حكمة النمل .. اما العمل بجماعة وإما المجاعة

في فصل الخريف، كانت تتخذ الأمهات النشيطات أفياء بيوتهن لغربلة القمح وتجهيز مونة الشتاء.. النمل الأسود كائن مثابر، بمجرد أن يشتم رائحة الأمهات ويسمع حفيف الغربال بالأكف كان “يدبو” تجاه رزقه ، يطوف بصمت حول بيدره ومنجمه ، يحمل حبات الشعير الساقطة من ثقوب الغربال وأكف الأمهات..يخترع طريقاً ثابتاً “لمواطنيه” النملة تلو النملة، فصراطهم المستقيم من فيء البيت الى بيت الفيء ..تارة تسقط الحبة وتارة تسقط النملة..وتارة يكون السقوط جماعياً ثم النهوض الجماعي ايضاَ.


طيلة فترة مراقبتي للنمل ، لم أر نملة واحدة من “الشعب” العادي تقضم حبة قمح او شعير، او تحيد عن خط المسير أو ترتاح أو “تغشّ” في العمل ..الكل يكدح ويدّخر ويفكّر بمصير الجماعة..فحكمة النمل الصامتة: اما العمل بجماعة وإما المجاعة..المهم آخر النهار كانت تنفضّ جلسة الغربلة ، وتنقل أمي مونتها على كتفها باتجاه بيت الخزين..تاركة النمل يأخذ كفايته ويرتّب اقتصادياته كما يحب ويرى من زوائد الحبوب.


في موسم الشتاء كنت أحزن مرتين ، الأولى عندما يخيل اليّ ان هذه الفصيلة العظيمة انتهت او انقرضت بفعل المطر الذي داهم الثقوب ..لكن ما ان تكفكف السماء غيومها وتشرق الشمس من جديد حتى أمسح حزني..


والمرة الثانية عندما يبدأ النمل بإخراج الحبوب من مخزنه الى الفضاء لكي يطرد البلل والرطوبة منه..فيأتي “الجحش” ويأكل مدخرات “المملكة “كاملة غير آبه كيف جمعت وكم استغرقت من وقت ودم وتعب وكدح ومثابرة ؟…الغريب ان النمل كان يعود للجمع من جديد، بذاكرة جديدة، و بجهد جديد، لموسم جديد..وهو يعرف مسبقاً ان جحشاً جديداً بانتظاره من جديد.

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash