكرها. ويعتقد القادة الأمريكيين أن أمن العالم والنظام الليبرالي لن يعيش فترة طويلة إذا لم تستخدم الولايات المتحدة قوتها في العالم الخطير والذي يؤمن بالقوة فقط والذي ينمو بصورة مضطردة ،بإستثناء أوروبا .       

وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها امام ناكرين للجميل : فبعد ان أرسلت أوروبا إلى جنة عدن وما زالت تعمل على بقائه في الجنة منعت من دخول الجنة، وبعد أن بنت الجدران لم تمنح حق الدخول من البوابة. والولايات المتحدة ومع كل قوتها الجبارة ما زالت عالقة في التاريخ فهي مجبرة على معالجة حالات مثل صدام وآيات الله وكيم إيل سونغ وجيان زيمين وغيرهم، وتترك للأخرين قطف ثمار عملها .  

 

 

و

هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل الوضع؟. ضمن مفاهيم كثيرة يمكن القول نعم. فالولايات المتحدة قادرة على تحمل أعباء الأمن العالمي حتى لو لم تتلقى مساعدة من الأووبيين، فهي تخصص 3% من انتاجها القومي على الأمن. وحتى لو صرفت الولايات المتحدة 4% من انتاجها القومي على الأمن فإن ذلك لن يعرض اقتصادها للخطر. وصرف الإدارة الأمريكية 500 مليارد على الأمن ما زال اقل من النسبة التي كانت تصرفها الإدارة قبل انتهاء الحرب الباردة. وحتى بول كينيدي الذي اخترع مصطلح “التمدد الأمبريالي الأمريكي” في آواخر الثمانينيات عندما خصصت الولايات المتحدة 7% من منتوجها القومي على ميزانية الدفاع صرح أن الولايات المتحدة قادرة على على البقاء كقوة مسيطرة والبقاء قوة أولى في العالم لسنوات كثيرة من دون دعم خارجي. والسؤوال هو ؟. هل تستطيع الولايات المتحدة اليوم مواجهة المشاكل من دون مساعدة أوروبية ؟. الجواب هو أن الولايات المتحدة تقوم بهذا العمل اليوم حيث تحافظ على الاستقرار في أسيا من دون مساعدة أوروبية. وحتى المساعدة الأوروبية في حرب الخليج الأولى كانت مساعدة بسيطة ونفس الوضع كانت في الحرب على أفغانستان، حيث شوهد الأوروبيين “يغسلون الأواني” ونفس الحالة عندما غزت الولايات المتحدة العراق في العام الماضي. ومنذ نهاية الحرب الباردة لا تملك أوروبا القدرة على تقديم اقتراحات إضافية إلى الولايات المتحدة في القضايا العسكرية الاستراتيجية –باستثناء القيمة الاستراتيجية الكبيرة والمتمثلة بالسلام في أوروبا .

إذا تستطيع الولايات المتحدة ترتيب نفسها من دون أية مساعدة من اوروبا حتى من المواد الخام. ولا يستطيع أي شخص القول أن الشعب الأمريكي غير مستعد لتحمل العبأ العالمي، لأنها تقوم بهذا العمل لوحدها منذ أكثر من عقد. وبعد أحداث 11 سبتمبر بدا أن الأمريكان مستعدين لهذا العمل لفترة طويلة جدا. ولا يبدو أنهم نادمون لعدم تبنيهم “عصر ما بعد الحداثة”، ولا توجد دلائل تشير إلى قرب تبنيهم هذا النهج، لأنهم أقوياء ويفتخرون بقوتهم العسكرية وبدورها الخاص في العالم .

ولم يحاول الأمريكان تبني أفكار ومبادئ أوروبا، لن افكارهم وبنيتهم التحتية تختلف كثيرا عن اوروبا. وفي النصف الأول من القرن العشرين حاول الأمريكان تجريب نوع معين من الأفكار الدولية. وهي أفكار حلم الرئيس الأمريكي ويلسون الذي قال عن الحرب العالمية الأولى أنها آخر الحروب، مما دفع وزير خارجية أمريكا التوقيع على ميثاق كلوغ-بريان بعد عشرة أعوام الذي يعتبر الحرب خارج القانون. أما الرئيس الأمريكي روزفليت فقد أيد اتفاق عدم الاعتداء وطلب من هيتلر وعدا بعدم مهاجمة الدول التي وضعها روزفليت في قائمة قدمت لزعيم الألماني. لكن اتفاق ميونخ وبيرل هاربر حطما الوهم الأمريكي وعادت الولايات المتحدة إلى الحروب بما في ذلك الحرب الباردة. وبدأت عبر ميونخ  تسيطر على عقلية الأمريكان الإستراتيجية الرافضة لمنطق المهادنة إلى العمل رغم العبر التي مرت بها أمريكا في فيتنام. ورغم أن نخب صغيرة من المجتمع الأمريكي تتطلع إلى “نظام عالمي” خالي من استخدام القوة، إلا أن كبار المسئولين من اليمين واليسار –من مادلين أولبرايت حتى دونالد رامسفيلد ومن برنت سكوكرفت حت أنتوني لييك- في أمريكا يتذكرون اتفاق ميونخ. أما أبناء الجيل الحالي الذين لم يعيشوا فترة ميونخ وبيرل هاربر سيجدون صعوبة في نسيان أحداث 11 سبتمبر التي تغرس في نفوسهم نفس الشعور المذكور أعلاه .

الأمريكان مفكرين، لكنهم لا يملكون التجربة في تسويق ناجح لأفكارهم من دون استخدام القوة وهم لا يملكون تجربة في نظام عالمي ناجح ولا يرغبون في الإنضواء تحت القانون الدولي أو المؤسسات الدولية، رغم أنهم سيسرون لو عملوا بذلك. وهم لا يستطيعون ضبط أنفسهم كما فعلوا ذلك في أوروبا. الأمريكان الذين ترعرعوا على قيم التنوير ما زالو يؤمنون أن بإمكانهم تصحيح الإنسان ويحافظون على أمل بتصيلح العالم. لكنهم يظلون أناس واقعيون ومن هنا إيمانهم باستخدام القوة في عالم غير متكامل. والقانون الذي ينظم العلاقات الدولية الحالية قائم بفعل وجود الولايات المتحدة التي تدافع عنه بالقوة. ويصدق الأوروبيين عندما يصرحون أن الأمريكان ما زالو ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شجعان، مثل غاري كوبر بفيلم “في ظهيرة اليوم” فهم يدافعون عن سكان البلدة رغب السكان بذلك أم لا .

إذا المشكلة ليست متعلقة برغبة أو قدرة الأمريكان على خوض الحروب، لأن المشكلة هي في الوضع الحالي الذي تمر فيه السياسة الدولية. والمشكلة هي أن على الولايات المتحدة أن تقوم بدورين وفق قواعد العالم المتسلط، وهي تعلم بأن تصرفاتها تتعارض مع القيم الأوروبية. وهي ملزمة برفض القيود الدولية خشية تقييد قدرتها على القتال في الغابة التي تحدث عنها روبرت كوبر، وهي ملزمة بدعم مراقبة التسلح وفي نفس الوقت عدم تطبيق ذلك عليها. وعليها الإلتزام بقواعد النفاق، فضعف أوروبا التي تطورت وتخلت عن عناصر القوة يحتم عليها العمل بشكل منفرد. وعليه لا يوجد أمام الولايات المتحدة خيارا آخر سوى استخدام القوة .

وعلى حد قول كوبر فإن :” قليلا من الأوروبيين يعترفون بأن التصرفات الأمريكية يمكن أن تفيد العالم المتحضر، وأن استخدام القوة من قبل الولايات المتحدة –حتى لو تم ذلك وفق قيم أخلاقية معينة – ربما يكون الاسلوب الوحيد لتقدم الإنسانية”. وفي المقابل بدأ كثيرا من الأوروبيين يتعاملون مع أمريكا على أنها مخترقة للقانون أو أن المارد خرج من عنق الزجاجة، واشتكى الأوروبيين أكثر من مرة من تصرفات الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن. لكنهم بدءوا يدركون أن المسألة ليس الرئيس الأمريكي هذا أو ذاك، بل هي مشكلة ممؤسسة وغير قابلة لحل .

ولأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن قوتها العسكرية الضاربة، ولن تتسلح أوروبا بشكل كبير فإن التوتر بين الطرفين سيزداد. والمشكلة الأخطر التي يواجهها الطرفين هي تنكر الطرفين لبعضهما البعض، خاصة إذا أصبحت الانتقادات الأوروبية الموجه لأمريكا أكثر تطرفا، حينها سترفض الولايات المتحدة الإستماع إلى الإنتقادات وربما يأتي يوما على أمريكا –كما هو الحال اليوم- تتعامل فيه مع الانتقادات وكأنها صادرة عن دولة في جنوب شرق أسيا أو من دول الاتحاد الكاريبي.

أما من نضج من الأوروبيين خلال الحرب الباردة فيعتقدون أن الانفصال بين أوروبا والولايات المتحدة سيؤدي إلى حالة مخيفة. وعندما سئل ديغول حول تطلعات الرئيس الأمريكي روزفليت لعالم لا تكون فيه أوروبا مؤثرة، قال وعلامات الخوف بادية عليه :”سيعرض الحلم الأمريكي العالم الغربي للخطر”. وأضاف “إذا اعتبر روزفليت أوروبا أمر فرعي فإنه يضعف -الحضارة – أوروبا التي صرح أنه يخدمها”. وأصر ديغول على القول أن “أوروبا الغربية حيوية ولا يستطيع إي شخص استبدال القيمة والقوة والإخلاص المضيئ لشعوب أوروبا القديمة”. وديغول المصر، كما هو متوقع، يعلم بأن ذلك صحيح بالنسبة لفرنسا. لكن إذا تجاهلنا حب الذات الفرنسي، ألا يعرض الطموح الأمريكي الأوروبيين للخطر ؟ خاصة إذا قررت الولايات المتحدة أن أوروبا طرف مزعج وغير مسئول ؟. ألا يعرض انفصال -حتى لو كان تدريجيا- ما يسمى اليوم بالعالم الغربي للخطر. يجب عدم التقليل من خطورة انفصال الضفة الغربية لحلف الأطلسي عن الضفة الشرقية له .      

إذا ما هو العمل ؟. على أوروبا الاستماع لنصيحة كل من كوبر وإيش وروبرتسون وغيرهم وزيادة قدرتها العسكرية ولو بالقليل. لكن لا توجد أسباب حقيقية لحدوث ذلك، لكن من يعلم ؟ ربما تثير القوة غير المعقولة للأمريكان أوروبا بطريقة ما. وربما تعاد إثارة مشاعر العظمة الألمانية والبريطانية والفرنسية وتعود إلى فلسفة القوة والتأثير الدولي والطموحات الوطنية عند الأطراف الثلاثة. وبالنسبة إلى بريطانيا هناك من يذكر عصر الإمبراطورية، أما الفرنسيين فيتطلعون إلى عصر المجد فيما يبحث الأمان عن مكان تحت الشمس لهم . ويفيد التسلح المذكور الاتحاد الأوروبي الكبير. لكن، هل علينا الخوف من ذلك أو الإطمئنان منه ؟. بالنسبة لي هذا موضوع آخر. لكن، أفضل على للأوروبيين التخلص من الخوف والغضب من المارد الذي يقع خارج حدودهم، وتذكيرهم أن الولايات المتحدة ستكون أكثر حيوية -طالما ظلت قوية- للعالم بشكل عام ولإوروبا بشكل خاص.

ويستطيع الأمريكان المساعدة، ومن الصعب نفي أن إدارة بوش بدأت حكمها بروح حربية، فقد تعامل مع أوروبا بروح عدائية أكثر إدارة كلينتون السابقة التي اعتبرتها عبأ وليس حليف. وبعد 11 سبتمبر عندما اقترح الأوروبيين تقديم دعم للولايات المتحدة بقدراتهم العسكرية المحدودة في الحرب في أفغانستان رفضت الولايات المتحدة معتبرة ذلك مؤامرة أوروبية هدفها تقييد تحركاتها. وعندما قرر حلف شمال الأطلسي دعم الولايات المتحدة في الحرب على أفغانستان بناء على البند الخامس من –بند الدفاع المشترك- لم تستقبل إدارة بوش ذلك بالترحاب، بل اعتبرته مصيدة. وهكذا أضاعت الولايات المتحدة فرصة جر أوروبا إلى صراع ضد قوى الشر، ولو بدور ثانوي.

وعلى أمريكا أن (قوية لدرجة لا تجعلها تخاف من أوروبا) تدرك أن أوروبا لا تستطيع تقييد تحركاتها في الأوقات الحقيقية. وإذا تعالت الولايات المتحدة عن مشاعر الخوف من إمكانية قيام أوروبا بتقييد حرية عملها العسكري وأظهرت إهتماما بمشاعر الآخرين وقليلا من التبجح والإحترام للعمل المشترك وسلطة القانون ربما يسمح لها بتجمع قوة سياسية دولية استعدادا للحظات التي تقرر فيها العمل بمفردها. باختصار تستطيع الولايات المتحدة العمل وفق توصية الأباء المؤسسين لإعلان الاستقلال الذي ينص على احترام مناسب لرأي الإنسانية         

     كل ما ذكر عبارة عن خطوات صغيرة لا تشكل حلا للخلافات العميقة بين طرفي حلف شمال الأطلسي لأن فوارق القوة العسكرية بين الطرفين وضعتهما في مواقع مختلفة جدا. لكن من المهم التذكير أن الطرفين شركاء فيما يسمى العالم الغربي وتطلعاته التي تساهم في تطور الإنسانية. وعلى الطرفين إبداء تفهما أكبر بهدف التعاون المشترك والتقدم إلى الأمام .   

 


*  روبرت كيغن : زميل رفيع في صندوق كرنجي لمركز السلام الدولي ومحرر زميل في ووكلي ستندارد وفي نيو ريببليك .

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash