مقاومتنا ليست بخير — مقال سياسي بقلم : خالد منصور

القابعون في المكاتب لا يرون أكثر مما يريد الإعلام أن يريهم إياه، ويسيرون وفق الاتجاه الذي افهمهم وأقنعهم الإعلام انه الصواب ولا صواب سواه.. يقرؤون التقارير ويستمعون إلى أقوال المراسلين وتصريحات المسئولين، ويشاهدون لقطات مثيرة لمعانقة الجماهير لقادتها وهم يفتتحون مشاريع أو يقطفون حبات زيتون أو يزرعون شجرة هنا أو هناك، وأحيانا يرونهم وهم يشاركون في فعالية مرسومة من الألف إلى الياء، فينخدع البعض ويخرج بانطباع أننا إلى النصر ذاهبون.. وأننا لسنا في مرحلة دفاع بل في مرحلة هجوم..
الأمور ليست على الأرض هكذا أيها السادة.. ولو استمعتم لنفس الجماهير التي عانقت المسئولين واثنت على خطواتهم بعد انصرافهم– لعرفتم كم هي الفجوة بين القيادة والجماهير متسعة، وكم هو انعدام الثقة متغلغل.. فالناس في بلادنا يعرفون أن المسئولين لا يأتون إليهم إلا ليحصلوا على صورة، ولتكتب عنهم الصحافة خبر، كي يزينوا صدورهم بأوسمة باعتبارهم مناضلين من طراز جديد، ومن ثم يجري تسويقهم للذين هم فوقهم من المسئولين الذين بأيديهم مفاتيح خزائن بيت مالنا العام، ومستودعات المناصب والرتب التي لا تنضب ..
الأمور يا سادتي أسوأ مما تتوقعون.. والغلابا من شعبنا هم الذين يعرفون.. لأنهم بالصبر مجبولين وبالنار كل يوم يحترقون.. اقتصاديا– أكثر من ثلثيهم تحت خط الفقر يعيشون، وفرص العمل بالكاد تتوفر للأقلية ولمن هم مدعومون.. وامنيا– بالقلق والتوتر يعيشون، فالأمن الداخلي ليس هو كل ما يطلبون، فالمحتل يعبث بالأمن ويسيد ويميد داخل المدن أحيانا وفي الريف في كل حين.. الأرض تنهب بقرارات رسمية من المحتلين.. ويتطاول المستوطنون، وفي طول البلاد وعرضها يعربدون.. وفرض السيادة على كل شبر يحاولون..
هل هناك مقاومة شعبية.. أقول : نعم هناك مقاومة.. ولكن ما حجمها الحقيقي..؟؟ والى أي مدى وصل تأثيرها..؟؟ هذا سؤال للكل الفلسطيني الذي يبدو انه مصاب بمرض الرضا عن الذات وتضخيم الانجازات.. فالمقاومة الشعبية مقاومات.. وفي غالب الأحيان على الأدوار متنافسات.. والتصدع وصل فيها إلى النخاع.. والانتهازية والوصولية والإفساد والفساد والبحث عن الغنائم اشغل المقاومين وأنزلهم عن الجبل قبل أن تحقق مقاومتهم سوى القليل الذي يذكر.. نزلوا لأنهم تصوروا أن تضخيم الإعلام ونفخه لفعالياتهم قد وفر لهم الفرصة لجني ثمار صورة خرجت لهم على فضائية أو تقرير كتبته عنهم صحيفة محلية..
الزخم الشعبي الذي تناما مع توجه القيادة إلى الأمم المتحدة وبعد خطاب الرئيس أبو مازن أين هو الآن..؟؟ ولم لم تستغل القيادة هذا الزخم لتعزز فعليا نهج المقاومة الشعبية..؟؟ أين هو هذا الزخم وأين هو الحراك الشبابي الشعبي من معارك الصمود على الأرض..؟؟ أين هو من الوقوف إلى جانب المزارعين ومساعدتهم في قطف ثمار زيتونهم، وإسنادهم في مواجهة الحرب الشرسة التي يشنها المستوطنون عليهم في كل شبر من أرضنا..؟؟ أين هو هذا الزخم ولم تبدد..؟؟ وماذا يقول المتغنون في المقاومة الشعبية لفظا عن تراجع المشاركة الجماهيرية في معظم البؤر الملتهبة، التي لطالما تغنينا بها حتى أصبحت مشاركة المتضامنين الدوليين في الكثير من الأحيان أكثر من مشاركتنا نحن الفلسطينيون أصحاب القضية..؟؟ ولم يتحول بعض نشطائنا إلى أدلاء سياحيين لهؤلاء المتطوعين، بل وتولد مؤسسات شكلية تعمل كوسيط ومقاول لما يسمى السياحة الدينية والتضامنية.
يا سادتي اعترفوا بالحقيقة ولو مرة.. فمقاومتنا إن استمرت على هذا الشكل وبهذه العقلية وبالأمراض التي تتفشى بها– لن توصلنا إلى أهدافنا الوطنية، بل وستطول محنتنا وستزداد آلامنا.
مخيم الفارعة – 30/10/2011

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash