ديسمبر
30
في 30-12-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    186 مشاهده

 مضى اكثر من ثماني أشهر على تولي براك أوباما رئاسة الولايات المتحدة، وتخلل تلك الفترة العديد من التصريحات التي حملت خطط طموحة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بجميع مكوناته. إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث حتى هذه اللحظة. والهدف الرئيسي لهذه المقالة هو فحص الاسباب التي تقف وراء  تعثر المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وفحص إمكانية التقدم على هذا المسار والخطوات التي يمكن أن تنتهجها الادارة الامريكية لجسر الفجوة بين الطرفين.

 المسار الإسرائيلي الفلسطيني
معهد أبحاث الأمن القومي
شلومو بروم

 

مضى اكثر من ثماني أشهر على تولي براك أوباما رئاسة الولايات المتحدة، وتخلل تلك الفترة العديد من التصريحات التي حملت خطط طموحة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بجميع مكوناته. إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث حتى هذه اللحظة. والهدف الرئيسي لهذه المقالة هو فحص الاسباب التي تقف وراء  تعثر المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وفحص إمكانية التقدم على هذا المسار والخطوات التي يمكن أن تنتهجها الادارة الامريكية لجسر الفجوة بين الطرفين.

شهدت بداية عام 2009 تغييرات عديدة سيكون لها تداعيات وتأثير على كل إمكانية للتقدم بالمسار الفلسطيني الإسرائيلي  وهذه المتغيرات هي :

1.    تغير الحكومة الاسرائيلية وتشكيل حكومة ذات أغلبية يمينية، تعارض التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين معتبرة أن إقامة دولة فلسطينية يشكل خطرا على دولة إسرائيل إضافة إلى رفضها الإنسحاب من مساحات واسعة من الضفة الغربية.

وهنالك أوساط في الحكومة ترغب بالتوصل لتسوية سياسية مع الفلسطينيين لكنها لا تؤمن بإمكانية تحقيق ذلك نتاج الوضع الداخلي الفلسطيني الذي لا يمكن القيادة الفلسطينية من التوصل لأي حل أو الالتزام بتنفيذ اي إتفاق .

وللحكومة الاسرائيلية مصلحة بنيوية بعدم التوصل إلى أي تسوية مع الفلسطينيين نظرا لإعتقاد الأحزاب التي تشكل هذه الحكومة بأن أي إتفاق يتم التوصل اليه يؤدي إلى تصدعات في تشكيلة الحكومة مما يؤدي لسقوطها .

2.    في نهاية العام 2008 توقف مسار آنابولس الذي شهد المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية  والذي نشط قبل التغير السياسي بإسرائيل، والسبب المعلن لذلك الحرب على غزة حيث لم يتمكن الطرف الفلسطيني من الاستمرار بالمفاوضات. لكن الاسباب الحقيقية التي تقف وراء ذلك اعمق وابعد بكثير من الحرب على غزة. ويمكن طرح بعضهاعلى النحو التالي:

·        السبب الاول ضعف رئيس الوزراء الإسرائيلي يهود اولمرت الذي وصل إلى نهاية عهده السياسي، الامر الذي لا يمكنه من التوصل لحلول سياسية لقضايا بهذا المستوى من الحساسية وتمريرها على الجهاز السياسي وتسويقها جماهيريا، وكان الفلسطينيون مدركين لذلك لذا ترددوا بالتوصل إلى أي تفاهم معه.

·        السبب الثاني، ويمكن أن يكون الاهم وهو ضعف الرئيس الفلسطيني وحركة فتح الامر الذي دفعه إلى التركيز على الوضع الداخلي من أجل تقوية وضعه قبل الإقدام على أية  تسوية. وفي هذا الاطار يمكن الاشارة إلى عقد مؤتمر فتح السادس في شهر 8 والتحضير لاجراء انتخابات عام 2010. ومن الناحية العملية، توقفت المفاوضات بعد إمتناع ابو مازن من تقديم رد حول إطار الإتفاق الذي قدمه اولمرت بعد أشهر من المباحثات.

·        الحرب التي دارت في غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009 ادت في نهايتها إلى وقف اطلاق نار، حيث عملت حركة حماس على ضبط القوى الراديكالية بقطاع غزة نظرا لانها غير معنية بإستئناف الإشتباك مع إسرائيل وتعمل حاليا على دراسة أسباب فشلها بالحرب الاخيرة لإستخلاص العبر من ذلك والتحضير لجولة جديدة. لكن ذلك يواجه عقبات جراء استمرار الحصار على قطاع غزة وخاصة النشاط المصري الفاعل الهادف لمنع وصول شحنات أسلحة لقطاع غزة.

 

وتكمن المصلحة الرئيسية لحماس بتدعيم سلطتها بعد أن تراجعت شعبيتها بغزة  بعد الحرب  في الوقت الذي يزداد تأييدها بالضفة الغربية بعد الحرب. أما الضفة الغربية فتشهد هدوء وتراجع معدل العمليات، واستطاعت السلطة تقوية إمكانياتها الامنية بفعل المساعدات التي يقدمها الأمريكيون. الأمر الذي ساهم في رفع العديد من الحواجز، وفي تنشيط حرية الحركة وتحسين الوضع الاقتصادي في الضفه الغربية.

هذه التطورات ساهمت جزئيا بتحسين صورة حكومة عباس–فياض جماهيريا إلا أنها لم  تؤد إلى تغيير النظرة العامة لهذه الحكومة فما زال الجمهور ينظر بشك إلى إمكانية هذه الحكومة على إقامة نظام سياسي خالي من الفساد يسعى إلى تحقيق الاهداف الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك علينا الاشارة إلى ارتفاع جماهيرية عباس وحركة فتح وتراجع في جماهيرية حماس نتاج كل التغيرات الاخذة بالتشكل على الصعيد الفلسطيني. وفي هذا السياق اشارت نتائج إستطلاع أجراه مركز إستطلاع أمريكي (مركز السلام الدولي العامل بنيويورك ) إلى أن نسبة التأييد لعباس بمناطق السلطة الفلسطينية يصل إلى 52% ونسبة تأيد فتح 45%ونسبة تأييد حماس 25% فقط.

وتسبب سحب تقرير غولدستون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتراجع نسبة التأييد لعباس ولم يتم دراسة هل سيكون لهذا التراجع تأثير إستراتيجي او مرحلي.

من جهتها طالبت الادارة الامريكية بإستئناف المفاوضات السياسية من خلال مبادرة تستند إلى وقف اسرائيل للإستيطان بشكل تام مقابل ذلك تقوم الدول العربية بتطبيع العلاقات مع اسرائيل من خلال إعادة الممثليات الدبلوماسية لدول من شمال افريقيا ودول الخليج والسماح لطائرات إلعال بالسفر عبر الاجواء العربية مما يساهم في تقصير مسارات الرحلات من وإلى اسرائيل، واستند هذا الطرح على فرضيتين هما:

الاولى، ضغط أمريكي لوقف الاستيطان يساهم بتعزيز ثقة الجانب العربي والفلسطيني بالدور الامريكي من جهة، ومن جهة أخرى هو موقف قابل للتحقيق نظرا لتأييد المجتمع الدولي  والجماعات اليهودية في أمريكا والمجتمع الامريكي.

الثانية، هي أن الطرف الفلسطيني غير قادر على تقديم أي شيء اضافي لتعزيز ثقة المجتمع الاسرائيلي به أكثر مما قدم بالجانب الامني، لذا يجب تعزيز الثقة من خلال ما تقدمة الدول العربية بهذا الشأن.

تبين خلال الاشهر الماضية خطأ هاتين الفرضيتين، حيث فشلت الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بوقف الإستيطان بشكل كامل نظرا لطبيعة الحياة السياسية في إسرائيل التي تمنع حتى حكومة يسارية من وقف البناء بأحياء القدس، التي تعتبر مستوطنات بنظر المجتمع الدولي والعالم العربي. إضافة إلى تعذر وقف البناء بالتجمعات الإستيطانية الكبيرة المحاذية للخط الأخضر، حيث بات واضحا بعد المفاوضات مع الفلسطينيين حول التسويات الاقليمية بأن المستوطنات الكبيرة سيتم ضمها إلى إسرائيل مستقبلا الأمر الذي يعني عدم منطقية وقف التوسع بهذه المستوطنات .

نتنياهو الذي يقود الحكومة ذات التوجهات اليمينية لم يقبل بالمطالب الأمريكية القاضية بوقف الإستيطان بشكل كامل. وساهم عدم تأييد المجتمع الإسرائيلي لوقف الإستيطان بشكل كامل في أضعاف الموقف الأمريكي وأفقده أحد العناصر الهامة والضاغطة على موقف الحكومة الاسرائيلية.

الفرضية الثانية التي تستند إلى تغيير الموقف العربي من إسرائيل، وتأثير ذلك على الموقف الإسرائيلي كان مبالغا به منذ البداية، فقد تبين بعد 15 سنة من المسيرة السياسية التي بدأت بحلم (الشرق الاوسط الجديد) وما تخللها من إحباطات متكررة  دفعت المجتمع الإسرائيلي إلى عدم الإكتراث  كثيرا إلى مبادرات ترتبط بالتطبيع لأنه يمكن التراجع عنها بكل بساطة أمام أية عقبة تواجه المسيرة السياسية مستقبلا.

وإستندت الفرضية إلى إمكانية تغيير جوهري في الموقف السعودي، وهذه الفرضية غير واقعية نظرا لموقف السعودية الرافض لإتخاذ أي خطوة بهذا الإتجاه قبل التوصل لحل دائم في المسار الاسرائيلي–الفلسطيني. ونظرا لطبيعة النظام السعودي الذي يعتبر ذاته حامي للأماكن الاسلامية المقدسة، نجد أنه لا غرابة بأن يساهم السعوديين بإفشال المساعي الأمريكية بهذا الاطار.

لكن الموقف الأمريكي المرتكز على هذين الموضوعين(الإستيطان والتطبيع ) لم يساهم في توفير المناخ  للإسرائيليين والفلسطينيين بالتقدم في المفاوضات .

وهناك إنطباع عام يشير إلى أن القيادة الإسرائيلية والقيادة الفلسطينية غير متحمسة إلى مفاوضات الحل النهائي. مع ذلك خضع نتنياهو للضغوط الأمريكية وأعلن قبوله لمبدأ الدولتين، لكنه غير متحفز للمفاوضات  لعدم قناعته بإمكانية التوصل إلى حل دائم مقبول عليه يمكن للفلسطينيين تنفيذه. لذا يؤمن نتنياهو بضرورة إتخاذ خطوات تؤدي إلى تحسين الوضع الإقتصادي من خلال إزالة المعيقات (الحواجز العسكرية) وإعطاء حرية حركة للأفراد والبضائع  الأمر الذي يساهم بتعزيز مكانة الشريك الفلسطيني وتمكنه مستقبلا من عقد إتفاقات. وقد أطلق على هذا المنهج مفهوم (السلام الإقتصادي) الذي يساهم في إستقرار الحكومة اليمينية التي يترأسها، وفي نفس الوقت يعطي إنطباعا للعالم حول نية الحكومة إجراء مباحثات حول الحل الدائم دون إتخاذ خطوات عملية بهذا السياق. غير أن عباس الذي إستندت  مواقفه في الماضي على ضرورة إجراء مفاوضات سياسية للوصول لحل دائم اعتقد أن تدعيم موقفه وموقف حركته السياسي يتحقق من خلال الأفاق السياسية التي يقدمها للفلسطينيين. لكن من الصعب العمل بالشروط التي يضعها الأن لإستئناف المفاوضات والمتمثلة بإيقاف الإستيطان بشكل كلي ووضع سقف زمني للمفاوضات  ويمكن تفسير ذلك بالتالي:

يعتقد عباس بإمكانية الإستناد على الموقف الأمريكي الضاغط على اسرائيل للقبول بهذه الشروط لكن الواقع يشير إلى خطأ ذلك، نظرا لأن الإدارة الأمريكية تدرك أنها لن تستطيع  دفع الحكومة الإسرائيلية لوقف الإستيطان بشكل كامل تمهيدا للعودة للمفاوضات حول الحل الدائم. وأشار استطلاع الرأي الذي أجراه مركز السلام الدولي أن أغلبية الفلسطينيين لا  يعتقدون بإمكانية نجاح الإدارة الأمريكية بوقف الإستيطان بشكل كامل. وعليه، فإن محمود عباس غير متحمس للعودة للمفاوضات حول الوضع النهائي لسببين:

1.    يفضل العودة إلى المفاوضات بعد تحسن وضعة الداخلي من خلال تحسين أداء السلطة الفلسطينية وما ينتج عن ذلك من تحسين للوضع الإقتصادي. وقد بدأ العمل على تحقيق ذلك من خلال عقد المؤتمر السادس لحركة فتح  وهنالك إمكانية لإجراء إنتخابات رئاسية بعد أن تضعضع وضعه بعد إنتهاء فترته القانونية. وبذلك يعود إلى المفاوضات بعيدا عن الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية.

2.    اعتقاد محمود عباس أن إمكانية التوصل إلى إنطلاقة حقيقية بالمفاوضات مع الحكومة الحالية ضئيلة جدا. لذا من الافضل له الانتظار إلى حين حدوث حالة من الصدام بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، تحسن من إمكانياته التفاوض  مع حومة إسرائيلية  متصادمة مع الإدارة الأمريكية. وربما اعتقد أن ينجم عن ذلك تغييرا حكوميا بإسرائيل.

 

ورغم أن الوضع الحالي مريح نسبيا للزعيمين (نتنياهو وعباس)، لكنه يحتوي على مخاطر عدة تتمثل بالتالي:

1.    تأجيل فكرة دولتين لشعبين لدرجة  يمكن فيها عدم إمكانية تحقيق هذه الفكرة مستقبلا. مما سيدفع بفكرة الدولة ثنائية القومية إلى السطح من جديد.

2.    من الواضح أنه لن يحدث تغيير جوهري على مكانة عباس، فمن الصعب إجراء إنتخابات رئاسية نظرا للخلافات القائمة بين فتح وحماس حول آلية الإنتخابات وموعدها، حيث يعمل كل طرف على تحديد الموعد والألية التي تضمن نجاحة بالانتخابات. ورغم المؤشرات على تراجع مكانة حماس إلا  أن حكمها في غزة مستقر ولن يتزعزع دون تدخل خارجي، لذا من المتعذر إجراء إنتخابات بغزه بشكل خاص ومناطق السلطة الفلسطينية بشكل عام دون موافقة حماس على إجرائها.

3.    في حال إستمرار هذا الوضع من المتوقع  أن تتراجع  الرغبة الأمريكية بتوظيف طاقاتها في المسار الفلسطيني الإسرائيلي  بهدف التوصل لحل دائم.

4.    وفي ظل هذا الوضع يستمر التكاثر الإستيطاني في الضفة الأمر الذي يجعل إمكانية العمل   بفكرة الدولتين غير قابلة للتحقيق.

5.    تعمق الإنقسام ومأسسته بين الضفة وغزة يساهم هو أيضا في خلق ظروف تعيق حل الدولتيين. حيث سيكون من الصعب الوصول لحل الدولتيين في ظل إنعدام التوافق الفلسطيني حول الفكرة وغياب وجود نظام فلسطيني يشمل كل الاراضي الفلسطينية. وكلما إستمر هذا الوضع سيتعمق الفصل بين المنطقتيين وهو مريح  تكتيكيا لإسرائيل، لكنه يشكل خطر من الناحية الإستراتيجية حيث سيبعد إمكانية التوصل إلى حل للصراع مع الفلسطينيين، وستفقد اسرائيل الشريك الفلسطيني الحالي.

6.    أثبتت تجربة العقدين الاخيرين أنه لا يكفي تحسين الوضع الإقتصادي للفلسطينيين وما يدلل على ذلك إندلاع الإنتفاضة الثانية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية على الرغم من إنتعاش الإقتصاد الفلسطيني بين عامي 1999-2000. مع ذلك لا يوجد إحتمالية لإندلاع مواجهات عنيفة خلال المرحلة القادمة نظرا لحالة الملل وتراجع التأييد الشعبي الفلسطيني للأعمال العنيفة وهذا ما تظهره الإستطلاعات الاخيرة التي تم إجراؤها.

7.    الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل مستقبلا هو فقدان القيادة الفلسطينية الحالية التأييد الشعبي في الضفة الغربية، وتبلور حالة من الإنعزال عن الحياة العامة وإنحصار الأفراد بالولاءات العائلية مما يؤدي إلى غياب الشريك الفلسطيني القادر على اجراء المفاوضات والتوصل إلى حل مع الاسرائيليين وهذا الخطر لا يقل عن خطر سيطرة حماس على الضفة الغربية.

 

على ضوء هذا التحليل السؤال المحوري الذي يطرح نفسه هو، كيف يمكن لإسرائيل البدء بعملية سياسية مع الفلسطينيين مع الأخذ بعين الإعتبار كل الإعتبارات التي يفرضها الواقع المعاش. والجواب على ذلك يكمن في حلول جزئية تتطلب زمن وتتشكل من مجموعة مكونات متداخلة، وهذه المكونات هي:

المكون الأول، الذي يحتاج إلى سنوات بهدف إجراء تغيرات على الأرض للوصول لحل الدولتين وهذا يتطلب توسيع مناطق نفوذ السلطة بالضفة الغربية بشكل تدريجي. ويمكن في هذا السياق نقل مناطق  من C إلىa  أو Bأو نقل مناطق من B  إلى A ، ويرافق ذلك بناء مؤسسات السلطة وتحسين الوضع الإقتصادي. وبداية هذه الخطوة تتقاطع مع فكرة السلام الإقتصادي، إلى أن التوسع بمناطق نفوذ السلطة محدود إذا لم يتم إجراء تغييرات على حالة المستوطنات. الأمر الذي يستوجب في مرحلة معينة إخلاء بعض المستوطنات المعزولة مما سيوفر الإمكانية لتواصل جغرافي بين مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية.

وعلى المدى الزمني البعيد نسبيا يجب البدء بإخلاء مستوطنات لإعطاء مصداقية للاجراءات الإسرائيلية وتعزيز فكرة الدولتتين. وتيرة هذا التحرك مرتبطة ببناء مؤسسات السلطة الفلسطينية وعلى ضبط الوضع الامني في مناطق السلطة وقدرة الاطراف على التقدم بالحلول السياسية. وإذا كانت المراحل الاولى ناجحة فذلك يدفع الأطراف للتقدم أكثر في المفاوضات وصولا لمراحل متقدمة. لذا من الضرورة الإستفادة من تجربة بناء القدرات الأمنية الفلسطينية خلال السنتيين الاخيرتيين. وفي بداية عمل الجنرال دايتون وطاقمه لم تكن إسرائيل مستعدة للتعاطي الإيجابي معه. لكن، وبعد النجاحات التي تم تحقيقها بمنطقة جنين تغير الموقف الإسرائيلي وأصبح أكثر إنفتاحا على متطلبات إنجاح هذا المشروع (بناء القدرات الأمنية الفلسطينية) مما سهل توسع عمل السلطة بمناطق إضافية. وما يعيق عمل السلطة حاليا هو غياب الافق السياسي بالمرحلة الحالية. الأمر الذي يعطي الأطراف الفلسطينية المعارضة الفرصة لإتهام السلطة بالتعاون مع العدو الإسرائيلي والأمريكي.

ومن الضروري التأكيد على أهمية المكون الثاني المتمثل بالمفاوضات حول الحل النهائي، لأنه من الصعب الحديث عن تغيرات على الأرض دون إستئناف المفاوضات السياسية للوصول لحل نهائي. وقلق الفلسطينيين من الحلول الجزئية ينبع من خشيتهم بأن الحلول الجزئية هي منهجية تتبعها اسرائيل لترسيخ الأوضاع على النحو الذي يخدم مصالحها ويعطل حل الدولتيين على النحو الذي يمكن ان يقبلوا به.

البدء بمفاوضات حول الحل الدائم مع البدء باخلاء مستوطنات معزولة سيعطي مؤشرا على جدية المفاوضات مع التوضيح بأن الحل النهائي لن يكون سهلا وخلال مدى زمني قصير.

وعلى الرغم من عدم النية المعلنة من الطرفين بالبدء بالمفاوضات يمكن للإدارة الأمريكية دفع الطرفين للمفاوضات، من خلال دعوة الرئيس أوباما إلى مؤتمر دولي على غرار مؤتمر مدريد ومن الصعب الإعتقاد بإمكانية رفض الأطراف لهذه الدعوة وما سيترتب عليها من مفاوضات مستقبلا. مع ذلك، لا يمكن للإدارة الأمريكية إجبار الأطراف على إجراء مفاوضات جدية حيث ستكون بداية المفاوضات إستكشافية للمواقف كما حدث بعد مؤتمر مدريد وقبل البدء باتفاقات أوسلو.

المكون الثاني، مظلة إقليمية تستند إلى مبادرة السلام العربية، ولا يمكن أن تكون الطريق المثلى لتفعيل هذا المكون هو من خلال اجبار العرب على إتخاذ بوادر حسن نية أحادية الجانب إتجاه اسرائيل تتمثل بتطبيع العلاقات معها، بل يجب أن يتم ذلك من خلال تفعيل لجان المفاوضات متعددة الإطراف حول مراقبة التسلح والأمن الإقليمي والاجئين والإقتصاد والبيئة. وبذلك تصبح المظلة الإقليمية تطالب الدول العربية المركزية مثل مصر الاردن والسعودية  تأييد الفلسطينيين ودعمهم بالمفاوضات.

المكون الثالث، مظلة دولية بهدف وضع خطوط عريضة للمفاوضات تدعم المفاوضات بين الطرفين، ويمكن تحقيق ذلك من خلال عقد مؤتمر دولي وإتخاذ قرارات في مجلس الأمن تدفع إتجاهات المفاوضين وتقديم مساعدات متواصلة لبناء القدرات الفلسطينية. وإضافة لكل ذلك إعطاء ضمانات للأطراف تتعلق بالاجراءات التي سيتم إتخاذها من المجتمع الدولي في حال تشوش مسار المفاوضات. وتلعب الإدارة الأمريكية دورا مركزيا في هذا الإطار نظرا لدورها بالمسيرة السياسية بشكل عام.

 

كل المكونات التي تم ذكرها لا تعطي إجابة حول آلية التعامل مع سلطة حماس في غزة الرافضة للمسيرة السياسية، لذا من الضروري إضافة مكون رابع يتمثل بتنفيذ إجراءات ضد حماس لتحييد دورها خاصة أنها معنية بمواصلة تعزيز سلطتها من خلال السياسة التي إتبعتها بعد دخولها العمل السياسي حيث إنتهجت التهدئة كأسلوب للعمل مع قناعتها بأن خصمها السياسي المتمثل بحركة فتح غير قادرة على إجراء مفاوضات مع الاسرائيليين تخدم المصالح الوطنية الفلسطينية، لكنها لا تعمل على افشال مفاوضات تؤدي إلى إنسحاب إسرائيل من أراضي فلسطينية إضافية تمهيدا لإقامة دولة فلسطينية.

تعبيرات هذا التوجة كانت واضحة أثناء تنفيذ خطة الإنسحاب أحادي الجانب من غزة وموقفها الحالي أثناء حكم القطاع. وتتمثل المصلحة الاسرائيلية اليوم برفع إستعدادية حماس للعمل على المحافظة على سلطتها بقطاع غزة وعدم العمل على إفشال أي تقدم يتم تحقيقه بين السلطة وإسرائيل، وتستطيع إسرائيل تحقيق ذلك في حالة إقدامها على تحسين الظروف الحياتية  في غزة من خلال فتح المعابر التجارية على الجانبين(إستيراد وتصدير). وهناك من يعارض هذا التوجة ويطالب بإسقاط حكم حماس في غزة بهدف تقوية الشريك الفلسطيني بالمفاوضات، لاعتقادهم أن سماح إسرائيل إستمرار حكم حماس بغزة يساهم في إضعاف الشريك الفلسطيني المفاوض.

هذه الانتقادات صحيحة لو توفرت طريقة غير عسكرية لتحقيق ذلك، وإسقاط حكومة حماس بحاجة لتدخل عسكري خارجي وهذا ما ترفض إسرائيل القيام به نظرا لمتطلباته حيث ستضطر إسرائيل لإعادة إحتلال القطاع  وإدارته كسلطة إحتلال.

السؤال الذي يمكن طرحه في هذه الحالة . كيف يمكن العمل على خلق  شروط مريحة بوجود حماس ؟. الجواب الوحيد الأن هو من خلال الدمج ما بين الإهتمام بمصالح حماس ضمن سياسة الردع، التي أثبتت أنها لوحدها لن تساهم بخلق وضعية مريحة للمفاوضات حيث ستعتبر حماس أن السلوك الإسرائيلي يعبر عن تهديد وجودي لها. ويمكن اتباع التغير بالسياسة العامة بما يتفق مع ما طرح بعد اتمام صفقة شاليط.

ومن الصعب البدء ببناء مسار تفاوضي بهذه المكونات التي تمس قضايا جوهرية للطرفيين. لكن، من الافضل للولايات المتحدة وطرفي الصراع العمل على بناء مسار على هذا النحو  بحيث يتم إشتراط التدرج للعمل به مع إمكانية تعديلة في كل مرحلة من المراحل حيث لا يتطلب في البداية التضحية بالمواقف الرئيسية للطرفيين .

إمكانية نجاح هذا التصور مرتبطة بالتغيرات التي ستحدثها الخطوات الأولى في الواقع السياسي للطرفين مما يهيء الأجواء للإنتقال للمراحل الأصعب، حيث يتم البدء باخلاء المستوطانات المعزولة وينتهى بإجراء مفاوضات حثيثة للوصول للحل الدائم.

 

 

وحدة الشئون العبرية 
 يوسف غنيم

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash