نوفمبر
23
في 23-11-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    624 مشاهده

دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب عن أثر فوز حماس في الانتخابات

 

 
هذه الدراسة صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب عن أثر فوز حماس في الانتخابات

 

بحسب نيتشه، فإن «الطبيعة البشرية هي أصلب في تحمل النصر من تحمل الهزيمة»، وقوله هذا وثيق الصلة بالحالة التي تجد حماس نفسها فيها، بعد فوزها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني أواخر شهر كانون ثاني (يناير) من عام 2005.

إثر هذه الانتخابات، مراقبو الشأن السياسي الفلسطيني لا يمكنهم إهمال قوة النصر الانتخابي لحماس، وأيضاً تأثيرها البعيد المدى على ميزان القوة ضمن النظام السياسي الفلسطيني.. كما لا يمكنهم إهمال ردود الفعل الحادة على نتائج هذه الانتخابات، التي صدرت إقليمياً وعلى المستوى الدولي.

إلى يوم إجراء الانتخابات، كانت مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية تحت سيطرة حركة فتح. ومؤسسات السلطة يعني الرئاسة، الحكومة، القوى الأمنية والبرلمان.. ما يشير إلى أن مثلث قاعدة السلطة بما يشمل الرئاسة، السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، كمنت في أيدي المعسكر القومي.. لكن فوز حماس أدى إلى تغيير أساسي في الواقع، حيث أن فوزها ب74 مقعداً من أصل 132 مقعداً هي كامل مقاعد المجلس التشريعي، جعلها تمثل الأغلبية في النظام السياسي والقوة المهيمنة على الحكومة الفلسطينية الجديدة.

نصر حماس الانتخابي على المعسكر القومي الذي تقوده حركة فتح، ليس مجرد فعل نقل السلطة لكنه تفويض لتغيير النظام. وتغيير النظام على خلاف نقل السلطة، يستلزم تنقيح المبادئ الأساسية للحكم والأهداف العامة للسلطة الفلسطينية، إعادة تعريف سياسات السلطة الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى تغيير قيمها الأساسية وخطوطها الحمراء المتعلقان بالنظرة إلى إسرائيل. وانطلاقاً من مذهب حماس الإسلامي، هناك أهمية دينية لتغيير النظام في جدول الأعمال الوطني الفلسطيني.. والنظرة الإسلامية العالمية تعني انعكاساً في اتجاه عدة مبادئ: أولاً، الالتزام نحو تأسيس دولة إسلامية في كافة أنحاء فلسطين، وهو يعني استبدال الرؤية الواقعية التي تقبل بحل الدولتين، إسرائيل إلى جانب دولة فلسطينية.. ثانياً، تنشيط مجتمع إسلامي بدلاً من البرنامج المدني.. والمبدأ الثالث هو فهم النزاع الفلسطيني الإسرائيلي كقدر بدلاً من كونه نزاعاً على الحدود.

خلاف داخلي فلسطيني‏

على الرغم من نجاحهم الانتخابي، هناك إشارات تفيد أن المنتصرين سيجدون صعوبة في ترجمة انجازاتهم إلى تحويل شامل في الواقع السياسي الفلسطيني. فقد أوجدت نتيجة الانتخابات حلبة سياسية فلسطينية موبوءة بتناقضات داخل وبين الأطر التنظيمية، نزاعات شخصية وفجوات بين الأجيال. وهي توترات أثرت على العلاقات بين حماس ومحمود عباس (أبو مازن) وبين حماس وفتح، بالإضافة إلى الديناميكيات الداخلية ضمن حماس نفسها.

التوترات ظهرت بين حماس والرئاسة الفلسطينية حول التفسيرات الدستورية لتقاسم السلطة، حدود المسؤولية الحكومية والسيطرة على المؤسسات. طبقاً للدستور الفلسطيني، يمسك رئيس السلطة بمساحات واسعة من الصلاحيات، والأكثر أهمية فيها: القيادة العليا للقوات المسلحة، التعيين وعزل رئيس الوزراء، المصادقة على كل تشريع يقره المجلس التشريعي، إعادة التشريع إلى المجلس لمناقشة إضافية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الرئيس وكقائد أعلى للقوات المسلحة ليست لديه صلاحية تعيين قادة الأجهزة الأمنية، فهي سلطة موكلة إلى الحكومة مجتمعة، كما أنه غير قادر على تعيين الوزراء وعزلهم. وبالتالي فإن مصلحة أبو مازن الواضحة، إضافة إلى مصلحة رفاقه، هي في ضمان هيمنة الرئاسة على النظام السياسي الفلسطيني في وجه حكومة حماس، وهذا ما انعكس جهوداً ومشاريعَ قام بها المجلس التشريعي قبل انتهاء ولايته لإقامة محكمة دستورية عليا وتشريع قانون مراقبة. وهذان الجهدان استهدفا تزويد أبو مازن بسلطات قانونية واسعة كي يتفوق دستورياً على سلطات حكومة حماس.

نصر حماس في الانتخابات التشريعية أدى إلى تساؤل حول السيطرة المستقبلية على القوى الأمنية الفلسطينية، التي تسيطر عليها – إلى الآن – حركة فتح. والخلافات بين فتح وحماس في سياق الحقيقة السياسية الجديدة زادت من حيرة عناصر حركة فتح الشخصية والمؤسساتية. وهو ما شجع نشطاء حركة فتح على الاحتفاظ بالإمكانيات العسكرية والمالية والتنظيمية الضرورية لضمان وجودهم المستقبلي المستقل حركتهم. علاوة على ذلك، فإن العلاقات الهشّة بين حماس وفتح وبين حماس وأبو مازن كانت آخر ما زاد في التعقيد والتنافس ضمن حركة فتح نفسها التي شهدتها على مرّ السنين، وهي توترات تطورت بين الحرس القديم المرتبط بالجيل المؤسس، وبين الجيل المتوسط الذي ظهر خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 – 1993)، وأيضاً الجيل الأصغر المرتبط بالتنظيم، ألوية شهداء الأقصى ولجان المقاومة الشعبية، الذين يعتبرون كناتج للانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة باسم انتفاضة الأقصى، التي انفجرت في أيلول (سبتمبر) عام 2000.

نزاع حماس التنظيمي‏

التوترات والخلافات التي أحاطت بتشكيل جدول الأعمال الفلسطيني والسيطرة على مراكز السلطة الفلسطينية، ظهرا على السطح أيضاً ضمن حركة حماس. والاحتكاك ظهر بين قيادة «الخارج» للحركة، تحت قيادة قائد حماس السياسي خالد مشعل ونائبه الدكتور موسى أبو مرزوق، من جهة، وبين قيادة «الداخل» التي يمثلها بشكل أبرز كل من إسماعيل هنية ومحمود الزهار من جهة ثانية. انتفاضة الأقصى عززت الاختلاف بين هذين المعسكرين. فالثمن الباهظ في المصادر الإنسانية والاقتصادية التي دفعها الشعب الفلسطيني، مقترناً باغتيال إسرائيل لزعماء حركة حماس المحليين، ليّن نظرة حماس العامة ولطّف مواقفها بما خص النظرة إلى علاقة السلطة الفلسطينية بإسرائيل. وهنا يجدر فهم مغزى أن تكون قيادة حماس الداخل، وليس قيادة الخارج، هي التي دعمت اتفاقية وقف إطلاق النار (الهدنة) ولاحقاً «التهدئة». وكان لقيادة الداخل أيضاً نصيب التعبئة في سبيل المشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية الفلسطينية. الأهمية التي تلقتها قيادة الداخل خلال انتفاضة الأقصى، إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة صيف العام 2005، وانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، كان لها أن عززت منزلة حماس الداخل وشددت على أهميتها النسبية فيما يتعلق بقيادة الخارج. وهو ما يوضح سبب تراجع حضور زعماء الخارج لمصلحة زعماء الداخل ضمن سياق الحكومة الفلسطينية الجديدة. فبدلاً من حكومة تحت قيادة زعماء الحركة الرفيعي المستوى في الداخل، فضلت قيادة الخارج حكومة أنصار من التقنيين، بما يشمل أيضاً شخصيات مستقلة. والقصد من ذلك هو خدمة مصالح زعماء الخارج وضمان دورهم المركزي الخاص فيما يتعلق بقضايا المهمة الأيديولوجية والإستراتيجية، بالإضافة إلى استمرار تأثيرهم على تشكيل السياسة المستقبلية للحركة.

من جهتها، فضلت قيادة الداخل حكومة موسّعة، تشاركها فيها حركة فتح وأطراف أخرى فازت بمقاعد في البرلمان. وهو ما يشمل أطرافاً يسارية تلقت أكثر من (5%) من الأصوات، إضافة إلى المستقلين (4%)، وأطرافاً أكثر تحرراً مثل حزب الطريق الثالث، الذي يعرف كاتجاه قومي، حيث فاز تقريباً ب(4%) من الأصوات.

الانقسامات بين قيادة «الداخل» و«الخارج» فيما يتعلق بالقضايا السياسية الرئيسية كالاعتراف بإسرائيل والامتثال للاتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، جرى تشوّشها خصوصاً منذ النصر الانتخابي. فقد دعم مشعل والزهار مواقفَ أكثر تشدداً من مواقف أبو مرزوق وهنية. ففي مقابلة مع الزهار على تلفزيون العربية في 18 آذار (مارس) 2006، عكس رأياً متشدداً، رأى فيه أن برنامج حماس يستند إلى أسس دينية لا يسمح لها بالتنازل عنه، وهي أسس يمكنها أن تمنح وقفاً لإطلاق النار طويل الأمد، لكنها تترك النزاع عالقاً.. في حين أن أبو مرزوق كشف عن كلمات أكثر تصالحية، حيث رأى في مقابلة مع الواشنطن بوست 31 كانون ثاني (يناير) 2006، أن حماس قد تكون قادرة على التعايش مع إسرائيل، شرط أن تكف إسرائيل عن تطلعات الهيمنة وتوافق الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط العادل والنزيه بين الطرفين.

برنامج مقابل جدول أعمال‏

دفع الاحتكاك التنظيمي لحماس أن تتبنّى إستراتيجيات عمل تستهدف تجسير الفجوة بين الدافع لترجمة عقيدة الحركة تغييرات في جوهر النظام القائم، والاعتراف بحقيقة أن النصر الانتخابي يجب أن يكون انتقالاً للسلطة. فبالمقارنة مع تغيير النظام، يتطلّب انتقال السلطة أن كلّ الأعمال التي سوف يعمل عليها يجب أن تأخذ بالحسبان المبادئ المؤسساتية للسلطة الفلسطينية واحترام الالتزامات السياسية والمالية الملقاة عليها.

على الرغم من أداء حماس المثير للإعجاب انتخابياً، إلا أن الانتخابات ركّزت اختلافات أيديولوجية، معضلات سياسية، وأبرزت توترات وخلافات تنظيمية داخلية بين (وضمن) أطر مختلفة بخصوص تركيبة الحكومة وأنماط الحكم. وهو ما يوضح تكريس قيادة حماس جهدها الإعلامي للتغلب على التضاربات بين التزامها بكل فلسطين وحاجتها إلى العملية السياسية. فبينما استثنت حماس الاعتراف الرسمي بإسرائيل، الذي يمكن أن يساعد في الوصول إلى حل دائم للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، أعلن زعماء حماس رغبة بانجاز وقف إطلاق نار طويل الأمد الذي يدل على اعتراف بإسرائيل ك«وجود واقعي» (مشعل) أو «واقع قائم» (الزهار)، مقابل انسحاب إسرائيلي إلى حدود العام 1967.

حقيقة التوتر المثقل الذي تجد حماس نفسها في وسطه في أعقاب انتخابات عام 2006، بدأ بالظهور خلال الانتفاضة الأولى التي انفجرت في كانون أول (ديسمبر) عام 1987، وتصاعد خلال الانتفاضة الثانية. فمنذ تأسيسها رسمياً في صيف العام 1988، زاوجت حماس بين إستراتيجية العمل التي تدمج برنامجاً إيديولوجياً يتعلق برؤيا بعيدة المدى ويتطلب كفاحاً مستمراً لتأسيس دولة إسلامية في كل فلسطين، وبين جدول أعمال يراعي في حساباته مصالح الجمهور الآنية ويتطلب اعترافاً قصير الأمد بترتيب مؤقت لدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. فكحركة إسلامية تفتخر بوجهة نظر بديلة، لا تستطيع حماس أن تنقض صورتها الأصولية. على أية حال، كحركة اجتماعية، على حماس أن تأخذ بالحسبان الحاجات والأولويات التي فرضتها الحياة العادية وقبول حقيقة الترتيبات السياسية. فعقيدة حماس تدعو إلى نشاط مكثف ومركز على أهداف قياسية، أما عملياً فإنها تبنت سياسة هي أكثر واقعية من كونها عقيدية، وهي أكثر إصلاحية من كونها ثورية.

سياسة حركة حماس للإبقاء على ميزان بين شاعرية عقيدتها ونثر الحقيقة، مكنا قيادتها من تطوير أنماط مرونة من دون خسارة المصداقية السياسية. وهو ما حصل مع الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، وكذلك مع خالد مشعل وموسى أبو مرزوق وإسماعيل هنية ومحمود الزهار. وهذه الإستراتيجية سهلت قبول حماس لوقف إطلاق النار وفترات الهدوء في كفاحها المسلح ضد إسرائيل. مثل هذه الخيارات السياسية مكّنت أن تكون المسائل أكثر سهولة على زعماء حماس للتأرجح بين الموقع غير الواقعي الملتزم بالكامل بالعقيدة المعلنة، والانفتاح على المرونة السياسية، ومن ثم العودة إلى التصلب.

ما بعد عملية الانتخاب، يكرر زعماء حماس تصريحاتهم المنكرة لقضايا حاسمة مثل الاعتراف بإسرائيل، الالتزام بحل الدولتين، احترام الاتفاقات الفلسطينية مع إسرائيل وإنكار الإرهاب، وهو ما يشير إلى حقيقة مسعى ل«هجين» أو ل«خلط إستراتيجية». وهدف هذه الإستراتيجية هو شرعنة إطار حكومي يؤدي إلى تناقضات عالقة بالضرورة. وفي هذا السياق، تفضِّل حماس اعتماد استراتيجيات سياسية لا تستهدف حل القضايا السياسية الرئيسية. وكلما تنجح القيادة في تعبئة الشرعية الداخلية والدعم الخارجي للمبادرات التي لا تتطلب اعترافاً بإسرائيل ولا القبول الكامل بأوسلو  ولا الرفض الكامل أيضاً  فان فرصهم ستكون كبيرة في البقاء على هامش القرارات المتعلقة بالقضايا الأساسية.

التغييرات في بيئة حماس الداخلية والخارجية ما بعد انتخابات 2006، بالإضافة إلى الاهتمام الإقليمي والدولي بتطورات السلطة الفلسطينية، يثير أسئلة عن المدى الذي يمكن لحماس كحزب حاكم أن يصل إليه في طريقه السياسي، وذلك بالاستخدام المتكرر ل«خلط الاستراتيجيات»، الذي يدمج بين البدع والطاعة.

المقاربة الحتمية

اغتيال الشيخ ياسين في اذار (مارس) عام 2004 ترك حماس مع فراغ قيادة. ومنذ رحيل ياسين، عانت حماس من فقدان زعيم مؤثر قادر على العمل كمصدر الهام أيديولوجي، وسلطة سياسية وكيان يمكنه أن يبادر إلى استراتيجيات يمكن تسليكها. وعلى حماس أن تكافح في ظل غياب مركب هرمي لاتخاذ القرارات. وفيما يتعلق بالقضايا الرئيسية كالعلاقات بالسلطة الفلسطينية، الاشتراك بالانتخابات، وقبول وقف إطلاق النار وفترات الهدوء مع إسرائيل، تستخدم حماس نظام المشورة والرأي الذي يستند على لجان تمثل عدد من الكيانات والمجموعات.. وقد خدم هذا الأسلوب في إيجاد قاعدة واسعة من الإجماع وقوّى الوحدة الداخلية. كما أنه قلل من إمكانية الخلاف وتضارب المصالح الذي يمكن أن تؤدي إلى معارضة بعض المجموعات ورفضها للقرارات. على أية حال، وجود لا مركزية، تجزي‏ء، وبطء قرارات، له تكلفة عالية أيضاً. فضمن سياقات حماس كحزب حاكم، من الصعب جداً العمل بشكل طوعي في استبدال البنية الحكومية الضرورية لاتخاذ القرارات فيما يتعلق بالقضايا الدولية والإقليمية والمحلية الرئيسية.

العلاقة المعقدة بين حماس وفتح الناتجة عن الانتخابات أثارت أيضاً أسئلة بخصوص ملائمة استراتيجيات اتخاذ القرارات لحماس في إطار الواقع السياسي الجديد. فنتيجة للانتخابات، فتح، التي فقدت منزلتها كقوة قائدة في الحياة السياسية للشعب الفلسطيني، وجدت نفسها في وسط أزمة داخلية وكفاح من أجل البقاء. وقد عزز هذا التطور كفاح فتح بوجه حماس على مصادر القوة ضمن النظام الفلسطيني.

في هذا السياق، يقوّم نشطاء فتح بأن حماس ستمتنع عن القيام بأي تحوير بعيد المدى نتيجة لإستراتيجيتها المخلوطة بنعم ولا، هذا لأن الانحراف من ناحية حماس من المحتمل أن يؤدي إلى أزمة داخلية وتدهور في العلاقات إلى حد الصدع. طبقاً لهذه النظرة، فإن حماس ستفضل أن لا تذعن للضغط الخارجي وستواصل البقاء على مواقفها السياسية كنقطة لا عودة. فعدم استعداد حماس لتكييف عملية اتخاذ القرارات لديها نسبة للحقيقة السياسية الجديدة ستُعجِّل في سقوطها، وبالتالي ستنفتح فرصة جديدة تسمح لفتح باستعادة عهودها القيادية السابقة.

المواقف الإسرائيلية والأميركية جعلت من الصعب على حماس، أيضاً، الاستمرار في استخدام إستراتيجية النعم واللا. وتحت هذه الظروف، يمكن المجادلة في أن العلاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بقيادة حماس قد تتدهور إلى مجابهة مسلحة وعودة دامية للانتفاضة. ومثل هذا التطور قد يضع حدا لنظام حماس. في نفس الوقت، يمكن أن تصبح الضفة الغربية وقطاع غزة مكانا جاذبا للمتطرفين الإسلاميين الأصوليين، الإقليميين والدوليين، الذين سيعملون ضد إسرائيل وأنظمة عربية مؤيدة للغرب مثل الأردن ومصر. وإذا ما حدث ذلك، فان الأراضي الفلسطينية  وخلافاً لمصالحهم  ستصبح عراقاً ثانياً، وسيجري تذكر حماس كمجرد حادثة محلية عابرة.

شبكة الآراء

إنّ سياق الأحداث الذي جرى وصفه ليس بالتأكيد سياقاً نهائياً لا يمكن دحضه. التقويم هو أن إستراتيجية ال(نعم) وال(لا) لحركة حماس ستدفع الأطراف في النظام السياسي الفلسطيني إلى اليأس، فلعبة المجموع صفر (zero-sum) للنزاع مستند على المقاربة الجامدة للفلسطيني الآخر. طبقاً لهذه المقاربة فإن حركة حماس حددت أولويات الإستراتيجية مسبقاً، إضافة إلى مواقفها السياسية وأهدافها النهائية المعادية لإسرائيل. لذا فان سلوكها لا يعتمد على المواقف الإسرائيلية أو العلاقات الإسرائيلية مع حماس نفسها.

على نطاق أوسع، هذه المقاربة الحازمة حيال حماس تأتت من مسار تفكيري حيث كان للأهداف الإستراتيجية والسياسية والأولويات الأمنية الإسرائيلية تحديد كيف ينظر «الآخر» الفلسطيني للوضع، وبشكل مستقل عن الطبيعة المعقدة لتحرك حماس العملي حالياً. وبالتالي جرى التقليل من أهمية إتباع المنطق، صنوف الآراء، الفروق الدقيقة، التناقضات والتوترات التي تعكسها تصريحات ومواقف حماس. هذه المقاربة ترى حماس كياناً متصلباً يركز على أهداف مطلقة ويرغب بالوصول إلى انجاز سياساته المتطرفة المنافية للعقل. وذلك بالتحديد ما انعكس على المدرك الحسي في أن سلوك حماس المستقبلي يتحرك وأيضاً يتحدد على نحو صرف من الإيديولوجيا المعلنة للحركة. لذا، فإن فرصة اعتدال حماس في مواقفها هي فرصة عقيمة، وأن الحديث عن تسوية سياسية يهدف فقط إلى التعمية. طبقاً لهذا المنطق، فإن حماس ستعمد إلى إبعاد رؤيتها عن عالم القيود الإستراتيجية والى ما وراء إطار الجوهر السياسي.

هناك فرضية أكثر واقعية تنظر إلى حماس كحركة تعمل ضمن سياق متغير باستمرار، تدرك القيود العملية، حساسة للبيئة المحيطة بها، يقظة للظروف وخاضعة لاعتبارات تأثير الكلفة. طبقاً لهذه المقاربة، من المحتمل للضغوط الدولية والإقليمية والداخلية أن تقود حماس إلى إظهار مسار تفكير موجه باتجاه «شبكة أهداف» عوضاً عن التركيز على هدف واحد، وذلك لإظهار نفسها أكثر براغماتية من كونها متطرفة دينياً، وإبعاد عنها صورة الأصولية كي تسهل عليها إستراتيجية الانفتاح الثقافي.

الاحتمال القوي أن تحدث بعض التغييرات في الأولويات الإقليمية والدولية في أعقاب انتصار حماس الانتخابي وتحولها إلى حزب حاكم، أي أن مقاربتها باتجاه «شبكة أهداف» متعددة ستتغلب على النظرة الأحادية الهدف الجذرية. من منظور إقليمي ودولي، فإن القضية الإسرائيلية الفلسطينية أصبحت حساسة جداً ومقلقة جداً كي تبقى في أيدي الطرفين لوحدهما. الأردنيون، المصريون والسعوديون، يخشون من تدهور اقتصادي للسلطة الفلسطينية، وتجديد المجابهة العسكرية بين السلطة وإسرائيل ما سيؤدي إلى راديكالية إسلامية يمكن أن تهدد استقرارهم السياسي. بحسب نظرتهم للمسألة فإن تدخلهم أساسي في القضية، وهذه حقيقة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يخشيان من تدهور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى نزاع بين الإسلام والغرب. والقلق من أن تصبح المسألة في متناول إيران والجهاد الإسلامي.

تحت هذه الظروف، فإن اللاعبين الإقليميين والدوليين سيتحركون لتقليل أضرار الواقع الحالي بدلاً من العمل على تغيير جذري. فالخطوات البعيدة المدى المتخذة من قبل إسرائيل حيال حماس، مثل الخنق المالي والعزلة الدبلوماسية، من المحتمل أن تُفهم إقليمياً ودولياً ككيد مرتد، يحوّل الجلاد إلى متهم والجرح إلى خنجر. وبالتالي هناك مجال للافتراض أن الخطوات الإسرائيلية قد تؤدي إلى تحفظات دولية قاسية قد تتطور إلى معارضة واسعة.. وعلى ضوء ذلك، فإن القوى الفاعلة الإقليمية والمجموعة الدولية قد يستثمرون جهوداً كبيرة لإنعاش المبادرات السياسية أو اقتراح مبادرة جديدة تكون كفيلة بجسر الهوة بين طلبات إسرائيل الدنيا والتنازلات القصوى التي يمكن للنظام السياسي الفلسطيني الجديد أن يكون راغباً فيها. وهناك مجال أيضاً للافتراض أنه على ضوء التغييرات التي وقعت في الحلبة الفلسطينية، فإن مثل هكذا مبادرات تعيد تعريف الأولويات الإقليمية والدولية طبقاً لمصالح الأطراف المعنيين. وطبقاً لإعادة التقويم هذه، من المحتمل أن تقوم هذه القوى بتوجيه النشاط السياسي على جدول أعمال متفق عليه، الذي سيتميز بثلاث أنواع من القضايا:

* القضايا الأساسية مع نتائج إستراتيجية فورية وحساسة لصالح الأطراف الرئيسية على المستوى المحلي، الإقليمي والدولي.

* القضايا المهمة مع نتائج إستراتيجية فورية لصالح الأطراف إضافة إلى نتائج حساسة من حيث أهميتها مستقبلاً.

* القضايا الرئيسية التي تشكّل قلب النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي تتطلب مفاوضات ممتدة لكن لا تقدم نتائج فورية أو حساسة على المدى القريب.

مع فرضية أن هذه «الأطر الثلاثية الأبعاد» قد تخدم كقاسم مشترك في تحريك سلوك الأطراف الخارجيين، فإن تجديد الحوار بين إسرائيل والفلسطينيين سيعتمد على محادثات بين الطرفين برعاية طرف ثالث. المبادرة العربية في قمة بيروت صيف العام 2000، والتي كانت في الأصل مبادرة سعودية، مع خلطها مع خارطة الطريق الأميركية، هي من أنواع المبادرات التي ستميز العصر السياسي الجديد، حيث حماس هي الشريك الفلسطيني فيه.

من منظور إسرائيل، فإن تحويل النزاع الثنائي إلى الحلبة المتعددة الطرف، والاعتراف بالمنظور الثلاثي الأبعاد، يتطلب إعادة تقويم أولويات إسرائيل واستراتيجيات العمل لديها للمستقبل المنظور. وطالما أن الرأي الإسرائيلي السائد والمسيطر لا ينطلق من طرق تفكير مشتركة مع الفلسطينيين بل من هوية الطرف الفلسطيني وما الذي يريده واقعاً، فإن على السياسة الإسرائيلية أن تُوجَّه من خلال الإجابة على ثلاث أسئلة:

ماذا تأمل إسرائيل أن تكسبه على المدى القصير؟

ما الذي تتوقعه إسرائيل في المدى المنظور؟

ماذا تأمل إسرائيل إنجازه على المدى البعيد؟

صياغة الأولويات تتطلب مرونة ونفاذ بصيرة إلى جانب الانفتاح الاستراتيجي والتصميم الفعال. وانطلاقاً من واقع عدم الوعي الإسرائيلي الكافي لحقيقة الطرف الفلسطيني الآخر، فإن مثل هكذا مقاربة قد تكون في بادئ الأمر غير معقولة.. لذا من الممكن أن يكون هناك تحوّل إلى انتفاضة دموية جديدة، وعندها سيواجهون معارضة قوية. وفي النهاية، على أية حال، قد تتحول المسألة إلى حقيقة حتمية.n

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash