أكتوبر
04
في 04-10-2010
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    3,662 مشاهده

كتب هذا البحث  بفترة تمر فيها العلاقات التركية الإسرائيلية في أزمة عميقة، حيث يسود شعور في أوساط إسرائيلية عديدة بفقدانها لتركيا. ويعتقد أن العلاقات بين الدولتين ستشهد تأزما لن تعود بعدها إلى ما كانت عليه فترة التسعينيات من القرن الماضي، لدرجة يشك فيها بإ مكانية إستمرار العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. ويثير التقارب التركي-السوري والتركي-الإيراني خشية  إسرائيل من إمكانية تشكيل محور تركي إيراني سوري.

جامعة تل أبيب

مركز أبحاث الأمن القومي

 مذكرة رقم 104

 

 

 

 

 

فرضيات جديدة في

سياسة تركيا الخارجية والأمنية

وإنعكاسات ذلك على إسرائيل

 

 

 

 

 

 

غاليا ليندنشتراوس

 

ترجمة

هيئة التوجيه السياسي والوطني

يوسف غنيم 

 

 

الفهرس

مدخل

3

الفصل الأول

6

السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية

6

الفصل الثاني

12

مكانة تركيا بالساحة العالمية

12

العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية  

12

علاقات تركيا مع الناتو

13

العلاقات التركية –الروسية

14

علاقات تركيا بالإتحاد الأوروبي

15

تركيا وتغير ميزان القوى الدولي

18

العلاقات التركية الهندية

18

الفصل الثالث

20

التطورات الإقليمية  

20

العلاقات التركية –العراقية  

20

العلاقات التركية الإيرانية

21

العلاقات التركية السورية

22

العلاقات التركية–الإسرائيلية

23

الفصل الرابع

28

تحديات  مباشرة  

28

توحيد قبرص 

28

المشكلة الكردية

30

إنعدام العلاقات الديبلوماسية مع أرمينيا

32

خلاصة  وإستنتاجات

35

الانعكاسات على العلاقات الإسرائيلية–التركية   

38

 

مدخل

كتب هذا البحث  بفترة تمر فيها العلاقات التركية الإسرائيلية في أزمة عميقة، حيث يسود شعور في أوساط إسرائيلية عديدة بفقدانها لتركيا. ويعتقد أن العلاقات بين الدولتين ستشهد تأزما لن تعود بعدها إلى ما كانت عليه فترة التسعينيات من القرن الماضي، لدرجة يشك فيها بإ مكانية إستمرار العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين. ويثير التقارب التركي-السوري والتركي-الإيراني خشية  إسرائيل من إمكانية تشكيل محور تركي إيراني سوري.

الهدف من هذا البحث هو الوقوف عن الأسباب التي أدت لحدوث هذه المتغيرات خاصة منذ صعود حزب العدالة والتنمية  ذو التوجهات  الإسلامية  للسلطة عام 2002 .

ونتيجة لذلك، توجد ضرورة لدراسة معمقة للوقوف على أسباب تراجع  العلاقات بين الدولتين في ظل سياسة الوساطة التي تتبعها تركيا في المنطقة والتي توليها أهمية بالغة. وعليه، يجب تفهم الغضب التركي من بعض السياسات التي تنتهجها إسرائيل والتي تعتبرها تركيا مضرة بتوجهاتها.

على أية حال، يتطلب نقاش السياسة الخارجية التركية في ظل حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية دراسة نهج وزير الخارجية التركي أحمد  داوود أوغلو، الذي عمل منذ تعيينه في عام 2003 ككبير المستشارين للشؤون الخارجية على انتهاج سياسة خارجية مبادرة وفاعلة تستند إلى ركيزتين: الاولى، تأثير تركيا في المنطقة بحكم موقعها الجغرافي، الأمر الذي يمنحها إمكانية التأثير بشكل كبير، وهو التأثير الذي لم يستثمر إلى اليوم بشكل جيد. والثاني، العمل على حل الإشكاليات القائمة مع المحيط تسعى من خلاله تركيا إلى  التخلص من اعتقاد ساد خلال المرحلة الماضية بأنها محاطة بالأعداء وعليها الإستعداد لذلك بشكل دائم.

في غضون ذلك، عملت تركيا على زيادة تأثيرها الخارجي من خلال معالجة مواضيع جديدة لم تتدخل بها سابقا مستخدمة قوتها الناعمة. هناك إسترجاع للماضي العثماني، وتوجه لدى الأتراك  للمساهمة  في حل الصراعات في المناطق التي خضعت لسيطرتهم في الماضي.

يؤكد الأتراك أن توسيع علاقاتهم الخارجية في المنطقة لا يأتي على حساب العلاقات مع أوروبا، بل يعتقدون أن تحسين وضعهم في الشرق الأوسط  يؤثر إيجابا على الدول الغربية.

 

التغييرات في السياسة الخارجية  التركية أدت الى :

  1. تقوية وضع تركيا بالمحافل الدولية وخاصة بمنطقة الشرق الأوسط .
  2. منحت تركيا إمكانية المشاركة بالجهود لحل نزاعات مهمه بالعالم .
  3. زيادة مبادلاتها التجارية .

 

كما أن التخلص من فكرة الدول العدوة المحيطة أدى إلى:

  1. تقارب بين سوريا وتركيا بعد  سنوات من العداء  كانت ستؤدي إلى إندلاع حرب بينهما.
  2. تقدم  بالعلاقات بين تركيا وأرمينيا من خلال التوقيع على بروتوكول للعمل على إقامة علاقات دوبلوماسية وفتح الحدود بين الدولتيين.

 

بعد النجاحات الأولية لهذه السياسة صرح وزير خارجيتها أن تركيا تطمح الى اقصى درجة من التعاون مع الدول المحيطة بها وعدم الإكتفاء بحل الخلافات معها فقط. 

 

مقارنة للعلاقات الإسرائيلية التركية في تسعينيات القرن الماضي وخلال حكم حزب العدالة والتنمية: وصلت العلاقات التركية الإسرائيلية لذروتها في تسعينيات القرن الماضي. وتراجع العلاقات بين الدولتيين حدث بعد التغيير السياسي في تركيا نتاج تراجع المصالح المشتركة بين الدولتيين. حيث تنتهج تركيا سياسة علاقات منفتحة على العالم، في حين تنتهج إسرائيل سياسة علاقات منغلقة نتاج الإنتقادات المستمرة التي تواجهها من العالم بسبب سياساتها مع الفلسطينيين.

وأدى الإختلاف بأنماط العمل الخارجي بين الدولتيين (نتاج الوضع الداخلي والدولي) إلى صدامات بين إسرائيل وتركيا، وصل حد الرغبة بقطع علاقاتها بإسرائيل. ينبع هذا التوجه من السياسة التركية التي تعمل على المحافظة على قنوات مفتوحة مع كل دول منطقة الشرق الأوسط.

 

العلاقات التركية-الإسرائيلية: توصيات رئيسية

  1. تحتاج اسرائيل إلى العلاقة مع تركيا، وهو أمر ليس بجديد ولا يعتبر مشكلة، إذ أن العلاقات بين الدول غير متناظرة، لذا على إسرائيل العمل بشكل دائم للحفاظ على العلاقات مع تركيا .
  2. ستواصل تركيا إنتهاج سياسة التوفيق والحوار بين الدول. وعلى إسرائيل أخذ هذا الموضوع بعين الإعتبار والإهتمام به .
  3. أي تراجع إضافي في العلاقات الإسرائيلية-التركية أو قطعها يزيد بشكل كبير عزلة إسرائيل في المنطقة. نظرا لأهمية العلاقات بين البلدين يجب تنسيق المواقف بين وزارات الدولتين. كما أن العلاقة مع تركيا لا تخضع لإعتبارات إئتلافية نظرا للإجماع القائم بإسرائيل حول أهمية العلاقة مع تركيا.
  4. إحدى النقاط المضيئة في العلاقات التركية الإسرائيلية، إنها لا تعتمد على التعاون الأمني فقط، بل تشمل الجانب الإقتصادي والمدني. وعلى إسرائيل العمل على تطوير العلاقات على المستوى المدني وتشجيع المستثمرين من الطرفين للإستفادة من منطقة التجارة الحرة.
  5. على ضوء تراجع مكانة تركيا في أوساط الجمهور الإسرائيلي يجب العمل على توضيح الأهمية الإستراتيجية لهذه العلاقات.
  6. تحسين العلاقات بين إسرائيل وتركيا سيتحقق نتيجة لتقدم المفاوضات بين إسرائيل وسوريا ومع الفلسطينيين إذا تم إشراك تركيا بها. لذا من الخطأ إستخدام مفهوم وسيط موضوعي، بل يجب البحث عن  وسيط فاعل.
  7. يمكن لإسرائيل التعلم من سياسة تركيا الخارجية المبادرة، من أجل المساهمة في حل المشاكل التي تواجه إسرائيل، إضاقة إلى تحسين صورتها الدولية. كذلك يمكن التعلم من السياسة الخارجية التركية حول دور القادة في حل الصراعات والنزاعات.

  الفصل الأول

 السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية

 

تشكل حزب العدالة والتنمية بعد حظر حزب الفضيلة الإسلامي عام 2001، حيث إنقسم حزب الفضيلة إلى تياران، تشكل من إحداهما حزب العدالة والتنمية (عام 2001 وشارك في الإنتخابات العامة في نفس العام) وهويمثل التيار الإصلاحي المعتدل.

على الرغم من كون حزب العدالة والتنمية وريث حزب الرفاه إلا أن قيادته تفضل تعريفه كحزب محافظ ديمقراطي لا إسلامي، ولا يسعى الحزب إلى المحافظة على الوضع القائم حيث يشدد على ضرورة إجراء تغييرات بنيوية تهدف لضم تركيا للإتحاد الأوروبي. وهناك نقاش حول طبيعة الحزب نظرا لكون معظم قياداته من الإسلاميين. لكن ذلك لم يمنع من وجود تيار داخل الجيش التركي وفي أوساط النخب العلمانية الذين يرون بتوجه حزب العدالة والتنمية للدخول إلى الإتحاد الأوروبي كغطاء للأجندة الإسلامية التي يتبناها الحزب.

في الإنتخابات التركية العامة عام 2002 نجح حزبان بتجاوز نسبة الحسم العالية والتي كانت 10% هما حزب العدالة والتنمية (34.3%) وحزب الشعب الجمهوري (19.4%) من مجموع الأصوات. ونظرا لدخول حزبان للبرلمان التركي استطاع حزب العدالة والتنمية تشكيل حكومة منفردا. الأمر الذي أثار إنتقادات داخلية نظرا لعدم إشراك قطاعات واسعة من الشعب التركي في البرلمان. وكان تشكيل حكومة من لون واحد من أبرز القضايا نظرا للصعوبات التي واجهت عمل الحكومات السابقة نتاج تعدد توجهات الأحزاب التي شكلتها. وفاجئ الفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات الجميع حتى قيادات الحزب الذين لم يستعدو لهذه النتيجة. وكان لجزء من قيادة الحزب تجربة بالعمل السياسي المحلي مثل زعيم الحزب رجب طيب أردوغان حيث شغل رئيس بلدية إسطنبول، لكن 90% من أعضاء البرلمان الذين تم إنتخابهم كانوا جدد.

علينا قراءة نتائج الإنتخابات التركية على خلفية عشرات قضايا الفساد التي تم كشفها بتركيا  وميل الناخبيين الأتراك إلى معاقبة الأحزاب السياسية التقليدية، حيث اشتبه بالثراء الفاحش للعديد من القيادات السياسية من خلال التلاعب بألاموال العامة وعدم إفساحهم المجال أمام تطور وظهور قيادات جديدة مؤهله للعمل في المجال السياسي. وهنالك ارتباط بين نتائج الإنتخابات والأزمة الإقتصادية الحادة التي عانت منها تركيا من سنوات 2001-2002 حيث إنخفضت مؤشرات البورصة وتراجعت قيمة الليرة التركية ووصل التضخم المالي في الفترة الواقعة بين 1993-2002 إلى 70%.

ورغم نجاح حزب العدالة والتنمية في الأنتخابات، ساد تخوف بأوساط قيادات الحزب من إمكانية إسقاط الحكومة من قبل الجيش، نظرا لسوابق الجيش في اسقاط حكومة أربكان عام 1997. وكانت هذه التخوفات كبيرة في بداية عمل الحكومة، حتى أن رئيس الحزب أردوغان لم يكن بإستطاعته الترشح لعضوية البرلمان وإشغال منصب رئيس الحكومة بسبب إتهامه بالتحريض على الكراهية عام 1998 -بعد أشهر من إنتخابات عام 2002- إلا أن تم إدخال تعديلات على القانون سمح له بإشغال هذه المناصب.

تنبع شعبية أردوغان من شخصيته القوية ومسيرة حياته الشخصية، حيث نشأ في حي شعبي فقير بإسطنبول وإستطاع بقواه الذاتية تطوير وضعة الإجتماعي. الأمر الذي مكنه من تفهم إحتياجات الطبقات الفقيرة. كما أنه وخلال رئاسته لبلدية اسطنبول نجح بإدارتها ومنح الجوانب الخدماتية والعملية أولوية على الجانب الأيديولوجي. كذلك انتزع أردوغان ثقة ناخبيه الإسلاميين من خلال إيجاد تسويات داخلية. الأمر الذي مكنه من التقدم لمركز الخارطة  السياسية.

وفي انتخابات 2007 حصل حزب العدالة والتنمية على تأييد شعبي واسع  وصل إلى 47% من أصوات الجمهور، مكنت الحزب من المحافظة على أغلبية برلمانية (340 من 550 مقعد) ألا أن عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب كانت أقل من الدورة السابقة نتاج دخول حزب أضافي للبرلمان (حزب العمل الوطني). وفي الانتخابات المذكورة، لم يطرأ أي تغيير على حجم التأييد الذي حظي به حزب الشعب الجمهوري الذي تحالف مع حزب اليسار الديمقراطي   على أمل أن يساهم ذلك بزيادة  قاعدته الإنتخابية.

يذكر أن تقديم الإنتخابات عام 2007  -بضعة أشهر- تم على إثرالأزمة  التي نشأت بتركيا بسبب ترشيح حزب العدالة والتنمية وزير الخارجية أنذاك عبدلله غول رئيسا للجمهورية. حيث اعتبر الجيش التركي تعيين غول وهو مسلم متشدد ترتدي زوجتة الحجاب، مسا خطيرا بالنظام العلماني السائد في تركيا.

وفي شهر نيسان عام 2007 عمم الجيش التركي عبر موقعه الإلكتروني تحذيرا للحكومة التركية يطالبها بوقف نشاطات الأسلمة التي تنتهجها، حيث أعتبر هذا البيان تهديد ومحاولة من الجيش للإنقلاب على الحكومة. الأمر الذي زاد من شعبية الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية. وساد شعور عام بأن الحزب وقع ضحية أزمة إنتخاب رئيس الجمهورية التي جاءت بعد بيان الجيش وإلغاء المحكمة الدستورية الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية.

 ولم يتمكن الجيش من التأثير على مجريات الأمور من خلال الوثيقة التي عممها. حيث تبين منها أن هناك تراجعا في مكانته مقارنة بفترة 1997 الذي إستطاع فيها إسقاط حكومة أربكان دون إستخدام القوة. كذلك لا بد من الإشارة إلى الأسباب الرئيسية التي ساهمت بزيادة شعبية حزب العدالة والتنمية وهي: نجاح الحزب بخلق إستقرار إقتصادي وزيادة النمو بشكل ملحوظ بين السنوات 2002-2007 بمعدل 7% سنويا، وبروز نخبة إقتصادية جديدة كان منها إسلاميين دعموا توجهات حزب العدالة والتنمية.

وأدى التأييد الشعبي لحزب العدالة والتنمية في إنتخابات 2007 إلى زيادة ثقة قيادته السياسية في مواجهة الجيش. وبسبب ضعف مكانة الجيش إستمرت الإشكاليات المرتبطة بالعلاقة بين الجيش والمجتمع التركي رغم تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة.

وفي شهر أذار عام 2008 قدمت دعوى للمحكمة الدستورية للمطالبة بوقف نشاطات حزب العدالة والتنمية بسبب خروجه عن القيم العلمانية. وفي شهر آب رفضت المحكمة هذه الدعوى. ورغم ذلك، وبأغلبية عشر قضاة أقرت المحكمة بأن سياسات حزب العدالة والتنمية لا تتفق مع القيم العلمانية، في حين وجد ستة قضاة ذلك أساسا لحظر الحزب، فيما عارض ذلك سبعة قضاة.

وفي عام 2007، كشفت مجموعة (سميت قضية أركنجو) من أحد التنظيمات اليمينية الوطنية السرية، تعمل على خلق حالة من التوتر داخل تركيا تمهيدا لإسقاط حزب العدالة والتنمية. وكان من ضمن المتهميين بهذا المخطط متقاعدين عسكريين وصحفيين وسياسيين ورجال أعمال. ورغم التهم الموجهة لأفراد التنظيم، ساد في أوساط النخب العلمانية أن حزب العدالة والتنمية استغل هذه القضية بهدف إضعاف التوجهات العلمانية والحد من الإنتقادات الموجهة للحزب بسبب سياساته الإسلامية. وفي مطلع عام 2010 تم الكشف عن قضية جديدة سميت بـ (المطرقة الثقيلة) حيث اتهم قادة  بالجيش التركي بوضع خطة تفصيلية عام 2003 للإنقلاب على الحزب بواسطة تنفيذ نشاطات أمنية تمس المواطنيين بهدف خلق إنطباع عام بأن حزب العدالة والتنمية غير مهيء للإهتمام بالجانب الأمني.

 

السياسة الخارجية التركية خلال حكم حزب العدالة والتنمية: لم تملك غالبية قيادات حزب العدالة والتنمية خبرة في السياسة الخارجية، لذا كان لداوود أوغلو تأثيرا كبيرا في رسم السياسة الخارجية التركية منذ العام 2003 عندما شغل منصب مستشار رئيس الحكومة للشؤون الخارجية، حيث نجح بإقناع أصحاب القرار في تركيا بتبني سياسة خارجية تستند إلى العمق الإستراتيجي، وتبني سياسة صفر مشاكل، وحد أقصى من التعاون.

ولم يتم حصر هذه التوجهات بالإطار الحكومي فقط، بل تم نقلها إلى الصحافة التركية والعالمية. الأمر الذي أكسبها الأنتشار والقوة من خلال تغلغلها بالرأي العام التركي والدولي. يستند مفهوم العمق الإستراتيجي الذي ترتكز علية السياسة الخارجية التركية إلى عنصرين هما: الأول، الموقع الجغرافي للدولة. والثاني، العلاقات والصلات التاريخية بالمنطقة.

ويشكل موقع تركيا الذي يربط بين أسيا وأوروبا بريا من ناحية جغرافية حيث ترتبط بعلاقات تاريخية مع منطقة البلقان والشرق الأوسط ووسط أسيا، الأمر الذي مهد لها لعب دور محوري في المنطقة المحيطة بها. كذلك لا يمكن لتركيا الإكتفاء بلعب دور الوسيط في المنطقة، بل عليها العمل على توفير الأمن والإستقرار بالمناطق المحيطة بها. إضافة لكل ذلك، هنالك التزام تركي نحو المناطق التي خضعت تاريخيا للإمبراطورية العثمانية. الأمر الذي يشير إلى أن سياسة العمق الإستراتيجي التركي تعبر عن العثمانية الجديدة. ونتيجة لذلك، من الواضح أن السياسة الخارجية التركية المستندة على مفهوم العمق الإستراتيجي وانعدام المشاكل، هي سياسة فاعلة وطموحة تتجاوز السياسة التركية التقليدية.

سياسة العمق الإستراتيجي وحل المشاكل الأقليمية تعبر عن استخدام تركيا لطاقاتها الكامنة دون الحاجة لإستخدام القوة، وعن استفادتها من العلاقات جديدة بين تركيا ودول المنطقة المحيطة بها. وعلى ضوء ذلك، يجب عدم  رؤية السياسة الخارجية التركية وفق مفهوم صراع الحضارات الذي طرحه هانتنغتون. ونجاح النموذج التركي الإسلامي وقدرته على المساهمة بحل النزاعات الإقليمية والعالمية، سوف يكون بديلا لمفهوم هانتنغتون.

كانت تركيا إحدى الدول المشاركة بالمبادرة الأسبانية (تحالف الحضارات) المدعومة من الأمم المتحدة، بهدف إنشاء مشاريع تعاون بين الحضارات. ومن الضروري الإشارة في هذا السياق إلى تشديد أوغلوا على إنتماء تركيا للحضارة الإسلامية وعلى موقع تركيا المركزي في هذه الحضارة، من أجل فتح الطريق أمام تركيا للعب دورها الحقيقي على الصعيد الدولي من خلال تعزيز مكانتها بالحضارة الإسلامية.

وحتى تتمكن تركيا من الإستفادة من مفهوم سياسة العمق الإستراتيجي عليها العمل على حل النزاعات التي تشارك بها بشكل مباشر، لأن سياسة (صفر مشاكل) التي تنتهجها تركيا تهدف بالإساس إلى حل النزاعات التي تواجه تركيا مع جيرانها خاصة القريبة لحدودها. لذلك، فإن حل المشاكل قضية ممكنه وليست مطلوبة، وهذا يناقض السياسة القديمة التي إستندت إلى أن تركيا محاطة بالأعداء وعليها أن تكون جاهزة دائما للمواجهة. وفي إطار السياسة القديمة كان هناك تخوف دائم من إمكانية تآمر قوى خارجية على تركيا الأمر الذي أدى  إلى إنعدام الأمن الأساسي لها. غير أن السياسة الجديدة أخرجت تركيا من دائرة الخوف من القوى الخارجية ومكنتها من المبادرة للعمل على حل الإشكاليات القائمة مع جيرانها.

وادت سياسة “صفر مشاكل” إلى تحسن العلاقات التركية السورية التي شهدت توترا لسنوات طويلة وإلى توقيع بروتوكول للتبادل الدبلوماسي وفتح الحدود مع أرمينيا .

سياسة العمق الإستراتيجي وصفر مشاكل تختلف كليا عن السياسة الخارجية للجمهورية التركية بعد وثناء الحرب الباردة وعن السياسة التي إنتهجتها بعد انتهاء الحرب الباردة لسنوات، حيث اعتمدت السياسة التركية الخارجية بشكل تقليدي على الإنسحاب إلى الداخل مع التشديد على الوضع القائم والمحافظة على حدودها بأسيا الصغرى. والسبب الرئيسي لهذه السياسة هو خشية تركيا من  محاولة الدول العظمى تقسيم الأراضي التركية من جديد. وفي سنوات الجمهورية كان لكلمات مصطفى أتاتورك “سلام بالبيت وسلام بالخارج” دور في صياغة السياسة الخارجية التي لم تساهم في حل أي مشاكل لدول أخرى. الخروج الوحيد عن سياسة تركيا الُمحافظة على الوضع القائم كان بتدخلها العسكري في قبرص عام 1974. وعلى أية حال، عبرت سياسة العمق الإستراتيجي عن حالة خروج عن السياسة التقليدية التركية اتجاه الشرق الأوسط بعد سنوات من الأهمال والسلبية .

أثناء الحرب الباردة أنضمت تركيا الى تحالفات غربية مناوئة للسوفييت الأمر الذي ساهم بإبتعادها عن  بعض الدول العربية. وفي خمسينيات القرن الماضي انضمت لحلف بغداد. وفي ستينيات القرن الماضي تغيرت السياسة التركية بعد التطورات في قبرص وبعد حرب الأيام الستة، حيث ازداد التضامن التركي مع الفلسطينيين. لكن ذلك لم يمنع استمرار السياسة الخارجية التركية بالإبتعاد عن الأحداث في الشرق الأوسط ولم تكن مبادرة. وبعد الأزمة النفطية بسنوات وفي سبعينيات القرن الماضي زاد تأثير السياسة العربية على تركيا. ورغم ذلك، ظل تأثيرها في سياسات الشرق الأوسط ضعيف. وأثناء الحرب العراقية الإيرانية سمح النظام العراقي لتركيا بالتحرك داخل المناطق العراقية لمحاربة الأكراد الذين إتخذو من شمال العراق ملجأ لهم، وقامت بذلك دون أن تتدخل بمجريات الحرب.

ورغم مرتكزات السياسة الخارجية التركية المذكورة، إلا أنه حدث تحول في هذه السياسة خلال ولاية تورغوت أوزال (1998-1993) حيث ركز الاهتمام التركي على المناطق الأسيوية التي استقلت بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي، من أجل وضع موطئ قدم فيها. الأمر الذي أدى لتوتر العلاقات التركية الإيرانية بسبب النموذج الذي ستتبناه هذه الدول للحكم. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط فقد وقع التحول بسياسة تركيا عندما شاركت في الإئتلاف الدولي ضد العراق عام 1991. الأمر الذي جر لإنتقادات داخلية بسبب ما ترتب على هذه السياسة من نتائج إقتصادية نتاج إغلاق الحدود مع العراق ووقف التبادل التجاري.

وأثناء ولاية أربكان (1996-1997) والذي كان أول رئيس حكومة ذات خلفية إسلامية  برزت دعوات لإنشاء حلف عسكري إسلامي ولتعزيز العلاقات مع الدول العربية دون اهمال التوجهات الغربية لتركيا. ونظرا لفترة الحكم القصيرة التي شغلها أربكان لم يطرأ أي تغيير على السياسة الخارجية سوى بعض الزيارات الرسمية للدول العربية.

ما يميز السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية عن السياسة الخارجية لحكومة أوزال وأربكان يتمثل باهتمام الحزب بالتنمية للجمع بين سياسة خارجية فاعلة تطمح الى زيادة التأثير بالمنطقة وببن مفاهيم أيديولوجية تعتمد على تعميق الحضارة الأسلامية من خلال تقوية مكانة تركيا بها. ولم تكن الجهود التي تبذلها تركيا حاليا في حل المشاكل الإقليمية بهذا المستوى في السابق. ولم يكن بالإمكان تعزيز مكانة تركيا في المنطقة بالقوة العسكرية. وعلى أية حال، خرجت السياسة الخارجية التركية لحزب العدالة والتنمية عن السياسيات التي وضعها أتاتورك، ومن سار على نهجه فيما يلي:

  1. التخلص من فكرة أن تركيا محاطة بأعداء، والعمل على حل المشاكل مع المحيط وتفعيل التعاون المشترك.
  2. التقرب من الماضي العثماني ومحاولة الإستفادة منه في العلاقات الخارجية، عكس التوجهات القديمة التي عملت على الإبتعاد عن هذا الماضي قدر المستطاع .
  3. السياسة التركية الحديثة لا تحصر ذاتها ضمن المحور الغربي بل تعمل على إيجاد حلفاء مع أطراف دولية أخرى.
  4. الميزة الأخيرة للسياسة الخارجية التركية الحديثة ركزت على النمو الإقتصادي. حيث احتلت تركيا في عام 2008 رقم 15 من حيث القوة الإقتصادية عالميا. ودفع احتياجات تركيا من الطاقة إلى توسيع الأسواق الخارجية، زعماء حزب العدالة والتنمية إلى توثيق علاقاتهم مع دول كانت تربطها بتركيا علاقات ضعيفة. ومن المفيد النظر إلى التطورات الإقتصادية على ضوء سياسة الخصخصة التي إنتهجها أوزال الذي شغل منصب رئيس الوزراء بسنوات الثمانينيات والتي أدت إلى إنتاج طبقة إجتماعية جديدة متدينة في معظمها وزاد تأثيرها فترة حكم حزب العدالة والتنمية.

وعموما لا يمكن فهم السياسة الخارجية التركية من دون دراسة الواقع الدولي الذي سمح لها بإنتهاج سياسة خارجية مستقلة وفاعلة. والتي جاءت نتاج تفكك الإتحاد السوفيتي والانتقال من مجتمع دولي ثنائي القطبية إلى مجتمع دولي تهيمن علية دولة واحدة (الولايات المتحدة الأمريكية). وخلقت أحداث 11 سبتمبر صراع جديد بين الغرب والإسلام. لكن  الرافضون للتشائم وتعميم الأحكام، يجدون بتركيا جسر للتفاهم بين الغرب والعالم الإسلامي. وعل أية حال، تراجع مكانة أمريكا بعد غزو العراق عام 2003 وإنهيار الدولة العراقية وتراجع مكانة الدول العربية التقليدية أعطى إمكانية زيادة التأثير الإيراني والتركي في المنطقة.


الفصل الثاني

مكانة تركيا بالساحة العالمية

العلاقات التركية الأمريكية

بعد إنتهاء الحرب الباردة خشيت تركيا من تراجع مكانتها (كدولة حاجز) وتراجع ميزاتها الجغرافية، لكن أحداث 11 سبتمبر غيرت الأوضاع الإستراتيجية، بعد إعلان جورج بوش الابن عن دول محور الشر، الأمر الذي أعاد تركيا من جديد لعب دور الحاجز في الصراع. واحتاجت أمريكا مساعدة تركيا لها في حربها بأفغانستان والعراق. غير أن، غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وما ترتب عليها من نتائج أدت إلى تراجع في العلاقات بين الدولتين، نتيجة خوف تركيا من أن تؤدي الحرب في العراق إلى إقامة دولة كردية في شمال العراق، أضافة إلى الشعور العام الذي ساد الشارع التركي المناهض لأمريكا بعد الغزو. وساهم رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية الدخول البري إلى الأراضي العراقية عبر الأراضي التركية، في توتير العلاقة بين الدولتين.

نشر تركيا 10000 جندي على طول حدودها مع العراق والسماح للطائرات الأمريكية بالتحليق في الأجواء التركية لتزويد القوات الأمريكية بالمؤن لم يلغ التعامل مع تركيا كحليف مخلص للولايات المتحدة وقت الحاجة.

كذلك هناك خوف تركي من أن التعاون بين الولايات المتحدة والأكراد في شمال العراق والذين تحولو لحلفاء مخلصين للولايات المتحدة بالعراق أن ينعكس على أكراد تركيا نفسها، خاصة بعد إعلان حزب العمال الكردي استئناف العمل المسلح ضد تركيا عام 2004، حيث  ادعت تركيا أن الولايات المتحدة والسلطة الكردية في شمال العراق لم تعملا بما فيه الكفاية لوقف العمليات من شمال العراق. كما مارست الولايات المتحدة ضغوطا على تركيا للتوقف عن العمل بشمال العراق بشكل أحادي لمنع تدهور الأوضاع في المنطقة الأكثر إستقرارا بالعراق.

وجاءت نقطة التحول في العلاقات التركية الأمريكية بعد زياراتين ناجحتين قام بها أردوغان في نهاية 2007 وبداية 2008. وتنيجة لهاتين الزيارتين وتعميق التعاون الأمني بين الدولتين  سمحت الولايات المتحدة لتركيا بشن هجمات جوية وبرية على شمال العراق.

إنتخاب أوباما لرئاسة الولايات المتحدة والزيارات الناجحة التي قام بها وقامت بها وزيرة خارجيتها بعد فترة زمنية قصيرة من أنتخابه أدت إلى تغيير في الرأي العام التركي تجاه الولايات المتحدة. وخلال الفترة السابقة تحاول الولايات المتحدة تحسين صورتها بالعالم الإسلامي من خلال مجموعة خطوات نحو العالم الإسلامي من ضمنها تركيا، التي زارها أوباما عام 2009 واقترح نموذج لتعاون تركيا والولايات المتحدة  يمكن بواسطته التغلب على الفوارق الدينية والثقافية بيت أوروبا ذات الأغلبية المسيحية والعالم الإسلامي. وحدد محللين أتراك الفرق بين بوش الذي تعامل مع تركيا كدولة إسلامية معتدلة وأوباما الذي تحدث عن تركيا كدولة علمانية ديمقراطية وصلت إلى ذلك بقواها الذاتية. وكانت هذه الرسالة تعبيرا عن تنازل الولايات المتحدة عن سعيها لإدخال الديمقراطية بالشرق الأوسط.

وبعد بداية إنسحاب الولايات المتحدة من العراق الذي بدا بالإنسحاب من المدن العراقية عام 2009 تواصل تركيا ولو من الناحية اللوجستية لعب دور مركزي للولايات المتحدة في المنطقة ضمن إطار سياسة الوساطة والحوار، حيث تحاول ابراز إمكانياتها للتوفيق بين التيارات العراقية، خاصة لثقة السنة بها. كما أن بداية الإنسحاب من العراق تخلق أرضية لتجاوز نقطة الخلاف التي بدأت مع الغزو الأمريكي للعراق.

 

علاقات تركيا مع الناتو

بعد إنتهاء الحرب الباردة طرح على حلف الناتو مجموعة من الأسئلة حول إستمرارية وجوده والأهداف التي سيعمل على تحقيقها مستقبلا. حيث تم الإتفاق على توسيع عضوية الناتو وإستبدال المهمات التي كان يقوم بها والتي تمثلت بتوفير حماية جماعية لأوروبا الى القيام بمهمات على مستوى العالم. وأدت هذه التغيرات إلى خشية بعض الدول ومن ضمنها تركيا من تخلي الناتو عن التزامه بكل ما يتصل بالأمن الجماعي لأعضاء الحلف. وقد أشتكت تركيا من رفض بعض الدول الأعضاء بالناتو من توفير نظام دفاع صاروخي من  1991-2003 لمواجهة أي هجوم عراقي.

كما إحتجت لعدم تعامل بعض الدول الأوروبية مع حزب العمال الكردي كحزب إرهابي قبل وقف هجماته على أهداف تركية. وهنالك تخوف تركي أن يؤدي التغيير في أهداف الحلف إلى المس بعلاقاتها مع روسيا. وتشارك تركيا روسيا -بشكل جزئي- مخاوفها من إمكانية ضم جورجيا وأكرانيا إلى حلف الناتو ومن بناء قواعد عسكرية أمريكية ببلغاريا ورومانيا لأن ذلك سيؤثر على مكانة روسيا وتركيا كدول مهيمنه في البحر الأسود.

هنالك إختلاف واضح لدى دول الأعضاء بالناتو في تحديد أهدافه، فدول شرق ووسط أوروبا تعتقد أن مهمة الحلف هي بالعمل على الحفاظ على دوره بالدفاع عن الدول الأعضاء من أي إعتداء خارجي. أما دول غرب أوروبا فتعتقد أن مهمة الناتو هي العمل على تطوير قدرات الإتحاد الأوروبي الدفاعية. أما الولايات المتحدة فتتعامل مع الناتو كأداة من أدوات العمل المتعددة لتحقيق مصالحها على المستوى العالمي.

ونظرا للفروقات بين الدول هنالك تخوفا تركيا من عدم القدرة على توحيد موقف الدول للدفاع عن مصالحها عندما تستدعي الضرورة ذلك.

بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق سينتقل الثقل الرئيسي لعمل حلف الناتو إلى أفغانستان  من خلال زيادة التواجد الأمريكي هناك. ورغم أن تعداد الجيش التركي هو الثاني بالحلف، إلا أنها أعربت عن تحفظها للعمل في أفغانستان خشية أن يؤدي ذلك التدخل إلى المس بعلاقاتها مع الدول الإسلامية، خاصة إيران. ولم تشارك القوات التركية في الحرب ضد طالبان وإقتصر دورها على حفظ الأمن بأفغانستان .

وبلإضافة إلى ذلك، تخشى تركيا من أن توسيع مهمات حلف الناتو سيؤدي لخلق أجواء توتر مع الدول الغير عضوة بالحلف. ومع ذلك، هنالك تناغم بين سياسات الناتو وتوسيع مهماته والسياسة الخارجية التركية القائمة على التنسيق وفتح الحوارات بين الدول المختلفة لحل النزاعات القائمة -ابتعدت عنها تركيا في الماضي- مثل دورها في فتح حوار بين أفغانستان وباكستان إستنادا إلى ثقة الدولتين بتركيا.

 

العلاقات التركية –الروسية

أثناء الحرب الباردة أعتبرت تركيا الإتحاد السوفيتي تهديد مركزي، لكن وبعد إنتهاء الحرب طرأ تحسن في العلاقات بين الدولتين.  وفي عام 2008 كانت روسيا الشريك التجاري الأول لتركيا وخاصة بعد تزويد روسيا الغاز الطبيعي لتركيا، إرتباط تركيا بالطاقة الروسية يمنعها من إتخاذ مواقف هجومية إتجاهها. كذلك تلعب سياسة الحوار الذي تنتهجه تركيا دورا محوريا في منطقة جنوب القوقاز وتحافظ بذات الوقت على تقاربها مع الدول الغربية والعلاقات المتطورة مع روسيا. وفي هذا الصدد قال أوغلوا أن الأمور بالنسبة لتركيا ليست أبيض أو أسود ،تحسين علاقاتنا مع أوروبا لا  يعني أضعاف علاقاتنا بروسيا.

كان للحرب بين روسيا وجورجيا عام 2008 إنعكاسات متداخلة على العلاقات التركية الروسية. حيث وضع الرد الأوروبي الضعيف على الأحداث تركيا أمام تساؤل هو: هل يمكن أن تحافظ على تأثيرها بمنطقة جنوب القوقاز وإستمرار تزودها بالطاقة الروسية في ظل عضويتها بالناتو؟. لذا إقترحت تركيا إنشاء قاعدة للتعاون والأستقرار في البلقان أيدتها روسيا وأذربيجان وأرمينيا. مع ذلك يمكن للسياسات الروسية بجنوب القوقاز أن تؤدي لصدام مستقبلي بين الدولتين.

ساعدت الحرب ضد جورجيا في تحويل تركيا للعب دور مركزي في نقل الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط، حيث وقعت في عام 2009 في أنقره على إتفاق لبناء خط لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين والشرق الأوسط إلى أوروبا عبر الأراضي التركية. وكان الهدف الأساسي للدول الغربية من هذا المشروع تقليص الإعتماد على الغاز الروسي. وفي شهر 8 عام 2009 واثناء زيارة بوتين لتركيا تم التوقيع بين البلدين بأن يمر الغاز الروسي الذي يضخ إلى أوروبا عبر بلغاريا بالمياه الإقليمية لتركيا. وهناك شك بإمكانية تنفيذ المشروعين، لكن الحقيقة الواضحة بأن المشروعين المتنافسين يخطبان ود تركيا، التي لم تجد تناقض بين المشروعين حيث تجد ان حاجتها المستقبلية من الطاقة تستدعي إستمرار تدفق الغاز الروسي إضافة إلى مصادر أخرى لتغطية الطلب المتزايد على الطاقة.

  

علاقات تركيا بالإتحاد الأوروبي

موافقة الإتحاد الأوروبي عام 2004 على فتح حوار لضم تركيا للإتحاد أعتبر من الإنجازات الديبلوماسية لحزب العدالة والتنمية في ولايته الأولى، كما اعتبر إنجازا للإدارة الأمريكية حيث ضغط بوش على بعض الدول الغربية للبدأ بهذا الحوار. ويعود حماس حزب العدالة والتنمية لدخول السوق الأوروبية للسببين هما:

  1. يعتقد قادة الحزب أن إدخال اصلاحات ليبرالية ستؤدي لتقوية مكانة الحزب من خلال إضعاف مكانة الجيش بالسياسة.
  2. الاصلاحات الليبرالية ستخلق ثقة متبادلة داخل مكونات المجتمع التركي.

 

رغم بداية الحوار لضمها للإتحاد الأوروبي لم تقدم تركيا للأوروبيين كل الإلتزامات المطلوبة منها، إضافة لبعض الإشكاليات الرئيسية مثل القضية القبرصية، وإعتراف تركيا بالمسئولية عن مذابح الأرمن، وإحترام حقوق الإنسان في تركيا، ورفض الرأي العام في بعض الدول الأوروبية وبعض قادة أوروبا انضمام تركيا، إضافة إلى الوضع السياسي الداخلي في تركيا نفسها. من جانبها، لا تعتقد تركيا أن هذه القضايا تحول دون إنضمامها للإتحاد الأوروبي، ويصرح السياسيون الأتراك من الحكومة والمعارضة صراحة أنهم يريدون جوابا صريحا من الاتحاد الأوروبي حول ضمها للأتحاد أم لا.

 

وتعتبر المسألة القبرصية أحد المشاكل الرئيسية التي تحول دون إنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، في حين قبلت قبرص كاملة للإتحاد الأوروبي عام 2004،لكن ومن الناحية العملية ضم الجزء اليوناني للإتحاد فقط بسبب فشل محادثات توحيد الجزيرة،بذلك أصبح القسم القبرصي اليوناني يتمتع بحرية التصويت ضد إنضمام تركيا للإتحاد. من جهتها ترفض تركيا الربط بين حل المسألة التركية وبين إنضمامها للإتحاد الأوروبي. ويستندون في رفضهم إلى أن القبارصة اليونانيين هم الذين رفضوا خطة عنان عام 2004. وتشتكي تركيا من العزل الإقتصادي والسياسي للقبارصة الأتراك رغم تصويتهم لصالح توحيد الجزيرة. ونتيجة لذلك رفضت تركيا رسو البواخر القبرصية اليونانية والطائرات في الموانىء التركية رغم اتفاق توحيد الجمارك بين تركيا والإتحاد الأوروبي والذي يشمل قبرص اليونانية.

يعتبر اعتراف تركيا بالمذابح التي أرتبكت بحق الأرمن من القضايا الشائكة بالنسبة لتركيا، حيث يعتقد البعض أن هذا شرط غير مكتوب لإنضمام تركيا للإتحاد. وسبق للعديد من البرلمانات أن اعترفت بالمذابح التي أرتكبت بحق الأرمن منها البرلمانين الفرنسي والسويدي والبرلمان الأوروبي. ولا ترى تركيا بالمطلب الأوروبي محقا نظرا لعدم إعتراف هذه الدول بالجرائم التي أرتكبتها إثناء استعمارها لدول العالم.

ورغم تحسن وضع حقوق الإنسان في تركيا ما زال هناك اختلاف بالمعاير المتبعة في تركيا عن تلك المتبعة في الإتحاد الأوروبي، الذي ينتقد بند 301 من قانون العقوبات التركي الذي يعاقب على أهانة القومية التركية. ويعتبر هذا البند مس بحرية التعبير. يذكر أن هذاالبند عدل عام 2008، إلا أن هذه التعديلات لم تقنع الأوروبيين حيث يعتبروا التعديلات التي أدخلت غير جوهرية ويطالبوا بإلغاء البند. كذلك هناك نقد أوروبي للتمييز السلبي ضد أكراد تركيا.

الخشية من دخول الأتراك للإتحاد لدى الرأي العام الأوروبي ولدى قطاع من قيادات الاتحاد ينبع من أن تركيا ستصبح في عام 2015 أكبر دول الاتحاد من حيث عدد السكان الأمر الذي سينعكس على دورها في مؤسسات الإتحاد الاوروبي والبرلمان الأوروبي. إضافة إلى أن هنالك نمو كبير للجاليات الإسلامية بأوروبا دون إرتباط ذلك بتركيا .

ورغم الحديث عن وجود إختلاف بين الأتراك والأوروبيين من ناحية قيمية، يتبين من إستطلاعات الرأي في تركيا أن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من أولويات الشارع التركي. لكن اوروبا تعتقد أن الاتراك لن يتحولوا لأوروبيين، بل يدور الحديث عن أسلمة للاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى ذلك، تعارض النمسا وفرنسا وألمانيا بشدة إنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، بينما تؤيد ذلك بريطانيا والدول الإسكندنافية ودول شرق أوروبا.

ولا تصطدم فكرة إنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي بالمعيقات المذكورة أعلاه فقط، بل هناك عائق يتمثل بتذمر دول أعضاء بالإتحاد ،خاصة الدول العريقة، من عمليات توسيع الإتحاد خلال الفترة الماضية والتي جاءت بشكل سريعة جدا.

تمارس الولايات المتحدة ضغوطا على الدول الأوروبية لضم تركيا للإتحاد الأوروبي، وربما تساعد الشعبية التي يحظى بها أوباما في إدخال تركيا للإتحاد الأوروبي. رغم ذلك أشار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أثناء لقاء مع أوباما عام 2009 إلى ضرورة أن يكون لتركيا  دور في أشارة واضحة منه لرفضه ضم تركيا للأتحاد الأوروبي.

ويشكل الوضع الداخلي في تركيا المتمثل بصعوبة خلق توازن بين الجيش والمجتمع عقبة أخرى أمام انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، حيث تجد القيادة العسكرية نفسها كمدافع عن أرث كمال أتاتورك وتعمل على كبح وصول أي حزب ذو توجهات دينية إلى السلطة. والإتهامات المختلفة المرتبطة بصلة قيادات من الجيش بمؤامرة إسقاط حزب العدالة والتنمية  أوجد خوفا لدى جهات خارجية على الإستقرار الداخلي في تركيا. الأمر الذي أسهم في تقليل فرص انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي.

وترتبط مسألة انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي بتوجهات الإتحاد العامة، بعد التوسع الذي طرأ علية خلال المرحلة الماضية، الذي أوجد توترات داخلية ووضع الإتحاد أمام تحديات جديدة. والسؤال المركزي الذي يقف أمامه الإتحاد الأوروبي اليوم هو: هل الهدف من توسيع الإتحاد إقامة قطاع إقتصادي وتوسيع الليبرالية الإقتصادية. أم أن الهدف الأساسي إيجاد هوية أوروبية مشتركة في الإتحاد تتجاوز فكرة الإتحاد الإقتصادي ؟.

يحاول المعارضيين ضم تركيا الكامل للإتحاد الأوروبي تقديم مقترحات لتسوية الموضوع، حيث أيد ساركوزي وميركل إقامة “شراكة مميزة” مع تركيا. وهنالك تصور بأن الإتحاد الاوروبي ينفتح بفضاء يتجاوز أوروبا بصيغة تسمح للإتحاد ولأي دولة بالتقدم بالوتيرة المناسبة له، هناك توجه لتحديد “عضوية ناقصة” كشكل للعلاقة مع الإتحاد الأروبي. ومع ذلك، تبقى كل هذه الصيغ غير مكتملة ولن تخرج عن المقترحات التي قدمت في برشلونه ولا عن المقترحات التي قدمت في إطار التعاون الأوروبي الشرق أوسطي الذي قدم للدول غير العضوة في الإتحاد الأوروبي ومعني بعلاقات مميزة معها. وتعتبر الشراكة المفضلة هي صيغة أخرى لرفض إنضمام تركيا للأتحاد الأوروبي.

يمكن رؤية سياسية الوساطة والتقريب التي تنتهجها تركيا  في سياق جهدها للإنضمام للإتحاد الأوروبي بمستويان هما: الأول، يبرز للأوروبيين الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في الإستقرار الدولي، حيث صرح أردوغان في لقاء صحفي مع جريدة الغارديان البريطانية أن عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي ستساهم في بناء جسور بين مليار ونصف المليار المسلم مع العالم غير الاسلامي، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار، وعدم دخولها سيساهم في إضعاف الإتحاد. والثاني، انتهاج سياسة الوساطة والحوار يشير إلى شعور تركيا بعدم إمكانية إنضمامها للإتحاد الأوروبي. ومن هنا يمكن رؤية التحالفات الاستراتيجية التي تقوم بها تركيا كشبكة حماية لها في حالة عدم إنضمامها. وفي هذا السياق صرح أردوغان أن عدم إنضمام تركيا للإتحاد لن يشكل كارثة بالنسبة لها، وأن الاجندة التركية تحددها تركيا وحدها وليس الأخرين.

 

تركيا وتغير ميزان القوى الدولي

إدراك تركيا لتراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وتزايد تأثير بعض الدول على الصعيد الدولي دفعها لتحسين علاقاتها مع مجموعة من دول أسيا وإفريقيا كانت علاقتها بها إثناء الحرب الباردة ضعيفة. وفي الحوارات التي أجرها غول تحدث عن المجال الذي تعمل فيه تركيا وحدده بالمجال (الأوروبي الأسيوي). وبدأت عملية التقارب إلى هذه الدول قبل إنتخابات 2002 وتم دفعها بسرعة بالولاية الأولى لحزب العدالة والتنمية واعطيت دفعا جديدا بعد انتخابات 2007. وتبذل تركيا حاليا جهودا كبيرة لتحسين مكانتها على المستوى الدولي، حيث انتخبت بعد 40 عام كعضو غير دائم في مجلس الأمن.

برز التقارب التركي الصيني، بعد أن كانت العلاقات بين الدولتين مقطوعة خلال العقدين الأولين من الحرب الباردة. ولم تتطور هذه العلاقة رغم إقامتها في سبعينيات القرن الماضي. بدأت العلاقات بالتطور في تسعينيات القرن الماضي من خلال تعاون عسكري محدود، عندما رفضت دول أوروبية تزويد تركيا بالسلاح بحجة إستخدامة ضد الأكراد والذي يعتبر خرق لحقوق الإنسان. ونتيجة لهذا التعاون حصلت تركيا على تقنية تطوير صواريخ بالستية تصل من 150-300 كم. وأثناء زيارة غول للصين عام 2009 والتي هي أول زيارة لرئيس تركي منذ 15 سنة تم التوقيع على اتفاقيات تجارية كبيرة.

 

العلاقات التركية الهندية 

رغم العلاقات التركية الباكستانية الجيدة- تعمل تركيا بالسنوات الأخيرة على تحسين وتعميق علاقاتها مع الهند. وخلال زيارة الرئيس التركي للهند عام 2008 صرح بأن تركيا أخذت قرار إستراتيجي لتطوير علاقاتها مع الهند على مختلف الصعد. يذكر أن الهند حاولت المشاركة في مشروع (خط الغاز التركي الإسرائيلي) الذي ينقل النفط والغاز من بحر قزوين عبر تبليسي في جورجيا إلى ميناء جيهان في تركيا عبر أنابيب تحت البحر الابيض وصولا إلى ميناء عسقلان، ومن ثم يمرر إلى إيلات عبر خط النفط إيلات–عسقلان بعد نقله عبر ناقلات للهند. ومن غير الواضح إذا كان سيتم تنفيذ هذا المشروع .

كذلك تعمل تركيا على توسيع نفوذها في إفريقيا بعد سنوات من القطيعة مع القارة. وقد تمثل ذلك من خلال فتح العديد من السفارات التركية في إفريقيا ومن خلال الزيارات لمسؤولين رفعي المستوى، إضافة إلى عقد لجان للتعاون التركي-الإفريقي. وفي سياق التقارب الإفريقي التركي قام الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة تركيا رغم التهم الموجه له كمسؤول عن المذابح التي وقعت في إقليم دارفور جنوب السودان. وعلى ضوء التأثير الكبير لتركيا في إفريقيا خلال الفترة العثمانية، فإن تجديد هذه العلاقة مؤشر إضافي على النزعة العثمانية الجديدة التي تستند إلى سياسة العمق الإستراتيجي.

 

الفصل الثالث

التطورات الإقليمية

 

بعد سنوات من محاولت تركيا الإبتعاد عن التدخل في تطورات الشرق الأوسط، تعمل منذ إنتهاء الحرب الباردة وبعد صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة على لعب دور فاعل في قضايا الشرق الأوسط التي تستطيع التأثير بها، حيث تساهم في:

  1. الحوارات حول مستقبل العراق.
  2. محاولات للتوفيق بين إيران والغرب  حول ملف إيران النووي.
  3. التنسيق بين سوريا وإسرائيل بمفاوضات السلام.
  4. التنسيق بين التيارات الفلسطينية.
  5. تجديد المفاوضات السياسية الإسرائيلية الفلسطينية.

 

العلاقات التركية –العراقية

 معارضة تركيا للحرب الأمريكية على العراق ساهمت في تطوير العلاقة بينها وبين إيران وسوريا. وفي كانون الثاني من عام 2003 وقبل دخول القوات الأمريكية إلى العراق أقامت تركيا ما بات يعرف (بملتقى دول جوار العراق) حيث عقدت وما زالت تعقد هذه الدول إجتماعات تنسيقية فيما بينها. وقد حددت تركيا خطين أحمرين فيما يتعلق بمستقبل العراق هما: الأول، رفض تقسيم العراق لدول مستقلة وبشكل خاص إقامة دولة مستقلة للأكراد. لأن مصلحة تركيا هي في استمرار العراق دولة موحدة ومستقرة. لذا تعارض تركيا مطالب الأكراد للسيطرة على الموصل وكركوك التي تضم 2%-3% من سكان العراق من أصل تركي (500-800 ألف نسمة).

وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 طرأ تغير على الموقف التركي إتجاه العراق، حيث كانت تركيا ترفض أي حوار مع الأكراد إقليميا. أما اليوم فهناك انفتاح على الحوار مع السلطات الكردية في العراق. وفي عام 2009 زار وزير الخارجية التركية أوغلو أربيل عاصمة المناطق الكردية في العراق. وخلال السنوات الماضية أدخلت تركيا قواتها إلى شمال العراق أكثر من مرة للعمل ضد حزب العمال الكردي الذي يتخذ من شمال العراق مخبء له. وفي السياق المذكور صرح وزير الخارجية التركي بأنه: يأمل أن تؤدي التطورات إلى إنعدام الحاجة للقيام بمطاردات ساخنة داخل أراضي مجاورة.

وفيما يتعلق بسياسة التنسيق قال أوغلو :تركيا هي الدولة الوحيدة التي نجحت في فتح حوار مع كل الأطراف العراقية نظرا لتوسع التأثير التركي فيها. وهناك تصور حملته مجلة “نيوزويك” يفيد بأن تركيا هي الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية بالعراق. يجب النظر الى المتغيرات بالموقف التركي إتجاه العراق والإنفتاح مع الأكراد العراقيين على قاعدة المصالح الإقتصادية التركية بالعراق، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والعراق عام 2009  خمسة ملياردات دولار حيث شكلت العراق أحد أهم الاسواق التركية، وهنالك توجه لتوسيع التبادل التجاري خلال السنوات القادمة ليصل إلى 20 مليارد دولار. وتبدي تركيا إهتماما كبيرا في المشاركة بإعادة إعمار العراق حيث بدأت الشركات التركية بالعمل في مشاريع بشمال العراق من بينها مشاريع بناء موانىء وبنى تحتية. ويبلغ حجم الاستثمارات التركية بشمال العراق 80% من حجم الإستثمارات الدولية في هذه المنطقة. لذا فإن إنتهاج سياسة متصلبة اتجاه العراق من شأنها إلحاق أضرار إقتصادية بالغة بتركيا .

 

العلاقات التركية الإيرانية

منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا يلمس تقارب إيراني-تركي. وينبع هذا التقارب من رغبة الإيرانيين بفك العزلة المفروضة عليهم بسبب مشاريعهم النووية. ويعتبر الانفتاح التركي على الأيديولوجية الحاكمة في إيران، مؤشر أوضح على طبيعة العلاقات بين البلدين، والتي يمكن تلمسها من زيارة أحمد نجاد لتركيا عام 2008 حيث توجه إلى اسطنبول وليس لأنقرة. حيث عرف الزيارة بزيارة عمل وليست زيارة رسمية، لذا لم تخضع الزيارة للمراسيم الرسمية، الأمر الذي جنب أحمد نجاد زيارة متحف أتاتورك أبو العلمانية التركية الحديثة. وتشير المرونه التركية غير المسبوقة في هذا الموضوع إلى الأهمية التي توليها تركيا لعلاقتها مع إيران. وكان أوغلو وغول من أوائل من بارك إنتخاب نجاد لولاية الثانية عام 2009. من جهتها لم توجه إيران أي نقض لتركيا بخصوص الوساطة التي تلعبها تركيا بين إسرائيل وسوريا، نظرا للأهمية التي توليها إيران للعلاقة مع تركيا.

وفيما يتعلق بالموقف التركي من المشروع النووي الإيراني، فإنه يدعو إلى ضرورة تفادي أي تطور نتاج أي هجوم إستباقي من إسرائيل أو الولايات المتحدة لوقف المشروع الإيراني. ولا تخشى تركيا من إيران نووية لكنها تخشى من المس بالإستقرار العام في المنطقة جراء سعي إيران لإمتلاك سلاح نووي. كذلك أيد أردوغان الموقف الإيراني المتحفظ من موقف الدول الكبرى التي تمتلك سلاح نووي وتطالب إيران بالتوقف عن السعي لتملك هذا السلاح. لكن ذلك، لم يمنع بروز خلافات داخل تركيا نفسها من تأثير إمتلاك إيران لسلاح نووي. فقيادة الجيش والنخب العلمانية متخوفة من إمتلاك إيران سلاح نووي، فيما لا تشارك قيادات حزب التنمية والرفاه والنخب الجديدة الجيش والنخب العلمانية هذه التخوفات. ومع ذلك لا تسمع أصوات داخل تركيا تنادي بتطوير سلاح نووي تركي في هذه المرحلة. وربما يعود السبب في ذلك إلى الغطاء النووي الذي يوفره حلف شمال الأطلسي لتركيا. غير أن هذا الموقف قابل للتغير في حالة زيادة الشكوك التركية بعدم التزام الحلف بمبدأ الأمن الجماعي للدول الأعضاء في حال تعرضها لهجوم نووي.

وتعمل تركيا حاليا على توظيف إمكانياتها وقدراتها لتنسيق المواقف بين الغرب وإيران، حيث قدمت وكالة الطاقة الذرية إقتراحا بأن تقوم إيران بتخزين اليورانيوم المخضب بدرجات منخفضة –يمكن من خلاله تصنيع قنبلة ذرية- في دولة أخرى مقابل تزويدها بوقود نووي تحتاجه لتشغيل مفاعلها النووي. وسبق لتركيا أن وافقت على أن تكون هي الدولة التي تخزن اليورانيوم الإيراني المخضب في أراضيها.

 

العلاقات التركية السورية

طرأ تقدم على العلاقات التركية السورية نتاج المصالح المشتركة للدولتين بما يخص الشأن العراقي، إضافة إلى رغبة سوريا تجاوز العزلة الدولية التي فرضها عليا نظام بوش. وتميزت العلاقات التركية السورية بالعداء أثناء الحرب الباردة. لكنها تحسنت  حتى عام 1998 حين وجهت تركيا تهديدا لسوريا وحشدت قواتها على الحدود الدولية للمطالبة بإخراج عبدالله أوجلان منها. إثر ذلك، أخرجت سوريا أوجلان من أراضيها وتنازلت عن المطالبة بلواء الإسكندرونة محط الخلاف بين الدولتيين. وفي مجال المياه، قدمت سوريا تنازلات لتركيا بعد سنوات من الخلافات حول الحصص المائية. وفي عام 2007 وقعت الدولتين اتفاقية التبادل التجاري، مما أدى إلى زيادة كبيرة في التبادل التجاري بين الدولتين، وفي عام 2009 ألغيت تأشيرات العبور بين الدولتين.

تحسن علاقات تركيا وسوريا برز بشكل كبير من خلال لعب تركيا لدور مركزي بالتنسيق بينها وبين إسرائيل في مفاوضات السلام. وفي هذا الإطار عقدت أربعة لقاءات دبلوماسية غير مباشرة بين الأطراف. وكان هنالك توجة لعقد لقاء خامس، لكنه ألغي بسسب تقديم موعد الإنتخابات في إسرائيل بشهر شباط 2009.

وفي نهاية عام 2008 زار أولمرت تركيا بشكل خاطف بهدف إحراز تقدم بالمفاوضات السورية الإسرائيلية حيث اجتمع مع أردوغان وغول ووزير الخارجية علي بابجان. وحسب التسريبات الصحفية تم التوصل في هذه الزيارة إلى وثيقة تشكل مدخلا للبدء بمفاوضات مباشرة بين الطرفيين. وقد أصدر أردوغان تعليماته لتجهيز طائرة لنقل الرئيس السوري للقاء ثلاثي في تركيا. وفي السياق المذكور أشار اولمرت أن الأتراك كانو منسقين اكفاء وأذكياء. غير أن تركيا واجهت صعوبات في هذا الموضوع تمثلت بضعف حكومة أولمرت ورفض إدارة بوش أي تقدم بالمباحثات بين إسرائيل وسوريا .

وبعد عملية “الرصاص المنصهر” ضد غزة قررت سوريا وقف المفاوضات وأخرجت تركيا نفسها من مهمة الوساطة مع إبداء استعدادها للتوسط من جديد في المسيرة السلمية. حيث أشار أردوغان في نهاية شهر حزيران 2009 أن تركيا ستعود للتوسط وأن السلام بين سوريا وإسرائيل لم يمت. وأشار وزير الخارجية التركي إلى استعداد تركيا للعودة للتوسط إذا أعرب الجانبين عن استعدادهما للعودة لطاولة المفاوضات من أجل استقرار المنطقة .

وفي شهر نوفمبر عام 2009 أعلن نتنياهو معارضته لمواصلة التدخل التركي وتفضيله مفاوضات مباشرة مع سوريا مضيفا أنه يفضل أن تلعب فرنسا هذا الدور إذا إقتضت الحاجة ذلك. وفي نفس الوقت أعلنت سوريا أنها تفضل مواصلة لعب تركيا هذا الدور في حالة إستئناف المفاوضات الثنائية. ومن الجدير الإلتفات إلى تصريحات الأسد بهذا الصدد حيث قال: على تركيا إقامة علاقات جيدة مع إسرائيل إذا أرادت مواصلة الوساطة بين الطرفين.

كذلك حاولت تركيا التوفيق بين سوريا والعراق بعد الإتهامات العراقية لسوريا بإعطاء ملجأ لمخططي الهجمات الكبيرة بالعراق عام 2009 التي أدت لمقتل أكثر من 100 شخص بعد رفض سوريا تسليم المتهميين بالعمليات الأمر الذي أدى إلى سحب السفراء بين الدولتين.

وفي إطار تقدم العلاقات بين سوريا وتركيا تم إجراء مناورات عسكرية مشتركة على حدود الدولتين. وكانت المناورات محدودة ومبررة بمواجهة المتسللين الأكراد. وهناك إعتقاد بأن الولايات المتحدة شجعت هذه المناورات. ويبدو أن هذه المناورات تحمل في طياتها رسالة لإسرائيل بضرورة الإمتناع عن استخدام القوة. كما تم الاتفاق بين الدولتين على إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين الدولتين في عام 2009.

وكانت إزالة المعيقات الحدودية في شهر تشرين الثاني عام 2009 مؤشر آخر على تقدم العلاقات التركية السورية.

 

العلاقات التركية–الإسرائيلية

أحد المشاكل المركزية في العلاقات التركية الإسرائيلية خلال حكم حزب العدالة والتنمية  هي محدودية المصالح المشتركة الهامة بين الدولتينن، في الماضي كان العداء لسوريا عنصر جذب بيننهما. اليوم نجحت سوريا وتركيا بتجاوز معظم الخلافات السائدة بينهما، إسرائيل تخشى من التقارب بين الدولتيين. في الماضي كانت تركيا تخشى النظام الأصولي في إيران واليوم هنالك تطور في علاقات الدولتين،لا ترى تركيا بالمشروع النووي الإيراني خطرا عليها، على عكس إسرائيل التي تعتبره تهديد وجودي.

الجوانب المشتركة بين إسرائيل وتركياتتمثل بتوجهات الدولتين الغربي وإلتزامهما بمحاربة الإرهاب. ما زالت تركيا بحاجة إلى إسرائيل في الجانب التسليحي خاصة الإمكانيات التي تحتاجها في محاربة حزب العمال الكردي بشمال العراق. ومع ذلك لا يجد الجيش التركي شراء الأسلحة من إسرائيل إمكانية مفضلة له ويعمل على تنويع مصادر التزود بالسلاح. في السنوات الأخيرة تعمل تركيا على تطوير وتصنيع معداتها العسكرية.

 خلق صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002 قلقا في إسرائيل بسبب الأصول الإسلامية له وبسبب تصريحات غول المعادية لإسرائيل عندما كان عضوا بحزب الرفاه. في الولاية الأولى لحزب التنمية تراجعت العلاقات التركية الإسرائيلية عندما صرح أردوغان بأن إسرائيل دولة إرهاب، وأسهم ضعف تدخل الجيش بالحياة السياسية في ذلك، كونه دفع دائما باتجاه تحسين العلاقات مع إسرائيل. تعاطت تركيا مع الأنسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005 بشكل إيجابي، حيث زار إسرائيل شخصيات تركية رفيعة من بينها أردغان عام 2005.

وشاركت تركيا في العديد من المبادرات الإقتصادية لتحسين أوضاع الفلسطينين بالمناطق. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005 طرح اتحاد الصناعة والتجارة التركي مبادرة دولية لإقامة منطقة صناعية قرب حاجز ايرز وإدارتها. وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة بدأت تركيا العمل على أعداد مبادرة للضفة الغربية. وكانت تركيا من بين الدول التي فكرت في إقامة منطقة صناعية في ترقوميا. كما كانت هناك مبادرة تركية خاصة بتشجيع حكومي لإقامة مجمع مباني السلام (مدينة طبية فلسطينية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من حاجز الجلمة). ورغم الحماس التركي لم تلق هذه المبادرات تجاوبا لرفض المستوى الأمني في إسرائيل لها.

اعتمادا على سياسة بناء الجسور التي تنتهجها الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية لم تقدم على الصدام مع الجيش بخصوص العلاقة مع إسرائيل وتمت المحافظة على العلاقات على مستوى عالي لضمان دورها كوسيط في المنطقة. وقد صرح وزير الخارجية التركي بهذا الصدد أن سياسة تركيا بالشرق الأوسط تقوم على الأمن للجميع وعدم حصره بهذه الدولة أو تلك أو لدولة دون اخرى ويجب أن يكون الأمن للجميع في المنطقة.

واهتزت العلاقات التركية الإسرائيلية في أعقاب حرب لبنان صيف 2006. وزادت بعد الحرب على غزة. وفي الماضي انتقدت تركيا إسرائيل بسبب تصعيد الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وخلقت زيارة أولمرت لتركيا قبل أيام معدودة من الحرب على غزة حالة من الإحباط لدى الأتراك من السياسة الإسيرائيلية إتجاه الفلسطينيين وسوريا. أعطى نشوب الحرب بعد زيارة اولمرت لتركيا انطباعا بأن تركيا كانت على علم بالحرب ولم تعمل على وقفها، أو أن تركيا لم تعرف بالحرب الأمر الذي يشير إلى أن دورها أقل مما اعتقد قادتها. تراجع دور تركيا لم يكن نتاج إنتقاداتها الحادة لإسرائيل بل نتاج التقارب الذي حل على العلاقات الإسرائيلية المصرية بعد تدخل فرنسا ومصر لإيجاد مخرج للحرب على غزة .

أثناء الحرب على غزة وبعدها أنتقد أردوغان إسرائيل بحدة، واعتبر إستمرار العمليات بغزة  جريمة ضد الإنسانية وبأنها لا تحترم الدور التركي مضيفا بأن إسرائيل تمارس أعمال غير إنسانية ستؤدي بها إلى تدمير ذاتها. وبعد صدور قرار مجلس الأمن 1860 الذي طالب بوقف العمليات فورا  صرح أردوغان: “يجب منع إسرائيل من دخول أروقة الأمم المتحدة حتى تنفذ القرار”. من جانبه حذر غول من تأثير العمليات الإسرائيلية على الإستقرار بالمنطقة. واثناء مؤتمر دافوس الإقتصادي 2009 غادر أردوغان اللقاء غاضبا من تصريحات بيرس بحيث لم يعطى الوقت الكافي للرد عليها. وتعتبر مواقف وتصريحات أردوغان مؤشر واضح على تأييده للفلسطينيين مما أكسبة شعبية بالشارع العربي .

ولم تقتصر التوترات بين تركيا وإسرائيل على المستوى السياسي، بل تعدت ذلك إلى الحرب على غزة، حيث خرجت مظاهرات عارمة بتركيا تطالب بوقف التبادل التجاري والتعاون الأمني مع إسرائيل. وأقرت وزارة التربية والتعليم التركية الوقوف دقيقة حداد على أرواح الأطفال الذين قتلوا في غزة. كما بث التلفزيون التركي الحكومي مسلسل يصور الجندي الإسرائيلي وهو يطلق النار على مواطنين عزل وأطفال. وفي استطلاع للرأي العام بتركيا أيد 63% سياسة حكومة العدالة والتنمية اتجاه إسرائيل .

في إطار رد فعل الرأي العام الإسرائيلي، تمت الدعوة عبر صفحات الإنترنت لعدم السفر إلى تركيا، وقد لمس تأثير هذه الدعوات حيث إنخفضت السياحة الإسرائيلية إلى تركيا عام 2009 بنسبة 44% مقارنة بالعام 2008، ولم يأت هذا الإنخفاض نتيجة الركود الإقتصادي العالمي. يجدر أن السياحة تعتبر مكون من مكونات العلاقات التركية الإسرائيلية رغم أن نسبة السائحين الإسرائيليين قليل مقارنة مع مجموع  السائحين الذين يدخلون تركيا. وظهرت في الأونة الأخيرة بوسائل الإعلام الإلكترونية الإسرائيلية مواقف معادية لتركيا.

ولم تتوقف الجهود التركية للتنسيق بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد الحرب على غزة فقد ساهمت تركيا بإقناع حماس على وقف إطلاق النار، حيث شارك عبدالله غول بالأجتماع الذي عقد في شرم الشيخ بعد إنتهاء الأزمة، إلى جانب الأوروبيين والأمين العام للأمم المتحدة.

وترى تركيا بالموقف الإسرائيلي وموقف بعض الدول الأوروبية الرافض للتفاوض مع حماس خطأ وتسبب بتدهور الأوضاع في غزة. وتعمل تركيا على تحقيق المصالحة بين فتح وحماس لتشكيل حكومة وحدة فلسطينية. وفي هذا الصدد تحدث وزير الخارجية التركي بأن تركيا لا تنظر للمنطقة من منظار متطرفين ومعتدلين بل تنظر لهم كجيران .

ويظهر حزب العدالة والتنمية تضامنه مع حماس نظرا لوصول الحزبين للسلطة عبر الإنتخابات. ومهاجمتهما والتشكيك بشرعية تمثيلهما لخلفيتهما الإسلامية دفعت تركيا إلى دعوة خالد مشعل لزيارتها بعد نجاح حماس في إنتخابات عام 2006.

بين الفترة وأخرى تبدي تركيا إستعدادها للتوسط إسرائيل وسوريا. وفي الوقت الذي تؤيد فيه سوريا الوساطة التركية، تميل إسرائيل (نتنياهو) إلى التفاوض المباشر أو عبر وسيط فرنسي. وردا على ذلك صرح أردوغان بخصوص الوساطة الفرنسية بالقول :”عملنا كل ما بإستطاعتنا في المفاوضات بين إسرائيل وسوريا واليوم يتحدث نتنياهو بأنه لا يثق بأردوغان ويثق بساركوزي، هذا يعبر عن قلة تجربة في المجال الديبلوماسي”. وأضاف:” توجد اتفاقيات مهمة بيننا وبين إسرائيل، ولا أدري كيف يمكن المحافظة عليها في ظل أجواء مشحونة .

إضافة الى محاولات تركيا الوساطة بين إسرائيل وحماس وبين التيارات الفلسطينية. كما استضافت جزء من اللقاءات بين إسرائيل وباكستان التي لا تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل فيما بينهم، وعقدت اللقاءات على مستوى وزراء خارجية البلدين في إسطنبول.

وبعد الحرب على غزة أكد الأتراك أنهم لن يقطعوا العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل، حيث صرح أردوغان بمعرض رده على انتقادات عدم قطع العلاقات مع إسرائيل بقوله:” نحن  لا ندير دكان نحن ندير الجمهورية التركية”.

نتاج الأجواء المشحونة بين تركيا وإسرائيل تم منع إسرائيل من الإشتراك بالمناورات العسكرية التي أجراها حلف الناتو عام 2009، حيث صرح أردوغان أنه لا يمكن أن تقتل إسرائيل بغزة وتجري في نفس الوقت تدريبات عسكرية على الأراضي التركية. وفي نفس السياق صرح وزير الخارجية التركي أنه لا يمكن إبراز وجود علاقات عسكرية مع إسرائيل بهذه الفترة الصعبة التي لا يوجد بها سلام.

ويرى محللون بهذا الموقف دليل على تراجع دور الجيش في الحياة السياسية، خاصة ما  يرتبط بالعلاقة مع إسرائيل، حيث لم يصر الجيش على مشاركة إسرائيل بالمناورات العسكرية. ومع ذلك، شاركت إسرائيل في مناورات للإنقاذ بالبحر الأبيض المتوسط بمشاركة جنود من البحرية التركية والولايات المتحدة في أواسط آب عام 2009. ويعتبر عدم رغبة تركيا بشراء قمر صناعي إسرائيلي مؤشر أخر على تراجع العلاقات التركية الإسرائيلية الأمنية.

وفي شهر كانون أول عام 2009 اجتمع الرئيس التركي عبدالله غول مع الرئيس الإسرائيلي بيرس في كوبنهاغن. وجاء هذا الاجتماع بعد الزيارة الناجحة التي قام بها وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي بن إليعازر في شهر 11\2009. وكان الهدف من عقد اللقاء هو تقليص الأضرار بالعلاقات التركية الإسرائيلية. ومع ذلك لم تقم أي شخصية رسمية تركية رفيعة المستوى بزيارة إسرائيل عام 2009 وبداية 2010. وتم تأجيل فتح المركز الثقافي التركي بيافا  الذي كان مقرراعام 2009 نظرا لعدم قدوم أي مسؤول تركي رفيع المستوى لإفتتاح المركز.

ويقود وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان تيار متشدد اتجاه تركيا، عبر عنه بطريقة تعامل نائبه داني أيلون مع السفير التركي عندما استدعاه لمحادثة تخللها توبيخ إسرائيلي لتركيا لبثها مسلسل تلفزيوني يصور رجال الموساد الإسرائيلي كخاطفي أطفال أتراك. وجاء هذا التوبيخ متجاوزا للأعراف والتقاليد الديبلوماسية والسياسة الإسرائيلية العاملة للمحافظة على علاقات سليمة مع تركيا بأي ثمن. ويبدو أن اعتبارات حزبية داخلية في حزب إسرائيل بيتنا  وعملا بسياسة “الإحترام الوطني” التي إنتهجها ليبرمان قد أدتا إلى هذا السلوك.

تسببت هذه الحادثة إلى تداعيات كبيرة هددت تركيا على إثرها بسحب السفير التركي من إسرائيل إذا لم تعتذر، ووجهت إنتقادات داخل إسرائيل على سلوك أيلون، حتى ليبرمان أقر بأن طريقة التعامل مع السفير التركي خاطئة. وأظهرت الحادثة الإمكانيات المحدودة لإسرائيل مقابل تركيا، وأن ميزان القوى الحقيقي بين الدولتين يميل لصالح تركيا التي طلبت اعتذارا رسميا -حصلت علية إضافة إلى الإعتذار غير المباشر الذي قدمة أيلون في البداية.

قبول تركيا الإعتذار الإسرائيلي وزيارة باراك لتركيا بعد أيام من الحادث يشير بوضوح إلى أن تركيا غير معنية بقطع العلاقات مع إسرائيل. وينسجم هذا الموقف مع موقف تركيا القائم على المحافظة على قنوات الحوار في الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد صرح أوغلو أن نقد سياسات حكومة إسرائيل لا يعني قطع العلاقات معها .

وبعد نشر صحيفة هأرتس تقرير داخلي صادر عن مركز الأبحاث السياسية التابع لوزارة الخارجية أشار فيه أن الحادث الديبلوماسي مع تركيا كان له بعض الإنعكاسات الإيجابية على إسرائيل، حيث ذكر أن أردوغان يحرض ضد السامية. مما دفع اردوغان للقول :”على  إسرائيل أن تأخذ بعين الإعتبار إمكانية فقدان دولة صديقة مثل تركيا.

 

 الفصل الرابع

تحديات  مباشرة

 

عملت حكومة تركيا برئاسة حزب العدالة والتنمية على حل العديد من الصراعات التي تواجه  الدولة، وجزء من هذه الجهود يعتبر بعيد المدى مقارنة بسياسات الحكومات السابقة. وفي هذا الفصل سيتم الحديث عن توحيد قبرص والمشكلة الكردية وإنعدام علاقات ديبلوماسية مع أرمينيا.

 

توحيد قبرص   

ترغب تركيا في ايجاد حل لمسألة توحيد قبرص منذ عشرات السنين ليس بسبب السكان الأتراك الذين يعيشون بالجزيرة فقط، بل لتلبية شروط الإتحاد الأروبي لإنضمام تركيا إليه.  وسبق لتركيا أن تدخلت عسكريا في عام 1974 في الصراع الدائر بين الجالتين حيث احتلت 40% من مساحة الجزيرة. ورغم عدم اندلاع أحداث عنيفة بين الطرفين، ما زالت هناك قضايا عالقة ترتبط بالتعويضات وعودة الاجئين من الطرفين ومسألة توطين الأتراك الذين سكنوا الجزيرة ضمن التوجهات الحكومية.

ويدعي اليونانيون أن خطة عنان التي طرحت عام 2004 لحل المشكلة حصرت حق العودة الخاص بهم وأعطت لمعظم المستوطنين الأتراك إمكانية البقاء في الجزيرة كمواطنين أو رعايا أتراك في الجزء التركي.

ويعتقد الطرفان أن الإتحاد الأوروبي سيعمل على تعويض السكان الذين تحولوا للاجئين نتاج الصراع والتدخل التركي فيه. وفي هذا السياق، يشك بأن يكون هذا الموضوع على سلم أولويات الإتحاد الأوروبي نظرا للصعوبات الإقتصادية التي تمر بها الدول الأعضاء. ويطالب القبارصة اليونانيون وقف التدخل التركي. كما تطالب كل من اليونان وبريطانيا بإستقلال قبرص الأمر الذي يمنحهم حق التدخل العسكري في حال تعرضت الجزيرة لأي تهديد.

وساهم انضمام الشق اليوناني من قبرص إلى الإتحاد الأوروبي عام 2004 في التقليل من فرص دفع الأطراف على حل النزاع الدائر بينهم، مما دفع بتركيا إلى تحميل الإتحاد الأوروبي جزء من المسؤولية عن عدم تحقيق تقدم في حل النزاع القائم .

من جهتها دعمت الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية خطة عنان ومارست ضغوطا لإقناع القبارصة الأتراك بالتصويت لصالح الخطة. وهو الأمر الذي يعتبر تحولا كبيرا مقارنة بموقف الحكومات السابقة والجيش. وترافق هذا الموقف مع غياب الزعيم التركي القبرصي الذي حكم شمال الجزيرة رؤوف دانكتاش الذي رفض تقديم أي تنازل تركي في الجزيرة.

الجهود التركية لتنفيذ خطة عنان بتوحيد قبرص، أزالت عقبة أمام إنضمامها للإتحاد الأوروبي. غير أن استمرار منع تركيا للطائرات والسفن اليونانية-القبرصية من أستخدام موانئها بعكس ما هو متفق علية مع الإتحاد الأوروبي يساهم ببقاء وإستمرار شمال قبرص كحقيقة قائمة.

وأوجد إنتخاب ديميترس كريستوفايس رئيس  الحزب الشيوعي في الجانب اليوناني القبرصي عام 2008 للرئاسة، بارقة أمل لدى الأتراك بأن يؤدي ذلك للتقدم في المباحثات بين طرفي الجزيرة. وعبرت سياسة الرئيس الجديد عن مرونة وبراغماتية مقارنة بالرئيس السابق الذي كان من المبادرين لرفض خطة عنان عام 2004.

ورغم وجود قادة معتدلين من الطرفين للمرة الأولى منذ إندلاع الصراع، إلا أنه يتم إحراز تقدم ملموس. وفي الإنتخابات الأخيرة التي جرت في شمال قبرص حصل حزب الوحدة الوطني على أغلبية المقاعد، ولا يتحمس زعيم هذا الحزب كثيرا للتوصل لإتفاق مع الشطر اليوناني من الجزيرة. الأمر الذي حد من حزب العدالة والتنمية له. وتم الإتفاق بعد إنتخابات 2009 أن يواصل الرئيس التركي القبرصي تالت ادارة طاقم المفاوضات بين الجانبي، لكن خسارته للرئاسة لصالح أورجلو أوقفت هذه الجهود.

ويعود السبب الرئيسي الذي يحول دون التوصل لحل للمشكلة القبرصية إلى تراجع مكانتها الإستراتيجية. وفي حالة مرور أنابيب الغاز والنفط مستقبلا بمحاذاتها ستتحسن مكانتها الإستراتيجية نسبيا. وبالنسبة لتركيا تراجعت مكانة الجزيرة عن الماضي الذي كانت فيه جزيرة قبرص نقطة إنطلاق لمهاجمة جنوب تركيا. وبعد التسويات مع اليونان تراجع هذا التهديد. وساهم تراجع مكانة الجيش التركي في السياسة الداخلية إلى تراجع مكانة قبرص حيث رفض الجيش بالماضي تقديم أي تنازل في المسألة القبرصية .

ومن المواضيع التي لا تزال على طاولة المفاوضات في المسألة القبرصية هي: حق عودة اللاجئين، حيث تجد تركيا صعوبة في تقديم أي تنازلات نظرا لرفض الأتراك القبارصة تقديم تنازلات بهذا الخصوص. والحالة الوحيدة التي ستدفع تركيا لتقديم تنازلات بهذا الخصوص هي وجود ضمانات تركية وبريطانية ويونانية باستقلال الجزيرة. ويسود شعور لدى الأطراف المتنازعة بإمكانية تأجيل توحيد الجزيرة لسنوات طويلة إذا لم تتوحد الان. لذلك على تركيا أن تطرح مجددا حل التقسيم  النهائي، لأنها ترفض باستمرار الحظر المفروض على شمال قبرص.

وخلال مراجعة الولاية الثانية لحكم حزب العدالة والتنمية، يمكن القول أن مكانة الحزب وقيادته تضررت جزئيا من رفض خطة عنان من قبل القبارصة اليونانيون ودخولهم في الإتحاد الأوروبي بشكل منفصل. واعتبر ذلك مؤشرا على فشل السياسة الخارجية التركية حيث لم تجهز الحكومة خطة بديلة في حال فشلت خططتها. وهذا ما يعكسه عدم التقدم المفاوضات منذ العام 2004. ومن المأكد أن حزب العدالة والتنمية سيدعم أي حل يتم التوصل والتفاهم عليه بين القبارصة اليونانيين والأتراك.

 

المشكلة الكردية  

يمثل الإكراد في تركيا 20% من مجموع السكان. الأمر الذي يشكل تحدي للهوية الوطنية التركية. وفي الماضي جرت محاولات لصهر الأكراد بالمجتمع التركي حيث أطلق عليهم “أتراك الجبال”. لكن فشل هذه المحاولات دفع للاستعداد للإعتراف بالمشكلة للأسباب التالية:

  1. النضال الكردي بقيادة حزب العمال الكردي منذ العام 1980.
  2. التطورات في العراق خلال العقدين الماضيين.
  3. مساعي تركيا للدخول للإتحاد الأوروبي.

 

ومنذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة بتركيا تم إدخال بعض الإصلاحات في العلاقة مع الأكراد، حيث صرح أردوغان إثناء زيارته لمدينة ديار بكر الكردية جنوب تركيا بالاعتراف: “بوجود مشكلة كردية، وأن هناك أخطاء حصلت في معالجة المشكلة، ويجب إعطاء الأكراد المزيد من الديمقراطية وتجنب إستخدام وسائل القمع”. تصريحات أردوغان إنعكست إيجابيا على الأكراد الذي تمثل ذلك بتصويتهم في إنتخابات 2002 و2007 حيث أيد الأكراد حزب العدالة والتنمية بشكل كبير نسبيا. وساد الأمل لدى الأكراد وبقية الأتراك بأن التركيز على الجانب الديني سيساعد في تحسين وضع الأكراد كون معظم الأكراد مسلمين سنة. وخلال الولاية الأولى لحزب العدالة والتنمية سادت توجهات لإحداث إصلاحات بأحوال الأكراد. لكن هذا التوجه توقف لأسباب عدة منها عدم إحراز تقدم بإنضمام تركيا للإتحاد الأوروبي.

وفي الوقت الحالي تحتاج الولايات المتحدة لتركيا لإتمام إنسحاب قواتها من العراق، لذلك تسعى تركيا للأستفادة من هذه الحاجة لزيادة تدخلها بالعراق وتواصل سياستها التقليدية الرافضة لأي إمكانية لإنشاء دولة كردية في شمال العراق لما لذلك من تداعيات على الأكراد الذين يعيشون في جنوب تركيا.

جدير بالذكر أن الأكراد المتواجدين في العديد من الدول خاضوا صراعا مع كل دولة بشكل مستقل ولم يبلوروا هوية قومية لهم. الأمر الذي دفع تركيا للعمل من أجل منع تبلور هوية قومية لمجموع الأكراد، وفي نفس الوقت تستفيد من النزاعات الدائرة داخل صفوف الأكراد من أجل ضرب حزب العمال الكردي، تحاول تركيا ربط العمليات الإرهابية التي تتعرض لها من قبل الأكراد بالمساعدات الخارجية التي تمنح للأكراد. غير أن الأوضاع السيئة في جنوب شرق تركيا -حيث تعيش الأغلبية الأكردية- تدفع السكان إلى تأييد الجهات المتطرفة. كما أن المساعدات الخارجية للأكراد تراجعت بعد تحسن العلاقات بين سوريا وإيران بحيث باتت هذه الدول ترفض العمليات العسكرية التي ينفذها حزب العمال الكردي ضد تركيا. ونتيجة لذلك بقي الدعم الموجه للأكراد يقدم من أكراد الشتات حسب الإدعاء التركي .

يعتبر تحسين الأوضاع الإقتصادية في جنوب شرق تركيا معقد نظرا للتوتر الأمني الدائم الذي يعيق الإستثمارات بالمنطقة. الأمر الذي دفع الأكراد للإنتقال إلى غرب تركيا مما خلق إشكاليات إضافية حيث أضحت إسطنبول المدينة التي تحوي أكبر نسبة من الأكراد عالميا. وتعاني تركيا من معدل بطالة عالي نسبيا وهي الأعلى بأوساط الأكراد. وجرت محاولات لتطوير المناطق الجنوبية الشرقية عندما أعلن عن مشروع ضخم للسكر –AGP- للحصول على الطاقة وري الأراضي الزراعية. لكن الحكومة التركية لم تنجح في ايجاد تمويل خارجي للمشروع. ويسود الانطباع بأن تراجع التبادل التجاري مع العراق بعد إنسحاب القوات الأمريكية سيؤثر سلبا على الأوضاع في المناطق الجنوبية، ولهذا السبب تولي الحكومة التركية  أهمية كبيرة للعمل مع الحكم الكردي في شمال العراق.

بعد أعتقال عبدالله أوجلان عام 1999 -بعد طرده من سوريا إثر تهديد تركي- تراجعت قوة   الحزب، مما دفعه للاستجابة لمطلب أوجلان بوقف العمليات العسكرية من جانب واحد. وفي شهر 9 عام 2004 قرر الحزب إستئناف العمليات العسكرية مع تغير أنماط العمل العسكري من تركيز العمل العسكري في المناطق الكردية –مما خلق حالة من عدم الإستقرار بالمناطق الجنوبية أثرت على الأكراد أنفسهم- إلى إستهداف الجيش ومراكز مدنية داخل تركيا من خلال إستخدام العبوات الناسفة والعمليات الانتحارية. والعمليات العسكرية لا تهدف لفصل الأكراد عن تركيا –وفق تصريحات أوجلان وبعض الزعامات الكردية، بل يطالب الأكراد بالمساواة في الحقوق الثقافية والتربوية والسماح لهم باستخدام اللغة الكردية. وعلى أية حال، تسبب تجدد العمليات المسلحة من قبل حزب العمال الكردي عام 2004 في صعوبة إدخال إصلاحات على الوضع العام للأكراد .

وفي أعقاب العمليات العسكرية التركية عام 2008 في شمال العراق وما نتنج عنها من تراجع عمليات حزب العمال الكردي، وفي ظل تجدد المساعي لضم تركيا للإتحاد الأوروبي صرح عبدالله غول عام 2009 بأن: أشياء جيدة ستحدث للمسألة الكردية. وأشار وزير الداخلية التركي خلال مؤتمر صحفي إلى أن الحكومة تعمل على وضع حلول لكل المشكلة الكردية من خلال التشاور مع كل الأطراف المرتبطة بالموضوع. ومهد المؤتمر الصحفي الطريق لتقديم مبادرة أطلق عليها “المبادرة الديمقراطية” التي تضمنت خطط قصيرة ومتوسطة المدى لحل المشكلة الكردية ومشكلة الأقليات في تركيا بشكل عام، الذي سيتم مناقشة نسبة الحسم بالإنتخابات البالغة 10% التي تمنع تمثيل الأكراد وطرح إمكانية إعطاء عفو عن مقاتلي حزب العمال الكردي. وإلى الأن لم يبدي حزب العدالة والتنمية إستعداديه لإجراء تغييرات على مواقفه من هاتين المسألتين.

وبدلا من تطبيق هذه المبادرة، تم حظر حزب DTP  الكردي بعد قرار المحكمة الدستورية التركية بدعوى تعاونه مع حزب العمال الكردي. وأثقل هذا القرار مجددا على إمكانية التقدم لحل المسألة الكردية، ودفع إلى إندلاع موجة من المظاهرات. في أعقاب حظر الحزب تم تشكيل حزب جديد سمي حزب السلام والديمقراطية BDP وهو الحزب الكردي السابع الذي يتم تشكيلة بعد حظر كل الأحزاب التي سبقته .

 

إنعدام العلاقات الديبلوماسية مع أرمينيا

إعترفت تركيا عام 1991 بإستقلال كل الجمهوريات بما في ذلك أرمينيا التي شكلت الإتحاد السوفييتي السابق. ومع ذلك لم يتم تبادل ديبلوماسي بينهما. وفي ذروة النزاع بين أرمينيا وأذربيجان أغلقت تركيا المعبر الحدودي مع أرمينيا وإشترطت فتحه بتوصل البلدين لإتقاق .

إضافة لإغلاق المعبر الحدودي هنالك خلاف بين تركيا وأرمينيا حول أحداث 1915. حيث يدعي الأرمن أن هذه الأحداث كانت ممنهجة تم في إطارها نقل الأرمن من شمال شرق الدولة إلى جنوبها، حيث قتل خلالها مليون ونصف مليون أرمني. من جانبها تعتبر تركيا ما وقع للأرمن نتيجة للحرب المأساوية وتعتقد أن عدد الأرمن الذين قتلوا هو 300 ألف وأن الأتراك فقدوا نفس العدد بالحرب. ولم يتوقف الإشكال على إعتراف تركيا بالمذبحة بحق الأرمن، بل  يرافق هذا دفع تعويضات تركية للأرمن إضافة إلى مطالب الأرمن بأراضي شرقي تركيا.

رغم الرفض التركي المطلق للاعتراف بالمذبحة بحق الأرمن، إلا أن السنوات الماضية شهدت تغيرا، حيث برزت بعض الأوساط في المجتمع التركي المستعدة لنقاش المذبحة  بإنفتاح. وقد برز هذا التوجه على ضوء محاولة المس بحياة الصحفي التركي من أصول أرمينية (هارنت دينك) الذي احتج على عدم الإعتراف بالمذابح التي نفذت ضد الأرمن. ووصف أردوغان محاولة المس بحياة الصحفي بالعمل على المس بالسلام والإستقرار بتركيا.

ونشرت في شهر كانون أول عام 2008 عريضة على شبكة الإنترنت بمبادرة من مئتا شخصية أكاديمية وروحية  تركية تحمل إعتذار للشعب الأرمني على المذبحة، وقد وقع على هذه الوثيقة ألاف الأتراك. وفي الجانب السياسي حصلت العديد من التطورات منها:

  1. 1.     زيارة الرئيس التركي لأرمينيا عام 2008 لمشاهدة مباراة بكرة القدم بين المنتخبين التركي والأرمني ضمن التصفيات كأس العالم. وشكلت هذه الزيارة بداية لمفاوضات دبلوماسية بين الدولتين إستمرت لعام بحث خلالها إقامة علاقات دبلوماسية.  
  2. تم التوصل إلى تفاهم تركي-أرميني-الأمريكي في الذكرى السنوية (22\2\2009) للمذبحة حيث إعتاد الرئيس الأمريكي توجيه خطاب بهذه الذكرى. وإعترض البعض على هذا التفاهم لأنهم إعتقدوا أن تركيا عملت من خلاله على منع إتخاذ الإدارة الأمريكية  موقفا  حادا من خلال إستخدام مصطلح (ذبح شعب). حيث استخدم الرئيس الأمريكي أوباما عام 2009 المصطلح الأرمني(الكارثة الكبرى) لوصف الأحداث التي إعتبرها من الأهوال الكبرى في القرن العشرين وقد إمتنع عن إستخدام مصطلح (ذبح شعب) مؤكدا أنه لن يعرقل المفاوضات بين الدولتين

 

وفي تشرين أول عام 2009 وأثناء التحضير لمباراة الإياب بين تركيا وأرمينيا في تركيا طرحت إمكانية زيارة الرئيس الأرميني لتركيا للنقاش، حيث جرت خلال هذه المرحلة مفاوضات سرية بين تركيا وأرمينيا. وفي تشرين أول عام 2010 وقع الجانبين على اتفاق بإقامة علاقات ديبلوماسية، وفتح الحدود بين الدولتين. ومع ذلك، لم تعقد طقوس للتوقيع على البروتوكولين كما يجب، لأنه لم يتم التوصل إلى صيغة متفق عليها بين الجانبين. واثناء التوقيع لم يتحدث وزيري الخارجية التركي والأرمني بشكل علني. ولقي التوقيع على الإتفاق بين تركيا وأرمينيا دعما أوروبيا وأمريكيا، حيث حضر مراسم التوقيع العديد من الزعماء. ورغم مصادقة برلماني الدولتين على الاتفاق، لكن لم تعمل أي منهما على إتمام ذلك،  انتظارا أن تبادر كل دولة للقيام بهذا العمل.

وأحتجت تركيا على  قرار المحكمة الدستورية الأرمينية الذي رفض الاتفاق لأنه يتعارض مع الدستور الأرميني. يذكر أن بند 11 من وثيقة الإستقلال أرمينيا تشير إلى ضرورة عمل الدولة على إعتراف الدول بالمذابح التي إرتكبت بحق الشعب الأرميني. ونتيجة لذلك، أعتبرت تركيا أن أرمينيا تضع الإعتراف بالمذابح المرتكبة بحق الأرمن شرطا للتقدم في المفاوضانت بين الدولتين. الأمر الذي دفع تركيا إلى إشتراط التقدم في موضوع ناغارنو كرباخ للتقدم بالمفاوضات بين الدولتين. وجاء هذا الموقف بعد إنتقادات وجهتها أذربيجان للإتفاق. كما أن هناك خوف تركي أن يؤدي التقارب مع أرمينيا إلى تقارب بين أذربيجان وروسيا الأمر الذي سينعكس على أسعار الغاز الذي تستورده تركيا من أذربيجان. وفي شهر أيار عام 2010 أعلن الإئتلاف الحاكم في البرلمان الأرميني عن تجميد الاتفاق مع تركيا. ولا ترتبط مسألة التقارب بين تركيا وأرمينيا ومسألة الإعتراف بأحداث 1915 كمذابح بالعلاقة بين الدولتين، بل لها علاقة بأرمن الشتات الموزعين بين الولايات المتحدة وفرنسا، والذين يقودون النضال خلال الأعوام الماضية للإعتراف بالمذابح المرتكبة بحق الشعب الأرميني .

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نفذ الأرمن المتواجدين بالشتات عمليات إرهابية ضد دبلوماسيين أتراك في الشرق الأوسط وأوروبا وشمال أمريكا. كما يساهم أرمن الشتات منذ إستقلال أرمينيا عام 1991 بالسياسة الداخلية من خلال ترشيح مرشحين من الشتات والدعم المالي الذي يقدم للأحزاب. لذا يأخذ القادة السياسين موقف الشتات بعين الإعتبار ولا يستطيعون  إتخاذ أي موقف للتقارب مع تركيا يتجاهل موقفهم.

ورغم الصعوبات الإقتصادية التي تعاني منها أرمينيا جراء الحصار المفروض من تركيا وأذربيجان عليها –تسببت في هجرة كبيرة للأرمن – يصمم زعماء الأرمن في الخارج على الإعتراف بالمذابح التي إرتكبت بحق الأرمن كمقدمة للتقارب مع تركيا، وأنتقدوا الاتفاق خاصة البند الذي يدعو إلى تشكيل لجنة من الأخصائيين التاريخيين، على إعتبار أنها لجنة لفحص أحداث 1915، والبند الداعي للإعتراف بالحدود بين الدولتين. ويدعي قادة الشتات أن معظم المؤرخين الغربيين يعتبرون أحداث 1915 مذابح شعب، وتشكيل لجنة مؤرخين جديدة يصب في سعي تركيا إنكار هذه الحقيقة. كما أن الإعتراف بالحدود يسقط حق الأرمن الذين عاشوا في شرق تركيا بعد طردهم من قبل الأتراك. وعمل الرئيس الأرميني على تخفيف حدة موقف أحزاب الشتات من التسوية مع تركيا. لكن زياراته إلى نيويورك ولوس انجلوس وببيروت وجنوب روسيا لم تثمر  في إقناعهم بشيئ.

وفي إطار سياسة الوساطة التي تنتهجها تركيا تعمل على حل الخلاف مع أذربيجان. وفي هذا السياق تحدث وزير الخارجية التركي بأن: “الوضع القائم لا يخدم أحد ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إشكالات للجميع، والنزاعات المجمدة هي قنابل موقوتة كما رأينا ذلك في جورجيا”. وساهمت تركيا بوضع الخطوط العامة للتعاون والإستقرار بالقوقاز من أجل تحقيق تقدم بحل الصراع بناجورنو كرباخ بعد الحرب في جورجيا عام 2008 .

وبعد وقف أطلاق النار بناجورنو كرباخ عام 1994 سيطرت أرمينيا على المناطق المحاذية للمنطقة التي تمثل 15% من مساحة أذربيجان. وأوجد الصراع مشكلة معقدة حيث رافق الحرب عملية يمكن تشبيهها بالتطهير العرقي حيث طردت أذربيجان 250 ألف أرميني من أذربيجان وطردت أرمينيا 750 ألف أذري من المناطق المحاذية  لناجورنو كرباخ. واندلعت مواجهات عنيفة بين الطرفين منذ العام 1994 إلا أنها لا تستمر طويلا. ويشار بأن أذربيجان تعمل على التسلح بشكل مكثف إذ تبلغ ميزانية تسلحها السنوي ميزانية أرمينيا السنوية. ولم تفلح الجهود الأوروبية بحل المشكلة بين البلدين حيث بذل المركز الأوروبي للتعاون (osce)  جهودا لحل الصراع، لكنه فشل بذلك. الأمر الذي دعم الموقف التركي المنادي بحل إشكاليات المنطقة من خلال دولها، وهو ما يعطيها دورا بارزا من خلال التنسيق بإطار المركز الأوروبي للتعاون.

الدول المؤثرة في الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان هي تركيا التي وقفت إلى جانب أذربيجان، وروسيا وإيران اللتان وقفتا إلى جانب أرمينيا منذ بداية الأزمة. والملفت للنظر الموقف الايراني الذي ساند الموقف الأرميني المسيحي وعارض موقف أذربيجان ذو الأغلبية الشيعية. والسبب في ذلك هو خشية إيران من النزعات الإنفصالية للمناطق المحاذية لأذربيجان ومن إمكانية إقامة أذربيجان الكبرى. روسيا من جانبها غير معنية بحل الصراع  لتعميق تعلق أرمينيا بها ولدفعها إلى الموافقه على تواجد جيش روسي على أرضيها. ومن جانب أخر يعطل الصراع مشروع تمديد خط الغاز الذي يتجاوز روسيا. وزيادة التأثير الروسي جنوب القوقاز بعد الحرب على جورجيا قد يدفع روسيا إلى إيجاد حل للصراعات بالمنطقة تمهيدا  لتعزيز الهيمنة الروسية على المنطقة من جديد .

حل الصراع يبدأ بإنسحاب أرمينيا في المرحلة الأولى من المناطق المحاذية لنجورنو كرباخ  حيث لا يوجد لأرمينيا مطالب في هذه المناطق. لكن ذلك سيؤدي إلى إنعدام التواصل بين أرمينيا والإقليم لأنه يضم الشارع السريع الذي تم بناؤه بدعم من الأرمن المتواجدين بالشتات -إنتهى من بناؤه عام 1999- وهو الذي يمكن أرمينيا من التواصل مع الإقليم .

وترفض أذربيجان إعطاء الاقليم إستقلاله لأنه يشكل كانتون بداخلها. لكنها، يمكنها الموافقة على منح الأقليم حكما ذاتيا على غرار الوضع الذي ساد إبان الاتحاد السوفييتي. وستكون مشكلة اللاجئين هي المشكلة الرئيسية بين الطرفين حيث لن يسمح لمعظم اللاجئين بالعودة للأماكن التي طردوا منها. ومن الصعب تصور موافقة أرمينيا على عودة اللاجئين لأنها ادعت أن أحد أسباب الحرب هو تناقص عدد الأرمن في السنوات الماضية في الحي الخاص بهم بنجورنو كرباخ. ومع ذلك، ونظرا لوضع الأرمن يمكن أن يقدموا تنازلات مهمة. يجدر الإشارة إلى  أن موقف الأرمن بالشتات يرفض أي تسوية في هذا الموضوع.

ورغم ذلك، نجح حزب العدالة والتنمية بإحراز تقدم بالعلاقات مع أرمينيا. ومع ذلك، تبقى المسألة الأرمينية من مواضيع الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.

 

إستخلاصات وإستنتاجات

السياسة الخارجية التركية القائمة على الحوار أعطتها ميزات وخيارات عديدة للعمل، لكنها  وضعتها أمام تحديات في نفس الوقت. فعندما تحقق هذه السياسة غاياتها تساهم في إستقرار المنطقة وتعطي دورا مميز لتركيا. وعندما تفشل بتحقيق أهدافها تخلق توترا بين تركيا والدول الأخرى .

ومن الواضح أن تركيا غير ملمة بالخطورة الكامنة في المحاولات التي فشلت بها هذه السياسة. وليس واضحا أن الدول التي قبلت الوساطة التركية ملمة بهذه الإشكالية. وقد أتضح جليا هذا الموضوع بالإنعكاسات السلبية على العلاقات الإسرائيلية التركية بعد الحرب على غزة، إذ كانت الانتقادات التركية الأكثر حدة من بين الإنتقادات التي وجهت لإسرائيل. وزادت هذه الإنتقادات حدة مع تراجع المسار الإسرائيلي الفلسطيني. وربما يعود السبب في ذلك إلى شعور تركيا بأن الممارسات الإسرائيلية تخرب جهودها. وقوبلت الإنتقادات التركية لإسرائيل بدعوة الجمهور الإسرائيلي إلى مقاطعة السياحة بتركيا. وسبق لرئيس الوزراء التركي السابق بولاند أجاويد أن وصف أجاويد العمليات العسكرية الإسرائيلية –عملية السور الواقي- في الضفة الغربية بإبادة شعب.

وعلى ضوء الإنجازات والإخفاقات التي حققتها تركيا، يطرح السؤال التالي: هل ستواصل تركيا إنتهاج هذه السياسة مستقبلا ؟. وللإجابة على هذا السؤال سأقدم تصوران هما: الأول، مواصلة تركيا لسياستها. والثاني،  تراجع تركيا عن هذه السياسة.

 

التصور الأول

  1. ستواصل تركيا وتعمق سياسة الحوار والتوفيق. ومن الأمور التي تعزز هذا الشعور هو استمرار تولي داود أوغلو -واضع هذه السياسة- منصب وزير الخارجية. ويعتقد أن هذه السياسة لها مركب أيديولوجي لذا لا يسعى للتخلي عنها. إضافة إلى ذلك، يحظى وزير الخارجية بدعم من رئيس الوزراء وتقدير الشعب التركي له. وما يحاول أوغلو تأكيده هو  مكانة تركيا الخاصة في الحضارة الإسلامية، وإزدهارها تؤد لعودة تركيا والإسلام للعب دور مركزي في إستقرار العالم.
  2. من الناحية الإقتصادية حققت السياسة الخارجية التركية نجاحات هامة، إذ وسعت علاقاتها الإقتصادية مع العديد من الدول. الأمر الذي ساعدها على مواجهة الأزمة الإقتصادية العالمية بنجاح، ويساعدها على تعزيز علاقتها بالدول النامية إقتصاديا وتقلل إرتباطها بالسوق الأمريكي والأوروبي .
  3. من الناحية السياسية، نجاح السياسة الخارجية التركية إرتبط بتراجع مكانة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وإنهيار نظام الحكم بالعراق الأمر الذي إستدعى دخول أطراف جديدة للعمل .

 

واعطت أحداث 11 سبتمبر مؤشر للصراع القائم بين الإسلام والغرب، الأمر الذي دفع تركيا إلى رفض ذلك مؤكدة على دورها بالتنسيق بين الدول الغربية والدول الإسلامية. ويعتبر البعد الإسلامي من مكونات السياسة الخارجية التركية التي تشكل رابطا بينها وبين دول الشرق الأوسط والخليج الفارسي. ومع ذلك من الضرورة عدم المبالغة بأهمية البعد الديني. فهنالك عناصر أخرى ستدفع تركيا إلى التقرب أكثر من دول الشرق الأوسط.

 

التصور الثاني

تراجع تركيا عن سياستها وإنحسار دورها إقليميا ودوليا وربما العودة لدورها التقليدي الذي شغلته أثناء الحرب الباردة ،وجود إدارة أمريكية جديدة -عكس السابقة- تميل لحوار مباشر مع إيران وسوريا، بحيث لا تحتاج إلى وساطة تركية. كون تركيا تدير حوارات مع دول وجماعات لا تهتم أو لا تريد الولايات الحديث المتواصل المكثف معها كونها دولة عظمى. يمكن أن تشكل تركيا قناة للتواصل بين إيران وحماس مع الولايات المتحدة على سبيل المثال.

هنالك مشكلة تواجه السياسة الخارجية التركية، فرغم زيادة تأثيرها على دول الشرق الأوسط والخليج الفارسي، توجد مخاوف في المنطقة من عودة دور الإمبراطورية العثمانية بالشرق الأوسط، هنالك لاعبون جدد في المنطقة يمكن أن يقوموا بدور مشابه للدور التركي وفي مقدمتهم مصر والسعودية وقد نشبت بعض المناوشات بين هذه الدول على المستوى الديبلوماسي.

تواجه السياسة الخارجية انتقادات تقول بعضها أن تركيا إنشغلت بمواضيع كبيرة جدا  في الوقت الذي لا تتوفر لها الموارد أو التجربة لإدارتها. ومن غير الواضح إذا كان هناك أرتباط بين سياسة تركيا الخارجية، وإستمرار شرعية حزب العدالة والتنمية، وتراجع مكانة الجيش التركي بعد محاولات الإنقلاب التي تم الكشف عنها مؤخرا، حيث وضعت الجيش في موقف الدفاع. وكلما جرت محاولات المس بشرعية حزب العدالة والتنمية، زاد التأييد الشعبي له كما حدث في إنتخابات 2007. كما أن ضعف المعارضة يصعب نشوء دور لحزب يهدد مكانة حزب العدالة والتنمية .

  

الانعكاسات على العلاقات الإسرائيلية–التركية

 كان للعلاقات التركية الإسرائيلية أهمية بالغة نظرا للشرعية التي أعطتها تلك العلاقة لإسرائيل كون تركيا دولة ذات أغلبية مسلمة تقيم علاقات دبلوماسية معها. ورغم التوتر الحالي في العلاقات بين الدولتين، إلا أن إسرائيل هي المستفيدة من تقوية مكانة تركيا في الشرق الأوسط. وعندما كانت تركيا بعيدة عن التدخل في شؤون الشرق الأوسط كان التعاون بين إسرائيل وتركيا يستند إلى كون الدولتين غير عربيتين وبدرجة ما مثل الدول الغريبة. وتحسين العلاقة مع تركيا كونها دولة غريبة في المنطقة غير مجدي الأن ويجب البحث عن عناصر جديدة. ويمكن أن تساهم هذه العلاقة في تقدم العملية السلمية خاصة مع الفلسطينيين. واستمرار الجمود السياسي يساهم في تعزيز التباعد بين الدولتين. لذا لم يكن مفاجئا أن يؤكد براك على ضرورة التقدم بالمفاوضات مع سوريا بعد زيارته لتركيا واجتماعه مع وزير الخارجية التركي في كانون الثاني عام 2010. وعليه، ونظرا لحاجة إسرائيل لتركيا عليها العمل من أجل منع أي مس بهذه العلاقة، لأن أي تراجع فيها أو قطعها سيمس بالمصالح الإستراتيجية لإسرائيل ويساهم بعزلتها.

وتوبيخ السفير التركي في إسرائيل وتصريحات نتنياهو وليبرمان حول عدم الإستعانه بتركيا في العملية السلمية مستقبلا تخرج عن منهجية العمل المعتادة مع تركيا. وأحد الأخطاء التي وقعت بها إسرائيل هو إنتقادها لتركيا وأعتبارها طرف غير موضوعي بالعملية السلمية، في الوقت الذي كان على إسرائيل دراسة فاعلية تركيا بالعملية السياسية إذا إفترضنا أن القيادة الإسرائيلية مهيئة ومعنية بالتقدم بالمفاوضات السلمية. وفي هذا السياق، هنالك إنتقادات وجهت لأولمرت حين أشرك تركيا بالمفاوضات الإسرائيلية–السورية مع أنه لم يكن مستعدا للتوصل لإتفاق مع سوريا.

على إسرائيل تنسيق المواقف بين الوزارات وداخل كل وزارة  لها علاقات مع تركيا، من أجل إخراج العلاقة مع تركيا من الحسابات الحزبية الضيقة. نظرا لوجود إجماع من اليسار واليمين حول أهمية العلاقة مع تركيا إستراتيجيا. ولا تنحصر هذه العلاقة بالبعد الأمني فقط، بل يجب تعزيزها على المستويات المدنية والإقتصادية من خلال تشجيع التبادل التجاري والإستفادة من منطقة التجارة الحرة بين الدولتيين حيث تعتبر العلاقات التجارية من مرتكزات السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية .

ورغم كل الإنعكاسات السلبية على العلاقات التركية الإسرائيلية بعد الحرب على غزة والتي جاءت نتاج المواقف التركية التي أعتبرتها إسرائيل منحازة للفلسطينيين، إلا أن هناك  ضرورة للإستفادة من تجربة تركيا في العلاقات الخارجية ومن النجاحات التي حققتها   والابتعاد عن أي تشنج من خلال التأكيد على الأهمية الإستراتيجية للعلاقة مع تركيا خاصة أن جزء من الإتفاقات مع تركيا سرية، مع التأكيد على أن الإتفاقات العلنية مثل التدريب العسكري المشترك بين الدولتيين مهم جدا للجيش الإسرائيلي .

كذلك هنالك أهمية كون الدولتين تواجه إشكاليات متشابهه مثل الإنتقادات الدولية على حل الصراعات الداخلية بالدولتيين وسط محيط معادي لهما. ونجاح قيادة حزب العدالة والتنمية بإدارة سياسة خارجية فاعلة في محيط معادي تمنح قادة إسرائيل إمكانية إنتهاج سياسة مماثلة تفيد إسرائيل وتقوي العلاقات مع تركيا.

Be Sociable, Share!


التعليقات

محمود بتاريخ 5 يناير, 2013 الساعة 4:31 م #

دراسة رائعة جدا


أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash