سبتمبر
11
في 11-09-2011
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    776 مشاهده

 بعد تتبع تصريحات الملك حسن العلنية وأحاديثه في اللقاءات السرية مع القيادات الإسرائيلية توصلت إلى نتيجة مفادها أننا لم نحلل جيدا التلميحات الموجهة من الملك حسين بشكل دائم. ولم يكن هدف  الحوار السري ( على مدار مئات الساعات من ) الذي أداره  الملك مع إسرائيل التوصل إلى حل فوري للنزاع العربي الإسرائيلي بل كان يسعى من خلاله إلى ضمان دعم إسرائيل للمصالح الأردنية إن كان ذلك قبل التسوية الشاملة أو بعدها .

 

مركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية

جامعة بار ايلان  تل أبيب

 

 

 

أبحاث في الأمن القومي الإسرائيلي

العلاقات الإسرائيلية الأردنية

 

بقلم

 موشيه زاك                                     دان شيفتن 

 الياكيم روبنشتاين                                افرايم قام

 شموئيل سندلر

ترجمة: عليان الهندي

 

 

 

مركز بيغن السادات للأبحاث الاستراتيجية

          أسس مركز بيغن السادان للأبحاث الاستراتيجية من قبل توماس هيخت أحد زعماء يهود كندا، وسمي المركز على اسم الزعيمين اللذين وضعا أول اتفاق سلام بين إسرائيل وبين دولة عربية . ويعتبر المركز هيئة أكاديمية مستقلة تتطلع إلى المساهمة في فهم الأمن وتقدم السلام في الشرق الأوسط وذلك من خلال أبحاث يضعها راسمي سياسات الأمن الوطني في الشرق الأوسط . ويعمل المركز بالتعاون مع كلية العلوم السياسية في جامعة بار ايلان .

          نشرات ” دراسات في أمن الشرق الأوسط ” عبارة عن عمل أكاديمي هدفه جذب انتباه الجمهور المفكر . وكما هو معلوم فإن الأفكار الواردة في هذه الكراسات تعبر عن آراء كاتبيها فقط . ويعمل المركز من خلال النشرات والمؤتمرات والأيام الدراسية والدورات من أجل إثارة الانتباه الرأي العام والتفكير المنهجي في مواضيع السلام والأمن في الشرق الأوسط.

—————————————————————— 

اللجنة الاستشارية الدولية

          مؤسس المركز ورئيس اللجنة الاستشارية توماس هيخط . أعضاء : الجنرال احتياط أوري أور ، البروفيسور موشيه ارنس ، الجنرال موطيه غور ، الجنرال الكسندر هيغ ، السيد شلومو هيليل ، الجنرال احتياط مردخاي هود ، السير روبرت رودس جيمس ، السيد يهودا هليفي ، السناتور يوسف ليبرمن ، السيد روبرت ليبتون، الجنرال احتياط دانيئيل ماط ، السناتور دانيئيل بتريك مونيهن ، السيد بريان مولراني ، البروفيسور يوفال نئمان ، السفير نورمان سبكتور ، السيد سيمور رايخ ، السفير مئير روزين ، البروفيسور يوجين روسطو ، السيد اسحاق شامير ، الدكتور أدولف شتايغ ، والسيد موزي فيرطهايم .

اللجنة الأكاديمية الاستشارية الدولية  

إليوت كوهين من جامعة جونس هوفقينس ، ستيفن دافيد من جامعة جونس هوفقينس ، يحزقال درور من الجامعة العبرية ، لورنس فريدمان من كلية كينغس ، روبرت ليبر من جامعة جورج تاون ، جورج مرشهايمر من جامعة شيكاغو  ، عاموس برلموتر  من الجامعة الامريكية ، ألفين روبنشتاين من جامعة بنسلفانيا  ، بروس روست من جامعة أييل ، البرت فيلستتر من جامعة شيكاغو ، وروبرت فيلستتر من بان يوريستيكس .

—————————————————————–

طاقم المركز

مدير المركز البروفيسور أفرايم عنبر . كبار الباحثين : الدكتور زئيف بونين ، البروفيسور  ستيورات كوهين ، الدكتور  عميقام نحماني ، البروفيسور شموئيل سندلر  ، الدكتور غيل بييلر ، البروفيسور أهارون كلييمن ، البروفيسور الياهو كونوفسكي ، البروفيسور باري روبين  ، ابراهام روتم ، والدكتور  جيرالد شتينبرغ .

الباحثين : الدكتور مناحيم كلايين ، والدكتور داني شوهم . منسق العلاقات الخارجية : السيد دافيد فينبرغ .

المنسقة : حافة كوهين . المحرر : آبي رمباوم . السكرتيرة الرئيسية : ألونا برينر روزنمن

الفهرس

 

ما الذي يحث الملك حسين على التفاوض مع إسرائيل ……………………………………………..                        4

 

العلاقات الإسرائيلية الأردنية ……………………………………………………………………                      11

               المقدمة ………………………………………………………………………..                       .11

               نضوج………………………………………………………………………..                       ..13

               خلق ثقة واحترام متبادل ……………………………………………………………                     14

               مؤتمر مدريد ومحادثات واشنطن……………………………………………………..                    16

               التمثيل الأردني……………………………………………………………………..                   19

               الموضوع الفلسطيني………………………………………………………………..                   21

               حوار ديني ووجهات نظر دينية في المفاوضات مع الأردن………………………………..                 22

               تربية للسلام…………………………………………………………………………..                23

       ملاحظة في أمور تتعلق بصياغة اتفاق السلام ……………………………………………..                23

               خلاصة ………………………………………………………………………………               23

 

الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والأردن : الماضي وتوقعات المستقبل ……………………….………                   24

 

الأردن والكيان الفلسطيني : كيان مشترك …………………………………………………………….                 30

 

إسرائيل ، الأردن ، والفلسطينيون : الصعوبات والشكوك ……………………………………………..                  35

 

 

 

 ما الذي يحث الملك حسين على التفاوض مع إسرائيل ؟

موشيه زاك

          لماذا أصر  الملك حسين على الحوار الدائم مع إسرائيل ؟ . وهل ملك قدرة التوصل  إلى اتفاق سلام مع إسرائيل ؟ . وهل هو مهيأ  للتوصل إلى حل علني معها ؟ .

          بعد تتبع تصريحات الملك حسن العلنية وأحاديثه في اللقاءات السرية مع القيادات الإسرائيلية توصلت إلى نتيجة مفادها أننا لم نحلل جيدا التلميحات الموجهة من الملك حسين بشكل دائم. ولم يكن هدف  الحوار السري ( على مدار مئات الساعات من ) الذي أداره  الملك مع إسرائيل التوصل إلى حل فوري للنزاع العربي الإسرائيلي بل كان يسعى من خلاله إلى ضمان دعم إسرائيل للمصالح الأردنية إن كان ذلك قبل التسوية الشاملة أو بعدها .

          وبناء على  ذلك ، هل أدركت القيادة الإسرائيلية مقصد الملك حسين من المحادثات السرية؟. يبدو لي انهم لم يدركوا ذلك لحاجتهم  إلى تسوية فورية مما جعلهم  يحكمون على الملك حسين بناء على قدرته بتحقيق السلام مع إسرائيل . أما الملك حسين فقد فضل أولا وقبل أي شيء استمرار الحوار الدائم مع إسرائيل.

          وأحاول منذ سنوات حل اللغز الذي قاله الملك حسين لغولدا مئير في 7 آذار من عام 1974 عندما سألته ، ماذا سيكون رد فعلك لو أعدنا لك كل الضفة الغربية وقطاع غزة ؟. رد الملك بالعبارة  التالية :

THE PALESTINIANS AFTER ALL MAY HAVE THE RIGHT OR INCLINATION TO BE GENEROUS ABOUT WHAT IS BASICALLY THEIRS  IN TERRITORY AND RIGHTS. I MOST CERTAINLY HAVE NO SUCH RIGHT, NOR THE WILL TO EXERCISE IT ON THEIR BEHALF.

 

   وبناء على ذلك ، لماذا توجب على الملك إبلاغ غولدا مئير أنه لو سلمت إسرائيل له كل المناطق فإن ذلك ليس نهاية القصة ، لقد أدرك الملك أن للفلسطينيين مطالب أخرى من إسرائيل. ولا يوجد عندي شك أن الملك حسين كان يود تحذير إسرائيل بعدم التسرع في دخول التسوية الشاملة مفضلا عليها التسويات السرية الجزئية حتى تنضج أمور التوصل إلى تسوية شاملة . بالتأكيد ، لم يقصد الملك حسين القول انه يتنازل عن مطالبه  بالضفة الغربية خاصة أن هذا التصريح جاء قبل مؤتمر الرباط ، لكنني أستطيع التخمين أن الملك حسين أراد التخفيف قليلا  من الشوق الإسرائيلي الحثيث الساعي إلى تسوية إسرائيلية عربية في ذلك الوقت . ولا نملك الوثائق التي تؤرخ اللقاء لكن ما توصلنا إليه هو تحليل لأن الملك وطوال الوقت كان يطالب باستمرار الحوار حتى لو دخلت المفاوضات في مأزق ، وبهذه الروح أرسل الملك حسين رسائل إلى حكومات الإسرائيلية المتعاقبة :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محرر معاريف السابق ويجري أبحاث في العلاقات الإسرائيلية الأردنية

 · رسالته إلى حكومة غولدا مئير : في الحديث الذي جرى بين الأردنيين مع موشيه ديان في عام 1972اقترح  الأخير عليهم  التوقيع على حلف دفاع مع إسرائيل تلتزم من خلاله بالدفاع عن الأردن مقابل وعد منهم بعدم الانضمام إلى أي ائتلاف حربي ضد إسرائيل ، ولم يطلب ديان من الملك حسين دعما أردنيا لإسرائيل في أوقات الأزمات كما هو الحال في تحالفات الدفاع بل اكتفى بوعد أردني  بعدم التدخل العسكري ضد إسرائيل . وعلى الرغم من ذلك ، رد زيد الرفاعي باسم الملك أننا نرفض اقتراحاكم لكننا سنستمر  في المفاوضات ودعنا نتكلم عن محاربة الإرهاب .

 ·   رسالته إلى حكومة غولدا مئير : خلال المحادثات التي عقدت في عام 1974 بين غولدا مئير والملك حسين اقترحت عليه  عشية اعتزالها إقامة ممر للتجمعات العربية في رام الله ونابلس وقدمت له خارطة بذلك – سميت فيما بعد خطة أريحا  – لكن الملك حسين رفض الخطة لأنه اعتبرها رأس جسر  ” لخطة الون ” ، وبعد تأكيد رفضه الشديد قال لها الملك أنه يمكن المحافظة على علاقات جيدة حتى لو  لم يكن هناك اتفاق . إذا ، الأمور هنا واضحة جدا فالحكومة الإسرائيلية لم تستخلص العبر من نتائج اللقاءات لأنها كانت تبحث بشكل دائم عن طريقة للتوصل إلى حل إقليمي يرفضه الملك حسين وهو غير مؤهل للدخول فيه .

 · رسالته إلى حكومة رابين :  في 28 أيار من عام 1975 التقى الملك حسين مع ثلاثة من القادة الإسرائيليين (رابين بيرس وألون ) وعبر لهم عن غضبه منهم لأنهم أفشلوه في مؤتمر الرباط ، وقال لهم لو أنكم وافقتم بالانسحاب على طول نهر الأردن حسب اتفاق فصل القوات مع مصر وسوريا، لذهبت إلى مؤتمر القمة العربي في الرباط وأنا احمل إنجازا معينا أستطيع من خلاله منع اعتراف القمة العربية بـ م.ت.ف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني . وافترض بعد هذا اللقاء أن يبلغهم أنه لا يوجد شيء يتحدث فيه معهم ، لكن المحادثات الإسرائيلية الأردنية لم تتوقف بل على العكس أصبحت اللقاءات دورية اكثر من السابق ، وازدادت العلاقات متانة إلى درجة أصبح فيها الملك حسين يصل إلى مشارف  تل أبيب ، وردا على ذلك قدم له إسحاق رابين هدية من إنتاج إسرائيلي ” بندقية جليلي “.

 ·   رسالته إلى حكومة بيغن :  في 22 تموز من عام  1977 التقى وزير خارجية إسرائيل موشيه ديان مع الملك حسين لفحص إمكانية استعداد الملك التوصل الى حل إقليمي مع إسرائيل ، لكن الملك حسين الذي كان في معنويات صعبه هاجم إسرائيل بشدة ولم يبدي أي رغبه بالتوصل إلى حل ، وبعد أن عاد ديان إلى فندقه من أجل إعداد  تقرير لبيغن عن نتائج مباحثاته اتصل الوسيط ، الطبيب اليهودي ، المسئول عن العلاقة بين الإسرائيليين وبين الملك حسين يبلغه فيها أن الأخير  يرغب بلقاء آخر مع ديان ، وفي صبيحة اليوم التالي التقت الشخصيتان وسمع ديان من الملك نفس  لانتقادات ، وقد تعجب ديان من الدعوة الثانية من قبل الملك ولم يفهم مغزاها . لكنني أفهم من ذلك أن الملك حسين أراد أن يبعث رسالة إلى الإسرائيليين  يقول لهم فيها أن عدم الاتفاق لا يعني توقف الحوار ، لكن ديان الباحث عن أهداف وحلول سريعة لم يكن مستعدا لحوار  مجرد  . وعليه ، سافر   ديان إلى المغرب للقاء مندوب السادات ولم يعاود الاتصال بالملك الذي سعى دائما إلى استمرار الحوار  مع إسرائيل .

 ·   رسالته إلى حكومة شامير : في 17 تموز  من عام 1987  التقى إسحاق شامير  مع الملك حسين في لندن ، وكان الأخير يعلم أن شامير أفشل اتفاق لندن الذي وقعه مع شمعون بيرس قبل ثلاثة أشهر من الاجتماع . وعمليا ،  لم يكن للاتفاق أي تأثير على التسوية العربية الإسرائيلية لأنه اتفاقا إجرائيا حول عقد المؤتمر الدولي يتم اقتراحه من قبل أمريكا على أنه ورقة عمل أمريكية إلى حكومة إسرائيل لإقرارها . وبالنسبة للملك اعتبر  الاتفاق مهم جدا لأنه يعزز مكانته في العالم العربي على اعتبار أنه الشخصية الوحيدة التي استطاعت جر إسرائيل إلى المؤتمر الدولي الذي  رفضته دائما . وعمليا ، افترض أن يغضب الملك على إسرائيل  ويرفض طلب اللقاء ، لكنه استجاب للدعوة وبحث مع شامير أمور عملية تتعلق بالدولتين ولم يبحث المؤتمر الدولي بالمرة . وكان اللقاء عبارة عن رسالة واضحة من الملك حسين بأنه معني باستمرار الحوار مع  إسرائيل . وبناء على ذلك ، ما هي الأسباب التي حثت  الملك على استمرار الحور مع إسرائيل ؟ . وما هي الفائدة التي سيجنيها من هذا الحوار من دون التوصل إلى اتفاق؟.

 يبدو  لي أن هناك أسباب كثيرة  لإصرار الملك على الاستمرار الحوار مع إسرائيل منها :

 1. بطاقة تأمين إسرائيلية : المكسب الأساسي للملك حسين من محادثاته مع الإسرائيليين لم يكن في مجال تحقيق  الإنجازات السياسية  الكبيرة  ولا حتى بالتقارب استعدادا للحل النهائي ، وحتى اتفاق لندن الموقع في عام 1987 لم يتضمن عناصر الحل الجوهرية بل كان يهدف إلى إطالة أمد الالتزام الإسرائيلي بمساعدة الأردن في حالة تعرض نظام الملك إلى تهديد عسكري ، ولم يريد الملك من إسرائيل التزام علني بالدفاع عنه ولا بحلف دفاع كما أراد موشيه ديان . لكنه احتاج إلى إسرائيل لتوفير الراحة النفسية له وتأمين فعال ضد محاولات السوريين والفلسطينيين قلب نظام حكمه ، ومن أجل ذلك أراد الملك المحافظة على بقاء الخيارات مفتوحة منها طلب مساعدة إسرائيل وقت الحاجة والاستفادة من المعلومات الإستخبارية الإسرائيلية التي تحذره من محاولات الاغتيال بين الفينة والأخرى .

 2. كبح جماح م . ت . ف :  يرتاح الملك حسين من معارضة إسرائيل الشديدة لـ م . ت . ف لإدراكه أن أية مفاوضات إسرائيلية معها ستجعله يفقد ورقة مساومة مهمة مع الفلسطينيين وستضعف علاقتهم بالأردن ، وفي المقابل يدرك الملك أن  م . ت . ف بحاجة  إلى خدماته لأنه يقيم علاقات مباشرة مع إسرائيل. ومن هنا تنبع مصلحة الملك حسين في تشجيع إسرائيل على استمرار رفضها التفاوض مع م . ت . ف  . وفي إشارة إلى التفاهم الإسرائيلي الأردني ذكر اسحق رابين خلال اجتماعه مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في آذار من عام 1977 ” من الممكن القول في هذه الغرفة أن لإسرائيل طرق تعلم من خلالها كيف يفكر الأردن ، وأنا متأكد أن الأردنيين يقدرون إصرارنا  في حربنا ضد م . ت . ف ، ونحن وإياهم نعرف بالتأكيد لماذا تتخذ إسرائيل موقفا متشددا وثابتا وصريحا بعدم التفاوض معها ، وهو موقف أعاد للأردن مكانته التي ربما تؤدي مشاركته في إنجاح المفاوضات” . وبعيدا عن المجاملات التي يظهرها الملك حسين اتجاه م . ت . ف وعرفات إلا أنه قلق جدا من تراجع نسبة المعارضين لعرفات في المجتمع الإسرائيلي رغم عدم إعلانه عن ذلك بصورة علنية ، غير أن هناك شواهد كثيرة تعبر عن الحساسية الأردنية من هذا الموضوع منها الرسالة التي وجهها ولي العهد الأردني إلى دينس روس أحد كبار موظفي وزارة الخارجية الأمريكية في 8 أيار من عام 1989 والتي انتقد  فيها بشدة فكرة عقد لقاء إسرائيلي فلسطيني في القاهرة للتفاوض حول موضوع الانتخابات من أجل تشكيل وفد فلسطيني معترف به حيث قال ” هناك أوهام بأن الانتخابات ستكون بديلا للتسوية ” . وعلى أية حال فشل الاقتراح مما أدى إلى أزمة داخل الحكومة الإسرائيلية وحل حكومة الوحدة الوطنية . لكن قلائل من الإسرائيليين الذين تنبهوا إلى التحفظ الأردني من اللقاء الذي لو حدث لأخرج الأردن كليا من المفاوضات في الشق الفلسطيني على عكس اتفاقات كامب ديفيد التي خصصت مكانا مرموقا له في التسوية . ويتابع الأردن بقلق بالغ التوجهات المتزايدة في المؤسسة الإسرائيلية التي تؤيد التفاوض مع م .ت .ف  ، غير أنه لا يستطيع الاحتجاج على ذلك بشكل علني ، ونتيجة لذلك فضل الملك المحافظة على اتصالات مع كبار مسئولي الدولة بهدف تشجيع التوجه الأردني عند أصحاب القرار في القدس ولكبح التوجهات المؤيدة لـ  م . ت . ف في المجتمع الإسرائيلي . وبطريقته الخاصة يعرف الأردن كيفية إثارة انتباه إسرائيل إلى الظواهر المقلقة بالنسبة له ، وكلما احتاج الأمر فانه يطلب توضيحات على ذلك مثل : التوضيحات التي طلبها الأردن من إسرائيل بعد قيام  وزير خارجيتها يغيئال ألون بتعيين البروفيسور شلومو  أفنيري المؤيد للحل مع الفلسطينيين مدير عام وزارة الخارجية ، وسئل الأردنيين نظرائهم الإسرائيليين هل يعبر هذا التعيين عن سياسة إسرائيلية جديدة بالنسبة لهم ؟ . وقبل أربعة أيام من إعلان الملك حسين عن فك ارتباطه مع ” الضفة الغربية ” بعث الملك رسالة إلى رئيس الوزراء  يبلغه فيها أن الأردن قرر قطع علاقاته الإدارية مع الضفة مع تأكيده على ” عدم قطع العلاقة مع الشعب والقضية الفلسطينية “  . وبناء على ذلك ، لماذا أراد الملك حسين إبلاغ بيرس بهذا القرار ؟ . لقد أراد الملك حسين أن يقول لإسرائيل أنه يجب عدم فهم خطوته – بصورة خاطئة – من أجل التراكض اتجاه الفلسطينيين ، بل عليكم أن تمنحوني الفترة المناسبة لمعالجتهم . وأضاف في رسالته فقرة ذات أهمية خاصة وهي ” إننا نأمل أن يمنح القرار الأردني الفلسطينيين فرصة لتقدير الوضع بصورة صحيحة والتسليم بالحقائق وإدراك ما هو مطلوب منهم في نظام السلام بالمنطقة “، بلغة أخرى عليهم أن يعلموا أن للأردن دور مضمون في أية تسوية إسرائيلية فلسطينية .

 3. إسرائيل كضامن في واشنطن :  في لقاء مع جريدة “جويش كرونكيل ” اللندنية في شهر  أيلول من عام 1991 قال الملك حسين ” إنني أعلم أن إسحاق شامير ينفذ ما يلتزم به ” . وعليه ، ما هو الوعد الذي قطعه شامير على نفسه  إلى الحد الذي جعل الملك الأردني  يتراجع عن الصيغة التي اعتاد  وصف شامير ” المتصلب والمتطرف ” بها في لقاءات صحفية سابقة ؟ . لقد جاء هذا التصريح بعد الوعد الذي قطعه شامير على نفسه لحسين في لقائهم بعد ” عاصفة الصحراء ” بالتدخل عند حكومة الولايات المتحدة من أجل إعادة الدعم الأمريكي للأردن بعد قطعه  نتيجة رفض الأخير دخول الحرب ضد صدام حسين. وقد تحدث شامير عن إعادة المساعدة مع وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر  وأبلغه عن الدور المهم الذي يمكن للأردن أن يلعبه في أية تسوية في الشرق الأوسط ، ورد بيكر على  ذلك برسالة إلى الملك حسين يبلغه فيها عن إعادة المساعدات للأردن ، وبدوره قام الأخير بشكر إسرائيل على مساعدتها . وعمليا ، أكمل هذا التدخل العلاقة الإسرائيلية الأردنية المعقدة التي بدأت في عام 1963 عندما طلب الملك بصورة رسمية من الموفد الخاص ( الدكتور يعقوب هيرتصوغ ) لرئيس الحكومة ليفي اشكول تدخل إسرائيل عند الولايات المتحدة لتقديم مساعدات مادية وسياسية للأردن . وفي تلك الأيام كانت الناصرية في صعود الأمر الذي أدى إلى ازدياد التوجه في المؤسسة الأمريكية للتخلي عن الملك حسين لصالح الحركة القومية العربية ، لكن تدخل إسرائيل ساعد على بقاء الأمور كما هي . وبناء على ذلك ، فإن الملك حسين معني بتشجيع العلاقة مع إسرائيل من أجل المحافظة على هذه الضمان وقت الأزمات .

 4. القدس : في الأيام الأخيرة عين الملك حسين رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس ، ولولا موافقة إسرائيل على التعيين بصفتها المسيطرة على المكان لما تم ذلك . وتعتبر القدس بالنسبة للسلالة الهاشمية التي طردت من مكة مهمة جدا ، ومن أجل ذلك بذل الملك حسين جهودا مضنية من أجل أن يقوم هو بتصليح قبة الصخرة رغم معارضة الجهات الفلسطينية والدول العربية . ولم  ينسى الملك لإسرائيل أنها منعت السعودية من إزاحة الأردن عن مسئولية الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس بعد أن رفضت الضغوط المصرية السماح للسعودية بواسطة الأونسكو ترميم قبة الصخرة ، مثلما رفضت الاقتراح الذي قدمه زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر  للأمن القومي رفع علم سعودي فوق الأقصى الأمر الذي أغضب الملك الأردني حينها وساهم في توتر العلاقة مع الإدارة الأمريكية . وفي الآونة الأخيرة اختلف الأردن مع م.ت.ف  في موضوع القدس  عندما أرسل سفير   م.ت.ف  في الاونسكو رسالة شديدة اللهجة إلى السفير الأردني يعلمه فيها غضب المنظمة من محاولات  الأردن السيطرة على هار هبيت ( الحرم الشريف )  في حين أن هذا الحق يعود  إلى الشعب العربي وكل المسلمين ، وبناء على ذلك فإن أعمال الترميم يجب أن  تتم من قبل الدول العربية وبواسطة الاونسكو لا من قبل الأردن . كما احتج السفير الفلسطيني على عدم دعوة  المجلس الإسلامي الأعلى إلى أي اجتماع بعد ضم فيصل الحسيني إليه وذلك بهدف  ضمان سيطرة الأردن على المكان المقرر  أن يكون جزء من الدولة الفلسطينية . وعليه ، يدرك الملك حسين حجم المؤامرات الموجهة ضده وهو معني بتشجيع إسرائيل عدم منح حقوق خاصة إلى أي كيان آخر حتى لو تم التوصل إلى تسويات مؤقتة .

 5. المصلحة الأردنية في المحافظة على حدود هادئة : من أجل ضمان بقاء المكتسبات السياسية والاقتصادية التي يجنيها من الحوار مع إسرائيل التزم الملك حسين بالمحافظة على هدوء الحدود  مع إسرائيل ، ويعتبر ذلك الامتحان الأساسي للأردن أمام إسرائيل . ويلزم الأردن نفسه بالاتصال الدائم مع إسرائيل لإقناعها انه يحاول المحافظة على الهدوء والاستقرار على طول الحدود الإسرائيلية . وعليه، فقد غضبت إسرائيل كثيرا عندما تعاون سلاح الجو الأردني مع سلاح الجو العراقي في مهمات استطلاعية على طول الحدود مع إسرائيل قبل حرب الخليج الأمر الذي دعا  الملك حسين إلى إجراء اتصالات على أعلى المستويات مع إسرائيل من أجل تبرير ذلك واحتواء غضبها .

 6. تعديلات حدودية : خلال محادثات واشنطن طالب الأردنيين  الانسحاب من مناطق في صحراء العربة وضم ما يقارب 300 كم إلى المملكة . وعمليا ، أدى الحوار المتواصل  بين الطرفين إلى الاتفاق على إجراء تعديلات حدودية إحداها كانت على شكل تبادل أراضي ، وأخرى جرت في عام 1970 لضواحي حتسبة وكيبوتس كاتورا ،  والثاني انسحاب إسرائيل من مناطق الصافي  والفيفي وهي مناطق تبلغ مساحتها 75 كم جنوب شرق البحر الميت . ولم يحصل  الملك على ذلك لو لم تكن هناك محادثات مباشرة مع إسرائيل .    

 7. التسويات المائية :  تقوم مجموعة من  الخبراء الإسرائيليين باجتياز الحدود الأردنية عبر جسر  فيردي قرب العدسية بشكل دوري لبحث كمية المياه التي يتلقاها الطرفين من نهر اليرموك . وتتم اللقاءات تحت ظل الأشجار الضخمة المتناثرة هناك ، وتعتبر هذه الاجتماعات جزء من تسوية قائمة بين إسرائيل والأردن . ويستمد هذا الاتفاق قوته من الأجواء الطيبة  بين الملك وقادة إسرائيل .

 8. تسويات اقتصادية ومواصلات : هبوط الطائرات  الأردنية  في ميناء العقبة لم يكن ليتم لولا موافقة إسرائيل على دخولها الأجواء الإسرائيلية عند إقلاعها وهبوطها . وجاءت الموافقة الإسرائيلية الصامتة  نتيجة المحادثات المتواصلة بين الأردن وإسرائيل . وتعتبر هذه الاتفاقات نماذج على التعاون في مجالات الاقتصاد والمواصلات بين الدولتين التي تقيم حوار دائم فيما بينها .

            وبعد تسعة أشهر من اندلاع الانتفاضة وزعت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانا تؤكد فيه أن أحد المبادئ الإسرائيلية للسلام  هي ” تمكين الأردن من القيام بنشاطات اقتصادية في المناطق التي تديرها إسرائل، ومغزى الأمر هو تعزيز مكانة الشخصيات الفلسطينية المعتدلة في يهودا والسامرة الذين يسعون إلى التوصل لحل مع اسرائيل قائم على تعاون أردني فلسطيني على عكس المتطرفين المؤيدين لـ م.ت.ف الذين يشجعون الإرهاب والحلول  البعيدة  عن الأردن “. وكان فتح البنوك الأردنية في المناطق أحد التعبيرات السياسية عن هذا التوجه ، لكن البنوك لم تفتتح من ذاتها بل جاءت نتيجة الحوار المتواصل بين الملك حسين وشمعون بيرس الذي شغل وزارة  الخارجية في حكومة إسحاق شامير . وبقاء الجسور  مع الأردن مفتوحة ، رغم قيام الملك  بمساعدة السوريين في حرب يوم الغفران ، لم تكن لتتم لولا  تلطيف الأجواء على أرفع المستويات .

           ومن بين الأسباب الأخرى التي تدعو الملك حسين لاستمرار الحوار مع إسرائيل تطلعه إلى لعب دور الوسيط بين الدول العربية وإسرائيل على أمل أن يحقق إنجازات سياسية بدل وساطته ، ولا ‘يصدق أن حافظ الأسد احتاج في عام 1976 لوساطة الملك كي تغض إسرائيل الطرف  على دخول الجيش السوري حتى خطوط معينة في جنوب لبنان .

          مبررات الملك حسين لاستمرار الحوار مع إسرائيل قوية ، لكنها  لا تصل إلى درجة التنازل عن المصالح الحيوية للأردن ولا حتى تجاهل الكوابح العربية والفلسطينية .

          ولم ينسى (خلال أصعب الأوقات التي مر بها ) الملك حسين بعد حصار الفدائيون الفلسطينيون لعاصمته وتدخل الجيش السوري إلى بلاده  أن يطلب من سفير الولايات المتحدة دين براون “مساعدة من الأصدقاء ( يقصد إسرائيل ) من السماء وليس من الأرض ” أي انه يطلب ( هذه الأقوال سمعها من المؤلف من السفير الأمريكي فيما بعد ) مساعدة من سلاح الجو وليس من سلاح المشاة ، وكان الملك حسين حذرا من دعوة الجيش الإسرائيلي التدخل في منطقة غلعاد . وفي المقابل لم تتشجع إسرائيل التدخل في الأردن عن طريق اليابسة كما أن الملك لم يسرع إلى طلب المساعدة خوفا من تفسير  ذلك على أنه دعوة للجيش الإسرائيلي التدخل في دولته .

           والنموذج الآخر حول تصرفات الملك حسين تم عشية حرب يوم الغفران وخلالها ، فقد نشر الكثير حول تحذير الملك حسين لإسرائيل عشية الحرب ، لكنني لن ادخل في تفاصيل التحذير  والآراء المختلفة حوله ،كما فهمت من قبل القيادات الأمنية والسياسية الإسرائيلية . غير أنني سأؤكد على أمر واحد وهو حسب المصادر المصرية التي تقول أن الملك حسين علم في 10 أيلول عن التنسيق المصري السوري للبدء بحرب ضد إسرائيل وطلب منه المساهمة في هذه الحرب ، وابلغه السادات والأسد ما عليه عمله خلال الحرب . وحافظ الملك حسين على سرية المعلومات  غير أنه أخبر إسرائيل عن النوايا السورية ، لكن إسرائيل اعتبرت هذه المعلومة ناقصة ، واعتقد المخططين الإسرائيليين أن سوريا لن تدخل حرب من دون تنسيق مسبق مع مصر ، وبناء على ذلك لن تندلع حرب جديدة .

           ولم يكن مطلوبا من الملك حسين رفع تقرير لإسرائيل يشير إلى رغبة سوريا بالدخول في حرب معها لأنه شخصية وطنية عربية ويؤمن بالقومية العربية حسب طريقته . واعتقد انه أراد من وراء ذلك دق جرس الخطر الذي ستمر به المنطقة وإلى الكارثة التي ستحل على العرب عموما وعلى مملكته بشكل خاص . ولم يقدم المعلومة حبا في إسرائيل بل لخوفه من نتائج الحرب على الأردن . ومن هذا الباب قدم مساعدات عسكرية لسوريا لكنه امتنع عن فتح جبهة جديدة على طول نهر الأردن كما طالب الأسد والسادات بذلك ، ولم يرغب الملك حسين بفتح جبهة جديدة خوفا من فقدان النصف الآخر من مملكته ( النصف الأول فقده في عام 1967 ) . ومقابل المساعدات العسكرية التي قدمها لسوريا أجرى الملك حسين مفاوضات ملتوية مع إسرائيل وأمريكا من أجل عدم تعريض مملكته لأية أضرار بعد انتهاء الحرب .

          وتعبر تصرفات الملك حسين في حرب يوم الغفران عن سياسة التوازن الدقيق الذي يسير عليه منذ عقود بهدف ضمان استمرار حكمه في الأردن رغم جميع الضغوط الممارسة عليه .

          ويعتمد استمرار  حكم الملك على سياسة ذات قواعد أربعة هي : الاعتماد على دولة عربية  كبيرة وفي نفس الوقت الاعتماد على دولة عظمى ، والاعتماد على إسرائيل وفي المقابل الحوار مع الفلسطينيين . ولا يستطيع الملك حسين التنازل عن الدعم الإسرائيلي – رغم عدم تصريحه لذلك بشكل علني – من أجل المحافظة على التوازن ومواجهة الاملاءات من قبل دولة عربية كبرى أو التصدي للإملاءات الفلسطينية . وقد وصف السفير البريطاني تشارلز فيستون الملك حسين بأنه مثل البحار الذي يقود سفينة صغيرة في المحيط الكبير ترميه أمواجه المدمرة من طرف إلى أخر .

          وكادت المحادثات الكثيرة التي أدارها قادة إسرائيل مع الملك حسين والأجواء الطيبة التي سادت معظمها أن تنسي القادة الإسرائيليين الأسباب التي دعت الملك طلب عقدها ، غير أن الملك يرغب أن تقوم إسرائيل بكبح جماح ما يمثله فيصل الحسيني ، أما نسيان ذلك فسيجعل من فيصل الحسيني بديلا عن الملك حسين ، في حين لا يوجد لنا حليف افضل من الملك حسين .  

 

 

  العلاقات الإسرائيلية الأردنية

الياكيم روبنشتاين

مقدمة

          فتح اتفاق كامب ديفيد واتفاقية السلام مع مصر  الباب على مصرعيه لكل ما حدث في أعقاب ذلك ، وكان لي شرف  أن أكون حاضرا في مطار بن غوريون عند هبوط الطائرة التي غيرت مجرى التاريخ في منطقتنا ، وما زالت هذه اللحظة من اكثر  اللحظات انفعالا إن لم تكن أهمها في تاريخ عملية السلام ، رغم خيبة  الأمل غير البسيطة من العلاقات مع مصر . ويستحق القائدان أن يسمى هذا المركز على اسمهما . وأنا حزين على الطريقة التي أنهوا فيها حياتهم ، فالرئيس المصري قتل قبل خمسة عشر عاما في  6/10/81 ، بينما اعتزل رئيس الحكومة  بيغن الحياة السياسية في عام 1993 ، حيث عاش سنواته  التسعة الأخيرة منعزلا .  ولا يوجد ربط بين انتهاء حياة الاثنين السياسية باستثناء الطريقة الحزينة لانتهاء حياة أشخاص أجروا تغييرا تاريخيا في مسيرة السلام في الشرق الأوسط . وفي هذا الإطار يجب التذكير أن عملية السلام مع مصر فتحت الطريق إلى توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل وبين الأردن الذي وقعه الملك حسين مع إسحاق رابين الذي اغتيل قبل عام نتيجة النقاش الإسرائيلي الداخلي حول عملية السلام .

          ومحفورة في قلبي صورة تضم الزعماء الثلاثة ( بيغن ورابين، والسادات ) خلال التوقيع على اتفاق السلام مع مصر في البيت الأبيض في 6/3/79 ، وخلال  تلك المناسبة أتيحت لي الفرصة أن أكون جالسا وراء إسحاق رابين كعضو  في الوفد الإسرائيلي  المفاوض ،  وعلى المنصة جلس أنور السادات ومناحيم بيغن . أما رابين وبالتعاون مع وزير الخارجية شمعون بيرس فقد كان صاحب  اتفاق السلام مع الأردن ، ويذكر أن رابين أعطى الأردن أهمية خاصة وكانت له علاقات شخصية مع الملك حسين منذ عشرين عام وتعامل بود من أجل التوصل إلى اتفاق السلام معه معتمدا على المثل الذي يقول ما  الحب إلا  للحبيب الأولي . أما الاتفاقات الأخرى فقد تعامل رابين معها حسب حجمها وكان حذرا فيها بحكم الواقع والتاريخ.

           وأود أن اثني على موشيه زاك الذي ، اجتمعنا هذا المساء من أجل بحث كتابه ، يحتل مكانا مرموقا في المجال العلمي كصحفي ومؤرخ وصاحب تجربة مهنية كمحلل ومحرر منذ خمسين عاما ، ومعرفته بالتفاصيل لا مثيل لها كما انه يتملك ذاكرة فريدة يتمناها الكثيرين ، ويملك زاك قدرة على التأريخ والربط بين الظواهر المختلفة . ومثلما ألف كتابه ” أربعون عاما من المفاوضات مع موسكو: استطاع من خلاله ربط المعلومات الكثيرة التي جمعها من قادة العالم مع الوثائق التي بحوزته، ونفس الوضع انطبق على كتابه الذي ألفه عن الأردن .

            ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الياكيم روبنشتاين : المستشار القضائي الحالي للحكومة ، عمل قاضيا في المحكمة المركزية منذ  عام 1995 . وكان رئيسا للوفد الإسرائيلي للمفاوضات على اتفاق السلام مع الأردن ، وقبل ذلك كان عضوا في الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر مدريد ورئيس للوفد الإسرائيلي في المفاوضات مع الوفد الأردني الفلسطيني في مدريد وواشنطن . المحاضرة التي ألقاها ستنشر  في مجلد أبحاث القضاء التابع لكلية القانون على اسم الدكتور هيرتسوغ في جامعة بار إيلان وتكرس هذه المحاضرة لذكرى رئيس الحكومة السابق إسحاق رابين.

 

          أكرس محاضرتي هذه للحديث حول مسارات صياغة اتفاق السلام الإسرائيلي الأردني . وما سأذكره في هذا المجال هو  عبارة عن شهادات لمن لعب دورا في المفاوضات السلمية على مدار السنوات مع بعض الملاحظات التاريخية في بعض المواضيع . وأوضح أنني لن أحاضر في المستقبل ، بل سأركز  على  المفاوضات التي سبقت مؤتمر مدريد وعلى محادثات مدريد وواشنطن وأمور أخرى مرتبطة باتفاق السلام ، أما الأوجه الأخرى لاتفاق السلام مع الأردن فقد تطرقت  إليها في أماكن أخرى1. وأخيرا اعبر عن سروري لوجود رئيس الحكومة السابق إسحاق شامير ورئيس الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر مدريد التي أدت إلى المفاوضات الثنائية .

 

نضوج

          تحتاج الخطوات التاريخية إلى فترة حتى تصل إلى مرحلة النضوج ، وأعتقد أن لذلك أهمية كبيرة في تحليل مسيرة السلام بين إسرائيل وبين الأردن التي نضجت على ” نار هادئة ” خلال العقود السابقة وصلت في نهايتها إلى التوقيع على اتفاق سلام . وعودة إلى الوراء فإن الإنسان يسأل نفسه لماذا تبدو  الأمور  اليوم مفهومة أكثر من السابق واحتاجت إلى وقت طويل لتبلغ مرحلة النضوج ، وخلال المفاوضات بدا أن عملية النضوج هي أمرا مهما جدا سعى إليها الطرفان . منطقيا ، يمكن الحديث عن أمور مشابهة في المفاوضات حول بند كذا من معاهدة السلام أو وثيقة قانونية دبلوماسية. وعليه ، فإن المباحثات أخذت فترة طويلة حتى شعر  الطرفان أنهم ” استنفذوا كل الوسائل ” وحان الوقت للتوقيع على اتفاق . وفي بعض الحالات وبعد أن تم التوصل إلى اتفاق بروح إيجابية تبين للجميع انهم تجاهلوا  أمرا جوهريا في الصياغة التي تناقشوا حولها .

          وفي نفس الموضوع لا بد من الحديث عن كتاب موشيه زاك ( العلاقة مع الأردن ) الذي تحدث عن مسيرة طويلة لبلوغ مرحلة النضوج عند الطرفين من اجل التوصل إلى اتفاق . ويبدو أن السلام العملي توصل إليه الملك في وقت مبكر  جدا نتيجة وجود مصالح أردنية ، لكن لقاءاته مع القادة الإسرائيليين أخرت  التوقيع على اتفاق سلام رسمي . يبدو أن الملك كان يحتاج إلى تشجيع من أجل التوقيع على اتفاقية السلام ، وخصوصا بعد التقدم في الموضوع الفلسطيني . ويبدو أن هناك أمران هامان شجعا الملك حسين على التقدم في مفاوضات السلام الأخيرة ، وهما : الأول : حرب الخليج ومؤتمر مدريد الذي عقد بعدها . والثاني : الاتفاق الموقع بين إسرائيل و م . ت. ف ، وهما أمران مرتبطان ببعضهما البعض بصورة وثيقة . لكن حسب وجهة نظر حكومات إسرائيل فإن الأمر كان ناضجا منذ فترة طويلة ، وأحداث حرب 1948 وأحداث البلدة القديمة  وغوش عتصيون دليل على أن اللقاءات الودية بين الطرفين كانت تؤدي إلى اتفاقات .

          وكان مؤتمر مدريد  أول فرصة يلتقي فيها اليهود والعرب القاطنين في أرض إسرائيل ، أو الإسرائيليين والفلسطينيين بصورة رسمية ( عقدت لقاءات غير رسمية كثيرا بين الطرفين ) ، أما مع الأردنيين فقد كانت هناك لقاءات عسكرية وسياسية رسمية كثيرة بدأت من لجان هدنة واللجان المشتركة التي جاءت بعدها . وحول الفلسطينيين فان مرحلة النضوج للتوصل إلى سلام تمت بعد  إدراكهم أنهم تلقوا ضربة عنيفة إثناء حرب الخليج أجبرتهم على الذهاب إلى مدريد وفق الشروط الموضوعة . أما الأردن – والتي كانت في وضع أقل إثارة للمشاكل – فقد رغبت بالعودة إلى مكانها الطبيعي ، في أحضان الغرب وليس العكس .

           والسياسة التي وجهت  الملك في السابق ، كما يوضح موشيه زاك ، هي استمرار وجود المملكة التي تعتبر بالنسبة له خط إستراتيجي . أما إسرائيل فإن مصلحتها الإستراتيجية تتطلب استمرار وجود المملكة الأردنية الهاشمية على خارطة الشرق الأوسط ، وهذه المصلحة هي الموجه الأساسي للشخصيات السياسية المختلفة الحاكمة في إسرائيل بكل الأوقات . وبناء على ذلك ، ما هو الأمر الذي تخشاه الأردن من الناحية الإستراتيجية ؟ .  يبدو لي أن الفلسطينيين هم مصدر الخوف الأردني الاستراتيجي بسبب العلاقات المعقدة معهم والانعكاسات المرتبطة بذلك . وكتجسيد لهذا الخوف ‘نذكر بأحد بنود السلام الذي لم يثر انتباه كبير غير أنه يؤكد الشك والخوف التاريخي من تصريحات بعض الجهات الإسرائيلية التي قالت  أن ” الأردن هو فلسطين” ، لكن الشخصيات الإسرائيلية التي عملت في العلاقات الإسرائيلية الأردنية اعترفت مع مرور الوقت بالهوية الأردنية الخاصة التي عملت العائلة الهاشمية على بلورتها على مدار  العقود السابقة . وفي بند 2 (1) من اتفاقية السلام ذكر  أن على الطرفين ” الاعتراف واحترام سيادة كل طرف على ترابه وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي  ” ، وجاء هذا البند اعترافا إسرائيليا واضحا بالهوية الأردنية ( وبالعكس ) . إذا ، يمكن القول أن البند المذكور أعلاه عالج مقولة ” الأردن هو فلسطين ” . أما البند 2 ( 6 ) الذي لا يمكن فهمه من دون إدراك خلفيته حين ذكر  ” يؤمن الطرفان أنه لا يجوز السماح تحريك السكان ضد رغبتهم وبطريقة  تمس أمن أحد الأطراف ، وتفسير هذا البند بكل بساطة يعني موافقة إسرائيل على عدم طرد السكان من الضفة الغربية إلى الأردن ، ولم يكتفي الأردنيين بهذه الصيغة بل طالبوا بصيغة أكثر وضوحا لكن ما تم التوصل إليه هو حل وسط .  وجاء الطلب الأردني بإضافة هذا البند نتيجة خوفه من عمليات الطرد الجماعي من الضفة إلى الأردن .

          وذكرنا أن الرأي النهائي  للملك حسين وولي العهد الأمير حسن وربما قسم من أتباعهم هو التوجه نحو السلام ، لكن التحديات التي واجهت الملك حسين في كل الفترات ، مثل جده الملك عبد الله ، وقفت حائلا أمام نيته توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل وفي نفس الوقت ضمان استمرار الدعم والتشجيع مؤيديه لأنه كان يخشى حدوث استقالات كما حدث في مصر عندما استقال وزير خارجيتها إسماعيل فهمي بعد  زيارة السادات إلى إسرائيل  في عام 1977 وقدم البعض الآخر  استقالتهم بعد مفاوضات  كامب ديفيد ، وجاءت استقالتهم لأن التوصل إلى السلام مع مصر لم يصل إلى مرحلة النضوج. وفيما يتعلق بالأردن فإن هناك مستويات من النضوج ويبدو  أن بعض رؤساء الحكومات الأردنية ومجموعة صغيرة أخرى تعتبر من وجهة نظر الملك ” ورقة عباد الشمس ” ، وتضم هذه   الفئات كل من رؤساء حكومات الأردن زيد بن شاكر وعبد  السلام المجالي وطاهر المصري ( من اصل   فلسطيني ) وآخرين .  وبناء على ذلك ، شهدت المفاوضات مع الأردن تعديلات في بعض البنود بعد طلب مستويات أردنية عليا  لذلك . لكن النخبة السياسية العليا في نظام الأردني والحكومة الإسرائيلية أي الملك حسين وشركائه الإسرائيليين  شكلوا ” صمام أمان ” للمفاوضات التي جرت على مستوى كبار المسئولين أو على مستوى الوفود ، وبالمناسبة فإن مصطلح  ” صمام الآمان “  استخدام من قبل أحد كبار المفاوضين الأردنيين. وأعتبر عقد مؤتمر مدريد نقطة الانطلاق التي منحت الملك الربط بين “المظلة الدولية ” التي يحتاجها وبين عدم ضياع فرص عدم  المناورة بفرض حلول على الصفوة في الأردن وفي نفس الوقت وفر  مظلة للفلسطينيين ( أي الوفد الأردني الفلسطيني المشترك ) حسب الطلب الإسرائيلي ، الذي اخذ بعين الاعتبار  الدور الأردني في  التسويات النهائية مع الفلسطينيين . ومن دون تحديد للدور الأردني فإن كل  الحكومات الإسرائيلية إن كانت من اليسار أو اليمين تؤيد وجود دور مهم له في الحل النهائي ، وعلى سبيل المثال طرحت حكومة الوحدة الوطنية في 14/5/1989 مبادرة السلام،  شارك  في صياغتها رئيس الوزراء اسحق شامير ووزير الدفاع اسحق رابين ووزير المالية شمعون بيرس ووزير الخارجية موشيه أرنس ، وخصصت المبادرة مكانا مهما للأردن حين ذكرت انه يفضل مشاركة الأردن في المرحلة الانتقالية ، لكن اعتبرت مشاركتها شرطا في المرحلة النهائية 2 (  وبعد اتفاقات أوسلو أصبحت المشاركة الأردنية محل استفهام ) .

          وحسب وجهة النظر الأردنية فقد كان للوفد الأردني الفلسطيني المشترك سلبيات وإيجابيات وأولى هذه الإيجابيات هو بقاء الخيارات مفتوحة أمام الأردن في المرحلة الأولى على الأقل ، أما سلبياتها فقد كانت إعادة الربط مع الفلسطينيين بعد إعلان الأردن فك ارتباطه بالضفة الغربية (Disegagement  ) في عام 1988. وعلى أية حال فإن الوفد المشترك في مؤتمر مدريد  تفكك بعد اتفاق أوسلو ، ويجب أن لا ننسى الوضع الجيواستراتيجي للأردن أمام جاراتها ووضعها الديمغرافي هي أمور مركزية يأخذها الأردن بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات . وبعد اتفاقات أوسلو  “حررت” الرغبة الأردنية المؤيدة للسلام ، وأود القول أن اتفاق أوسلو أزاح  عن الملك حسين حملا  ثقيلا متمثلا بالفلسطينيين . وفي هذا السياق نذكر  أن إعلان اتفاق المبادئ كان جاهزا في عام 1992 ( وحتى أنه وقع بالأحرف الأولى ) لكن الأردنيين ظلوا  يؤجلون التوقيع الرسمي إلى 13/3/1993 معللين ذلك بأسباب مختلفة ، غير أن الحقيقة تقول أن الأردنيين لم يوقعوا عليه لرغبتهم  بأن لا يكونوا  طلائعيين في التوقيع على اتفاقات السلام مع الإسرائيليين وخصوصا أمام الفلسطينيين . كما أتذكر الأسئلة الشخصية من بعض أعضاء الوفد الأردني الذين أردوا معرفة ما يجري من المفاوضات مع الفلسطينيين في واشنطن وذلك قبل التوقيع على  أوسلو ، حيث كنا نحاول سويا صياغة إعلان مبادئ بالتعاون مع الولايات المتحدة . وكانت أسئلة الأردنيين تعبر عن الأمل والقلق في نفس الوقت . ولم نشك للحظة (ليس الجميع ) بإمكانية التوصل إلى اتفاقية سلام مع الاردن  في صيف عام 1994 – اتضح أن الملك حسين يتوجه نحو اتفاق سلام – وليس مع سوريا ، وفي النهاية تبين أن الواثقين كانوا على حق في تقييمهم . 

         

خلق ثقة واحترام متبادل

          يعتبر خلق الثقة أساسا لأية مفاوضات ونقطة البداية للحل خلال الأزمات ويتم بنائها خلال وقت طويل ، ويساعد الاحترام المتبادل على خلقها . والثقة نقطة اتفاق إنسانية معروفة ، وهي سارية المفعول بجميع الأحول . وبالإضافة إلى ذلك تساهم مصداقية محاوريك في تعزيزها ، وفي الحالة الأردنية هناك أهمية خاصة بسبب وجود الملك حسين وولي العهد الأمير حسن لفترة طويلة في  الحكم منذ عام 1965 .

          وسمعت من الملك حسين أكثر من مرة عن الاتصالات مع الحكومة الأمريكية وذلك من الرئيس أيزنهاور وصاعدا . وعن العلاقات مع القادة العرب ومع الإسرائيليين وعلاقاته مع إسحاق شامير التي نضجت بصورة إيجابية خلال أزمة وحرب الخليج . أما العلاقات مع إسحاق رابين فقد كانت استمرار لعلاقات بدأت في السبعينيات وتعززت في الآونة الأخيرة بعد التوصل إلى اتفاق السلام مع الأردن وبعد علامات الاستفهام التي أوجدها اتفاق أوسلو . وقد كنت شاهدا في اللقاءات التي عقدت بين شخصيات أردنية مع كبار مسئولي الدولة منذ عام 1985- 1997، إلى أن استقلت من الحكومة في عام 1995 ، ولن أتحدث عن لقاء لندن بين وزير الخارجية شمعون بيرس  وبين الملك حسين أو عن اللقاءات الأخرى التي عقدها السيد بيرس مع الملك .

          وحول  الاتصالات بين  إسحاق شامير والملك حسين فقد بدأت في عام 1987، بعد فترة قصيرة من اتفاق لندن ، وكان موقف شامير يدعو إلى البحث عن طرق عملية لبداية حوار وتعاون مع الأردن فيما يتعلق بمناطق يهودا والسامرة ، لكن الحوار لم يتقدم . وفي بداية الثمانينات وقبل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية جرت اتصالات للتوصل إلى حوار من نوع ما ، لكن لم يتم التوصل إلى نتائج ولم تستمر العلاقة لاعتقادي أن الأردن كان يشك في النظرة الإيديولوجية لإسحاق شامير . ويبدو  لي أن الأردن اكتشف الفوارق في مواقف إسحاق شامير ومناحيم بيغن .

          وبالإضافة إلى ذلك ،كانت هناك محادثات بين شخصيات إسرائيلية وأردنية على الأصعدة الأخرى استمرت عدة سنوات من العقد السابق لكنني لن أدخل في تفاصيلها . لكن الثقة بين رئيس الحكومة السابق إسحاق شامير والملك حسين تعززت في حرب الخليج لأن الأزمة كانت تؤدي إلى كارثة وخصوصا اتجاه الأردن الذي تربطه بالعراق علاقات اقتصادية ومصالح ضخمة ، ومن هذه الناحية يعتبر العراق الشريك الأول للأردن وبالتالي لا يمكن تجاهل هذه المصالح ، وبالإضافة إلى ذلد ، يحد العراق ذي الكثافة السكانية الضخمة الأردن وبالتالي لا يستطيع الأردن بأي حال من الأحوال تجاهل العراق ، حب وخوف . وقد اختار الأردن الموقف الذي اتخذه خلال حرب الخليج بعد تقديره للمزاج العام في الأردن . ونتيجة لما ذكر أعلاه فضل الأردن أن تكون العلاقات مع إسرائيل وأمريكا فاترة على أن تكون كذلك مع العراق . وساعدت الاتصالات التي جرت على أعلى المستويات بين إسرائيل وبين الأردن عشية الحرب إلى خلق ثقة على مستوى عالي ( حفظ جميل  إذا تكلمنا عنها بالعلاقات الدولية ) ، عبر الأردن عنها بتعزيز اتصالاته مع إسرائيل  بعد حرب الخليج وعلى طول جولات بيكر في ربيع 1991 وحتى مؤتمر مدريد . وعلى أية حال لن أدخل في تفاصيل الاجتماعات إلى أنني أحمل ذكريات إيجابية من الاتصالات مع الأردن منذ تلك الفترة.

          إذا ، أصبحت العلاقات ودية بين رئيس الحكومة شامير وبين الملك حسين وتم تبادل رسائل حارة رغم قلة اللقاءات بينهما. والثقة التي خلقت في حرب الخليج كانت بالنسبة إلى الملك – حسب اعتقادي – دليل على أن حكومة إسرائيل لا تريد المس بوجود نظام حكمه في الأوقات الصعبة التي يمر بها . بل على العكس تبين له أن المصلحة الإستراتيجية الأساسية لإسرائيل وحكوماتها المختلفة هي استمرار وجود نظام الحكم الملكي  ، والثقة بشامير كانت أحد شروط الذهاب إلى مؤتمر مدريد الذي عقد في ربيع 1991. ونتيجة لتطور العلاقات بصورة كبيرة  بين الطرفين تدخلت إسرائيل لدى الإدارة  الأمريكية والكونغرس من اجل رفع العقوبات عن الأردن خاصة بعد تأزم العلاقات الأردنية الأمريكية نتيجة الموقف الأردني من حرب الخليج ، وأود القول أنني كنت مشاركا  في جزء من الجهود التي بذلت لإعادة المساعدة الأمريكية إلى الأردن.

          وحول إسحاق رابين فإن معرفته بالملك تمتد إلى عقدين سابقين ، وأعتقد أن الزعيمين تحدثا          في عام 1994 عن 20 عاما من العلاقة . وحسب اعتقاد الملك فإن استمرار العلاقة له أهمية خاصة. وكانت لقاءات الملك مع رابين ( التي تعززت بعد التوقيع على اتفاق السلام ) تتم بجو يسوده الاحترام وهي أكثر بكثير من اللقاءات التي عقدت مع شامير  . وبناء على ذلك أذكر جيدا خيبة أمل رابين من  اللقاء الأول بين الزعيمين بعد توقيع اتفاق أوسلو مع  م.ت.ف  بواشنطن  في خريف 1993 لأن الملك لم يعلم بالاتفاق وفوجئ به مثل الكثيرين في إسرائيل  . وأتذكر الاتصالات الوثيقة في المفاوضات التي شهدت لحظات شك ومسرة بين الطرفين  في شهر آب وتشرين أول من عام 1994 إلى أن تم التوقيع على اتفاقية السلام في واشنطن وصحراء العربة ، وفي بيت غبرائيل في طبريا .

          والملك هو أحد أكثر الشخصيات خلقا ولا يمكن أن تراه غاضبا حتى لو لم يكن راضيا ويجب عدم فهم سكوته على انه موافق كما أخطأت بعض الشخصيات في تقييم سكوته عندما يطرح شيء لا يوافق عليه . وتعبيرا عن عواطفه الإنسانية الجياشة قام الملك حسين وأبنته بزيارتنا أنا وافرايم هليفي – الذي عملت وتعاونت معه في كل ما يتعلق بالأردن -  قبل انتهاء يوم السبت ( وقت الوجبة الثالثة ) وقال لنا الملك علمت أنكم لوحدكم وجئت إليكم كضيف حيث جلس معنا لمدة ساعة ونصف وقام على أثرها بإهدائي قرآن عربي باللغة العربية لكن في جانب الصفحات الترجمة الإنجليزية له. إذا الثقة أمر مهم يجب المحافظة عليها دائما . لأن عامل الشك غير بسيط وعلى الطرفين العمل المحافظة على ذلك دائما وقد بذلنا جهود كبيرة على مختلف المستويات لإعادة بناء الثقة  مع الأردنيين بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي حرر  الأردن من التزامهم اتجاه الفلسطينيين رغم مفاجئتهم الكبيرة منه ، غير أن الثقة عادت في شهري أنيسان وأيار  من عام 1994 إلى سابق عهدها بعد وقت قصير من توقيع اتفاق عزة وأريحا نتيجة الاتصالات الحثيثة على مختلف المستويات لعقد اتفاق سلام بين الطرفين .

 

مؤتمر مدريد ومحادثات واشنطن

          عقد مؤتمر مدريد في نهاية شهر تشرين أول وبداية تشرين الثاني من عام 1991 ، ووجهت كتب الدعوات بناء على قرارات مجلس الأمن 242 و 338 الصادر في عام 1967 وفي عام 1973 ، واعتبرت هذه  القرارات ” البنية القانونية ” التاريخية لجهود السلام ، وكان  الأردن من أوائل الدول المؤيدة لقرار مجلس الأمن 242 على عكس سوريا التي وافقت عليه بصورة غير مباشرة بعد موافقتها على قرار   338  . وذكرت كتب الدعوات إلى مؤتمر مدريد أن المفاوضات ستجري على مسارين الأول مفاوضات بين إسرائيل والدول العربية والثاني بين إسرائيل والفلسطينيين ، وتتم دعوة كل من سوريا وإسرائيل لبنان والأردن بينما يشارك الفلسطينيين في المؤتمر ضمن فد أردني  فلسطيني مشترك . وحول الشعب الفلسطيني ذكر أن المفاوضات ستكون بين إسرائيل وبينهم ضمن  من الوفد الأردني الفلسطيني المشترك ” ، وسيتم التفاوض معهم على مواضيع تتعلق بالتوصل إلى تسويات مرحلية وإقامة الحكم الذاتي . وتحدثت دعوات مؤتمر مدريد عن” سلام حقيقي “  وعن  ” تسويات سلمية ” والخ . لكن لم ‘تذكر اتفاقات سلام بصراحة بسبب مطالبة سوريا بذلك . ومع ذلك تحدث كتاب الالتزامات الموجه لإسرائيل ( 18/10/ 1991 ) أن أمريكا تؤيد التوقيع على اتفاقات سلام كجزء من صفقة مدريد .

 وعليه ، بذلنا جهود كبيرة في المفاوضات التمهيدية لربط الوفد الفلسطيني بالأردن  ، وهدفت إسرائيل ( موقف تقليدي لحكوماتها ) من وراء ذلك إلى حل القضية الفلسطينية والتوصل إلى تسوية نهائية بمشاركة أردنية .

          وعشية مؤتمر مدريد وبداية المفاوضات فيها نشأت مسألة سياسية قانونية بعد مطالبة الفلسطينيين فصل الوفد المشترك إلى قسمين لرغبتهم الانفصال كليا في المستقبل ، أما الأردنيين فقد كانوا منقسمين حول الموضوع على ما يبدو ، فمن الناحية التاريخية وربما في أحلامهم المستقبلية المتناقضة ، هبت رياح التدخل الأردني في الموضوع الفلسطيني من دون تخطيط مسبق غير أن التحليل الذي سنطرحه لاحقا يختلف عن الطموحات والأحلام .

          ومنذ البداية تمسك الفلسطينيون بأن تجري  المفاوضات معهم  وحاولوا إعاقة عمل الوفد المشترك ، لكن إسرائيل أصرت على صيغة الوفد المشترك مما أدى إلى مفاوضات الطاولة المستديرة في أحد رواق وزارة الخارجية الأمريكية من شهر ديسمبر حتى يناير من عام 1992 التي شاركني بها رئيسا الوفد الوفد الأردني الفلسطيني المشترك الدكتور عبد السلام المجالي والدكتور حيدر عبد الشافي (لعدم وجود اتفاق مع نظرائنا الأردنيين والفلسطينيين فقد كان الدخول إلى قاعات المفاوضات يتم بصورة غير رسمية بسبب النقاش الإداري المذكور  ) . وخلال هذه المحادثات كانت مهمة الوفد الإسرائيلي البحث عن طرق للجسر  بين مطالب الطرفين المتناقضة . ففي الوقت الذي أصرت فيه إسرائيل على المحافظة على وحدة الوفد المشترك طالب الأردنيون والفلسطينيون بالفصل بينهما . لكن كان واضحا أن الأسباب السياسية لا تمكن وحدة كاملة غير أننا لا نسمح بالفصل الكلي بين الأردنيين وبين الفلسطينيين .

           وكما ذكر فرض على الفلسطينيين  والأردنيين الوفد المشترك الذين لم يرغبا فيه لأسباب خاصة تتعلق بكل طرف . وبالإضافة إلى  ذلك كان الأردن معني منذ سنوات بإظهار  استقلاله عن الفلسطينيين وذكر  أحد كبار المفاوضين الأردنيين  ” ألا يكفينا أن الوفد الأردني يضم في صفوفه أربعة  من كبار المفاوضين الفلسطينيين بل علينا ضم كل وفدهم إلينا “. ومع ذلك اعتقد أن الأردنيين معنيين بعلاقة ما مع الفلسطينيين( ذكر لي أحد كبار المفاوضين الأردنيين ” أنهم سيأتون إلينا ” ) ، أما الفلسطينيين  فقد كانوا معنيين بتثبيت هويتهم الوطنية قبل أي شيء آخر  وهو هدفهم الرئيسي  في مدريد وواشنطن . وفي نهاية الأمر وبعد محادثات استمرت عدة أسابيع – بادرنا  نحن في جميع مقترحاتها – تم التوصل في 13/1/ 1993 إلى اتفاق إداري يضع اطارا للمفاوضات الرسمية . ويبدو لي أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو الاتفاق الوحيد الذي وقع عليه الأطراف الثلاثة ، وحسب هذا الاتفاق  تجري المفاوضات في مسارين الأول مع الأردن والثاني مع الفلسطينيين (  مع الحرص على التعامل المختلف – مع الأردن كدولة ومع الفلسطينيين كوفد ) . وتم الاتفاق على الحد الأقصى للمشاركين في المفاوضات ( 22 إسرائيلي في المسارين بينما يضم الوفد الأردني الفلسطيني المشترك           

 

22 عضو  فلسطيني وأردني ) حيث يضم المسار الإسرائيلي الأردني ضم تسعة أردنيين وفلسطينيان أما المسار الإسرائيلي الفلسطيني فيضم تسعة فلسطينيين وأردنيان هم نائب رئيس الوفد ورئيسه فيما بعد الدكتور فايز الطراونه وأحد كبار ضباط المخابرات  الجنرال عبد الله الكردي . أما الفلسطينيون فقد أرسلوا  إلى الوفد الأردني تمثيلا أقل مستوى من التمثيل الأردني حيث أرسلوا بصورة دورية سامح كنعان ( أمه يهودية ) الذي مكث في السجون الإسرائيلية فترة طويلة وأفرج عنه في أحد صفقات تبادل الأسرى ( وأتذكر كيف قدم إلي سامح كنعان مع ابتسامة ) ، وجرت المفاوضات بالتناوب فأسبوع تجري فيه المفاوضات مع الأردنيين صباحا ومع الفلسطينيين مساء ، وبالعكس .

          وضم إلى الوفد الإسرائيلي إلى المحادثات واشنطن طواقم من مكاتب رئيس الحكومة ووزراء الخارجية والدفاع ، وشارك أخصائيين في المياه والبيئة والطاقة وهي مواضيع تم التحدث فيها مع الأردنيين قبل مدريد وأخر موضوعان تم إدراجهما في المفاوضات نتيجة اهتمام الأمير حسن بذلك .

           وشمل الاتفاق الإداري الموقع في 13/1/1992 على بند  سمي ” اللقاء العام ” الذي يمكن دعوته للاجتماع حسب الطلب .  وضم الوفد الإسرائيلي اثنا عشر إسرائيليا ( أضيف الأخير بناء على اعتبارات تتعلق بالتنسيق . ومنذ ذلك الوقت أدركنا كيف تتم عملية بداية النضوج )  و 19 أردنيا وفلسطينيا حسب تقسيمهم ( وجدوا صعوبة في ترتيب التوزيع فيما بينهم ) من أجل المحافظة على الإطار لأسباب سياسية . وكانت اجتماعات اللقاء العام تتم بمبادرة منا مرة بعد كل جولة مفاوضات . واعتبر الأردنيين والفلسطينيين هذا الاجتماع جلسة رسمية لا حاجة لها واعتبروها مجرد احتفال ، وفي الاجتماعات كنا نطرح مواضيع مختلفة مثل العلاقة المباشرة في فترات الراحة وهو أمر اعتبرناه عاديا وذي أهمية قصوى ، لكننا  لم ننجح في تلك الفترة بعقد جلسات ودية لأن الوفود العربية اتخذت قرار فيما بينها بإدارة المفاوضات والاتصالات مع الإسرائيليين في واشنطن وبصورة رسمية فقط . وبالنسبة للفلسطينيين فقد اعتبروا القرار  لهم غريب لأنهم والإسرائيليين يقطنون في منطقة مفتوحة والاتصالات بين الطرفين تعد عادية ، لكن يمكن تفهم رفضهم على الخلفية الرمزية السياسية للموضوع . أما مع الوفد الأردني فقد كانت هناك علاقة مباشرة على مستويات مختلفة للبحث في الموضوع السياسي ، وكان الوفد الأردني يرفض التقدم في المفاوضات طالما لم يحدث أي تقدم مهم مع الفلسطينيين ، ويبدو أن  أغلب  الوفد الأردني لم يكن يعلم عن الاتصالات المباشرة  بين قادة الدولتين ( سمعوا عن ذلك في وسائل الإعلام فقط ) . وأذكر أنه جرت محاولات للتفاوض مع الدكتور حيدر عبد الشافي في غزة بعد أن اتصلت به في منزله وطلبت منه أن نلتقي للتفاوض غير أن المحادثة لم تؤدي إلى نتيجة رغم ردوده اللطيفة . وتستحق مواقف حيدر عبد الشافي التطرق إليها لأن الحواجز  الرسمية بيننا اختفت في فترة متأخرة جدا وتدل بدايتها على ” مرحلة طفولة ” عملية السلام . وفي اللقاءات العامة طرحنا مواضيع تخص المسارين لدراستهما لكن زملائنا اعتبروا ذلك سابقا  لأوانه .

          ومثال على ذلك ، اقترحنا في محادثات واشنطن التي جرت في شهر  حزيران من عام  1993 إيجاد إطار  ثلاثي يبحث بصورة مكثفة مواضيع اقتصادية وإدارية وشؤون الجسور  لكنهم رفضوا ذلك الاقتراح . ومن ناحيتي يجب أن يأتي الوقت لمنح المفاوضات مع الفلسطينيين والأردنيين في واشنطن ومدريد حقها التاريخي لأن اتفاق أوسلو وما جرى بعده لم يعر هذه المفاوضات أي انتباه ولم يحدث تعاطف لاستمرارها . وأعتقد أن مفاوضات مدريد وواشنطن ساعدت في بلوغ مرحلة النضوج ومهدت الطريق للتوصل إلى اتفاق أوسلو  – وعلى الأغلب القرار السري التفاوض مع م. ت. ف – الذي لا أريد أن أحكم على أبعاده التاريخية الان .  وعندما  انكشف أمر مفاوضات أوسلو قدمت استقالتي مما حدا برئيس الحكومة الطلب وزير الخارجية شمعون بيرس التحدث معي وإقناعي بعدم الاستقالة وقال بيرس لي ” أن اتفاق أوسلو مبني على 60-70% من الوثائق الموقعة في واشنطن “  غير أن  المستوى السياسي قرر التحدث مع عرفات من أجل الدخول في مفاوضات جوهرية تتخطى 60- 70% والتي لم يمنحها إسحاق رابين للوفد المفاوض في واشنطن ، وأعتقد أن المفاوضات السرية وما تبعها من اتفاق سيترك للتاريخ للحكم فيه . وعلى أية حال أحسست بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو  أنني وبعض أعضاء الوفد مثل “من يجلس على الجدار ” في المنعطفات أو في اللحظات التاريخية الحاسمة  .

 

التمثيل الأردني

          في إشارة إلى أهداف الأردن من المهم الحديث عن التمثيل الأردني في مراحل المفاوضات  المختلفة. فالمراحل الأولى من المفاوضات كانت العناصر الدبلوماسية هي  المسيطرة – باستثناء رئيس الوفد – على مجرى المفاوضات حيث شارك في مفاوضات مدريد وواشنطن سفراء الأردن في الدول الأوروبية والعربية المختلفة ، أما في مؤتمر مدريد فقد ضم الوفد الأردني سفرائه في الاتحاد السوفيتي وبلجيكا وقطر . وعمليا ، شكل هؤلاء حلقة وصل مع وفود تلك الدول في محادثات واشنطن وبعد ذلك في المفاوضات الأردنية الإسرائيلية التي جرت بعد عام 1994 . وأدخل الأردنيين الخبراء والفنيين بطريقة متدرجة إلى المفاوضات ،وكلما كانت المفاوضات أكثر جدية  كان الأردن  يرسل خبراء قادرين على لعب دور أكبر في المفاوضات .   وبصورة عامة يمكن القول  أن الملك حسين استطاع أن يربي جيلا من الشخصيات يتصرف ويتحدث بالطريقة التي يريدها . وفي حديث خاص معي قال الدكتور فايز الطراونة الرئيس الثاني  للوفد الأردني  أن الأردن لا يملك الموراد الطبيعية وأن الإنسان هو المورد الطبيعي الذي يجب تشجيعه . لكن  التمثيل تضمن عناصر مختلفة من جميع الفئات للمحافظة على التوازنات الداخلية أي ضم الوفد أردنيين وفلسطينيين بقيادة أردنية .

          وتولى الدكتور عبد السلام المجالي رئاسة الوفد الأردني ثم حل مكانه الدكتور  فايز الطراونة. ويعتبر الدكتور المجالي ابن لعائلة مشهورة من الكرك تولى أبنائها وظائف مهمة أيام الإمارة والمملكة، ويمتد تاريخ عائلة المجالي في الأردن إلى مئات السنين. ولد الدكتور عبد السلام المجالي  في عام 1925 ( أمه سورية الأصل )  وأنهى دراسة الطب في جامعة دمشق عام 1948 ، في ذلك الوقت انضم إلى حزب البعث . وبعد عام 1948 وبعد التخصص في بريطانيا بالأنف والأذن والحنجرة  اصبح من كبار الأطباء في الجيش الأردني واصبح فيما بعد رئيس أطباء  الجيش الأردني برتبة جنرال . بعد اعتزاله الحياة العسكرية تولى عدة مناصب وزارية منها وزارة الصحة ووزارة  التربية والتعليم ونائب رئيس الوزراء، ورئيسا لجامعة عمان . خلال حياته العامة عمل على تطوير الخدمات الصحية بالجيش وفي إقامة المدينة الطبية في عمان وله إسهامات عديدة في مجال التعليم العالي وهي إنجازات يفتخر بها .

          ويعتز المجالي بعمق انتمائه للهوية الأردنية رغم أصوله الشبيهة بعائلة الملك . ورغم فوارق السن نشأت منذ البداية علاقات جيدة بيننا ، وكنا نقيم محادثات منفردة يوميا وكنا نتحدث في المواضيع السياسية والاجتماعية والشخصية . وقد التقيت به كثيرا بعد تعيينه رئيسا للوزراء ، والتقيت به عندما زار البلاد بصفته رئيس طاقم مراقبي الأردن في الانتخابات الفلسطينية . وأذكر أن الجرائد العربية نشرت أكثر من مرة أن الوفد الإسرائيلي يضم أشخاص يتحدثون اللغة العربية ويعرفون حضارة العرب ، وفي هذا المجال عبر المجالي أكثر من مرة عن حزنه لعدم وجود أشخاص يعرفون في اليهودية كما يعرف  بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي عن الإسلام . وقد شكر المجالي العلاقات الإنسانية والثقة التي أولاها وفدنا له ، وسمح انفتاح العلاقات بيننا إلى البدء بمفاوضات بين اللجان العسكرية بصورة رسمية في واشنطن ، الأمر الذي اعتبر نواة لمفاوضات إيجابية متواصلة . وقد اجتمع المجالي مع رؤساء الوفود الإسرائيلية للمفاوضات مع لبنان وسوريا بشكل علني ومع الإسرائيليين الموجودون في واشنطن ، وفي أحد الاجتماعات طلب ضم الجميع لزيادة التفاهم بيننا . وقد حضر محافظ بنك إسرائيل ومدير عام وزارة المالية ومندوب سلطات الدولة . أما الدكتور فايز الطروانة الرئيس الثاني للوفد الأردني فقد كان شخصية ودية ، وابن لعائلة معروفة في الكرك – والده كان رئيس البرلمان ووزير البلاط ، وقد قام ابنه بتوزيع الأراضي على الفقراء من عشيرة الطروانة . وتعلم الطروانة الاقتصاد في كاليفورنيا واصبح وزيرا للنقل  وعمل الدكتور فايز  الطراونة  في الحياة العامة  قبل أن يستدعى للخدمة السياسية . ومثل الدكتور المجالي يعتبر إخلاصه للملك أحد أهم الأسس العليا والفكرية التي يسير عليها، ويعتبر الطراونة عالما بالمجتمع الأمريكي الذي تعرف عليه خلال دراسته وعمله هناك ، وقد التقى مرات كثيرة بالأوساط اليهودية الأمريكية . وقد تطورت العلاقة بيننا إلى صداقة شخصية مستمرة حتى هذا اليوم ، وقد كانت هناك علاقات جيدة مع الوفد الأردني على عكس الوفد الفلسطيني الذي   تعامل  معنا حتى خلال مفاوضات واشنطن كمحتلين .

وسأذكر أيضا عون الخصاونة الذي يعتبر اليوم وزير  البلاط في الأردن والذي شغل في السابق المستشار القانوني للأمير حسن وللوفد الأردني . يعد عون من أبناء العائلات الكبيرة والغنية في الأردن، وهوعلى مستوى عالي من الثقافة ويحب الشعر ( وكان يقتبس أشعار من شعراء كبار أمثال حافظ ) وكان له مثل عدد غير قليل من الأردنيين تشابه في المواقف اتجاه الإسرائيليين ويهود الولايات المتحدة لكن خلال المفاوضات توصلنا إلى علاقات عمل رفيعة ، فهو شخص غير سهل لكنه مثقف ومهني كبير . أما الدكتور منذر حدادين فهو  مختص في مجال المياه وهو ابن عائلة مسيحية من الكرك  ويعتز بالقرآن بطريقة مثيرة .

          وكان الجنرال عبد الحافظ مرعي الذي أصبح فيما بعد رئيس هيئة الأركان من أرفع الشخصيات العسكرية الأردنية الموجودة في واشنطن . بعد ذلك حل مكانه تحسين شردم – شركسي – ضابط مهني وكان يفتخر  بأن كلمته كحد السيف وأقواله مقدسة ، وكان من ضمن الوفد الدكتور جواد العناني وهو من الشخصيات ذات الثقافة العالية ، وقد عين فيما بعد وزيرا للإعلام في حكومة المجالي ، وهو شخصية من أصل فلسطيني ويعتبر الساعد الأيمن للمجالي بسبب قدرته  على الصياغة ودقة التصريحات أن كان ذلك في الوفد أو الحكومة . وشارك في المفاوضات العقيد علي شكري الرجل الأول في البلاط الملكي – وهو اليوم عميد – مدير مكتب الملك ورجل أسراره ( حسن شكري رئيس بلدية حيفا في فترة الانتداب هو جده ) وهو  شخصية ودية وذو ثقة . وحضر المفاوضات أحد مستشاري الأمير حسن الدكتور أحمد منغو  رجل اقتصاد وشخصية لطيفة حيث ساهم كثيرا في تلطيف الأجواء في أوقات التوتر . من هؤلاء الأشخاص وآخرين تعرفت على أهمية الهوية الأردنية بالنسبة لهم والفرق بينهم وبين الفلسطينيين . وأحيانا كنت منزعجا من عدم معرفة الأردنيين بإسرائيل واليهودية ( ونفس الوضع ينطبق على الوفود الأخرى ) والمشاكل النابعة من ذلك حتى عند الأشخاص ذو الثقافة العالية . وكان ذلك أحد التحديات التي فتح السلام طاقة لمعرفتها ويجب رؤية الموضوع باتجاهين – نحن والأردنيون جيران وأكثر من ذلك مع الفلسطينيين – الأول: إلى أي درجات نعرف بعضنا والثاني فإن اليهود في إسرائيل يعرفون عن العرب في إسرائيل ( ربما بسبب قوة الإعلام وربما يعرفوننا أكثر  ) ؟ .                                   

          وأحيان كنت أتعجب أن عدم معرفة الطرف الآخر تساهم  في خلق الشكوك وعدم التفاهم في المفاوضات نفسها (حتى من جانب جمهور اليهود إن كان علماني أو متدين) والتمسك بالأفكار الضاربة عميقا في صفوف الطرفين ، وحسب اعتقادي فأن عدم  المعرفة المتبادلة ونقص المعلومات سيؤدي إلى الشك وعدم الوضوح في المفاوضات .

 

الموضوع الفلسطيني

          كمـا ذكر بذلـت جهـود كبيرة قبل مؤتمـر مدريـد من أجل تمثيل أردني فلسطيـني مشـترك في المؤتمر . ومع ذلك لا يمكننا  تجاهل أن الوفد المشترك تصرف كأنه مجموعتين منفردتين مع علاقات احترام متبادلة لكن بدون تعلق طرف بآخر ، أما بقية الوفود العربية فقد تعاملت مع الوفد الفلسطيني على أنه وفد مستقل .

          وبطبيعة الحال تصرف الأردنيين بحذر بالغ اتجاه الفلسطينيين والسوريين نتيجة الوضع الجيوسياسي والديمغرافي غير المستقل الذي يمر به الأردن . وبناء على ذلك لا بد من التذكير أن البند الأمني من اتفاق السلام يضم – بعد المحادثات مع الأمير حسن وبدرجة كبيرة بوحيه – أفكار تطالب بتبني نماذج  للأمن الإقليمي بروح اتفاق هلسنكي ( بند 4، 1 ج من اتفاق السلام ) ، وفي أعقاب الهجمات الإرهابية بعث الأمير حسن رسائل إلى بعض الشخصيات الإسرائيلية – وأنا من ضمنهم- في عام 1996 ذكر فيها ضرورة قيام نشاط إقليمي لمحاربة الإرهاب كهدف به مرغوب عند كل الأطراف. وذكر بند محاربة الإرهاب في اتفاق السلام ضمن نقاط مفصلة في البند الأمني وبناء على أحداث الماضي طالبت إسرائيل بالتزامات أردنية واضحة في هذا الموضوع .

           والحديث التالي يشير إلى الحساسية الأردنية وتأثرها بمحيطها العربي  ، ففي بداية الجولات حصل تقدم معين في المحادثات معهم وكان مقررا للمفاوضات أن تنتهي يوم الخميس بعد الظهر ، وكنا على استعداد للعودة إلى البلاد في ذلك المساء ، وفي يوم الأربعاء توصلت مع المجالي إلى اتفاق بالبقاء يوم أو يومين من أجل تقدم المفاوضات ، وبعد مشاورات أجراها المجالي مع بقية الوفود العربية اتصل بي وأبلغني انه يعتذر عن اللقاء لأن الوفود العربية لا تريد بقاء وفد لوحده في واشنطن .

          والأهم من ذلك أن  الأردن  ظل يؤجل التوقيع على جدول أعمال إلى حين التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين . وظل  الأردنيين يأملون منذ وقت طويل أن ” يتوجه إليهم الفلسطينيين ” عندما يفشلوا في تحقيق الإنجازات ، هكذا توقعوا قبل أوسلو وبصورة أقل بعده .

 

حوار ديني ووجهات نظر دينية في المفاوضات مع الأردن

          يتطلب إكمال عجلة السلام حوار ديني لاعتباره أساس مشكلة الشرق الأوسط . وخلال المفاوضات المتواصلة التي عقدت في العقبة وايلات لصياغة اتفاق السلام مع الأردن حل عيد العرش وحتى توقيع الاتفاق حل عيد الأسابيع ، وبهذه المناسبة قدم ولي العهد الأردني الأمير حسن كتابه ” المسيحية في الوطن العربي ” وفي كلمة الإهداء كتب ” سلام للقريب والبعيد ، إلى إلياكيم روبنشتاين مع الأمل أن تساهم في كتابي القادم مع المحبة ” .

          وتحدث البند 2 (9) من اتفاق السلام الذي عمل الأمير على وضعه ” أن الأطراف ستعمل سويا من أجل إقامة علاقات دينية بين أبناء الديانات الثلاث “  بهدف خلق تفاهم ديني ووضع التزامات متفق عليها وضمان حرية العبادة ونشر التسامح الديني والسلام ، ويجب الانتباه إلى صيغة ” التفاهم الديني والالتزام الأخلاقي وحرية العبادة والتسامح والسلام ” وهي علاقات غير موجودة في الشرق الأوسط ، لكن هذا البند لم يتم العمل به لان أمور اكثر إلحاحا برزت على تنفيذ الاتفاق ، لكن ما حدث في عام 1996 أبرز  أهمية الحوار اليهودي الإسلامي المسيحي رغم صعوبة التوصل إلى تفاهمات دينية في الشرق الأوسط اليوم ، والحوار لا يمكن أن يتم ببساطة نتيجة وجود تيار إسلامي متطرف في المنطقة ، لكن الفكرة التي وردت في هذا البند هي أن يعيش كل أبناء دين حسب معتقداتهم وعدم القيام بمذابح جماعية باسم الدين وتحت رايته وكأنها حكم رباني منذ الأزل وإلى الأبد مع ضرورة المحافظة على الميراث الإنساني التاريخي الذي شهد مثل هذه المآسي .

          وأعتقد أن الأمير حسن معني بالتسامح الديني لأنه ألف قبل توقيع الاتفاق كتابا حول التعددية في الإسلام ، وفي إشارة منه إلى تعامل الدين الإسلامي بتسامح مع غير المسلمين ضرب مثلا على ذلك الحاخام موشيه بن ميمون الذي شارك في الحياة الاجتماعية والثقافية الإسلامية في القرون الوسطى ، وأوضح الأمير حسن في كتابه ” أن التسامح الإسلامي مكن مثقفين مثل الحاخام بن ميمون وأبناء جيله من مسلمين وغير مسلمين عرض رأيهم في المسائل المتعلقة بالمواضيع الإنسانية … ويشير  ذلك أن  الدين الإسلامي غير متطرف كما يوصف في الغرب أحيانا . وفي  نهاية الكتاب تحدث ولي العهد الأردني عن المعايير الأخلاقية للعالم الإسلامي التي تصلح في جميع الأوقات ولجميع البشر  والمسيطر عليها من قبل حكم واحد : روح المرحلة وهي غير موجودة في الإسلام اليوم ” . ورغم أننا غير ملزمين بالموافقة على هذا الرأي إلا أن مثل هذا الأفكار تعد طرحا إيجابيا وتعبر عن مفهوم الصراعات الحالية في الإسلام اليوم . وبناء عليه ، لا بد من طرح السؤال التالي : ما هي مضامين الحوار إذا تم ؟ . من الناحية اليهودية الإسرائيلية فإن الحوار هو محاولة لتقويض الرفض الذي ينشره التيار الإسلامي المتطرف ، وربما لا يوجد تطرف في الدين الإسلامي إلا أن نماذج التسامح الديني المطروح في كتابه تعبر عن الفترات التي حكم  فيها الإسلام البلاد وعاش فيها غير المسلمين ، كأهل ذمة . لكن هذه الطروحات لا يمكن العيش معها اليوم نتيجة بروز تطورات تاريخية يمكنها  أن تطرح بدائل أخرى من التعايش والمساواة في ظل السلام السياسي . وهذه المسيرة – عندما تبدأ – ستكون صعبة ومليئة بالآراء السابقة ومن الصعب إقناع أصحابها بالتنازل عن الافكار المتجذرة في عقولهم . وفي هذا المجال على الجانب اليهودي أيضا بذل جهود للدخول في حوار ديني مع أبناء الديانات الأخرى . ومن المهم جدا العمل لبدء الحوار  على أمل خلق إطار معين لحل الخلافات يسمح على المدى البعيد  سحبه على المجال السياسي . واهتم الأمير حسن في موضوع اللاسامية – انضم إلى منظمة مكونة من البرلمانات التي بادر  إلى تشكيلها عضو البرلمان البريطاني غرويل جينز  لخوض النضال ضد اللاسامية – وفي نفس الوقت دعا في رسالة وجهها في تشرين الثاني من عام 1995 إلى إقامة مجلس عالمي ضد ظواهر العنصرية المادية للإسلام . وفي هذا الشأن أرى أهمية خاصة في رؤيته للأمور  الأخرى مثل الانضمام إلى الميثاق الأوروبي لشئون حقوق الإنسان ( كما عمل ذلك بالمواضيع الأمنية). وفي  رسالته المذكورة التي أرسلها إلى بعض الإسرائيليين بعد الأعمال الإرهابية في شتاء عام 1996 ذكر “إلى كل الذين عملوا من اجل تحقيق السلام والصداقة ، على الشعب الإسرائيلي أن يدرك أن منفذي هذه الأعمال لا يفهمون الإسلام كما نفهمه ” ، لكن هذه الأقوال تبقى دروس مجردة .

         

تربية للسلام

          وأضيف أن الموقف الأساسي للأمير حسن الداعي إلى التعاون المشترك مع بعض  ” الأطواق ” صعبة التنفيذ عبر عنها بالموافقة على  ” المناطق الخاصة ” في نهريم وتسوفر التي يعمل فيها المزارعين الإسرائيليين في أراضى تقع تحت السيادة الأردنية ، وكذلك فكرة التطوير المشترك للأراضي الموقع بشأنها بنود في اتفاق السلام ، وأتذكر أن الأمير حسن تحدث عن ذلك كتربية لأبناء الشعبين على روح السلام .

 

ملاحظة في أمور تتعلق بصياغة اتفاق السلام

          حاولنا في اتفاق السلام مع الأردن تعلم من عبر المفاوضات السابقة وخصوصا مع مصر . وكما ذكر مرت أشهر طويلة من المفاوضات السابقة خصوصا مع مصر حول العلاقة بين حلف الدفاع العربي وبين التزام  مصر بميثاق الجامعة العربية ، وهو موضوع مهم بحد ذاته ولا يمكن تجاهله خصوصا عندما تتكدر الأجواء السياسية في المنطقة . ومن أجل الانتهاء من المفاوضات وضعت صيغة يستطيع الطرفان التعايش معها معتمدة على المجال السياسي في الأساس من دون المس بأهمية المجال القانوني .

 

خلاصة

          السلام مثل النبتة ، إذا لم تهتم بها لا يستطيع أي شخص تقدير ماذا سيحدث لها في المستقبل . لكن السلام مع الأردن جاء نتيجة مصلحة واضحة للطرفين ، وهذه المصلحة تسبب خيبة أمل في حال تراجع طرف عما اتفق عليه ، وعلاوة على كل المشاكل فإن  أمر استمرار الاعتناء بنبتة السلام وعلاج كل خلل يقع فيها من أجل قطف عملية السلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظات : راجع الياكيم روبنشتاين ” اتفاق السلام مع الأردن ” القانون 361-347 ن كذلك راجع السلام بين إسرائيل والأردن – حكم ذاتي مفاوضات – مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب .

راجع الياكيم روبنشتاين ” قيادة السلام للحكومة الإسرائيلية من عام 1989 ، مع طريق السلام ص 129- 139.

 

 

الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والأردن : الماضي وتوقعات المستقبل

دان شيفتن

        أنوي هذا المساء تكريس  معظم حديثي عن الأمير عبد الله والملك حسين ، لكنني سأتحدث قبل ذلك بعض الكلمات عن الباحث موشيه زاك المختص في الشئون الأردنية الذي ألف كتابا مهما عنه وساهم بصورة كبيرة في معرفة الوضع والتعقيدات المجهولة أو المعروفة جزئيا التي مر فيها الأردن . وخلال محاضرتي سأركز على العلاقة العامة بين إسرائيل والأردن التي يعبر عنها القول المشهور  PLUS CA CHANGE, PLUS CEST LA MEME CHOSE  ،” كلما تغيرت الأمور فتبقى كما هي” ،  ولا أقصد من وراء ذلك عدم حدوث أي تغييرات في طبيعة العلاقات بيننا وبين الأردن ضمن المثلث الأردني  -الإسرائيلي – الفلسطيني ، فبعض التغييرات التي حدثت كانت سريعة جدا وربما ثورية . لكن ، يبدو  لي أن التغييرات التي حدثت ما زال فيها بعض التركيبات الجامدة وهي تبرز  إلى السطح بين الفينة والأخرى ، الأمر الذي يجعل تجاهلها صعبا مع مرور الوقت.

          وأفضل أن أسمي شبكة العلاقات بين إسرائيل والأردن بالشراكة الإستراتيجية لأنها العلاقة  الوحيدة لإسرائيل في الشرق الأوسط . وفي هذا المجال ، لا أرى إمكانية إيجاد علاقة كهذه مع أي نظام حكم في الشرق الأوسط على ضوء الحقائق القائمة والمتوقعة في المنطقة الان وفي المستقبل، ونتجت  الشراكة المعقدة بعد ظروف مركبة ومشتركة نوعا ما مرت بها إسرائيل والأردن ، وأساس هذه العلاقة سأتحدث عنه لاحقا .

          وسأتحدث عن الماضي وكيف بدأت هذه الشراكة ؟. وفي الحاضر :  لماذا هي مستمرة ؟ . وفي المستقبل المنظور ، لماذا ستبقى على مدار سنوات طويلة  ؟ . وبداية هذا المحاضرة ستكون بحث في العلاقات داخل المثلث الإسرائيلي – الأردني -الفلسطيني والصراع المعقد بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين إسرائيل والأردن كل على حدة ، ودراسة إمكانية تغيير قواعد الصراع بصورة ثورية ؟ . في البداية لا بد من الإشارة إلى أن الصراع الدائر بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين وإسرائيل والنظام الهاشمي في الأردن هو صراع مبدئي وشامل . وربما تحدث تغييرات في قواعد الصراع  لأن أمور كثيرة تتغير لتأخذ شكلا آخر خاصة أننا لا نبحث في أمر أزلي . ويتركز البحث في دراسة  توقعات معقولة ، كما حدث  في العقود السابقة ، تستمر  من 5 -10 أعوام قادمة شريطة بقاء المعطيات الحالية كما هي اليوم . إذا ، تأتي الشراكة الإستراتيجية بين إسرائيل والأردن نتيجة خشيتهما من الحركة الوطنية الفلسطينية التي يرون بصعودها وزيادة نفوذها خطرا عليهما وبالتالي يجب تقويضها . وعليه ، من الجدير البحث باختصار في الماضي ، لأن الشراكة نتجت عن المواجهة بين إسرائيل وبين الحركة الوطنية الفلسطينية على ارض إسرائيل منذ البداية ، أما صراع الحركة الوطنية مع العائلة الهاشمية فقد كان نتيجة أطماع هذه العائلة في يهودا والسامرة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدكتور شيفتن ، من جامعة حيفا . مستشرق ومختص بالشئون الأردنية والفلسطينية .

 

 

          ولا يوجد أدنى شك أن المشروع الصهيوني وبداياته جاء على حساب الحركة الوطنية الفلسطينية رغم عدم وجودها في ذلك الوقت ( أو حركة وطنية عربية بالمفهوم الحديث ، وهي لم تكن قائمة بعد ). ومع ذلك ، يقول المنطق أن المشروع الصهيونيَ أجهض إقامة سيادة عربية في هذه البلاد يلعب بها دورا أساسيا من أصبحوا يسمون فيما بعد الفلسطينيون ، وعندما طالبت الحركة الصهيونية بمكانة لها في هذه البلاد فقد تم ذلك على حساب السكان الفلسطينيين وحركتهم الوطنية مما أدى إلى نشوء صراع حقيقي قائم حتى هذا اليوم .

          وبصورة مشابهة ، يمكن الإشارة إلى تعقيد آخر من الصراع بعد تطلع الملك عبد الله في العقد الرابع من هذا القرن إلى ضم يهودا والسامرة إلى مملكته ( التي أصبحت تسمى فيما بعد الضفة الغربية للمملكة ) الأمر الذي أدى إلى بداية صراع حقيقي بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين الأردن لاعتقادهم أن نجاح الأهداف الهاشمية يعني تدمير طموحاتهم . وما جرى خلال حرب عام 1948 كان شراكة إسرائيلية أردنية على حساب الفلسطينيين .

          ومن غير المناسب طرح حرب عام 1948 ، بكل بساطة ، على أنها حرب بين إسرائيل وبين العرب لأنها  كانت حرب بين إسرائيل والعائلة الهاشمية من جانب وبين المصريين والفلسطينيين من الجانب الآخر . وأدى الصراع والمواجهة بين الإسرائيليين والأردنيين وبين الفلسطينيين إلى خلق الشراكة الإستراتيجية الإسرائيلية – الأردنية التي عبر عنها في حرب عام 1948 والتي بلورت بدرجة كبيرة نتائج تلك الحرب. وحول الحاضر  شهدت العقود السابقة استمرار الصراع المركب بين إسرائيل والحركة الوطنية الفلسطينية وفي نفس الوقت استمر الصراع مع نظام الحكم الهاشمي . وعلى هذه الخلفية أعيدت منذ عام 1967 الشراكة الاستراتيجية القوية بين إسرائيل والأردن ضد عدوهم التاريخي المتمثل بالحركة الوطنية الفلسطينية . وخلال الصراع بين إسرائيل والفلسطينيون برزت مشكلة اللاجئين من عام 1948 ، ولا يطالب هؤلاء بحق العودة إلى الضفة الغربية بل يطالبون بالعودة أساسا إلى حدود إسرائيل ، وعلى هذه الخلفية سيزداد ويتعمق الصراع مع الفلسطينيين لأن أحلامهم تعتبر بالنسبة لنا كوابيس . وفي المقابل ، ومنذ تلك الأيام تأسس وتعمق  الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية وبين والأردن ، وخلق ضم الأردن للضفة الغربية في عام 1950 أحد أهم مكونات الهجرة الجماعية من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية بتشجيع من النظام الأردني ، وتدريجيا أصبح في الأردن  حقائق ديمغرافية لا يمكن تجاهلها يشكل فيه  الفلسطينيون ثلثا سكان الضفة الشرقية ، ومنذ اصبح هؤلاء أغلبية خلقت ظروف للصراع الشامل غير القابل للحل ، على الأقل في المرحلة الحالية . ويدرك الملك أن نجاح الحركة الوطنية الفلسطينية في طرح نفسها كممثل لكل الشعب الفلسطيني في كل أماكن انتشاره يعني انهيار  نظام الحكم الهاشمي .

          وعلى خلفية الصراع المتواصل  بين إسرائيل والأردن وبين الفلسطينيين تجددت الشراكة الفعالة بين إسرائيل والأردن خصوصا بعد عام 1967 واعتبرت م. ت. ف العدو  المشترك . وحول المستقبل علينا الحذر لأننا نعلم لمن أعطيت النبوءة بعد خراب البيت ( الأردن ) . وحول المستقبل فإن الوضع مرتبط بصورة كبيرة بطابع القيادة الوطنية الفلسطينية بغض النظر من يقودها بل المهم هو التوجهات الوطنية العامة لهذه القيادة . وحتى الان ما زالت القيادة الفلسطينية ( منذ أوسلو وما حدث بعد ذلك ) تتمسك بحقوقها اتجاه الفلسطينيين في الأردن وفي نفس الوقت تتمسك بأهدافها داخل إسرائيل ( في حدود الخط الأخضر ) .

          وحول أهداف م. ت. ف  داخل إسرائيل فهي تتعلق بحق العودة والنضال ضد الطابع اليهودي لدولة إسرائيل  وفي هذا المجال لا بد من ذكر ما يمكن أن يشكل مشكلة خطيرة لإسرائيل في العقد القائم وهم ” عرب إسرائيل ” وبصورة أدق الفلسطينيون في إسرائيل وهي المشكلة الأعقد والأصعب بالنسبة لنا في الصراع العربي الإسرائيلي .  

          وحول الأردن تصر م.ت.ف على أنها الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني أينما تواجدوا من ضمنهم فلسطينيي الضفة الشرقية . وفي خطوة غبية اعترفت إسرائيل بـ م.ت. ف بعد التوصل إلى اتفاق أوسلو  واعتبرتها  ممثلة للسكان الفلسطينيين غربي النهر  ( أي في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة) على أمل حل النزاع الذي برز  بعد عام 1967 . ومن الناحية المبدئية  فإن من يوافق على أوسلو عليه أن يوافق على انعكاساته المستقبلية . وعلى أية حال ، لا يوجد شك بأن  إسرائيل اعترفت بأن م.ت.ف هي  ممثل الشعب الفلسطيني . ويدرك الأردنيين مغزى هذا الاعتراف ، وعلى هذه الخلفية من المهم دراسة ملاحظة الياكيم روبنشتاين بخصوص الخوف الأردني من الاتفاق أوسلو .

          وطالما بقيت الحركة الوطنية الفلسطينية تتمسك باستراتيجيتها المذكورة أعلاه فإن الصراع سيبقى مستمرا بين إسرائيل والأردن وبينها . وعليه ، يجب استمرار الشراكة بين الطرفين لمواجهة هذا التهديد . ويعلم الجميع مقولة Predictions arevery difficult, particularly those concerning the future  . وفي الوقت الحاضر  لا يمكن إثبات الأقوال التي نتحدث عنها ، فالحركة الوطنية الفلسطينية لا تريد تغيير إستراتيجيتها الوطنية نتيجة وجود مشكلة حقيقية تتمثل بلاجئي عام 1948 الذين لا يوجد لهم حل ضمن الظروف الحالية ، وتمسك الفلسطينيين ما زال قويا جدا بأهدافهم – قرية معينة أو منطقة معينة – المتمثلة بحق العودة إلى المناطق التي خرجوا أو طردوا منها ( أي العودة إلى داخل الخط الأخضر  ). وبالإضافة إلى ذلك لم تحقق القيادة الفلسطينية ، رغم الثمن الباهظ جدا من المعاناة والمآسي الوطنية التي مر بها الشعب الفلسطيني ، أهداف الحد الأعلى التي وضعوها لأنفسهم ولم تستغل فرص تاريخية متكررة  للتوصل إلى حلول وسط( وهناك حركات وطنية قليلة جدا توافق على الحلول الوسط ) . وقد توفر للفلسطينيين حلول وسط بعد المأساة الوطنية التي حلت بهم في عام 1948 لكنهم لم يستغلوها . وفي هذه الأيام لم توضح بعد فشل أو نجاح الفرصة التاريخية السانحة ألان . ولأن الأهداف الاستراتيجية الفلسطينية غير قابلة للنجاح نتيجة عدم قدرتهم على تدمير إسرائيل من الداخل أو الأردن من الخارج وفي نفس الوقت يتمسكون بأهدافهم الاستراتيجية ذلك يشير إلى استمرار شجب هذا التوجه من قبل الأطراف الأخرى للمثلث المذكور أعلاه . وعليه ، فإن استمرار التهديد الفلسطيني للأردن وإسرائيل يعني استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين .

          وطالما بقيت الحقائق المذكورة أعلاه سارية المفعول فإن الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والأردن ستبقى . وهناك كثير من الإسرائيليين الذين يفقدون أحيانا التحليل العام لا يدركون الحاجة  – وما يترتب على ذلك من حلول -  إلى هذا التحالف . لكنهم في نهاية الأمر – باستثناء واحد سأذكر اسمه لاحقا – يدركون انه لا يوجد أمامهم خيار آخر .

          وعشية حرب عام 1948 وبعدها ، ظهر أشخاص من بينهم إسحاق بن أهارون الذين لم يدركوا ضرورة وجود شراكة استراتيجية مع الأردن ، وانتقد في بن اهارون عام 1949 بن غوريون لأن الأخير تنازل عن احتلال الضفة الغربية ، وأوقف العمليات ” التي من شأن استمرارها  تحريك خط الحدود إلى مكانه المناسب وفي نفس الوقت تحرير شامل للعرب من الظلم الأردني ، وطالب عدم تقسيم أرض إسرائيل إلى الأبد  وطالب من الكنيست رفض اتفاق الهدنة مع الأردن لكن بن غوريون حسم الأمر لصالح الشراكة مع الأمير عبد الله والسلالة الهاشمية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية .

          وفي هذا الإطار  من الجدير التذكير في أمر كاد ينسى، فبعد حرب الأيام الستة اعتقد التيار المركزي في مباي وأحدوت هعفوداه أنه يجب عقد تسوية مع الفلسطينيين ومع عناصر مرتبطة بالحركة الوطنية الفلسطينية وليس مع الأردن ، وكان يغيئال الون أبرز الشخصيات المعارضة للتحالف مع الهاشميين في عامي 1948 و 1949 . كما عملت الجهات المركزية في الحكومة مثل ليفي أشكول وغولدا مئير ويسرائيل غاليلي من أجل التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين ( حتى أن الون تحدث عن دولة فلسطينية عضوا في الأمم المتحدة ، مع وضع قيود ثقيلة عليها ) ، لأن الأردن خيب الآمال بانضمامه للحرب ، والفلسطينيون هم الطرف الأضعف الذي يحتاج إلى حل أكثر من أي جهة أخرى  ، وبناء على ذلك يستحسن لإسرائيل التوصل إلى تسوية معهم ، لكن ألون غير موقفه بسرعة بعد أن أدرك أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية مع الحركة الوطنية الفلسطينية وأصبح من كبار مؤيدي الخيار الأردني . أما ديان وبيرس فلم يحاولا التوصل إلى تسوية مع الهاشميين وكان موقفهم معادي للأردن – ديان هذا التوجه فيما أيده بيرس في المرحلة الأولى وربما بدون أن يدرك الانعكاسات النهائية لهذا الموقف لكنه            

 

في نهاية الأمر تبنى وجهة نظر ديان -  وكان موقف بيرس معادي للأردن بصورة طبيعية ، وحتى هذا اليوم ما زال بيرس يحمل موقفا معارضا للأردن أحيانا ، ويعتبر الأردنيون بيرس ومعهم الحق في ذلك خطرا على المصالح الأردنية لأنه يفضل المصالح الوطنية الفلسطينية التي تزعج الملك الأردني كثيرا .

          وبعد توقيعه توقيعه على اتفاق أوسلو  تخلى رابين لفترة من الوقت لفترة من الوقت عن موقفه المؤيد للأردن ، لكنه لم يكن معاديا له . وجاء الحكم الأردني سريعا على رابين لأنه وقع على اتفاق يعتبر ضده ، وقيام أي طرف بتعزيز مكانة م.ت. ف  كممثل للشعب الفلسطيني يضعف بصورة  تلقائية الأردن ( استطاع الملك أن يعبر عن تأييده لـ م. ت.ف حين قال ” كلنا فدائيون ” قبل أحداث أيلول الأسود ) ، وفي مراحل متأخرة جدا أدرك رابين الضرر الخطير  الذي ربما يؤدي إلى انعكاسات بعيدة المدى على الأردن نتيجة توقيعه على اتفاق أوسلو  .

          ومن الجدير بالذكر أن جهات إسرائيلية تبنت في مراحل معينة شعارات تقول أن ” الأردن هو فلسطين ” معتقدين أن سيطرة  الحركة الوطنية الفلسطينية على المملكة الهاشمية وإقامة وطن قومي للفلسطينيين فيه سيعفي إسرائيل من حل غربي النهر ، ورغم أن إسحاق شامير صاحب هذا التوجه إلا أنه تبنى خلال حرب الخليج سياسية حذرة وعزز علاقاته مع الملك حسين لخوفه من سيطرت المتطرفين على نظام الحكم في الأردن ، ولولا  السياسية الإسرائيلية الحذرة  لما استطاع الملك حسين ونظام حكمه الصمود والعمل كشريك إستراتيجي لها على المدى الطويل .

          وفي النهاية ستبقى الشركة الإسرائيلية الأردنية نقطة ارتكاز مهمة جدا للاحتياجات الإسرائيلية الإستراتيجية ، وخصوصا عندما نصل إلى وضع تفاهم تقام فيه دولة فلسطينية . ومن مصلحة إسرائيل بقاء  الفلسطينيين ضعفاء وأكثر ارتباطا بالأردن . وفي نهاية الأمر فإن أفضل الطرق لمواجهة الأهداف الفلسطينية (تفضل إسرائيل عدم معالجتها بشكل مباشر  مع الفلسطينيين ) هو تعزيز مكانة الأردنيين الذين  يعلمون أكثر منا كيفية مواجهة التهديدات والمخاطر المشتركة . إذا ، سنحتاج إسرائيل دائما إلى الشراكة الأردنية لكن في نفس الوقت علينا البحث عن خيارات أخرى . والملاحظة الأخيرة ما قاله تشرشل, Goverments eventually do right thing not before They have explored all other options   . 

 

خلاصة

          أفضل بناء شراكة إستراتيجية مع حركة وطنية وليس مع مملكة ، لكن بما أن الحديث لا يدور عن حركة وطنية سويدية فإنني لا افضل التوصل إلى حل مع الحركة الوطنية الفلسطينية – لعلمنا من هو خصمنا – وهذا الطرح لا يعني أن الأردن كمملكة ليست مستقرة أو العكس . ففي الخمسينيات ذكر رئيس جهاز الاستخبارات أن ” أيام الملك حسين معدودة ” ومنذ ذلك التقرير وحتى هذا اليوم مر على   حكمه 40 عاما . ولو كان هناك من يتبنى موقف الملك في الشرق الأوسط لاخترت شريكا حسب المصلحة وترددت كثيرا بالشراكة مع الملك ، لكن في الظروف الحالية لا توجد لي مشكلة في التعاون السياسي مع الأردن .

          وفيما يتعلق بفلسطيني الأردن فإن ما يشغلني ليس أصلهم (  فلسطيني أو أردني ) بل هل يوافقون – بقناعة – على وجهة نظر سياسية معتدلة وحذرة وواقعية مثل الموافقة على وضع قيود عسكرية ثقيلة على دولة عربية في المناطق وعدم الانتماء إلى تيار  راديكالي وتبني وجهة نظر الملك حسين المعتدلة ، فإذا تم ذلك فلا توجد مشكلة حول أصول فلسطيني الأردن . ولو تبنى الفلسطينيون في الضفة الغربية موقفا من هذا النوع فلن تكون مشكلة معهم أيضا . لكن الواقع في الضفة الشرقية يتحدث عن عدم استقرار في المواقف السياسية لجزء كبير من السكان الموجودين فيها . وستطالب م. ت.ف في حال نجاحها  ببناء كيان قوي وناجح في الضفة الغربية إخلاص وموالاة السكان الفلسطينيين في الأردن،  الأمر الذي سيزعزع أسس المملكة الهاشمية ويخلق تواصل مخيف لكيان إسلامي متطرف أو كيانات متطرفة من كفار سابا حتى أفغانستان ، واعتقد انه لا تنقصنا مشاكل من هذا النوع .

          أمر أخير أريد التحدث حوله هي سلسلة الإجراءات الخلاقة التي قامت بها إسرائيل لمنع اجتياح الأردن سنة 1970 من دون أن تطلق رصاصة واحدة . وآمل أن كل حكومة في المستقبل تكون حكيمة مثل الحكومة التي كانت في عام 1970 بقيادة غولدا مئير ورابين والون وأن لا يكون هناك أشخاص مثل موشيه ديان وشمعون بيرس الذين رغبوا في انهيار النظام الأردني . وعليه ، برزت في إسرائيل مدرستان تحمل كل منها وجهات نظر متناقضة للأخرى ، وفي تلك الأيام لم نأخذ موقف بيرس على محمل الجد لكن خطواته التي سار عليها بعد ذلك تطلب أخذها بعين الاعتبار . ويدرك الملك حسين انه يستطيع الاعتماد على إسرائيل القوية لان وجودها قوية مصلحة أردنية عليا .

          وما زالت م. ت. ف تعتبر نفسها ممثلة لجميع وحول الفلسطينيين في لبنان والمنافي وتطالب بتطبيق بحق العودة لهم داخل إسرائيل . ولأسفي الشديد لا أستطيع التوسع في هذا الموضوع الذي اعتبره مركزيا من الدرجة الأولى .

          وحول أرئيل شارون أعتقد أن آرائه اليوم لا تدعو  إلى إسقاط النظام الهاشمي لأنه وصل إلى مرحلة ينطبق عليها مقولة Where you stand depends on where you sit  أي أن من يجلس على الكرسي في حكومة إسرائيل يرى المسألة بجميع عناصرها ويصبح اكثر التزاما من التصريحات السابقة التي أطلقها . وشارون بتأكيد ليس غبيا لأنه يعلم أنه لا يوجد أفضل من وجود دولة تعتبر حاجزا مع الدول المعادية ، وفقط الأغبياء  يرغبون بانهيار المملكة الأردنية .

 

  

 

الأردن والكيان الفلسطيني : كيان مشترك ؟

افرايم قام

          في هذه المحاضرة أنوي التطرق إلى الموضوع الأردني الفلسطيني من وجهة نظر الحاضر  لربطها بالمستقبل ، ومع ذلك سأطرح ملاحظة أو اثنتين عن الماضي . والمسألة الأساسية التي أود طرحها هي : هل يوجد احتمال قيام كيان فلسطيني أردني ، وربما إسرائيل كشريك ثالث ، مشترك ذو قدرة على الاستمرار  في المستقبل كجزء من الحل النهائي للمسألة الفلسطينية ؟ . يمكن القول أن طرح إطار لشراكة فلسطينية أردنية وربما إسرائيلية ليست جديدة ، وهي تطرح  بين الفينة والأخرى منذ ربع قرن . وبالنسبة لإسرائيل فهناك عدد من الشخصيات التي  تفضل مثل هذا الحل .

          وقبل الخوض في الموضوع لا بد من الإشارة أن الفكرة ليست إسرائيلية وغير جديدة ، ففي الماضي – وهي النقطة التي سأتطرق إليها – طرح مشروعان مهمان هما : مشروع الفيدرالية التي طرحها الملك حسين بعد إدراكه  أنه لن يعود إلى الضفة الغربية كما كانت عليه في عام 1967 ، وبحث حينها عن طرق لتطبيق الفكرة التي لم تلاقي قبولا من جميع الأطراف بما فيهم الفلسطينيون والإسرائيليون . وأثر هذا الرفض لم تعد الخطة تطرح على جدول الأعمال الأردني .  والنقطة الأخرى هي المفاوضات التي دارت بين م. ت. ف والأردن من عام 1983- 1985 وذلك لوضع تعريف لإطار مشترك بينهما ، ويذكر أن المفاوضات انتهت بين الطرفين بالتوقيع على اتفاق عمان في عام 1985 ، وأهم نقطة في الاتفاق هي أن الطرفين سيعملان سويا من أجل إقامة دولة فلسطينية ضمن إتحاد كونفدرالي ، وتم التوصل إلى الاتفاق نتيجة تقديم الطرفين تنازلات ، فالملك قدم تنازلا عن ، شيء لا يملكه عمليا ،  فكرة الفيدرالية من أجل إقامة اتحاد أقل ارتباط بالأردن ‘يمكن الفلسطينيين من العيش في دولتهم بشكل أو بآخر ، أما م. ت.ف فقدمت تنازلا بعد موافقتها على دولة ذات سيادة بكل معنى الكلمة مع إيجاد رابط مشترك مع الأردن ( لكن يجب ذكر الكلمات التالية ” دولة فلسطينية مستقلة في إطار كونفدرالي وهذا موقف م.ت.ف ) ، وذهب هذا الاقتراح أدراج الرياح بعد فترة ليست بعيدة .

          وعندما نبحث في موقف الطرفين منذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم نجد أن م.ت.ف ما زالت تؤيد فكرة الاتحاد الكونفدرالي ( في أي إطار ضعيف ) شريطة قيام دولة فلسطينية مستقلة  داخله . أما الأردنيين فقسم منهم غير مؤيد لهذه الفكرة وقبل عامين أو ثلاث قال الملك حسين لعرفات : اخرج من قاموسك فكرة الكونفدرالية ، لماذا ؟ سأشرح ذلك لاحقا .

            واليوم لا تتطرق م. ت. ف إلى فكرة الاتحاد الكونفدرالي ، وفي المقابل يرفض الأردن الحديث فيها حتى الان . ومن يحاول إحياء هذه الفكرة هم شخصيات إسرائيلية وعلى رأسهم رئيس الحكومة السابق شمعون بيرس الذي خصص فصلا خاصا عن الاتحاد الكونفدرالي الأردني الفلسطيني في كتابه شرق أوسط.  

 جديد . وذكر  بيرس في كتابه أن تطبيق الكونفدرالية هي أفضل الطرق للتوصل إلى حل نهائي للمسألة الفلسطينية ، وأوضح أنه يجب منح  الاتحاد صلاحيات جوهرية مهمة خاصة في مجال الأمن والسياسة الخارجية ، وبعد التوصل إلى حل يتم خلق إطار اقتصادي ثلاثي يضم الاتحاد الكونفدرالي الأردني الفلسطيني وإسرائيل . وشكك  بيرس بقدرة الكيان الفلسطيني على العيش بمفرده من دون ارتباط ما مع الأردن .  وعليه ، تفضل بعض الشخصيات الإسرائيلية منح الكيان الفلسطيني دعما أردنيا ليس فقط لأن لأنهم يستطيعون المساهمة في تأسيس بنية اقتصادية وسياسية للكيان المشترك بل لقدرتهم على تطوير الحياة الديمقراطية في الاتحاد  . ونظره مستقبلية هناك ميزات للإطار المشترك أن كان لإسرائيل أو للأطراف الأخرى ، وهذه الميزات هي :

 · يوجد للأردن وإسرائيل مصالح مشتركة في الضفة الغربية ، فتدخل الأردن في حكم الضفة الغربية سيساهم في تقليص المخاطر الأمنية والسياسية على إسرائيل والأردن ، أما فيما يتعلق بإسرائيل فإنه يفضل وجود ” كلب حراسة ” يحافظ على مصلحتها عندما تخرج من المناطق وتسلمها  للفلسطينيين.

 · يعتقد أن مصلحة إسرائيل الحيوية هي استقرار الكيان الفلسطيني مهما كان شكله ، لأن عدم الاستقرار سيشجع العناصر الإسلامية المتطرفة وغيرها على السيطرة عليه ولا توجد مصلحة لنا بذلك . وعليه ، فإن الأردن يستطيع أن يقدم خبرته وقدراته من أجل  تثبيت الكيان الفلسطيني والمحافظة على استقراره واقتصاده ، وفي نفس الوقت يستطيع الأردن المحافظة على  مصالحه التي سيعرضها الكيان الفلسطيني للخطر إذا كان مستقلا .

 · قال شمعون بيرس في كتابه أن الكيان الفلسطيني لن يكون له جيش حقيقي بل شرطة قوية أو شكل لقوة أخرى ، فعدم تمكين الفلسطينيين من تكوين جيش خاص بهم سيؤدي إلى خيبة أمل في صفوفهم ، ومن أجل عدم الوصول إلى خيبة أمل يكون الجيش الأردني جيش الاتحاد ومن داخل الحدود الأردنية يقود ، وفي نفس الوقت يستطيع الفلسطينيون القول أنه يوجد لهم جيش – الجيش الأردني الفلسطيني – موجود في الأردن .

 · هناك دعم لمثل هذا الاتحاد من قبل أطراف عديدة ، فالإسرائيليين عبروا عن تأييدهم لهذا الخيار و م .ت .ف لا تعارض وهناك شخصيات فلسطينية تؤيد أو أيدت هذه الفكرة ، كما أيد هذه الفكرة وبدون تحفظ الأمريكان والمصريين . ورغم أن الأردن لا يؤيد هذه الفكرة اليوم ويتحفظ منها ، إلا أن الملك يمكن أن يغير رأيه ويوافق عليها خاصة بعد موافقة جميع الأطراف عليها ،  لكن هذه الميزات مرتبطة بمسألة حاسمة هي : هل هذا الإطار يملك مقومات الحياة ؟ . وهل يستطيع الاستمرار ؟ . والأساس ، هل يمكن منح الاتحاد الكونفدرالي قوة حقيقية تؤدي إلى الميزات المذكورة أعلاه ؟.

 

ويعتمد فشل الاتحاد على أمرين مهمين هما :

الاحتمال الأول : تتحدث م. ت. ف بصراحة أنها تريد إقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل أي شيء وليس اتحاد كونفدرالي ، وإذا تطلبت الحاجة يمكن للدولة المستقلة أن تشارك في الاتحاد الكونفدرالي بعد قيامها بصورة مباشرة ، وحسب رؤية م. ت. ف يجب أن يكون الاتحاد هزيل وضعيف ورسمي بصورة كبيرة ، وإذا كان موقف م. ت. ف هكذا لماذا توافق على إقامة اتحاد كونفدرالي يكون مرجعية الدولة الفلسطينية ؟ . يبدو أن هناك اعتباران في موقفها هما : الاعتبار الأول ، إدراك م.ت.ف  أن هناك أعداد كبيرة  في إسرائيل ما زالت تعارض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وعليه من الممكن ترويج فكرة الدولة المستقلة إلى الرأي العام الإسرائيلي تحت غطاء كونفدرالي مع الأردن. أما الاعتبار الثاني فهو أن المرحلة الانتقالية ستمر بصعوبات كبيرة وغير بسيطة في المجالات  الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وعليه ، فإن السلطة الانتقالية ( الغير طويلة ) ستحتاج إلى التجربة الأردنية لتأسيس الكيان المنتظر ، وبعد ذلك تبقى كل الخيارات قائمة .

          ولا يوجد شك أن م. ت. ف لا تريد إسرائيل والأردنيين في المناطق. فالعلاقات بين الأردنيين و م.ت.ف كانت وما زالت مليئة بالشكوك . ورغم اللقاءات الحميمة بين الفينة والأخرى إلا أن الشكوك مبدئية منذ الأساس . فـ م.ت.ف لا تثق بالأردن ولا تود وجوده في المناطق . ويبدو لي أن م.ت.ف ستوافق في نهاية الأمر على الدخول في اتحاد مشترك مع الأردن لفترة انتقالية إذا تبين لها  أنه لا توجد أمامها خيار أخر . وفي هذه الحالة ستعمل م. ت. ف بكل ما في استطاعتها على استمرار هذا الإطار على طول الوقت وإفراغه من أي مضمون عملي .

الاحتمال الثاني : يعتمد نجاح هذه الفكرة على قدرة الأردنيين في التأثير على مجريات الأحداث في حال قيام إسرائيل بتسليم المناطق لكيان مشترك ، لكن يجب التذكير أن الأردنيين فقدوا كل مؤيديهم في الضفة الغربية بعد عدة سنوات من حرب الأيام الستة باستثناء أقلية ضئيلة – باستثناء مؤيديهم في القدس – وعددهم غير كبير . وعمليا ، لا يوجد للأردن أي تأثير نتيجة بروز جيل جديد لا يعرف الملك ولا السلطة الأردنية وهو يريد تحديد مصيره بيده وبالتأكيد لا يرغب بعودة الأردن .

          وعلاوة على ذلك فقد واجهت الأردن صعوبة في ضبط السكان عندما حكمت الضفة الغربية من عام 1948 إلى عام 1967 . واعتقد أننا لو لم نسيطر على الضفة الغربية في حرب الأيام الستة لما كانت الأردن موجودة اليوم لأن الفلسطينيين سيطردونهم من المناطق .

          وبإلاضافة إلى ذلك اعتقد أن ترك الأردن للضفة الغربية كان لصالحها ، وأسمح لنفسي بالقول               أن الله سبحانه تعالى عمل صالحا للنظام  الأردني عندما وفر ظروف خروجه من الضفة الغربية ، لأنه استطاع أن يجعل الأردن اكثر استقرارا وقوة فيها نظام الحكم مستقل أكثر بعد أن تخلت عن مشكلة كبيرة جدا كان من شأن إثارتها تعريض النظام الهاشمي للخطر .

          وعليه ، لا يوجد للأردن شيء تستطيع تسويقه أو اقتراحه في الضفة الغربية نتيجة عدم وجود قاعدة دعم له فيها ، ولا يوجد أي شك أن م.ت.ف ستطرد البقية الباقية منهم  في أية فرصة تتاح لها . وبناء على ذلك ،  يبدو أنه لن يكون  للأردن أي تأثير  في الضفة الغربية . وهناك سبب ثالث سلبي وهو أن قيام دولة فلسطينية مستقلة سيخلق تهديد حقيقي على الأردن رغم  المصالحات التي تجري  بين الفينة والأخرى بين قيادات الطرفين والدعم الأردني لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ، وعلى أية حال سيبقى الفلسطينيون مصدر التهديد – ليس اليوم بل على المدى البعيد – الوحيد للنظام الأردني وخصوصا بعد قيام الدولة أو الكيان الفلسطيني المستقل في المناطق .

          ويعبر الأردنيين عن قلقهم من قيام كيان فلسطيني لأن إقامته ستؤدي إلى اندفاع ( بأعداد كبيرة ) الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية الأمر  الذي سيؤدي إلى زعزعة التوازن الديمغرافي الهش في الأردن ويشكل فيه الفلسطينيين الأغلبية .

          واعتقد أن الخوف الأردني من وجود كيان فلسطيني مستقل ليس في محله رغم أنه قائم ، وهو ليس المشكلة الأساسية التي تواجه الأردن لأن مشكلته  الأساسية في حال قيام كيان فلسطيني هو التعاطف الوطني للسكان الفلسطينيين في الضفة الشرقية مع الكيان الفلسطيني المستقل .

          وعبر العقود السابقة اندمج جزء من الفلسطينيين بصورة أو بأخرى بالواقع الأردني ، أما البقية الباقية فهي غير منظمة أو نشطة . وحتى في أحلك الظروف فقد وقفت موقف سلبي ( أحداث أيلول الأسود 1970) من المذابح التي تعرض لها الفلسطينيين هناك ، ومن الممكن أن ينخرط الفلسطينيون  في إطار منظم  إذا وجدت مرجعية للهوية الوطنية مثل قيام كيان فلسطيني ( إذا قام ) لأنه  سيطالب تمثيل كل الفلسطينيين الموجودين في المناطق وخارجها بمن فيهم القاطنين في الأردن . وحسب اعتقادي فإن الوقت غير بعيد لنشوء مشكلة ضخمة جدا للنظام الأردني ، لأن قيام نظام فلسطيني مستقل سيؤدي إلى تنظيم جزء من فلسطيني الأردن ، وربما قيام عمل سري داخله . وعلى أية حال من الممكن أن يتطور الوضع المعقد الذي اعتاد عليه الأردن طوال سيطرته على السكان الفلسطينيين. ومصدر الخطر  الحقيقي الذي سيواجهه الأردن هو خلق ربط بين أهداف  الفلسطينيين في الضفتين وبين أهداف الحركات الإسلامية  المتطرفة . وهذا الخطر  ليس موجود اليوم بل سيتعرض له الأردن في المستقبل . 

          وأعتقد أن النظام الأردني يدرك هذا الخطر جيدا ، وربما كان السبب الذي دعا الملك حسين إلى القول لعرفات آنسا فكرة الحكم الذاتي وأخرجها من قاموسك .

          وفي نهاية الأمر فإن الاتحاد الكونفدرالي أو أي إطار أخر يحمل إيجابيات ، لكنني أعتقد أنه سيكون خاليا من أي تأثير أردني نتيجة فقدان تأثيرهم في المناطق ، وحتى ولو كان هناك تأثير سيعمل الفلسطينيين بكل ما أوتوا من قوة لإضعافه وأبعاده . وإذا تم تشكيل اتحاد كونفدرالي فإن الفلسطينيين سيعملون على بقائه إطار ضعيف وحبر على ورق طالما بقي مريحا ذلك لهم أو شعروا أن الاتحاد لا يشكل خطرا عليهم . لكن عندما يتوصلون إلى خلاصة أن ذلك زيادة ولا حاجة له وأن الاتحاد حقق الأهداف المطلوبة منه مثل نقل السلطة من إسرائيل إليهم بصورة كاملة فإني أعتقد أنهم سيعملون على إلغاء الاتحاد  الكونفدرالي بصورة رسمية ، إذا حدث ذلك فأنني أقدر أن إسرائيل لا تستطيع الرد وإعادة الوضع إلى سابق عهده لأن ذلك قرار فلسطينيا .

          وفي جميع الأحوال فإن وجود اتحاد ضعيف بين الأردن وبين الدولة الفلسطينية سيكون تقريبا بدون فوارق عن الاستقلال الكامل . وأقول هنا ” تقريبا ” من باب الحذر فقط . أما أخطر الإمكانيات فهو – حتى ولو كان للإطار أي مضمون – قيام الطرف الفلسطيني في الاتحاد باستخدامه بقصد خلق آلية لمس استقرار النظام الهاشمي . وأعتقد أن أغلبية القادة في إسرائيل معنية باستقرار وبقاء النظام الهاشمي لأن وجود هذا النظام مهم جدا للأمن القومي الإسرائيلي .

          خلاصة القول يمكن تقسيم فلسطينيي الأردن إلى عدة أجيال هم : الجيل الأول الذي قدم إلى الأردن في العقد الثالث والرابع من هذا القرن يعتبرون أنفسهم أردنيين بكل معنى الكلمة مثل عائلة الرفاعي التي تقلد ثلاث من أبنائها رئاسة الوزراء وينظر إليهم على أنهم أردنيين بكل معنى الكلمة وليسوا من صفد ، أما  الجيل الثاني الذي قدم بعد حرب الاستقلال وقبل وبعد حرب الأيام الستة فهم  يقفون في منتصف الطريق فبعضهم اندمج بالحياة الأردنية ويرون مصالحهم باستمرار  وجود الأردن أما  الجيل الثالث والذي قدم إلى الأردن في وقت متأخر جدا فيعتبر نفسه فلسطينيا بكل معنى الكلمة .

          وأعتقد أن أردنة الفلسطينيين ستستمر بدون إزعاج في المستقبل وستصبح بعد جيل أو جيلين ذات هوية أردنية بصورة أو بأخرى . لكنني أشرت إلى إمكانية حدوث تراجع في ذلك نتيجة قيام كيان فلسطيني مستقر يعتبر نفسه مرجعية كل الفلسطينيين من ضمنهم الذين فقدوا الإحساس بفلسطينيتهم أو الذين لم ينشطوا في هذا المجال . وإذا تم ذلك فإن المسيرة ستتوقف وربما تخلق ظروف عدم استقرار للنظام في المستقبل .

 

 

إسرائيل ، الأردن ، والفلسطينيون : الصعوبات والشكوك

شموئيل سندلر

          يبدو  أن الأسباب التي حركت الملك حسين للدخول في المفاوضات مع إسرائيل هي خوفه من قيام الأخيرة بطرح البديل الأخر ( الفلسطينيون ) ، ويعود الخوف إلى الجو المليء بالشكوك والصعوبات الذي عاشته العائلة المالكة وعلى رأسهم الملك ، حيث كان عليه أن يمتص التهم الطبيعية  الموجهة له من قبل السياسيين في الشرق الأوسط . ويخشى الملك أن تقوم إسرائيل مع مرور الوقت بطرح بديل على حسابه  يكون فيه الفلسطينيين شركاء طبيعيين لها  .

          ومن أجل توضيح أقوالي سأطرح مثالا على الشك والحذر في السياسية الدولية تعلمته من البروفيسور نيسان اورن حين ذكر أن التواجد الأمريكي في الحرب الأهلية في روسيا بدء بعد الحرب العالمية الأولى ، وهناك من يقول بأن المواجهة الأمريكية السوفيتية بدأت عندما أرسلت الأولى وحدة عسكرية إلى سيبيريا لمحاربة  الشيوعيين ، لكن الحقيقة – حسب أقوال أورون – هي أن القوات الأمريكية أرسلت إلى سيبيريا لمراقبة شيئا ما سيحدث على حدود واليابان ويتعلق بروسيا  الآسيوية الأمر الذي أقلق أمريكا أكثر  من الخطر الأحمر في ذلك الوقت .

          والنتيجة التي أرغب التوصل إليها هي أنه لا تتم مراقبة الأعداء  فقط، بل الأصدقاء أيضا . وعليه ، أعتقد أن أحد الأسباب التي دعت الملك الحسين للانضمام إلى مسيرة السلام بعد أوسلو هي خشيته من قيام إسرائيل بالتوجه نحو الفلسطينيين في سياستها الخارجية ، ومن ذلك عليه الحذر . وبناء على ذلك تضمن اتفاق السلام بنود لمنع مثل هذا الخيار ، ولو كنت أردنيا وملما في سياسة موشيه ديان في المناطق لقلت أن الإسرائيليين سذج أو أنهم يطرحون خيار آخر بعد سماعهم على سبيل المثال إجراء انتخابات للسلطات المحلية في يهودا والسامرة في عام 1976 . ولا يوجد نقص في الأمثلة المثيرة لشكوك الأسرة الهاشمية فقد سمعوا مقولات مثل ” الأردن هو فلسطين” وشاهدوا عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على إنهاء الانتفاضة ، وسمعوا قيادات إسرائيلية رفيعة المستوى تصرح أن إنهاء الانتفاضة لن يتم إلا بطرق سياسية فقط . ولو كنت أردنيا لاستشعرت الخطر من تطورات الوضع الجدي. فالياكيم روبنشتاين تحدث عن إعادة الثقة من جديد بين إسرائيل والأردن في بداية التسعينات بعد حرب الخليج . ومع ذلك فلو كنت مكانهم لبدأت أشك من جديد في إسرائيل بعد توقيعها اتفاقات أوسلو .

          وعلى هذه الخلفية أعتقد أن علينا البحث في أحد الخيارات المطروحة أمامنا والمتعلقة بالمثلث الإسرائيلي – الأردني – الفلسطيني ، وأحد هذه الخيارات سمعناها بوضوح من دان شيفتن ومن افرايم قام بصورة أخرى لكنها متحفظة أكثر ويمكن وصفها مثل ” الساندويتش ” أو الكبح . وحسب     وجهة النظر هذه فإن على الأردن وإسرائيل أحكام السيطرة على الكيان الفلسطيني بعد أن يتطور إلى أقل من دولة أو حكم ذاتي واسع وعدم منحه أية فرصة  للتوسع لان أي توسع لهذا الكيان سيعرضنا للخطر الشامل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البروفيسور شموئيل سندلر : مدرس للعلوم السياسية في جامعة بار ايلان ومن كبار باحثي مركز بيغن السادات ومحاضر  في معهد الديمقراطية والمواطنة .

 

 

ونتيجة لوجود تطلعات تاريخية وأقليات فلسطينية في الأردن وإسرائيل فلا يوجد شك أنها ستطالب بانتمائهم إلى الكيان الفلسطيني ، وبالإضافة إلى ذلك توجد حركة وطنية فلسطينية شابة ومليئة بالحيوية ولها تطلعات نحو التوسع على حسابنا ولن تكتفي بـ20% من أراضي إسرائيل الغربية إلا إذا تم كبحها بعكس الحركة الصهيونية القائمة منذ زمن بعيد وهي حركة محافظة ومرهقة .

          وما زالت فكرة ” الساندويتش ” هي الفكرة المسيطرة على المؤسسة الأمنية الوطنية في إسرائيل،  لكننا نسمع أصوات تطالب البدء بالخيار الثاني : أي توجه في السياسية الإسرائيلية الخارجية نحو الفلسطينيين فالتقارب بين النخبة الإسرائيلية والفلسطينية سيؤدي مع مرور الوقت إلى بداية خيار جديد. وأي من هذان الخياران سيساهمان  أكثر  في المصالح الوطنية الإسرائيلية ؟ . وفي التحليل القادم سأطرح أربعة ميزات لكل خيار .

ما هي الاعتبارات التي تؤيد الخيار الأردني :

   ·   الأردن شريك قديم

 · يقول المثل عدو عدوك صديقك ، ويعتبر هذا المثل أحد القواعد القديمة جدا في العلاقات الدولية،    وبناء على ذلك توجد للأردن وإسرائيل مصلحة مشتركة في كبح الطموحات الفلسطينية .

 · إذا خيرت إسرائيل بين نظام حكم أردني محافظ ونظام حكم فلسطيني ذوى توجهات إصلاحية فإنها ستختار نظام حكم محافظ لسببين هما شرعية وجودها وتحالفنا مع الولايات المتحدة التي تفضل بشكل عام دعم أنظمة الحكم المحافظة .

 · على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان إمكانية انهيار النظام الهاشمي ، لأنها ستقف حينها في مواجهة أنظمة حكم عربية إسلامية متطرفة تبدأ من طولكرم  وتمتد إلى باكستان وأفغانستان . والحد الأدنى من الأمن الإسرائيلي يتطلب أن يكون نهر الأردن الحدود الأمنية من الشرق . وتكون الأردن دولة فاصلة لها شرعية في العالم العربي والإسلامي ، وفي عصر الصواريخ هناك أهمية للعمق الإستراتيجي ورأينا ذلك في حرب الخليج

  أما الاعتبارات المؤيدة للخيار الفلسطيني

   ·   حركة وطنية لا يمكن إبادتها

   ·   يشكل الفلسطينيون  60% من سكان الأردن  شاء من شاء وأبى من أبى ، وعليه يفضل عدم الوقوف مسبقا مع الطرف المنتصر

 · من المهم  أن يكون التوجه الفلسطيني ، كحركة وطنية ، في الضفة الشرقية وليس في الضفة الغربية والفلسطينيين – وليس الأردنيين – هم بوابة دخول إسرائيل إلى العالم العربي ، والأردنيون لا يستطيعون منحنا ما قدمه الفلسطينيون لنا ومثال على ذلك اتفاق أوسلو  الذي مكن  إسرائيل من الدخول إلى كل الشرق الأوسط تقريبا .

          وعندما أحاول تحديد المصلحة الإسرائيلية في العالم العربي بصورة فعالة ، فإنني أفضل الخيار الأردني  على الخيار الفلسطيني لان دولة مع مشاكل أمنية مثل إسرائيل لا تستطيع أن تختار لنفسها الخيار الثاني.

          والسبب الإستراتيجي الآخر الذي يدعوا إلى تفضيل الخيار الأردني هو أننا ما زلنا نعيش بدون استقرار في ظل التهديد الدائم ، وسوف نعرض للخطر الأمن الوطني الإسرائيلي إذا تمت المراهنة على الخيار الفلسطيني . وللأسف الشديد ما زال الشرق الأوسط مليء بالمخاطر والانقلابات الأمر الذي سيعرض  وجودنا للخطر إذا فضلنا الفلسطينيين على المملكة الهاشمية .

          وفي النهاية نسمع في الآونة الأخيرة  تصريحات عن تراجع قدرة إسرائيل واستعدادات الجيش الإسرائيلي ، ومثل هذه التصريحات تؤثر بصورة سلبية على قدرة الردع الإسرائيلية أمام سوريا ، أي أننا نصبح أكثر ضعفا ونشجع الطرف الثاني القيام بضربة مفاجئة . وقد طرحت هذه الفقرة لأنها تؤثر على الأردن ، لأننا كلما أصبحنا ضعفاء أكثر فإن قدرتنا على ردع حتى الأردن ستمس وسيبدأ الطرف الأردني بالتشكيك في قدرة حليفته إسرائيل . بصيغه أخرى يؤدي المس بقدرة الردع الإسرائيلية إلى تأثير مضاعف ، فمن جهة سنفقد قوة الردع اتجاه أعدائنا ، ومن الجهة الأخرى اتجاه حلفائنا – مثل الأردن – الذين سيعتقدون أنه لا يوجد طرف يعتمدون عليه . وعلينا أن نتذكر جيدا أن الأردن لم يشارك بصورة مباشرة ضدنا في الحرب . وعمليا كان الأردن أول دولة يخرج من عجلة الحرب ضد إسرائيل رغم أن السلام الرسمي وقع معها في عام 1994 ، وعليه ، ما زلنا في بداية مسيرة ستنتهي بعد التوصل إلى اتفاق مع سوريا ولبنان .  

 

 

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash