قصة قصيرة ــ طفل بلا رجلين

طفل بلا رجلين

:ــ ماذا ..؟؟!! قالها ( متعب) وأغمي عليه ، فتلقفته أيد كثيرة قبل أن يصل الأرض ويرتطم جسده المنهك برخام قاعة الاتنظار امام باب غرفة العمليات في المستشفى ،أيد كثيرة لأناس جاؤوا يشاركونه فرحته بأول مولود له منذ عشرين سنة مضت على زواجه الأول .

متعب وحيد أبويه لذا تزوج وهو صغير السن ” لم يذق للبين لوعة” نزولا عند رغبة والديه في رؤية حفيد ، فكان كل شيء كما خطط الوالدان الا رؤية ذلك الحفيد ، وطال الانتظار لكن الموت أراح الوالد من المشقة وبقيت تكابد أم متعب تعب اللهفة والترقب لصراخ صغير في بيت متعب دون جدوى رغم مرور السنين وتعدد زيجات متعب ، فقد شارف على استهلاك المباح في الشريعة اذ بلغ عدد زوجاته ثلاث وهن جميعا على ذمته ، وقد حل له بعض الاصدقاء المسألة مسبقا بعد ان يتزوج الرابعة بأن يطلق الأولى ويتزوج الخامسة  وهكذا !!.

الطب لم يثبت أي ” عوق” عند متعب ، وكذلك عند زوجات متعب ، ولم تنفع كل الأدوية والعلاجات .

:ــ الشيخ عمر!! لم يبق أمامنا الا الشيخ عمر..!! قالت الوالدة .

:ـ ولكن يا أمي ماذا سيفعل الشيخ عمر؟؟ انها ارادة الله وأنا لا أؤمن بهذه السخافات .

ولكن أصرار الوالدة كان أقوى من رفض متعب ، ليس في الحقيقة اصرار الوالدة فقط وانما رغبة قوية في داخله أن يصبح أبا دفعته الى الموافقة بتحفظ ظاهري غلفه بمعاداة الفكرة من أساسها وبرره بطاعة أمه ، وتشجيع خاله سليمان لعب دورا في تسهيل موافقة متعب فقد أتاح له خاله مبررا آخر للموافقة، رغم ان كل ما يشاع عن الشيخ عمر من قدرات قد تصل حد المعجزات والكرامات التي يختص الله بها  أولياءه الصالحين لم تكن لتؤثر في رأي متعب بالشيخ.

:ــ أنت ستصبح أبا لولد ذكر. قال الشيخ عمر وسكت برهة سامحا لعيني الأم بمعانقة عيني ابنها بتساؤل :ـ معقول !!!!

:ـ ولكن ذلك مشروط ..أضاف الشيخ وسكت ليرى مدى استعداد الزبون لدفع الثمن

:ـ نحن على استعداد لكل ما تطلبه منا يا شيخ . قالت الأم برجاء وتوسل .

:ـ لا يمكن أن تكون أبا الا اذا تزوجت من امرأة على غير الملة .. والأرجح والله أعلم أنها يجب أن تكون يهودية …

بهت الابن مستنكرا ، وبهتت الأم باحثة في نفس اللحظة عن أسرة يهودية كانت تعيش في الحي القديم في مدينة(س) ..

:ــ ولكن يا أمي ..!!

:ـ يا بني عسى الله أن يمن عليك بولد ويفرحنا به !!

وانتشر الخبر في الحي ، واذا استثنينا بعض الشبان فان كثيرين متأكدون من قدرة الشيخ عمر ، لذلك توجه خاله سليمان الى الحي القديم قاصدا صديقه موسى النحاس صاحب متجر كبير لأعمال النحاس خاطبا ابنته ” رفقه”  والتي طوت ثلاثين ربيعا من عمرها ، ولم تنفع احتجاجات متعب لخاله على قبح تلك الفتاة وجشع والدها الذي لا يشذ عن باقي القوم في أكل الربا والغش والجشع وحب المال ، لكن خاله أصر عليه وبتشجيع من الأم على خطبة رفقه وقد تبين لاحقا أن هذا الخال المحترم قبض مبلغا كبيرا من موسى لقاء تزويج ابنته !!

استاء متعب كثيرا من هذه الخطبة ، واستاء أهل الحي كلهم حتى ان بعضهم حاول اقناعه بالتضحية بولده المنتظر ــ ان صدقت نبوءة الشيخ عمرــ مقابل أن لا يتزوج رفقه.

وازدادت الأمور سوءا حينما اشترط موسى النحاس على متعب أن يطلق زوجاته الثلاث وأن يجعل مهر رفقه المؤخر كل أملاكه في حال الطلاق وأن يكتب الولد باسمها معللا أن الولد في ديانتهم يتبع الأم وليس الأب .

متعب ، مسلوب الارادة من والدته التي ترغب برؤية حفيد لها مهما كلف الأمر ومن قبل خاله ، وافق على شروط موسى، رغم مقاطعة أهل الحي له الا نفر قليل كانت تربطهم بموسى علاقات تجارية ومصالح مشتركة .

تم الزواج ، ولم يكن متعب وحده ينتظر ولا والدته بل كل أهل الحي ، حتى مضى الشهر الثالث ليتم فعلا الاعلان عن حمل رفقه زوجة متعب .

عمت الأفراح والليالي الملاح ، وهرول أهل الحي الى بيت متعب مهنئين مباركين ، ونسوا ما فعله متعب ، المهم أنه أخيرا نال ما تمنى  وأن كل ما قام به أصبح الآن مبررا بعد أن صدقت نبوءة الشيخ عمر ولكن هل يصدق الجزء الثاني منها ؟؟ الشيخ عمر حدد أن المولود سيكون ذكرا.

الكثير لا تعنيهم هذه المسألة ، ولد  بنت غير مهم ، المهم أن الله سيمن عليه بولد بعد كل هذا الانتظار والحرمان الطويلين ، وصار الجميع في حالة انتظار لذلك اليوم الذي ستلد فيه رفقه.

قال الطبيب بعد أن فتح أحد مصراعي باب غرفة العمليات يخلع قفازات النايلون من كفيه :ـ طفل .. ذكر .. لكنه للأسف مشوه .. بلا رجلين!!!

                                           انتهت

                                                    أحمد يوسف ياسين

                                                        عانين ـ جنين

قصة قصيره ــ طفل بلا رجبين

طفل بلا رجلين

:ــ ماذا ..؟؟!! قالها ( متعب) وأغمي عليه ، فتلقفته أيد كثيرة قبل أن يصل الأرض ويرتطم جسده المنهك برخام قاعة الاتنظار امام باب غرفة العمليات في المستشفى ،أيد كثيرة لأناس جاؤوا يشاركونه فرحته بأول مولود له منذ عشرين سنة مضت على زواجه الأول .

متعب وحيد أبويه لذا تزوج وهو صغير السن ” لم يذق للبين لوعة” نزولا عند رغبة والديه في رؤية حفيد ، فكان كل شيء كما خطط الوالدان الا رؤية ذلك الحفيد ، وطال الانتظار لكن الموت أراح الوالد من المشقة وبقيت تكابد أم متعب تعب اللهفة والترقب لصراخ صغير في بيت متعب دون جدوى رغم مرور السنين وتعدد زيجات متعب ، فقد شارف على استهلاك المباح في الشريعة اذ بلغ عدد زوجاته ثلاث وهن جميعا على ذمته ، وقد حل له بعض الاصدقاء المسألة مسبقا بعد ان يتزوج الرابعة بأن يطلق الأولى ويتزوج الخامسة  وهكذا !!.

الطب لم يثبت أي ” عوق” عند متعب ، وكذلك عند زوجات متعب ، ولم تنفع كل الأدوية والعلاجات .

:ــ الشيخ عمر!! لم يبق أمامنا الا الشيخ عمر..!! قالت الوالدة .

:ـ ولكن يا أمي ماذا سيفعل الشيخ عمر؟؟ انها ارادة الله وأنا لا أؤمن بهذه السخافات .

ولكن أصرار الوالدة كان أقوى من رفض متعب ، ليس في الحقيقة اصرار الوالدة فقط وانما رغبة قوية في داخله أن يصبح أبا دفعته الى الموافقة بتحفظ ظاهري غلفه بمعاداة الفكرة من أساسها وبرره بطاعة أمه ، وتشجيع خاله سليمان لعب دورا في تسهيل موافقة متعب فقد أتاح له خاله مبررا آخر للموافقة، رغم ان كل ما يشاع عن الشيخ عمر من قدرات قد تصل حد المعجزات والكرامات التي يختص الله بها  أولياءه الصالحين لم تكن لتؤثر في رأي متعب بالشيخ.

:ــ أنت ستصبح أبا لولد ذكر. قال الشيخ عمر وسكت برهة سامحا لعيني الأم بمعانقة عيني ابنها بتساؤل :ـ معقول !!!!

:ـ ولكن ذلك مشروط ..أضاف الشيخ وسكت ليرى مدى استعداد الزبون لدفع الثمن

:ـ نحن على استعداد لكل ما تطلبه منا يا شيخ . قالت الأم برجاء وتوسل .

:ـ لا يمكن أن تكون أبا الا اذا تزوجت من امرأة على غير الملة .. والأرجح والله أعلم أنها يجب أن تكون يهودية …

بهت الابن مستنكرا ، وبهتت الأم باحثة في نفس اللحظة عن أسرة يهودية كانت تعيش في الحي القديم في مدينة(س) ..

:ــ ولكن يا أمي ..!!

:ـ يا بني عسى الله أن يمن عليك بولد ويفرحنا به !!

وانتشر الخبر في الحي ، واذا استثنينا بعض الشبان فان كثيرين متأكدون من قدرة الشيخ عمر ، لذلك توجه خاله سليمان الى الحي القديم قاصدا صديقه موسى النحاس صاحب متجر كبير لأعمال النحاس خاطبا ابنته ” رفقه”  والتي طوت ثلاثين ربيعا من عمرها ، ولم تنفع احتجاجات متعب لخاله على قبح تلك الفتاة وجشع والدها الذي لا يشذ عن باقي القوم في أكل الربا والغش والجشع وحب المال ، لكن خاله أصر عليه وبتشجيع من الأم على خطبة رفقه وقد تبين لاحقا أن هذا الخال المحترم قبض مبلغا كبيرا من موسى لقاء تزويج ابنته !!

استاء متعب كثيرا من هذه الخطبة ، واستاء أهل الحي كلهم حتى ان بعضهم حاول اقناعه بالتضحية بولده المنتظر ــ ان صدقت نبوءة الشيخ عمرــ مقابل أن لا يتزوج رفقه.

وازدادت الأمور سوءا حينما اشترط موسى النحاس على متعب أن يطلق زوجاته الثلاث وأن يجعل مهر رفقه المؤخر كل أملاكه في حال الطلاق وأن يكتب الولد باسمها معللا أن الولد في ديانتهم يتبع الأم وليس الأب .

متعب ، مسلوب الارادة من والدته التي ترغب برؤية حفيد لها مهما كلف الأمر ومن قبل خاله ، وافق على شروط موسى، رغم مقاطعة أهل الحي له الا نفر قليل كانت تربطهم بموسى علاقات تجارية ومصالح مشتركة .

تم الزواج ، ولم يكن متعب وحده ينتظر ولا والدته بل كل أهل الحي ، حتى مضى الشهر الثالث ليتم فعلا الاعلان عن حمل رفقه زوجة متعب .

عمت الأفراح والليالي الملاح ، وهرول أهل الحي الى بيت متعب مهنئين مباركين ، ونسوا ما فعله متعب ، المهم أنه أخيرا نال ما تمنى  وأن كل ما قام به أصبح الآن مبررا بعد أن صدقت نبوءة الشيخ عمر ولكن هل يصدق الجزء الثاني منها ؟؟ الشيخ عمر حدد أن المولود سيكون ذكرا.

الكثير لا تعنيهم هذه المسألة ، ولد  بنت غير مهم ، المهم أن الله سيمن عليه بولد بعد كل هذا الانتظار والحرمان الطويلين ، وصار الجميع في حالة انتظار لذلك اليوم الذي ستلد فيه رفقه.

قال الطبيب بعد أن فتح أحد مصراعي باب غرفة العمليات يخلع قفازات النايلون من كفيه :ـ طفل .. ذكر .. لكنه للأسف مشوه .. بلا رجلين!!!

                                           انتهت

                                                    أحمد يوسف ياسين

                                                        عانين ـ جنين

قصيدة ــ تعالي

تعالي

تعالي وفي سواد العين كوني..

فاني ضجرت بآهة تسعى ،

مابين صمت وما بين السكون…

مللت من طول ليلي..

مللت دفاتري وتدويني..

سئمت من نقش الأسماء

على كتبي..وفي قعر فناجيني …..

تعالي يا من تساويت

مع قهوتي …وتد خيني …

بل كاد حبك كل العادات

بلا استثناء ينسيني…

تعالي حطمي صمتي ..

والعبي بليلي المجنون…

ما الحب سيدتي ان

لم يجر في الشراييني!!

ما الحب ان ما دفنت

رأسي في صدرك الحنون !!!!

ما الحب سيدتي ان

لم تنامي ما بين أجفاني وعيوني!!!!!!!!..

أحمد يوسف ياسين

عانين ــ جنين                                               

قصة قصيرة ــ الحصان الخشبي

الحصان الخشبي

لفت انتباهه متجر كبير للهدايا ولعب الأطفال ، نظر الى الألعاب المعروضة خلف الواجهة الزجاجية ،اشترى حصانا خشبيا صغيرا وعاد الى المنزل فرحا به، أخذ يلهو ويلعب بالحصان بعد أن أزاح المرآة الكبيرةمن على حائط الصالة  والتي كان يرى من خلالها اللون الأسود يختفي من شعره  …

انتخابات

نفخ على راحة يده القريبة من أنفه ليتأكد من زوال رائحة الويسكي ، استبدل علبة السيجار الكوبي في جيبه بعلبة سجائر رخيصة ، لبس الكوفية والعقال ، حمل رزمة من أوراق مطبوعة ملونة، كتب تحت صورته اسمه الرباعي وعددت مناقبه وتاريخه النضالي … وتوجه الى بيت عزاء شهيد..

الزيارة

حملت دميتها الصغييرة معها الى الحافلة ، وقفت على الكرسي تخرج رأسها من الشباك رغم احتجاج السائق ، تنظر الى كل شيء فرحة مسرورة ، تندهش من سرعة الشجر الراكض الى الخلف ، تأكل بين الحين والآخر رقائق البطاطا  والواح الشوكولا ، تسأل امها ماذا ستشتري لها  ، تريد دمية أكبر ، تريد حقيبة يد صغيرة ، علبة مكياج لدميتها ، وقفت الحافلة ، قفزت من كرسيها بفرح وسعادة وهي تذكر أمها بما يجب شراؤه ظنا منها أنهم وصلوا السوق …

اصطفت مع دميتها الصغيرة وأمها في طابور طويل على باب المعتقل لزيارة والدها المحكوم بالمؤبد

أحمد يوسف ياسين

عانين ـ جنين

قصة قصيرة ــ في المقهى

في المقهى

نحرق بعضا من همومنا كما السجائر التي تحرق صدورنا عندما تحترق ، في المقهى العربي من المحيط الى الخليج تتراكم الهموم على كراسي متناثرة حول الطاولة أو على حافة الرصيف تنفث دخانها فتعكر صفو البيئة وتمتص بقايا البن في قعر الفنجان ، وقرقعة ( الأرجيلة) تعزف لحن الاحباط والضيق ، كنت هناك أتفرس في الوجوه الشاحبة التي كساها الشعر ربما لانعدام ثمن شفرة الحلاقة والمعجون وربما لغياب مبررات حلاقة الدقن ، والعيون الذابلة تنظرالى اللا شيء في فضاء يعبق بالأدخنة وزفير المحبطين ، جلس على كرسي مقابل يمص سيجارته حتى أستطيع القول انه يأكلها، بثيابه الرثة ولحية تدلت على غاربها ولعاب يسيل من جانبي فمه يعطيك انطباعا بالبلاهة أو لقلة الأسنان في ذاك الفم …

طلبت من النادل ان يسقيه مشروبا على حسابي ، نظر الي وتوجه حاملا كرسيه وشاركني طاولتي مستغربا رغم أننا في السبعينات وكان الأمر عاديا تقريبا أن يدفع شخص ما الحساب عن الآخر ولم تكن الطريقة الأمريكية سائدة في تلك الفترة …

لا أنكر انني توهمت أن هذا الشيخ الكبير مجنونا أو أصيب بالخرف مثلا أو فقد عقله لسبب ما ، كان الأمر لا يعنيني فلست أكثر من عابر سبيل حيث اقامتي في لبنان ليست سوى أيام و دخلت الى هذا المقهى بمحض الصدفة …

بدأ يحدثني فعرفت من لهجته أنه فلسطيني لاجيء الى لبنان ، مما جعلني أشعر وأن هذا الشيخ زاد كمية القهر التي ضاق صدري بها وصارت تسيل مني الى حواف الطرقات ..

:ــ كلهم يقولون عني مجنون… قال بأسى  وصمت منتظرا رأيي .

:ــ أنت الخير والبركة يا عم … قلت .

:ــ ياسيدي أنا فعلا مجنون ومن الطبيعي أن أكون مجنونا ..

:ــ ماذا ؟؟ سألت باستغراب ولا أنكر انه لفت انتباهي .

:ــ يا بني أنا من مدينة حيفا في فلسطين ، كنت أسكن في بيت بالأجرة وعملت بالتجارة وربنا رزقني فبنيت بيتا كبيرا على سفح جبل الكرمل ، بيتا جميلا يطل على البحر له شرفة من الناحية الغربية تخيلت نفسي كثيرا أجلس عليها أشرب القهوة وأشاهد قرص الشمس يبتلعه البحر كل مساء ، أصبح البيت جاهزا للسكن ، فاقترحت زوجتي أن نؤجل قليلا رحيلنا للبيت حتى نشتري أثاثا وفرشا جديدا ، قامت الحرب ، وبدل أن نرحل الى بيتنا الجديد الجميل وجدتني أحمل بعض الملابس فقط ومع زوجتي وأولادي على عربة شحن كبيرة الى لبنان واذا بي أسكن في خيمة ، أليس هذا كاف لما انا فيه ؟؟ من الطبيعي أن أجن … ومن غير الطبيعي أن لا أكون مجنونا !!!!!!

                                                        أحمد يوسف ياسين

                                                          عانين ــ جنين

قصة قصيرة ــ العقرب الفضي

 

العقرب الفضي

الشمس تعانق الرمل عناقا حارا بلا حواجز يخفف من وطأة هذا الحر حتى مجرد سحابة خفيفة عابرة ، كل الأشياء تتوهج مستجيبة لقرص الشمس الصغير والمركز وكأن هذا القرص يرسل حرارته الى هذه البقعة من الأرض بالذات ، وأبوشاهر يتخلص من ملابسه باستثناء ما يفرضه الحياء العام دون أن يغير ذلك من المعاناة شيئا ، تلك المعاناة التي بدأت منذ شهور خلت حين اضطرت العائلة الى مغادرة بيتها في عاصمة عربية كانت الملاذ الآمن لتلك العائلة وبين عشية وضحاها أصبحت تفتك بكل شيء وأصبحت تلك العاصمة قاتلة متوحشة تأكل أبناءها فكيف بمن يدعى بالغريب اللاجيء مثل عائلة أبي شاهر؟؟

أبو شاهر استطاع أن ينجو بعائلته من تحت السيف ، وفر غربا ظانا أنه يهرب الى حضن يأويه اذا اقترب من الوطن قليلا ، ولم يهمه هروب أبيه به قبل عشرات السنين والذي قال حينها ان السلامة مغنم .. ومات يحلم بالعودة لكنه أبدا لم يعد ولو ميتا ….

داخل الخيمة التي تبرع بها مشكورا الصليب الاحمر تكوم خمسة أطفال وأمهم ، أحفاد ابي شاهر الذي قتل ابنه ذبحا بالسكين أمام أعينهم بيد حاقدة عطشى للدم ، وأبو شاهر يتجول بين الخيام المتناثرة فوق رمل صحراء قاحلة تمتد كما لا  نهاية لها ، وفي أحسن أحوالها تهب نسائم خفيفة بعد غروب الشمس لطيفة شيئا ما حتى ولو انها محملة بالغبار وحتى لو كانت ما يعرف بالطوز..

في هذه البقعة من الأرض ــ أبو شاهر يشك انها من كوكب الارض ــ يحس المرء أنه معزول تماما عن الدنيا وعن العمران وعن الحضارة حتى أضحى هذا المخيم الصغير كمقبرة لأحياء يعدون الأيام لموتهم وفي الأفق المظلم لا أمل يلوح ….

سيارة الصليب الاحمر هي  الرابط الوحيد بينهم وبين أي شيء عداهم .. وتعجز كل كلمات العربية المكسرة أن تعيد شيئا من الأمل الى نفوسهم الا بعضا من متطلبات الحياة اليومية التي تصبح شيئا كبيرا صعب المنال رغم كونها في الاحوال العادية شيئا لا يذكر، وتجود عليهم تلك السيارات البيضاء المخطوط عليها صليبا أحمر ببعض من الدقيق والسمن النباتي والأرز ما يبقيهم على قيد الحياة مما يرسخ اعتقادا لدى أبي شاهر ان هذا الأمر هو أيضا مؤامرة فكلما طال بقاؤهم أحياء زادت معاناتهم …

أشياء كثيرة لا يستطيع أبو شاهر فعلها أو على الأقل فعلها بسهولة مثل الاستحمام مثلا ويقول ابو شاهر أن هذا يمكن الصبر عليه وانه من الرفاهية غير المبررة في هكذا ظروف ، ولكن قضاء الحاجة أمر مختلف ولا بد منه  مما يشغل فكر أبي شاهر كثيرا في أين وكيف سيقضي حاجته وأن تمكن هو من ذلك فكيف تتمكن زوجة ابنه الشابة ؟؟ ..

الوقت بطيء وبطيء جدا ، الوعود التي يتلقاها الجميع بحل المشكلة قريبا تدخلهم في بحر انتظار أشد قسوة من بحر الرمال اللاهبة ، كلما بان الغبار من بعيد كاشفا عن سيارة قادمة تتسارع دقات القلوب المتلهفة الى حل قريب تحمله تلك السيارة التي يترجل منه بعد قليل صحافي مبتديء يبحث عن قصة ، وفي احسن الأحوال مندوب يوثق الحدث  يوزع بعض الواح الشوكولا للصبية الذين تجمهروا حوله …

يجلس أبو شاهر في ظل الخيمة مع زميله في رحلة العذاب تلفحه نسمة حارة تجفف الريق فيشرب من ابريق معدني يعلق أبو شاهر بالقول : انه ينفع لعمل ابريق شاي …

الأفاعي الرملية السامة هي أكثر ما يخيف أبا شاهر، فهو في مراقبة دائمة حول الخيمة كي لا تتسلل واحدة منها الى داخلها وتلدغ أحد الأطفال …والعقارب السوداء والبيضاء منتشرة بكثافة ومنها أيضا يخاف أبو شاهر …

عبد الجبار يجالس أبا شاهر في ظل الخيمة ويضع مجموعة عقارب اصطادها في زجاجة شفافة ويقول ان هواية صيد العقارب ليست الا وسيلة لقتل الوقت والتغلب عليه فاكبر عدو لهم هو الوقت ..

الفكرة أعجبت أبا شاهر ، تذكر أن ممثلين عن الصليب الأحمر سيأتون مساء وربما يحملون الفرج ، نظر الى ساعته فكانت الواحد ة بعد الظهر ، أخذ يدور حول الخيمة يتفقدها ، وجد عقربا أسودا ، بحث عن زجاجة فارغة ووضعه فيها قائلا : أول صيد أصطاده.

مر وقت طويل على هذا العمل التسلية ، نظر أبو شاهر الى ساعته فكانت الواحدة والنصف ظهرا ، تأفف أبو شاهر ضجرا : أوه نصف ساعة فقط  …

استراح قليلا وكان شخير عبد الجبارعاليا ، نظر اليه أبو شاهر حاسدا ، ثم واصل البحث عن عقارب قائلا في سره : لا بد أن يمضي الوقت …

نظر الى ساعته ، شك انها متوقفة ، لكنها من النوع الجيد ولا يمكن لها ان تتوقف فهي غالية الثمن ومضادة للظروف الجوية والماء وغير ذلك ، نظر اليها ثانية ، لم تصل الثانية ظهرا ، عقربها الفضي يتحرك ببطء شديد ساخرا ، رمى أبوشاهر زجاجة العقارب ، خلع ساعته من معصمه ، بحث عن حجر فلم يجد ، وجد أداة حديدية كانت كافية لما قام به …

استيقظ عبد الجبار ، وقف يضرب كفا بكف :ـ وحد الله يا أبو شاهر .. لا حول ولا قوة الا بالله …

                                                     انتهت

                                                                                         أحمد يوسف ياسين

                                                                                           عانين ــ جنين

الصورة ــ قصة قصيرة

الصورة

تململ أبوصامد ( بالمناسبة هذا اسمه الحركي) في سريره محاولا ان ينقلب على جانبه الأيمن دون جدوى ، شعر بارهاق شديد أثناء محاولات يائسة ليحك ظهره الذي انتشرت عليه مستعمرات الفطريات والطفح وأصبح بحاجة الى استعمال( بخاخ الاوكسجين ) وهو ليس في متناول اليد، لم يبق أمامه الا الدعاء لله أن يأتيه الذي طال انتظاره ويقبض روحه ليستريح ، حتى أنه مل من انتظار( قابض الأرواح) وكان يقول في سره : انه لم يأتني حين كنت أواجه الدبابة ببندقية وطرت في الفضاء عشرة أمتار ممزقا ولم أمت .. ثم يعود يستغفر ربه مئات المرات ويلعن الشيطان الذي يحاول جاهدا أن ينال من صبره…

لا شيء سوى علبة السجائر في متناول اليد، كثيرون نصحوه بترك التدخين بلا فائدة، يدخن كمن سيموت بعد ساعة، ويدخن استعجالا للموت الذي طال انتظاره، ما ان نفث نفثة واحدة من لفافة التبغ حتى هرعت الى صدره سعلة قوية شديدة بالكاد وجدت طريقها للخروج وكادت تأخذ معها عينيه وتفجر الدم فيما تبقى من أوردة في وجهه، ولكنهاــ هذه السعلةــ كانت كفيلة بقدوم امرأة متأففة ضجرة لا تهش الذباب عن وجهها ، تبلّد ت أحاسيسها تنظر اليه بلا مبالاة بعينين تكادان لا تشقان طريقهما بين كتل التجاعيد المتهدلة ، واغلظت شفتاها واخشنّ صوتها ولو سألت جارتها العجوز أم جمال لأجابت بعد تنهد عميق :ــ أيه الله يرحم ايامك يا دلال !! كانت مثل القمر .. وست بيت ومعدّله وكان ما في أحسن من لسانها … لكن الأيام المرة التي عاشتها بعد ما أصيب أبو صامد بقذيفة الدبابة هي التي قلبت حالها … هي قليلة قعدة الرجل في البيت جلد على عظم؟؟ الله يجبرها عليه…

المنظر الذي تنظر اليه دلال بلا مبالاة نفسه لا يتغير والطلبات التي يطلبها أبو صامد لا تتغير ولو حاولت دعوتها للصبر لصرخت في وجهك قائلة :ــ الذي يده في الماء ليس كالذي يده في النار..

الحاجة أم جمال أضافت محدثة :ـ كانت أحوالهم المادية جيدة لا ينقصهم شيء .. أبو صامد كان رجلا بمعنى الكلمة .. تصدى للدبابات في الاجتياح …كم هو صعب يا بني أن يعيش الانسان على صدقات الآخرين … لو تسمع صراخه في عتمات الليالي لأشفقت عليه وتمنيت له الموت…

:ــ زهقت من الحك والتدهين !! صرخت دلال في وجهه كعادتها .. لم أعد أطيق هذه الحياة .. أخرج ابنك من المدرسة ليحك لك ظهرك ..

الولد في نهاية حياته الدراسية في المدرسة ومتفوق ، لو عدت الى سنين مضت وسألت دلال عن ابنها لقالت بفخر:ـ انه سيدرس الطب في الجامعة  وعلى نفقتهم الخاصة فالحال ميسور والوضع المالي للأسرة جيد ، وابنتها صفاء والتي سمتها بهذا الاسم لأن حبها لأبي صامد كان كصفاء الثلج ، فهي تزوجته بعد قصة حب طويلة ، تعرفت اليه بالصدفة أثناء زيارة أقارب لها في مكان أقامة أبي صامد فأحبته من النظرة الاولى ، أحبت فيه رجولته وقوة شخصيته وحماسه الشديد في الدفاع عن بلده المحتل ، ابنتها صفاء تزوجت أول من طرق بابها قاصدا الزواج بدون تكاليف حيث بدا الأمر وكأنهم ارتاحوا من لقمتها ، ولكن في الواقع دلال بينها وبين نفسها تعد نفسها خسرت بزواج ابنتها فقد كانت تخطط لجعلها تعمل في مشغل للخياطة ولو كان ذلك بأجر زهيد فان ( صرارة تعين حجرا)…

:ــ يا رب خذه وخلصني من هذا العذاب !!! توجهت الى ربها بالدعاء ..

:ــ انشالله . أردف أبو صامد موافقا ومؤكدا على دعائها ..وأضاف سائلا :ـ أين البخاخ؟؟

:ــ يا رجل لماذا لم تتق الله فينا؟؟

:ــ ناوليني الريموت وعيرينا سكوتك حتى نسمع الاخبار…

:ــ ما قضى علينا غير الأخبار ريت كل الدنيا تنهد..

على الحائط الذي تسلّخ جلده بفعل الرطوبة وعوامل أخرى واشرأبّت أعناق البؤس والفقر من تكتلات اسمنتية بارزة فيه كأنياب الكلاب المتوحشة كانت صورة علقت بعناية في أول تعليق لها قبل سنين الا أن المسمار تآكل بفعل الصدأ وتضامنا مع الحائط ، لم يستطع هذا المسمار الصمود ـ رغم محاولاته ـ أمام الضربة القاسية التي تلقاها من ( ريموت التلفزيون) عندما رمته دلال على الحائط صارخة شاتمة :ـ يلعن أبو صحابك …

بين شظايا الزجاج المتبقي على الصورة التي وقعت على الأرض بالكاد تستطيع أن تميز رجلا مفتول العضلات يقف أمام المصور بكل شموخ يحمل بندقية ( كلشنكوف) بيده اليمنى مصوبة الى الأعلى بشكل مائل كتب على كعبها بوضوح ( أبو صامد)…….

                                                                 أحمد يوسف ياسين

                                                                   عانين ــ جنين

غوتيه…

من لم يعرف ان يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة سيبقى في العتمه …