أكتوبر
29
في 29-10-2009
تحت تصنيف (Uncategorized) بواسطة alianalhindi
    516 مشاهده

اعتادت وحدة الشئون العبرية في هيئة التوجيه السياسي والوطني كتابة تقرير سنوي عن مؤتمر هيرتسليا لأنه يجمل السياسة الإسرائيلية خلال العام المنصرم، ويرشد إلى معالم السياسة الإسرائيلية في العام المقبل. لكن عدم إعطاء المؤتمر القضية الفلسطينية الاهتمام الكافي ولو بحده الأدنى جعلنا ألا نتطرق إلى هذا المؤتمر هذا العام رغم أهميته في جوانب كثيرة ومتعددة. كما أن وحدة الشئون العبرية لم تكتب تقريرا بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وما رافقها من صعود لما يسمى بـ “اليمين الإسرائيلي”. وكأن هناك تيارات أخرى في المجتمع الإسرائيلي تسعى للسلام وتبذل الجهود من أجله.

 

مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية
جامعة بار إيلان
دراسات في الأمن القومي الإسرائيلي

 

 

بزوغ وغياب نموذج

حل دولتين لشعبين

 

البروفيسور إفرايم عنبر

                                                

هيئة التوجيه السياسي والوطني

ترجمة

يوسف غنيم  

 

مقدمة المترجم 

اعتادت وحدة الشئون العبرية في هيئة التوجيه السياسي والوطني كتابة تقرير سنوي عن مؤتمر هيرتسليا لأنه يجمل السياسة الإسرائيلية خلال العام المنصرم، ويرشد إلى معالم السياسة الإسرائيلية في العام المقبل. لكن عدم إعطاء المؤتمر القضية الفلسطينية الاهتمام الكافي ولو بحده الأدنى جعلنا ألا نتطرق إلى هذا المؤتمر هذا العام رغم أهميته في جوانب كثيرة ومتعددة. كما أن وحدة الشئون العبرية لم تكتب تقريرا بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وما رافقها من صعود لما يسمى بـ “اليمين الإسرائيلي”. وكأن هناك تيارات أخرى في المجتمع الإسرائيلي تسعى للسلام وتبذل الجهود من أجله.
وفضلنا بدلا من ذلك ترجمة بحث “بزوغ وغياب نموذج حل دولتين للشعبين” للبروفيسور أفرايم عنبر رئيس مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان في تل أبيب، لما لهذا البحث من أهمية في عدة جوانب أهمها:
أولا: يعتبر المؤلف المولود في رومانيا من كبار منظري اليمين الإسرائيلي ومطل على كثير من الجوانب العلنية وغير العلنية في السياسة الإسرائيلية، وكان من أوائل من بشر بالمشروع الإسرائيلي “حماسستان في غزة” و”فتح لاند في الضفة” وذلك في وقت مبكر من عام 2002، وهو ما تحقق فعليا على الأرض عام 2007. كما أنه من الداعمين والمنظرين للحل الأقليمي الداعي إلى إجبار مصر والأردن على تعميق تدخلهما في الضفة الغربية وقطاع غزة بكل الطرق والوسائل بما فيها الحرب التي كانت “الرصاص المنصهر” أحد أبرز معالمها، بحجة أن الفلسطينيين غير قادرين على دفع متطلبات السلام .
ثانيا: يلخص السياسة الإسرائيلية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد وطابا حتى هذا اليوم، المتمثلة بعقلية “الفصل أحادي الجانب” المتنكرة والرافضة للآخر بشكل مطلق والداعية إلى خطوات أحادية الجانب مثل شن ووقف الحرب (حرب غزة على سبيل المثال وبناء الجدار) والسلام وفق رؤيتها هي فقط (الفصل أحادي الجانب عن قطاع غزة).

ثالثا: يرسم معالم السياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، التي ستعمل على التهرب من أية استحقاقات لعملية السلام بحجة أن الطرف الفلسطيني غير قادر أو أنه لا يريد، وستعمل على خلق المزيد من الآزمات في إطار ما تسميه إسرائيل “الصراع وإدارة الصراع” على الساحة الفلسطينية من أجل تعميق تدخل مصر والأردن في الشأن الفلسطيني.

ولا يعتبر المؤلف نفسه يشوه أو يزور التاريخ في الكثير من تفاصيل البحث عندما يطرح على سبيل المثال أن حرب لبنان الأولى كانت مع سوريا وأن ميليشيات فلسطينية شاركت فيها، أو أن الحل مع الفلسطينيين فشل لأنهم لم يستطيعوا إدارة شئونهم بأنفسهم، متناسيا أن فشل الحل بدأ إسرائيليا عندما قتل يهودي رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين -الذي بدأ هو نفسه بوضع العصي في دواليب الحل مثل تصريحاته بعدم “وجود تواريخ مقدسة”، وأنه يجب مواصلة الإستيطان- وبرفضه العودة إلى حدود عام 1967 متطلعا إلى حل يقسم الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات.
ولا يعبر البحث المترجم عن وجهة نظر هيئة التوجيه السياسي والوطني أو موظفيه، والهدف من كتابته ونشره هو إطلاع المسئولين والمختصين على أحد جوانب السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في السنوات السابقة والقادمة.
وأخيرا يشكر المترجم السيدة سعاد حنونة-شنارة على مراجعتها البحث لغويا وتقديمها العديد من الملاحظات التي أخرجت البحث المترجم بصورته الحالية. 

 
هيئة التوجيه السياسي والوطني

                           عليان الهندي 2009

 

مركز بيغن السادات للدراسات الإسرائيلية

أسس مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية من قبل الدكتور توماس هيخت من قادة يهود كندا. تخليدا لذكرى مناحيم بيغن وأنور السادات لتوصلهم لأول إتفاقية سلام بين إسرائيل وبين دولة عربية. والمركز جسم أكاديمي مستقل يتطلع للمساهمة في تقدم السلام والأمن في الشرق الأوسط بواسطة أبحاث موجهة من سياسات الأمن القومي في الشرق الأوسط. ويعمل المركز بالتعاون مع كلية العلوم السياسية في جامعة بار إيلان.
سلسلة نشرات “دراسات في أمن الشرق الوسط” تعتبر رافعة لعمل اكاديمي جدير بالاهتمام العام. اما سلسلة “دراسات في الأمن القومي” فهي تعرض على الجمهور سلسلة المحاضرات التي عقدت في المؤتمرات والأيام الدراسية التي ينظمها المركز. ومضمون الدراسات تعبر عن المواقف الشخصية للمؤلفين فقط. وبواسطة المنشورات والمؤتمرات والأيام الدراسية والحلقات الدراسية يسعى المركز لإثارة النقاش العام والتفكير المنتظم عند الجمهور في مواضيع السلام الأمن في الشرق الأوسط.

اللجنة الاستشاريية الدولية

مؤسس المركز ورئيس اللجنة الاستشارية: الدكتور توماس أ هيخت.
 نائب رئيس اللجنة الاستشارية: السيد سول كوشيتسكي
الأعضاء: الجنرال احتياط أوري أور والبروفيسور موشيه أرنس والسيدة نيري بلومفيلد والجنرال الكسندر هيغ والسيدة جودي آن هيخت والسيدة مريون هيخت والسيد روبرت هيخت والسيد شلومو هليل والبروفيسور ريفا هفت هيخت والسيد بريان ليبلر والسيناتور الأمريكي جوزيف ليبرمان والسيد روبرت ق ليبتون والجنرال داني ماط والسيد بريان مولروني والسفير نورمان سبكتور والسفير مئير روزين والسيد سيمور د رييخ والسفير زلمان شوفال، والسيد موزي فيرتهايم

اللجنة الأكاديمية الاستشارية الدولية

البروفيسور ديزموند بول (من الجامعة الاسترالية الدولية) والبروفيسور إييان بكت (جامعة نورفهمبتون) والبروفيسور باتريك جيمس (جامعة جنوب كليفورنيا) والبروفيسور ستيفن ر دافيد (جامعة جونز هبكينز) والبروفيسور يحزقيل درور (الجامعة العبرية) والبروفيسور روبرت ج ليبر (جامعة جورج تاون) والكومودور جيسجت سينغ (مركز أبحاث القوة الجوية في نيودلهي) والبروفيسور بري بوزن mit والبروفيسور لورنس فريدمان والبروفيسور إفرايم كارش (كلية كينغز)، والبروفيسور أرفين كوتلر (جامعة مكغيل)

 

طاقم المركز

مدير المركز: البروفيسور إفرايم عنبر

 

الباحثين: الدكتور زئيف بونين والدكتور يعلي بلوخ-ألكون والبروفيسور ‘يتان غلبوع والبروفيسور أرييه هيلمن والعقيد احتياط آفي هار إفين والدكتور تسيله هيرشكو والبروفيسور ستيورات أ كوهين والسيد يعقوب ليفتش والدكتور زئيف ماغين والبروفيسور عميقام نحماني والدكتور ماكس سينغر والبروفيسور شموئيل سندلر والجنرال احتياط عمانويل ساكل والدكتور إيهود عيلام والبروفيسور يوناتان باكس والدكتور أوري بتروشفسكي والدكتور غيل ريينهولد والبرفيسور هيلل بريش والدكتور آفي كوبر والدكتور دافيد كورن والدكتور مردخاي كيدار والدكتور يوناتان رينهولد والبروفيسور جيرالد شتينبرغ والدكتور رون شليبر، والدك
تور شلومو شبيرا.
منسق العلاقات الخارجية: الدكتور م فينبرغ.
منسقة: خافا فاكسمن-كوهين.
تحرير باللغة العبرية: ألونا برينر روزمن.
تحرير باللغة الانجليزية: رفقا غولدبرغ.  

 

بزوغ وغياب نموذج حل دولتين لشعبين

 

 
مدخل[1]
نشأ وتطور الصراع العربي اليهودي أو الإسرائيلي الفلسطيني “بأرض إسرائيل” خلال المائة عام الماضية. واستندت معظم المحاولات الرامية لحل الصراع العرقي”الاثني” بصورة أو بأخرى على فكرة إقامة دولتين لشعبين[2]. وهي فكرة استندت بشكل أو بأخر على تقسيم “ارض إسرائيل” التي خضعت للحكم البريطاني (1917-1948) لدولتين يهودية وعربية تعيشان بسلام جنبا إلى جنب. غير أن هذه الفكرة ورغم انتشارها في أوساط أكاديمية وسياسية لم تكن خيارا قائما على جدول الأعمال الدولي دائما. وتحاول المقالة المطروحة بحث الأسباب المحلية والدولية التي أدت إلى بروز هذا النموذج من الحلول وتحليل إمكانية تحقيق ذلك في الوقت الراهن. والسلام وفق الأسس المذكورة لن يتحقق في الوقت الحالي لسببين هما: أولا، الحركتان القوميتان الفلسطينية والصهيونية بعيدتان عن التوصل لتسوية تاريخية بينهما. ثانيا، الفلسطينيون غير مهيئون لإقامة دولة خاصة بهم. ويتناول القسم الأخير من هذا البحث السياسات المختلفة الموضوعة أمام أصحاب القرار في إسرائيل. وهو الخيار المفضل للمجتمع الدولي الذي يتمثل بإقامة دولة فلسطينية، لكن هذا الخيار بعيد عن التحقيق. والخيار الثاني، يتمثل بإقامة دولة ثنائية القومية لتحقيق التعايش بين العرب واليهود وهو ليس بمتناول اليد حاليا. ويتحدث الخيار الثالث، عن الحل الإقليمي الداعي لزيادة التدخل العربي في الشأن الفلسطيني. غير أن ذلك الحل، يتطلب استعدادا مصريا وأردنيا للتدخل بشكل فعال بالشأن الفلسطيني. وهذا الخيار مرشح للنجاح أكثر من الخياران المذكوران أعلاه. وفي حال تعذر تحقيق أي من هذه الخيارات يبقى خيار إدارة الصراع في ظل الوضع القائم الخيار الوحيد.

 

ولادة الفكرة

 

أخذت المرحلة الأولى للصراع الإسرائيلي-العربي الممتدة من عام 1917-1948 طابع الصراع الطائفي، حيث تقاتلت عرقيتان مختلفتان للسيطرة على قطعة أرض. وعملت كل طائفة على تشكيل مؤسساتها السياسية الخاصة وتوسيع سيطرتها على الأرض. وأثناء هذه المرحلة لم تشارك الدول العربية في الصراع بشكل فعال[3]. ورغم محدودية تأثير الصراع الطائفي بشكل عام، إلا أن الصراع في فلسطين أخذ منحى آخر أثر سلبا على البريطانيين الذين سيطروا على فلسطين. ونظرا لتدهور الأوضاع عينت الحكومة البريطانية في شهر آب عام 1936 لجنة رسمية برئاسة وليم روبرت بيل لبحث الوضع القائم وتقديم توصياتها للحكومة. وفي شهر تموز عام 1937 قدمت اللجنة توصياتها بتقسيم فلسطين لدولتين غير متساويتين من حيث المساحة مع إجراءات لنقل السكان[4]. والمنطق الذي حكم هذا التصور استند إلى ضرورة الفصل بين الأعراق التي لا تستطيع العيش بشكل مشترك. وفكرة التقسيم طرحت في المجال الهندي على أمل حل التوترات القائمة في شبه القارة الهندية.
غير أن العرب رفضوا توصيات لجنة بيل. وبعد عشرة أعوام قدم إقتراح مشابه لتقسيم فلسطين من قبل لجنة شكلتها الأمم المتحدة. ومثل المرة السابقة رفض العرب الفلسطينيون المقترح وأيدهم برفضهم هذا قادة الدول العربية المحيطة. وفي السياق التاريخي المذكور قررت الحكومة البريطانية إنهاء انتدابها لفلسطين. الأمر الذي أدى إلى نشوء فراغ سياسي في فلسطين. وفي شهر أيار أعلنت الطائفة اليهودية عن إقامة دولتها منهية طابع الصراع القديم (الصراع الطائفي).
وفي المرحلة الثانية تحول الصراع إلى صراع بين دول في الأساس، فبعد إعلان قيام دولة إسرائيل، هاجمت جيوش الدول العربية المجاورة الدولة الجديدة. الأمر الذي أدى إلى تقسيم أرض إسرائيل بشكل عكس موازين القوى القائمة آنذاك بحيث سيطرت إسرائيل على 78% من مساحة الأرض واحتفظت الجيوش العربية الغازية ببقية الأراضي. وحكم الأردنيون ما سمي الضفة الغربية، وسيطر المصريون على قطاع غزة، وسيطر السوريون على أجزاء من شمال فلسطين. ولم يعمل الأردنيون والمصريون الذين سيطروا على الفلسطينيين من عام 1948 حتى عام 1967على إقامة دولة فلسطينية ولم تمارس عليهم ضغوطات بهذا الخصوص (من قبل الفلسطينيين) أو ضغوط دولية. ولا بد من الإشارة، أنه لم تكن هناك دولة فلسطينية مطلقا، وكانت الوطنية الفلسطينية ضعيفة في سنوات الأربعينيات من القرن العشرين[5]. وعندما ضم الأردن الضفة الغربية عام 1949 أصبحوا أردنيين. وبدورها لم تعمل مصر على ضم قطاع غزة وشكلت نظام الحكم العسكري.
وإثناء الصراع بين الدول الممتد من عام 1948-1967 لم يلعب الفلسطينيون دورا كبيرا في الصراع. وتراجع حل الدولتين وأصبح الصراع قائما بين الدول العربية والدولة “اليهودية غير الشرعية”. وتخلل هذه المرحلة أعمال العنف بين دولة إسرائيل والدول المحيطة حربان كبيرتان – حرب أكتوبر 1956 مع مصر وحرب حزيران 1967، والتي على إثرها صدر قرار 242 عن مجلس الأمن الذي عالج نتائج الحرب وأصبح فيما بعد أحد المرتكزات للتسويات السياسية. ولم يأت القرار على ذكر الفلسطينيين كشخصية سياسية بل طالب بحل مشكلة اللاجئين، وتعامل معهم كقضية إنسانية لا كمشكلة وطنية جماعية تتطلب إقامة دولة مستقلة[6]. وتحولت القضية الفلسطينية في هذه المرحلة وما تلاها إلى قضية خلافية عربية–عربية تخضع لمصالح هذه الدول ولتوازنات القوى بينها.
أما المرحلة الثالثة للصراع فقد امتدت من حرب 1967 حتى اتفاقية أوسلو عام 1993 حيث اخذ الصراع بعدين- صراع مع الدول العربية وصراع مع الفلسطينيين. ونتيجة لذلك وقعت مجموعة من الصدامات المسلحة بين الدول مثل حرب الإستنزاف على طول قناة السويس (1969-1970)، وحرب اكتوبر (1973) مع مصر، وحرب لبنان عام 1982 بين الجيش الإسرائيلي والجيش السوري حيث شاركت بعض الميليشيات الفلسطينية بالحرب، الأمر الذي أضفى الطابع القومي على الصراع. وتجدر الإشارة أن طابع الصراع بين الدول تراجع بعد توقيع مصر (الأكثر قوة بين الدول العربية) اتفاقية السلام مع إسرائيل. وبعد حرب 1982 لم تجر حروب كبيرة بين إسرائيل والدول المجاورة لكنها تعرضت إلى قصف صاروخي عام 1991 أطلق من العراق ولم ترد على ذلك.
ورغم كل التطورات المذكورة إلا أن البعد الطائفي (القومي) أخذ بالعودة إلى مسرح الأحداث بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. وخلال هذه الفترة حاولت إسرائيل إجراء مباحثات مع فلسطينيي الداخل لإيجاد حل للمشكلة القائمة. لكن قيادات الداخل ولأسباب مختلفة رفضوا التوصل لأية تسوية مع الإسرائيليين.
ونظرا لتأثير الأردن الواضح على مجريات الأمور في الضفة الغربية عملت إسرائيل على إيجاد تسوية من خلال ما سمي بالخيار الأردني، من خلال استثمار حالة العداء القائمة بين الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام الأردني من أجل إيجاد حل مشترك بين الدولتين يقوم على اقتسام جديد للأراضي المحتلة عام 1967. غير أن نضوج الحركة الوطنية الفلسطينية تسبب في تراجع الموقف الأردني الذي ادعى تمثيل الفلسطينيين وإلى فشل الخيار الأردني الإسرائيلي للحل[7]. وأدت هذه التطورات إلى فلسطنة الصراع، وأصبح الفلسطينيون يشكلون تهديدا سياسيا لإسرائيل مما أدى إلى إعادة طرح فكرة دولتين لشعبين.
ومقابل هذه التطورات بدأت العناصر العرقية للصراع تحتل مكانا أكثر أهمية نتيجة خضوع الفلسطينيون للاحتلال الإسرائيلي، الذي حاول إجراء مفاوضات معهم لإيجاد حل. ولأسباب كثيرة ومختلفة رفض وجهاء الفلسطينيين تحمل مسئولية التوصل لصفقة مع الإسرائيليين، وأوضحوا  أنهم أردنيون وأن العائلة الهاشمية لها تأثير كبير في المناطق[8]. وفي نهاية المطاف تبنت إسرائيل الخيار الأردني، أي مواصلة محاولات تقسيم البلد مع المملكة الهاشمية التي كان لهما عدو مشترك هو الحركة الوطنية الفلسطينية[9]. لكن المأسسة المتزايدة للحركة الوطنية الفلسطينية ألغت الإدعاء الأردني بتمثيل الفلسطينيين. الأمر الذ أدى إلى إلغاء الخيار الأردني الإسرائيلي، وفلسطنة الصراع. ويمكن القول، أصبح الفلسطينيون يشكلون تهديدا متزايدا على إسرائيل[10]. وفي أعقاب ذلك أعيد طرح نموذج دولتين لشعبين على جدول الأعمال، ولهذا عوامل عديدة ومختلفة هي :
أولا: يجب التوضيح أن بلورة الهوية الفلسطينية التي نشأت تمت تحت الحكم الإسرائيلي اليهودي المختلف دينيا وعرقيا وليس العربي. وخلال هذه الفترة حصلت م.ت.ف على اعتراف الدول العربية بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وأصبحت عضوا مراقبا في الأمم المتحدة[11]. وعلاوة على ذلك، أقرت اتفاقية كامب ديفيد بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني واقترحت إقامة سلطة حكم ذاتي للعرب القاطنين في الضفة وغزة. مما أدى لتوحيد غزة مع الضفة سياسيا واللتان كانتا منفصلتين عن بعضهما البعض من عام 1948-1967. ورأى البعض في إسرائيل بأن فكرة الحكم الذاتي الذي اقترحه الليكود شكل بداية الهوية السياسية الفلسطينية. لكن الفلسطينيين رفضوا الحكم الذاتي في ذلك الحين –وهو خطأ سياسي كبير من جانبهم لأن المناطق في تلك الفترة استوطنها 20 ألف يهودي- وهم ما زالوا يرفضون فكرة إقامة دولة إسرائيل.
ثانيا: حصل الفلسطينيون على تأييد دولي لصراعهم مع إسرائيل بعد إندلاع الإنتفاضة الأولى عام 1987 حيث أكدت الإنتفاضة أن الفلسطينيين ما زالوا يخضعون للاحتلال وأن الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعا بين قوى عسكرية فقط بل بين الجيش الإسرائيلي والمدنيين الفلسطينيين.
ثالثا: أنتجت الانتفاضة الفلسطينية الأولى قيادة فلسطينية جديدة قاومت الاحتلال الإسرائيلي بالضفة وغزة[12]. ورغم ولاء هذه القيادات لمنظمة التحرير إلا أنها اعتقدت أنها الأقدر على إدارة الصراع مع الاحتلال نظرا لاشتباكهم اليومي معه، الأمر الذي منحهم إمكانية أفضل في صياغة إستراتيجية المواجهة مع الاحتلال. وأبراز الحاجة بضرورة مواجهة المشاكل الفلسطينية. غير أن تيار المستوطنين اعتقد أن الوقت لا يعمل لصالح الفلسطينيين.
ورافق التغيير المذكور تغيرا بموقف إسرائيل اتجاه الفلسطينيين، وأصبحت أكثر تفهما لتطلعاتهم السياسية وأكثر استعدادا لتقبلها[13]. وأخذت معارضة النخبة في إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية بالتراجع. كذلك تراجع تفضيل التعامل مع الأردن لحل المشكلة الفلسطينية بعد إعلان الأردن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام 1988 الذي تنازل بموجبه عن مطالبه بالضفة الغربية. وكان القرار المذكور معولا آخر لهدم الخيار الأردني الذي فضلته إسرائيل.
ونتيجة لذلك، أصبحت م.ت.ف العنوان الحقيقي لحل القضية بنظر الإسرائيليين. وقاد رابين هذه الرؤية بعد اقتناعه بان منظمة التحرير جاهزة لعقد تسوية سياسية مع الإسرائيليين. وأدى هذا التحول في الموقف الإسرائيلي إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993، التي قامت على أسس التدرج بالحل مع الفلسطينيين وأبقت نقاش القضايا الأساسية إلى مراحل متأخرة (الحدود والسيادة على الأرض والقدس، واللاجئين)[14].
غير أن اتفاقية أوسلو أدخلت الصراع لمرحلته الرابعة (1993–2000). وكانت اتفاقية أوسلو بالنسبة لرابين وغالبية الإسرائيليين بداية الانفصال عن الفلسطينيين (أي تقسيم الأرض). وساد اعتقاد بأن مشكلة وجود شريك لتقاسم البلاد حلت من خلال استعداد م.ت.ف للعب هذا الدور. واعتقد رابين بأن الحل يكمن بتبادل الأراضي وصولا للسلام. بينما رأى كل من شمعون بيرس ويوسي بيلين بان الحل يقوم على التعايش والسلام في الشرق الأوسط. وأصبحت فكرة الدولتين الحل السحري ووضعت مقترحات لتحقيق ذلك[15]. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الصراع اخذ منحى جديدا بعد توقيع اتفاقية السلام مع الأردن صاحبة أطول حدود مع إسرائيل، والتي أخرجتها من دائرة الصراع مع إسرائيل. الأمر الذي مهد الطريق أمام إقامة علاقات مشتركة بين إسرائيل والعالم العربي، خاصة مع منطقة الخليج والمغرب العربي.
ومقابل ذلك، عملت السلطة الفلسطينية التي شكلت عام 1994 من قبل م.ت.ف على السيطرة على الأراضي التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي. وتمثل الدور الذي ستلعبه السلطة بتحقيق تطلعات الفلسطينيين من خلال ضبط الأوضاع الداخلية ومنع العمليات الإرهابية ضد إسرائيل. ومن أجل ذلك، سمح للسلطة بتشكيل قوة شرطة ووحدات عسكرية أدخلت من الخارج برقابة إسرائيلية. وفي نهاية المطاف، كان من المتوقع مواصلة السلطة المفاوضات مع إسرائيل للتوصل حل دائم ينهي الصراع التاريخي بين الشعبين.
يذكر أن عملية السلام واجهت صعوبات متواصلة[16]، وجرت عدة محاولات لإنقاذها كان آخرها قمة كامب ديفيد الثانية عام 2000 التي منيت بالفشل[17]، والتي رافقها اندلاع أعمال عنيفة من الجانب الفلسطيني وأطلقوا عليها الإنتفاضة الثانية.
وشكلت الانتفاضة الثانية المرحلة الخامسة من الصراع الذي لم ينته حتى الآن. وتميزت هذه المرحلة بالعديد من الظواهر المتناقضة من جهة الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية اللتان ما زالتا متمسكتين بفكرة دولتين لشعبين. وازدادت هذه الفكرة تأييدا دوليا، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش بضرورة إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية. وفي عام 2002 دعمت الولايات المتحدة قرارا لمجلس الأمن رقم 1997 والداعي إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل وهو أول قرار منذ صدور قرار التقسيم عام 1947. وفي عام 2007 أحيت الولايات المتحدة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بواسطة مؤتمر أنابوليس في محاولة منها للتوصل لاتفاق خلال فترة زمنية مناسبة.
ومن جانب آخر ظهرت أعمال عنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كانت تسير وفق مستويات منخفضة. لكن العنف الفلسطيني أصبح فوضويا عندما دخلت مجموعة من التنظيمات الفلسطينية في دائرة العنف ضد إسرائيل.
وفي ذات السياق تراجعت مكانة فتح التنظيم السياسي المهيمن في السلطة الفلسطينية نتاج حالة الفساد والادارة السيئة مما خلق أجواء شعبية ملائمة لصعود الحركات الإسلامية المتطرفة (حماس) التي تعارض بشدة فكرة دولة إسرائيل. ونجحت حماس بملئ الفراغ الذي تركته السلطة الفلسطينية الفاشلة وذلك من خلال شبكة خدمات للسكان وتقديم نموذج قيادي جيد للشعب يركز اهتمامه لخدمة وتوفير احتياجاته. وأدى هذا الوضع إلى فوز حماس في انتخابات عام 2006 وسيطرتها بالقوة على غزة  عام 2007 مع استغلال الأزمة السياسية داخل السلطة الفلسطينية. وصعود حماس سياسيا تسبب في تراجع إمكانية ايجاد حل يقوم على مبدأ التقسيم.

 

فشل نموذج حل دولتين لشعبين

 

البحث عن حل للصراع الإثني في أرض إسرائيل أدى إلى تبني فكرة إقامة دولتين لشعبين، وذلك قبل عام 1948 و بعد 1993. ولتحقيق هذا النموذج هنالك فرضيتان أساسيتان لم يتحققا وهما :الأولى، تقوم على حل وسط تاريخي بين الحركتين القوميتين الفلسطينية والصهيونية بحيث تعيش  الدولة الفلسطينية التي ستقوم بسلام مع دولة إسرائيل. والثانية: إذا منحت الحركة الوطنية الفلسطينية الفرصة لإقامة دولة فلسطينية فإنها ستختار هذا الخيار. ومما سنذكره لاحقا يتضح لنا أن الفرضيتين لا تتفقان مع الوضع القائم على الأرض .
الخلافات القائمة بين الأطراف حول القدس الحدود واللاجئين بعيدة جدا عن بعضها البعض، ولا يبدو انه من الممكن التوصل لحل وسط في هذه المواضيع. ولا أعتقد أن حكومة في إسرائيل كانت ستظل في الحكم لو قبلت (رؤية كلينتون) التي عرضها عام 2000 والتي تشمل تقسيم القدس. الأمر الأخر هو أن ما كان ممكن عام 2000 لم يعد ممكن الآن في السياسة الإسرائيلية، لأن إسرائيل تطرفت في مواقفها بعد انتفاضة 2000 التي أدت إلى زيادة الشعور بالتهديد الجدي على دولة إسرائيل في حال تقديم أية تنازلات للفلسطينيين وإلى تقلص ثقة الإسرائيليين بالسلطة وبقدرتها على تحقيق السلام[18]. ويعارض ثلثا الإسرائيليين تقديم أي تنازلات في جبل الهيكل (المكان الأكثر قدسية بالنسبة لليهود) ولا يؤمن 60% من الإسرائيليين بأن تنازلا إسرائيليا في موضوع القدس سيضع حدا للمطالب الفلسطينية الأخرى. وطالما أن هناك شعور بالتهديد الكبير، فمن غير المنطقي تقسيم المناطق المدنية خاصة مدينة القدس لحل الصراع القائم.
ووصل إيهود باراك رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي قدم تنازلات كبيرة من أجل التوصل لحل مع الفلسطينيين في قمة كامب ديفيد الثانية عام 2000، إلى نتيجة تقضي بعدم وجود شريك فلسطيني مستعد للتوصل لتسوية مع الإسرائيليين في إشارة منه إلى تشدد الفلسطينيين في مطالبهم. وآمن غالبية الإسرائيليين بهذا الطرح، لكنهم شككوا في إمكانية ايجاد حل مشترك لتجأوز الخلافات القائمة. وفي ظل غياب شريك للسلام أصبحت الخطوات أحادية الجانب الخيار الأمثل، وانعكس هذا على التأييد الشعبي لبناء الجدار الفاصل والانسحاب أحادي الجانب من غزة، الذي اعتبر أحد أسباب فوز حزب كاديما في انتخابات عام 2006. وكان الانسحاب أحادي الجانب تعبيرا عن انقلاب في المسيرة السلمية، وتفهم لعدم وجود الشريك بالجانب الفلسطيني قادر وجاهز لايجاد تسوية بين الحركتين القوميتين الفلسطينية واليهودية.
الفلسطينيون من جانبهم لم يلينوا مواقفهم للتوصل لتسوية سياسية خاصة[19]، لأنهم يحظون بدعم العالم الإسلامي الذي يدعمهم لعدم تقديم أي حقوق لليهود بما يسمونه الحرم الشريف. ويعمل الفلسطينيون اليوم على نفي أي علاقة تاريخية لليهود بجبل الهيكل[20]. وبالإضافة إلى ذلك، تتمسك السلطة الفلسطينية بموقفها من حق عودة اللاجئين إلى دولة إسرائيل –موضوع ذو أهمية مركزية في الرواية الفلسطينية. وبالنسبة للإسرائيليين الأكثر اعتدالا فإن موضوع اللاجئين هو مثل الطابو لا يمكن التنازل فيه والسماح بعودة اللاجئين.
ولا يمكن الاعتقاد بأن “سياسة خلاقة” ستنجح في التغلب على خلافات إقليمية. رغم أن هذه القضايا بسيطة وقابلة للحل من الناحية النظرية. وقد أثبتت إسرائيل قدرتها على تفكيك مستوطنات في سيناء وغزة، وليس منطقيا التوقع أن تنسحب إسرائيل حتى حدود عام 1967 لان ذلك يتطلب إعادة مئات ألاف اليهود من يهودا والسامرة. يجب التوقع بان تقوم إسرائيل بتعويض السلطة عن الأراضي المقام عليها مستوطنات بأراض في النقب مقابل ضم المستوطنات لإسرائيل. كما أن مستقبل غور الأردن (الذي يمثل 15% من أراضي الضفة الغربية ذات الأهمية لأمن إسرائيل) هو موضوع خلاف. والتسوية الإقليمية الجيدة بالنسبة للفلسطينيين هي الانسحاب إلى حدود 1967 ومنحهم 22% من الأرض يسمونها (وطن). وفي ظل هذا الوضع يسأل هل الحل الوسط الاقليمي مقبول على الحركة الوطنية، أم أن ذلك سيزرع بذور قيادة إصلاحية هدفها تغيير الوضع القائم ؟. وهل سينجح الفلسطينيون في حال منحهم الدولة بمنع الهجمات الإرهابية و/أو إطلاق الصواريخ[21]. ومن المهم التوضيح أن 79% من الفلسطينيين يعتقدون أنه لا يمكن حدوث مصالحة حتى لو أقيمت دولة فلسطينية[22].
التقسيم لن يؤدي بالضرورة إلى دولة فلسطينية تعيش بسلام مع دولة إسرائيل. والافتراض بأن إنشاءها سيؤدي إلى وجود قيادة مسئولة هو افتراض مشكوك فيه، فهناك كثير من القادة الذين قادوا دولهم إلى الخراب. والثقافة السياسية الفلسطينية تظهر التطرف، أي التمسك مثلا بحق العودة، ووسائل التعليم والاعلام تحرض ضد اليهود وتعرضهم على أنهم جناة ، وذلك لا يدل على النية بالتوصل لحل وسط[23]. وعلاوة على ذلك، أصبح الإستشهاد هو النموذج الذي يقلده الفلسطينيون.
وفي هذه المرحلة التاريخية، فإن المجتمع الفلسطيني المتأثر من الروايات الاسلامية والوطنية، غير قادر على التوصل لحل وسط تاريخي مع الحركة الصهيونية[24]. في الصراع الحالي، انتصر  رافضو السلام الفلسطينيون كما هو الحال بالسابق والمأساة هي أن المساحات التي تقدم للفلسطينيين من قبل الإسرائيليين تقل كلما مر الوقت. والأمل بعودة العجلة إلى الوراء مجرد وهم.
ولا بد من الإشارة، أن قيادة السلطة الفلسطينية لم تبن نفسها لدولتين لشعبين –واحدة للفلسطينيين والثانية لليهود- بما في ذلك محمود عباس “المعتدل” الذي يرفض وجود دولة يهودية، ورفض بشدة في مؤتمر أنابوليس أي إشارة إلى الدولة اليهودية[25]. كذلك لا بد من الاشارة أن صعود حماس والتيارات الإسلامية المتطرفة الرافضة لوجود دولة إسرائيل ساهم أيضا في طمس حل الدولتين. ويبدو أن الهجمات المتواصلة على  قطاع غزة الخاضعة لسيطرة حماس لا تشير أن “إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات” يكفي لإنهاء النزاع.    
وبوحي من الشعور الوطني، الانسان مستعدا لتحمل الألم والصعوبات في الحروب الوطنية. وفي الصراع الحالي يملك الطرفين الطاقة لإستمرار القتال، والأهم من ذلك تحمل المزيد من الألم من أجل تحقيق الأهداف السياسية. وأحيانا ينتهي الصراع الإثني ليس بسبب وصول الأطراف لحل وسط يرضي الطرفين بل لحالة الوهن والضعف العام بامكانياتهم. وإذا كانت الألام والتضحيات تؤدي لحل، لإصال الإسرائيليين والفلسطينيين لحل منذ زمن بعيد فهم قد قدموا ما فيه الكفاية من التضحيات والخسائر.
الافتراض الثاني في نموذج الدولتين الذي يقول أن بناء الدولة، سيؤدي لنجاح الحركة الوطنية الفلسطينية. فلسوء الحظ لم تنجح مسيرة بناء الدولة. وتبين أنه ليس كل قومية تستطيع إنشاء دولة. وبصفته رئيس للحكم الذاتي الفلسطيني أقام ياسر عرفات سلطة فاسدة وغير مفيدة ولا تطبق القانون ومتسلطة وتشبه الحكم البيزنطي، وسيطر عليها بواسطة سياسة “فرق تسد” وسمح للمنافسة بين قادة الأجهزة والأجهزة نفسها بطريقة حولته للآمر الناهي. وطريقة إدارة السلطة أدت في نهاية الأمر إلى حالة الفوضى[26]. وأكبر فشل سجل للسلطة كان في المجال الأكثر أهمية في إقامة الدولة وهو احتكار استخدام القوة. ووجود ميليشيات مسلحة متنوعة تشكل تهديدا مركزيا للسلطة وتسبب في تمزيق وتقسيم الشعب الفلسطيني.     
بعد الانتفاضة الثانية إنهار النظام السياسي في السلطة التي تحولت إلى دولة منهارة. ودول من هذا النوع لا تتميز بالسيطرة على عناصر القوة واستخدامها، وتفشل قضائيا تجاريا وتواجه صعوبات في توفير الاحتياجات الأساسية مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية للفلسطينين لا يمكن لها أن تعيش[27].
ولم يستطيع محمود عباس المنتخب لرئاسة السلطة الفلسطينية عام 2005 تجاوز الارث السياسي لياسر عرفات. ومكانته السياسية ضعيفة داخل الفلسطينيين وتهرب من مهمة تفكيك الجماعات المسلحة وفشل في مأسسة الأجهزة الأمنية. الفوضى مستمرة والتشكيلات العسكرية التي دربت من قبل الامريكان زادت من الشعور بالامن لدى بعض الفئات الفلسطينية لكنها لم تغير الوضع بشكل كلي وامكانية مواجهتهم لصراع داخلي مع خصم عقائدي مثل حماس مشكوك فيه.
وعلى صعيد آخر، أدى تزايد نفوذ حماس في الساحة الفلسطينية الداخلية إلى اضعاف السلطة. وقوة حماس المتزايدة تبشر بصعوبة كبيرة في حل ذراعها العسكري من قبل السلطة الفلسطينية. وعليه، يصبح طموح السلطة إحتكار إستخدام القوة مجرد وهم. وفي النهاية، سيطرت حماس في حزيران عام 2007 على قطاع غزة مما أدى لوصول السلطة لذروة إنقسامها. وبروز غزة ككيان سياسي مستقل يشكل الآن حقيقة قائمة تضعف فكرة الدولتين. إضافة إلى أن صعود الإسلام السياسي بغزة يضعف الحركة الوطنية الفلسطينية حيث تؤيد الحركات الاسلامية إقامة نظام إسلامي شامل لا يستند إلى قومية محددة. والحركة الوطنية القومية الفلسطينية تشهد تراجعا شبيها بالتراجع الذي تشهده الحركة الوطنية في المنطقة.
تدريجيا فهم المجتمع الدولي بأن السلطة الفلسطينية غير فاعلة، حين صرح وزير الخارجية التركي على باباجان في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في برلين عام 2008 :”أن التحدي الحقيقي الذي يواجه السلطة يتمثل بإقامة أجهزة أمنية ومؤسسات قانونية تضمن المستقبل الفلسطيني[28]“. وأصبحت وسائل الاعلام العالمية المؤيدة في معظمها للفلسطينين تشكك بجدوى فكرة الدولتين –بما في ذلك لندن تايمس ونيويورك تايمس المعروفتان[29]. كما أن الخطاب الدبلوماسي العالمي يقر الان بعدم قدرة السلطة حاليا على إجراء مفاوضات سلام مع إسرائيل. والدعوة لاجراء مفاوضات للتوصل لمسودة اتفاق “الرف” تدل على ان السلطة الفلسطينية لا تسطيع تنفيذ أي اتفاق وأنها تحتاج لوقت إضافي حتى تطور إمكانيتها لتلعب درو كهذا.
حتى الجهات الداعمة للفلسطينين وصلت لنتيجة أن فشل السلطة في تطوير قدرات مطلوبة لإقامة الدولة. ولتصحيح الأوضاع هناك اقترح المجتمع الدولي تشكيل وصاية دولية تعمل على تطوير السلطة وصولا لإقامة دولة فلسطينية. وملخص المقترح يتمثل بنقل السلطات في الضفة الغربية  وقطاع غزة إلى جسم دولي برئاسة أمريكية مع إدخال قوات أمريكية أو أوروبية للحفاظ على النظام العام[30]. 
 

 

سياسات ممكنة

 

ما هي الامكانيات المتاحة حاليا في ضوء ضعف السلطة الفلسطينية وصعود قوة حماس؟. المجتمع الدولي ما زال يدعم دولتين لشعبين ويعتقد أن هذا هو مضمون السلام والاستقرار، وسوف نبحث هذا الخيار آنفا بشكل نقدي. كما أن خيار إقامة دولة ثنائية القومية على أرض إسرائيل غير موجود على جدول الأعمال الإسرائيلي. أما خيار ترتيبات إقليمية تؤدي لتقاسم الأردن ومصر عبء الموضوع الفلسطيني فهو حل مرغوب. وفي النهاية خيار إدراة الصراع وإيجاد الوقت لايجاد بدائل عملية للصراع.
 

 

بناء الدولة الفلسطينية

 

وفق الأدب المهتم بالدولة الفاشلة هناك توجه واضح بالتوصية بزيادة الوسائل لبناء الدولة من خلال تقوية الحكم كوسيلة مفضلة لمواجهة المشكلة[31]. غير أن الجهود الدولية لإعادة النظام السياسي الفلسطيني لم تنجح وأدت إلى صعود قوة حماس وزادت في الإنقسام السياسي الفلسطيني. الوصول إلى الدولة بحاجة إلى إحتكار القوة. ولا توجد طريقة لتحقيق ذلك طالما لم تنشب حرب أهلية، أو لم تنشأ قوة عسكرية رسمية مستعدة لدفع ثمن الزام أي تنظيم أو جماعة مسلحة في التخلي عن السلاح. قوى الأمن الفلسطينية التي تم تأهيلها برقابة من الولايات المتحدة هزمت امام قوات حماس في غزة. وعندما انتشرت هذه القوات في الضفة الغربية لم تعمل على نزع سلاح المواطنين. والرئيس الفلسطيني محمود عباس الحالي ضعيف ولا يستطيع ان يكون صاحب التغيير للواقع الفلسطيني.
محاولة مساعدة الإقتصاد الفلسطيني من أجل المساعدة في تحمل أعباء بناء الدولة الفلسطينية يشكل مشكلة كبيرة، ويشك أن يقوم جهاز إداري فاشل على الإستفادة من هذه المساعدات. وتعتبر المساعدات الإقتصادية التي قدمت للفلسطينين من أكثر المساعدات التي قدمت لدعم أي إقتصاد في العالم. ومع ذلك لم تنجح تلك المساعدات في إجراء تغييرات بنيوية بالإقتصاد الفلسطيني. وعلاوة على الوضع القائم الذي لا يوجد فيه نظام وأمن، الأمر الذي يتناقض مع الأجواء العاملة لخلق بيئة دولية تشجع على تقديم المساعدة. والمساعدة الخارجية جيدة ومفيدة إذا وجد  جهاز يستخدمها بصورة جيدة[32]. وعلاوة على الاجواء القائمة التي لا توفر مناخ مشجع لتطوير الاقتصاد والتنمية، فإن نسبة الزيادة الطبيعية المرتفعة تقف عقبة امام الجهود الدولية الهادفة إلى دعم الإقتصاد الفلسطيني. وهذا الوضع سيجعل الفلسطينيين أكثر فقرا في المستقبل القريب.
حتى الوصاية الدولية، أو بكلمات أخرى الكولونيالية الجديدة لا تعتبر وسيلة لإقامة الدولة. لكن من غير المعروف إذا ما كان الامريكيون مستعدون لهذا التدخل. غير أنه باد أن الادارة الامريكية ستعمل على انهاء مهامها في العراق وافغانستان قبل معالجة الموضوع الفلسطيني. إضافة إلى مجموعة التحديات التي تواجهها الان مثل الازمة المالية والوضع في إيران التي تسعى إلى امتلاك امكانيات نووية سيكون لها تأثيرات بعيدة المدى على الأمن العالمي. ومن غير المؤكد أن الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما تتفق مع الفرضية القائلة بأن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ممكن في المدى المنظور وانه مشكلة مستعجلة تتطلب حلولا فورية.
ولا يوجد ما يدعو الأمريكيون أو الأوروبيون للعمل على أخذ زمام المبادرة بالسيطرة على فلسطين، لأن فرص نجاحهم في إجراء تغييرات على الواقع الفلسطيني ضئيلة. ويكفي أن ندرس المحاولات في العقود السابقة حتى نكتشف أن النتائج غير مشجعة. فقوات حفظ السلام الدولية منتشرة في العديد من المواقع مثل البوسنة التي دخلت إليها القوات الدولية بعد إنهاك الطرفين، أو أن أحد الأطراف هزم (الصرب في كوسفو). وعلاوة على ذك، فإن النجاح النسبي في يوغسلافيا السابقة وتيمور الشرقية تحققت بعد عمليات تطهير عرقي، قللت الاحتكاك بين فئات السكان المعادية لبعضها البعض[33].
وفي الحالة التي أمامنا، ما زال الكثير من الطاقة التي يملكها المتطرفون. ومجيئ القوات الدولية في الحالة الفلسطينية سيكون بديل عن إتفاقية سلام ثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبالإضافة إلى ذلك، تفيد التجارب ان تجارب القوات الدولية في فلسطين فشلت سابقا، والقوات الدولية على الحدود المصرية لم تقم بدورها وانسحبت من الحدود بطلب مصري دون الإلتفات إلى الموقف الإسرائيلي، وقوات الأمم المتحدة بالجنوب اللبناني لم تعمل كما يجب وكانت في بعض الاحيان تتعاون مع أعداء إسرائيل. كما أن تجربة الأمريكيين في إرسال قوات للمحافظة على النظام غير مريحة، فالأمريكيون غير مستعدين لتقديم تضحيات في أماكن لا تعتبر حيوية لأمن الولايات المتحدة[34]. وقد انسحبت القوات الامريكية من لبنان عام 1982 ومن الصومال عام 1992 بسبب المقاومة الداخلية لتواجدهم هناك. ولم يحقق تدخل الولايات المتحدة الصغير في هاييتي عام 1994 أي نتائج. كما أن سيطرتها على افغانستان لم تؤد إلى انحسار مراكز الارهاب. كما أن التجربة في العراق غير مشجعة. وبشكل عام يمكن القول، أن التجربة الأمريكية في التدخل في مشكلات العالم خاصة الإسلامي منها مشكوك في نجاحها.
وفي كل الاحوال، فإن التوقعات بأن يعمل الفلسطينيون على بناء دولة حديثة بالمستقبل القريب بمساعدة أوروبية هي تجربة غير واردة في الحسبان، ففي أوروبا استغرق العمل مئات السنوات لبناء دولة قومية. أما في الشرق الأوسط فقد حققت كل المحاولات لبناء دول بالشرق الأوسط -باستثناء مصر ذات التاريخ العريق- نجاحا جزئيا، فالأمثلة على ذلك كثيرة مثل لبنان والعراق والصومال وهي نماذج لكيانات سياسية تواجه مشاكل أساسية بكل ما يتعلق ببناء الدولة الحديثة.

 

دولة ثنائية القومية

 

هناك مدرسة ترفض منطق التقسيم بكل أشكاله[35]. وقدمت اقتراحات كثيرة لخلق إستقرار للمناطق التي تعيش فيها مجموعات عرقية مثل إستقلالية الثقافة أو الحكم الذاتي أو الحكم الفيدرالي. وهي آلية لتقاسم الوظائف وتوزيع الصلاحيات السلطوية بين الطوائف، وهي وسائل غير فعالة في ظل صراعات عرقية متواصلة[36]. ورغم تمسك الحركة الوطنية الفلسطينية في الماضي بفكرة الدولة الواحدة ورغم التهديدات بالعودة إلى هذا الخيار، إلا أن الواقع يشير بان الحركتين الوطنيتين الإسرائيلية والفلسطينية تفضلان كل واحدة إقامة دولتها الخاصة بها[37]، ومن الصعب تصور قيام تعاون بين الحركتين لبناء دولة مشتركة. وفي ظل انعدام الثقة أو الرغبة بتقاسم المصير المشترك فإن ذلك لن يتحقق. علاوة على ذلك، لا يؤيد المجتمع الدولي توجهات فرض مثل هذا الحل على الطرفين. 
أصحاب المواقف المعتدلة في إسرائيل وفي أماكن أخرى من العالم يذكرون أن دولة ثنائية القومية هي أمر لا مفر منه مع استمرار الوضع القائم. وبسبب المتغيرات الديمغرافيه يتزايد عدد العرب نظرا لنسبة المواليد الكبيره الامر الذي سيحول اليهود إلى أقلية غرب نهر الأردن. وعلاوة على ذلك، فإن وجود عدد كبير من المستوطنات في الضفة الغربية (بدعم من المستوطنين الذين يملكون قوة هائلة) تخلق وضعا يكون فيه التقسيم صعب التحقيق. ويشير كل ذلك إلى نهاية دولة إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية.
لكن الاتجاه المذكور يبالغ في حجم التغييرات الديموغرافية، فعدد الفلسطينيين في الضفة أقل مما يتم تداوله ومعدل الولادة أقل مما ينشر[38]. إضافة إلى تجاهل تلك التقديرات تصميم النظام السياسي الإسرائيلي في الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة وعلى ديمقراطيتها من خلال الإنفصال عن المناطق ذات الاغلبية العربية وتفكيك المستوطنات بتلك المناطق مثل تفكيك مستوطنات سيناء وقطاع غزة وبعض المستوطنات في يهودا والسامرة. وحصل الفصل أحادي الجانب على دعم غير بسيط من المجتمع الإسرائيلي، وتفكيك مستوطنات منعزلة لم تعد خطوة خيالية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك الجدار الفاصل الممتد في معظمه داخل حدود عام 1967 وذلك اشارة واضحة على خط الحدود المستقبلية مع الفلسطينيين. وإستنادا إلى كل هذه المعطيات لا نأخذ نبوءات تستند على تغييرات ديموغرافية.

 

الحل الإقليمي

 

الصعوبات القائمة في منطق حل الدولتين دفع الإسرائيليون إلى التفكير بكل الخيارات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. ونظرا لعدم قدرة الفلسطينيين على إدارة حكم ذاتي، وعدم إهتمام إسرائيل بأخذ المسئولية على عاتقها يظل السؤال هو، من هي الجهة المؤهلة للقيام بهذا الدور؟. ونظرا للماضي الاستعماري لفرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط فإن اقتراح إقامة وصاية دولية يعتبر اقتراح صعب ومثير للمشاكل. وتشير التجارب أن العرب وحدهم قادرون على حكم العرب بالطريقة التي تناسبهم. لذا نجد أن مصر والأردن هما الدولتان المؤهلتان لتلعبا دورا مركزيا في الموضوع الفلسطيني، وسبق لهما أن وقعتا على اتفاقيات سلام مع إسرائيل وتبديا مسؤولية أكبر من قيادة السلطة الفلسطينية، إضافة إلى النجاحات التي حققتها هاتان الدولتان في تحجيم الحركة الوطنية الفلسطينية قبل عام 1967[39]. ويفضل الكثير من الإسرائيليين (وهم في تزايد) رؤية مصر والأردن شريكتين في تقسم فلسطين مستقبلا. وحتى هذه المرحلة، تفضل هاتان الدولتان الابتعاد أو عدم الخوض في هذا الموضوع. لكن هناك إشارات بإمكانية تغيير المواقف المصرية والأردنية.
وعلاوة على كل التحفظات المصرية، إلا أن النظام المصري يصل تدريجيا إلى قناعة أنهم لا يستطيعون الإنفصال عن غزة وأن التصدي للنظام الإسلامي المتطرف الأخذ بالتشكل في غزة مصلحة مصرية. ووجود حماسستان في غزة أو إمارة اسلامية كما يطلق عليها المصريون تهدد الاستقرار  الداخلي في مصر لأنها تشجع معارضة الاخوان المسلمين للنظام المصري. وظهر التأثير المصري على الأوضاع داخل قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 وزاد بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007. وفي عام 2008 اجتاحت حماس الحدود مع مصر مما أعطى مؤشرات سلبية للنظام المصري حول طبيعة النظام الاسلامي بغزة.
وكل هذه الأحداث تخلق ظروفا لتوجيه قطاع غزة نحو المصريين. وترى القاهرة ،وبتحفظ كبير، أن إعادة غزة إلى سلطتها -حتى لو بصورة غير مباشرة- افضل أسوء الحلول، بدلا من بقاء نظام قوي في غزة بقيادة حماس. وتزود مصر غزة بكميات من الكهرباء ويشكل معبر رفح صمام أمان للغزيين[40]. واقترحت مصر إرسال قوات مصرية إلى غزة كجزء من قوات عربية لفرض الاستقرار في غزة، لكن حماس رفضت ذلك رغم أن السلطة الفلسطينية كانت على استعداد لدراسة ذلك[41].
الأردنيون من جانبهم سوف يقررون أن هوية وطنية فلسطينية إصلاحية تتشكل في الضفة الغربية تعتبر تهديدا للأردن وذلك يتطلب علاجا. الديموغرافيا لصالح الفلسطينيين في الأردن ووجود كاتيوشا وصواريخ في الضفة الغربية يصل مداها للضفة الشرقية يعتبر مشكلة للاردن. ويعتبر ذلك سببا كافيا حتى يغير الأردن من تعاطيه مع الموضوع الفلسطيني. ويمكن لمساعدة اقتصادية سخية أن تدفع بالأردن لتليين مواقفه.
كذلك هناك فلسطينيون يؤيدون الخيار الأردني (الفدرالية) لتحقيق الاستقرار والهدوء في الضفة الغربية[42]. وطرح فكرة نشر قوات فلسطينية (كتيبة بدر) تحت قيادة اردنية بالضفة الغربية خير دليل على ذلك. وهناك تزايد في عدد الفلسطينيين المتشوقين للهدوء والاستقرار لا يمانعون في عودة الحكم الهاشمي للضفة الغربية من خلال الحكم الفدرالي[43]. وفي إطار خطوة إسرائيلية تفكك من خلالها مستوطنات من أجزاء من الضفة الغربية، سيوافق الأردن على لعبة تعبئة الفراغ.
خيبة الامل التي يعيشها الفلسطينيون من أداء الحركة الوطنية الفلسطينية ستساهم بتنازلهم عن فكرة دولتين لشعبين[44]. ففي آذار عام 2006 أيد 47% من الفلسطينيين حل السلطة الفلسطينية، وفي شهر أيار 2008 أعرب 66% من الفلسطينيين بأن المجتمع الفلسطيني يسير بالإتجاه الخاطىء[45]. أضف إلى كل ذلك، ما زالت الوطنية الفلسطينية حديثة نسبيا وإمكانية تغيير هويتها أمر ممكن وتشير تجارب التاريخ إلى امكانية تحول هوية مجموعات بشرية إلى هوية أخرى[46].
من الواضح ان الطريقة المثلى لمواجهة الوطنية الفلسطينية هي ليست بمنحهم دولة، بل من خلال إعادة توجيه قطاع غزة نحو مصر وإعادة إحياء العلاقة بين الضفة الغربية وبين الأردن. وسيكون من السهل على الأردن ومصر زيادة تدخلهما في الشأن الفلسطيني اذا تم ذلك تحت غطاء دبلوماسي دولي. ويمكن تبرير تدخلهم بالقول أن دورهم مؤقت وناتج عن عدم قدرة الفلسطينيين على ادارة شؤونهم في الوقت الراهن. ويعتبر “الحل الاقليمي” حل جديد. لكنه لا يقدم حلول نهائية لكل الاعمال العدائية الناتجة عن خلاف في المواقف حول السيادة والحدود الا ان تدخل مصر والأردن يشكل محاولة عملية لمواجهة تأثير توقعات سياسية غير قابلة للتحقق.
وفي هذا الإطار ورغم المشاكل التي تواجه الولايات المتحدة، إلا أنها تستطيع أن تلعب دورا في هذا المجال، لأنها ما زالت القوى العظمى بالمنطقة ولها مصالح فيها. وهي شريكة في الهدف الذي يطالب بعدم حدوث إنعكاسات إقليمية ودولية للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وعلاوة على ذلك، فإن تصرف أمريكي مسئول سيدعوها لتقديم “جزر” لمصر والأردن كي يلعبا دورا في الشأن الفلسطيني. والولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الوحيد الذي يستطيع اليوم منع مبادرات بالمجتمع الدولي لتصعيد التوتر في المنطقة .

 

إدارة الصراع

 

الخيار الرابع هو إدارة مراقبة للصراع. ومن سوء الحظ، ليس بالضرورة وجود حل فوري لكل صراع  مستمر. وفي حال انعدام إمكانية التوصل لحل عبر المفاوضات في الموضوع الفلسطيني، تكون استراتيجية إدارة الصراع بعقل هي الحل. والهدف الأساس لهذه الإستراتيجية هو تقليل تكلفة الصراع المسلح والمحافظة على مرونة سياسية والعمل على كسب الوقت على أمل أن يحمل المستقبل حلول مناسبة. وعدم وجود هدف نهائي واضح يعتبر مشكلة. لكن ربما يكون ذلك طريق أفضل لمواجهة وضع معقد.
وفي هذا السياق يجب العمل على: وقف الإرهاب، وتخفيف الألم الناتج عن أي أعمال إرهابية تمس المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، ومنع التصعيد، ويمكن إزالة مستوطنات معزولة أن يساهم بتخفيف الاحتكاك بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين، وعلى إسرائيل ضبط النفس بكل ما يتعلق باستخدام القوة، ويجب عدم المراهنة على إجراء تغييرات على آداء السلطة الفلسطينية، ويجب أن تكون المساعدات المقدمة للفلسطينين مراقبة، ويجب على الدول العربية عامة ومصر والأردن خاصة أن تساهم مع إسرائيل في تقليص تأثير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويجب زيادة التنسيق مع الولايات المتحدة.
وعلى أية حال، تتطلب إستراتيجية إدارة الصراع صبرا وليونة واعتدالا، وهي إستراتيجية متواصلة من عدم الوضوح. وهي مرحلة التجربة والخطأ، الموجه والمعدل بما يتلائم بديناميكية العلاقات الاقليمية والدولية. وهي تشبه “muddling through” في رسم السياسات التي تحدث عنها تشلرز ليندبلوم.
وكلما أبدت الأطراف في الصراعات المتواصلة تحمل الآلام الناتجة عنه فإن الصراع لن ينتهي. ويبدو أنه وعلى المدى البعيد، يفضل أن يسكب كل طرف في الصراع دم الطرف الآخر قبل التدخل لوقف سكب الدماء. والتعب من الصراع هو أحيانا سببا في وقفه، وهي طريقة أفضل من التوصل لحل ناجح. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أنه وفي الحالات الصعبة مثل التي نعيشها يفضل عدم التدخل. والحكومات تفشل أحيانا في تنفيذ السياسات وواجبها هو العمل في الحلبة الدولية لمنع الكوارث والأزمات الانسانية.

 

خلاصة

نصل تدريجيا إلى استنتاج أن حل الدولتين في الأرض المقدسة ليس في متناول اليد. وأن الحل الوسط التاريخي بين الحركتين القوميتين اللتان تتحاربان على نفس الأرض بعيد المنال. وعلاوة على ذلك، فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية في إقامة دولة قابلة للحياة، ويتوقع أن تستمر الفوضى القائمة بالاراضي الفلسطينية في المدى المنظور، وكذلك تعزيز قوة حماس. والمجتمع الدولي و/أو إسرائيل غير قادرين على تحسين وضع الفلسطينيين و/أو تغيير تصرفاتهم. ويجب أن ينبع التغيير من الداخل الفلسطيني من خلال تلين المواقف المتشددة للاسلامين داخل فلسطين. وفشل الحركة الوطنية الفلسطينية وقيادتها أصبح واضحا والمجتمع الفلسطيني في حالة تراجع، وضيعت فرصتان تاريخيتان لإقامة دولة هما :في الفترة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. والفترة التي أوجدت دول كثيرة بعد انتهاء الحرب الباردة. 
وفهم تدريجي لحقيقة فشل السلطة الفلسطينية والذي يعني فشل للحركة الوطنية الفلسطينية، ستسمح بصعود نموذج جديد ويضع حدا لأوهام حل دولتين لشعبين. وهذا النموذج اقترح في الماضي ولم يمنح الاداة المطلوبة لحل الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني.
فترة إضافية مطلوبة قبل أن يقتنع المجتمع الدولي أن الحل الإقليمي هو الحل المفضل للتقسيم. لكن المخططات الهيكلية لتسوية مستقرة، تحل مكان السلطة الفلسطينية موجودة على الأرض. فمصر والأردن هما شريكان مفضلان لإعادة تقسيم أرض إسرائيل. غير أن الخيار المفضل في الوقت الراهن هو إدارة مراقبة لتقليل الخسائر وكسب الوقت لظهور خيارات أفضل. ويبدو ان إدارة الصراع هي الطريق الواقعية الوحيدة في الوقت الراهن في الحلبة الإسرائيلية الفلسطينية.       

 


 
________________________________________
[1]. إفرايم عنبر: بروفيسور بالعلوم السياسية في جامعة بار إيلان ومدير مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية. يشكر المؤلف  صندوق إيهل على دعمه لذا البحث. استعان الباحث بملاحظات السادة ستيورات كوهين وستيفن دافيد وهيلل بريش وآبي كوبر ويناتان ريينهولد. نشر هذا المقال في المجلة الربعية الأمريكية Orbis. ترجمه للعبرية دان شليط-كينج.    
[2]. لتلقي معلومات عرقية حول النزاع العربي الإسرائيلي راجع : Milton J. Esman, Ethnic _Politics (Ithaca: Cornell University Press, 1994), pp. 111-46 . حول صمود القوميات العرقية راجع : Jerry Z. Muller, “Us and Them: The Shmuel Sandler, “The Protracted Arab-Israeli Conflict, A Temporal Spatial Analysis,” The Jerusalem Journa of International Relations, Vol. 10, No. 4 (1988), pp. 54-78.
 
[3].Enduring Power of Ethnic Nationalism”, Foreign Affairs, Vol. 87, No. 2 (March/April 2008), pp. 18-35.
[4]. للدراسة في تأثير النزاعات العرقية راجع : Chaim D. Kaufman, “When All Else Fails: Ethnic Population Transfers and Partitions in the Twentieth Century,” International Security, Vol. 23, No. 2 (Fall 1998), pp. 120-6; lexander B. Downes, “The Holy Land Divided: Defending Partition as a Solution to Ethnic Wars,” Security Studies, Vol. 10, No. 4 (Summer 2001), pp. 58-116._
Yehoshua Porat, The Emergence of the Palestinian-Arab National Movement (London: Frank Cass, 1974), pp. 70-122
[5]. تفاصيل حول المفاوضات الديبلوماسية التي أدت إلى القرار، راجع. Gideon Rafael, “UN Resolution 242: A Common Denominator,” in Walter Lacqueur and Barry Rubin,eds., The Israel-Arab Reader: A Documentary History of the Middle East Conflict, 5th Edition (New York: Penguin Books, 1995), pp. 197-212.
[6]. حول التغييرات في النزاع العربي الإسرائيلي راجع: Avraham Sela, The Decline of the Arab-Israeli Conflict. Middle East Politics and the Quest for Regional Order (Albany: SUNY Press, 1998); Hemda Ben-Yehuda and Shmuel Sandler, The Arab-Israeli Conflict Transformed: Fifty Years of Interstate and Ethnic Crises (Albany: SUNY Press, 2002)
[7] . لتقلي تفاصيل حول المفاوضات راجع شلومو غازيت “العصا والجزرة” زمورا بيتان 1985 ص 131-161 . 
[8] . تفاصيل أكثر حول علاقة إسرائيل بالأردن راجع ، موشيه زاك، حسين يصنع السلام، جامعة بار إيلان، 1996 .
[9]. راجع : Naomi Chazan, “Domestic Developments in Israel,” in William B. Quandt, ed., The Middle East: Ten Years After Camp David (Washington: Brookings Institution, 1988), pp. 161-4
 دعاوى مقنعة أكثر حول التأكيد على النزاع العرقي راجع Ben-Yehuda and Sandler كذلك راجع The Arab-Israeli Conflict Transformed
[10]. بخصوص م.ت.ف راجع : Barry Rubin, Revolution Until Victory: The Politics and History of the PLO (Cambridge: Harvard University Press, 1994)
[11].  Helena Cobban, “The PLO and the Intifada,” in Robert O. Freedman, ed., The  Intifada (Miami: Florida International University Press, 1991), pp. 70-106
[12]. Efraim Inbar and Giora Goldberg, “Is Israel’s Political Elite Becoming More Hawkish?”
International Journal, Vol. 45, No. 3 (Summer 1990), pp. 631-60.
[13]. Efraim Inbar, Yitzhak Rabin and Israel’s National Security (Washington: Wilson Center and Johns Hopkins University Press, 1999), pp. 149-56
[14]. Shimon Peres, The New Middle East (New York: Henry Holt, 1993)
[15]. راجع غلعاد شير على بعض خطوة :يديعوت أحرنوت، 2001.
[16]. حول الفشل راجع Jonathan Rynhold, The Failure of the Oslo Process: Inherently Flawed or Flawed Implementation? Mideast Security and Policy Studies No. 76 (Ramat Gan: Begin-Sadat Center for Strategic Studies, Bar-Ilan University, March 2008) كذلك راجع غلعاد شير على بعض خطوة :يديعوت أحرنوت، 2001.
[17] .لمراجعة الاستطلاع من حزيران 002 راجع: http://www.pcpsr.org/about/names.html
[18] . لتلقي نموذج فوري راجع، 
[19]. Itamar Marcus and Barbara Crook, “There never has been a Jewish Temple- never will be!,” Palestinian Media Watch Bulletin, September 25, 2008, www.pmw@pmw.org.il
[20]. www.pcpsr.org/survey/polls/2008/p28e.htmlPSR Poll No. 28, 12 June 2008,Middle East Media Research Institute (MEMRI), www.memri.org/Palestinian Media Watch (PMW), www.pmw.org.il/
[21] .Hillel Frisch, The Islamic Dimension in Palestinian Politics, Mideast Security and Policy Studies No.
61, (Ramat Gan: Begin-Sadat Center for Strategic Studies, Bar-Ilan University September 2005)
[22].تصريح للرئيس الفلسطيني، Al-Dustour, 6 March 2008; MEMRI, Special Dispatch, No. 1861, 6 March 2008
[23] . نفس المصدر .
[24] . لتوثيق يومي لفقدان النظام والقانون في أراضي السلطة الفلسطينية راجع : www.pchrgaza.org
[25] . لتحليل ظاهرة هذه راجع، Robert I. Rothberg, ed., When States Fail: Causes and onsequences (Princeton: Princeton University Press, 2004)
[26]. Robert H. Bates, When Things Fell Apart(Cambridge: Cambridge University Press, 2008)حول انهيار النظم السياسية الافريقية، Robert H. Bates, When Things Fell Apart
[27]. “Violence in Gaza Calls into Question Plans for a Palestinian State,” London  Times, 4 March 2008; Thomas L. Friedman, “Time for Radical Pragmatism,” New York Times, 4 June 2008.
[28]. نفس المصدر.
[29]. Martin Indyk, “A Trusteeship for Palestine,” Foreign Affairs, Vol. 82, No. 3 (May/June 2003) Richard Caplan, A New Trusteeship? The International Administration of War-torn Territories, Adelphi Paper 341 (London: IISS, 2002); James D. Fearon and David D. Laitin, “Neotrusteeship and the Problem of Weak States,” International Security, Vol. 28, No. 4 (Spring 2004), pp. 4-43_
[30]. راجع، Nancy Birdsall, Dani Rodrik, and Arvind Subramanian, “How to Help Poor Countries,” Foreign Affairs, Vol. 84, No. 4 (July/August 2005), p. 143
للتعمق في سياسة البنك الدولي واستمرار الفقر راجع: william Easterley, The Elusive Quest for Growth: Economists’ Adventures and Misadventures in the Tropics (Cambridge: MIT Press, 2001)
[31]. تحلي لموضع المحافظة على السلام راجع، Dennis C. Jett, Whyراجع  peacekeeping Peacekeeping Fails (New York: St. Martins, 1999), Kimberley Zisk Marten, Enforcing the Peace (New York: Columbia University Press, 2004)
.[32] Christopher Gelpi, Peter D. Weaver, and Jason Reifler, “Success Matters: Casualty Sensitivity and the War in Iraq,”International Security, Vol. 30, No. 3 (Winter 2005), pp. 10-17
[33]. Nicholas Sambanis, “Partition as a Solution to Ethnic War: An Empirical “Critique of the Theoretical Literature,” World Politics, Vol. 52, No. 4 (July 2000), pp. 437-83; and Radha Kumar, “The Troubled History of Partition,” Vol. 76, No. 1 (January 1977), pp. 22-34.
[34] . راجع Downes, “Defending Partition as a Solution to Ethnic Wars,” pp. 89-97.
[35]. Jonathan Spyer, “Forward to the Past: The Fall and Rise of the ‘One-State Solution,” Middle East Review of International Affairs (MERIA), Vol. 12, No. 3 (September 2008).
[36]. Bennett Zimmerman, Roberta Seid and Michael L. Wise, The Million Person Gap: The Arab Population in the West Bank and Gaza, Mideast Security and Policy  Studies No. 65 (Ramat Gan: The Begin-Sadat Center for Strategic Studies, February (2006).
[37]. Rafi Eitan, Minister for Pensioners’ Affairs in “Egypt, Jordan May Rule Gaza, W. Bank” Jerusalem Post, 4 March 2008, p. 3; Likud MK Sylvan Shalom, former Minister of Foreign Affairs, in “The No-Peace Plan,” Haaretz, Weekend Supplement, 11 July 2008, p. 20; Giora Eiland, “Back  to the Jordanian Option,” 16 April 2008, www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-3532489,00.html. Maj. Gen. (res.) Eiland served as national security advisor (2003-5).
[38]. Hillel Fendel “Egypt Wants to Send Troops to Gaza,” 19 August 2008,www.israelnationalnews.com/News/News.aspx/127251
[39]. Barak Ravid and Avi Issacharoff, “Fayyad Presents Fatah, Hamas Reconciliation Plan,” Haaretz, 4 July 2008, www.haaretz.com/hasen/spages/ 998829.html; Reuters Published: 07.07.08, 20:16 / Israel News .www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-3565208,00.html
.[40] Mustafa Hamarneh, Rosemary Hollis and Khalil Shikaki, Jordanian- Palestinian Relations: Whereto? Four Scenarios for the Future (London: The Royal Institute of International Affairs, 1997), particularly the “functional” scenario.
[41]. Dan Diker and Pinchas Inbari, “Re-energizing a West Bank-Jordan Alliance, Middle East Quarterly, Vol. 13, No. 2 (Spring 2006), pp. 29-36.
[42]. راجع المركز الفلسطيني للدراسات المسحية، www.pcpo.ps
[43]. www.awrad.org/pdfs/Hamas%20-%20Poll%205%20Report_English.pdf
[44]. Daniel Byman, “Forever Enemies? The Manipulation of Ethnic Identities to End
Ethnic Wars,” Security Studies, Vol. 9, No. 3 (March 2000), pp. 149-90.
[45]. Robert J. Lieber, “Falling Upwards: Declinism, The Box Set,” World Affairs (Summer 2008); Steven David, “American Foreign Policy towards the Middle East: A Necessary Change,” in Efraim Inbar, ed., Israel’s Strategic Agenda (London: Routledge, 2007), pp. 1-28.
[46]. Charles Lindblom, “The Science of Muddling Trough,” Public Administration
Review, Vol. 19, No. 2 (1959), pp. 79-88.

Be Sociable, Share!

أضف تعليقك
اسمك :*
بريدك :*
موقعك :
تعليقـــك:

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash