صفحات من حياة مناضل وطني تقدمي عملاق — خليل أبو جيش ( أبو فتحي ) — الحلقة الاولى

في رحلته الطويلة ،  توقف خليل أبو جيش المولود في عام 1920  في محطات كثيرة   ملتزما بمواقف كفاحية مظهرا فيها  مخزونا من  مغامرات و حكايا فيها من العبر والقيم ما يحكى لرفاقه وأولاده وأحفاده ولمناضلين وطنيين ما زالوا متشبثين براية المشروع الوطني التحرري.

 خليل أبو جيش ما يرويه عن حياته وتجاربه  المخضبة بسيرة مشبّعة بروح الأباء،  بأحداث ووقائع  مفعمة  بروح المغامرة  الشجاعة والعواطف الوطنية الجياشة. ومثل هذه   الحكايات التي تخرج من ذاكرة  رجل دخل في كهولة الحادبة والتسعين، وما زال يرتدي  الكوفية والعقال ،  ما زالت تصلح لتعيش وتحيا وليعاد احيائها في  مسلسلات درامية تعيد للذاكرة بعض مما تآكل منها في زمن علا فيه صوت المدعين بالثورة.

 

    وأثناء سرد شزرات من ذكرياته،  يبوح خليل عن دوره في نقل السلاح للثوار ليستخدمه لاحقا ضد أعداء شعبه. مثل هذا الدور قام به القائد الوطني و الشيوعي البارز فؤاد نصار( 1920 -2011 ) . وبذلك يشير الى ممارسة  الشيوعيين للعمل  المسلح وهو دور لم يكن الشيوعيون ليهملوه  كما أشيع ضدهم  في السابق من خصوم فكريين وسياسيين .

 يسرد خليل وقائع لم توثق  من قبل  في مادة أدبية  أو سياسية تحدثت عن   نضالات الشيوعيين الفلسطينيين. بعض الوقائع جاءت مجتزأة ربما لأنها كانت عبارة عن دفق الذكريات المنسابة  بدون رقابة على التاريخ الموثق. وأحيانا تبدو الوقائع غير مترابطة ،لأنها أشبه ما تكون بحراك  وجداني يحفظ ما يوجع ويؤلم عبر السنين في خزان ذاكرة تجمدت من المكابرة على الوجع والألم والذي كان يمنع تدفقها. ومع ذلك فان صدق الحكاية الشفاهية، لمناضل كتوم ، صلب ، وبسيط   يفسح لها لمجال أمامها لتعبر  قلوبنا في هذه المرحلة علّها تستكمل استحقاقات التدقيق في المادة السردية  وفي ترابطها  المنطقي  فتصلح للنشر على أوسع نطاق وأفادة الجيل الناشئ بتجارب أسلافهم من الأجيال الأخرى التي ارتبطت روحا ودما بوطن يدعى فلسطين .

خليل ابو جيش عسكري متمرد في الجيش البريطاني

ولد خليل سليم أبو جيش في  عام 1920في قرية بيت دجن لأسرة فلاحية كادحة كانت تجني لقمة عيشها من حراثة أراض تعود ملكيتها لآخرين. وتقع بيت دجن  على بعد عدة كيلومترات الى الشرق من مدينة نابلس. بدون دراية منه ، او من والديه أو من  أهالي قريته ،ترافقت ولادته مع حدث كبير سيترك بصماته الثقيلة والقاسية  لاحقا على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة .

ففي الحادي عشر من أيلول/ سيبتمبر  1922 أقرت عصبة الأمم الانتداب بشكل رسمي على أساس وعد بلفور. غطت منطقة الانتداب ما يعرف اليوم فلسطين التاريخية بالإضافة إلى منطقة شرق الأردن (اليوم: المملكة الأردنية الهاشمية) غير أن منطقة شرق الأردن تمتعت بحكم ذاتي (فيما كان يعرف بامارة شرق الأردن) ولم تخضع لمبادئ الانتداب أو لوعد بلفور. ودام الانتداب البريطاني على فلسطين لمدة 28 عاما بين يوليو 1920 ومايو 1948 وبالحدود التي قررتها بريطانيا وفرنسا بعد سقوط الامبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى وبموجب معاهدة سيفر.

انعكس الحدث الكبير، الأنتداب البريطاني على فلسطين ،و رافق بتداعياته المتشعبة مسيرة حياة وعذاب ونضال أبو جيش.

في عام 1940 ، كان خليل في   العشرين من عمره عندما تجند في “قوة الحدود” التي شكلها الجيش البريطاني.  ويقول ،” العسكرية كانت تستهويني من صغري”.   تم تسجيل التجنيد في بلدة قباطية قضاء جنين. “وجدت مجموعة من الشباب يقفون في مجموعات مصفوفة  تشبه  صفوف السحجة  (رقصة الدبكة ) التي تحي الأعراس. وقفت بينهم الى أن  جاء ضابط بريطاني اختار  18 شابا كنت أحدهم. “

وفور اختيار مجموعة المجندين الشباب تم نقلهم بشاحنات الى الأردن . وقال  أبو جيش ،” لم يتم  ابلاغ أهالينا بنقلنا. وبعد وصولنا الى مدينة الزرقاء وضعونا في بركس يعود لأحد المعسكرات لمدة 17 يوما. وبعد ذلك نقلونا الى معسكر للتدريب في مدينة معان الأردنية  الصحراوية حيث خضعنا لتدريبات لمدة خمسة شهور. ثم أعادونا لمدينة الزرقاء  حيث وضعونا في بركس كبير  يطلق عليه آرط . تواجد في االبركس  آنذاك  470 مجندا.

وحتى تلك الأيام لم يكن خليل أبو جيش واعيا لمعنى تجنده في وحدات عسكرية تخضع لقيادة الجيش البريطاني. لم يكن يعرف أنه أصبح أداة قمع ضد من يتمرد على بريطانيا العظمى أو يثور في وجهها الى أن جاءت اللحظة التي حركت   بواكير تفتحه الوطني بعد 14 يوما من مكوثه في معسكر الزرقاء.

 

خالد منصور

1/12/2011

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash