فعاليات أيلول — مقاومة شعبية أم مهرجانات خطابية – بقلم : خالد منصور – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

     قراران سياسيان اتخذتهما القيادة الفلسطينية أثلجا صدورنا: الأول وقف المفاوضات واشتراط استئنافها بالوقف الكامل للاستيطان.. والثاني رفع ملف القضية برمته إلى الأمم المتحدة.. وسواء كان توجه القيادة نابع من قناعة بعقم نهج التفاوض الثنائي والحلول المرحلية والرعاية الأمريكية، أو كان تكتيكا تفاوضيا يهدف للحصول على شروط أفضل للعودة إلى التفاوض، وتحقيق مكاسب يمكن من خلالها إعادة جزء من ثقة شعبها بنهجها.. إلا أن تداعيات الأمور خلقت واقعا جديدا يجعل من الصعب على القيادة تجاوزه.. فهذان القراران حظيا بإجماع فلسطيني قل نظيره، ومنحا القيادة فرصة لتحسين صورتها التي اهتزت جراء حصرها لخياراتها وخيارات الشعب بمسار المفاوضات، الذي وكما اعترفت هي نفسها بأنه لم يحقق عبر 15 عاما أي انجاز أو مكسب يفضي إلى التحرر والاستقلال.

    ومع وقف المفاوضات، وتعذر ممارسة المقاومة المسلحة لأسباب ذاتية وموضوعية، وأمام غول الاستيطان المنفلت من عقاله.. كان طبيعيا أن تتعزز الأصوات المنادية بأهمية تعددية الخيارات الكفاحية، الأمر الذي فرض على الكل الوطني تبني المقاومة الشعبية كنهج للخلاص من الاحتلال، وقد كان التباين واضح في منطلقات من تبنوها فالي جانب أرادها مقاومة شعبية حقيقية تتطور وتتصاعد لتصبح نمط حياة لشعب واقع تحت الاحتلال، يصارع المحتل في كل شبر من الأرض الفلسطينية.. كان هناك من أرادها لتكون رمزية محدودة محددة، يسهل تطويعها، ويمكن استخدامها لتحقيق أهداف تكتيكية.. وكذلك كان هناك من أرادها منصة دعائية استعراضية يواصل الإطلال من خلالها على الجماهير..

    وعلى الأرض ومن خلال الممارسة تبلور هناك اتجاهان في المقاومة الشعبية، وهذا ما أظهرته فعاليات 15 أيار و 5 حزيران و 9 تموز ذكرى لاهاي، وحملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية .. حيث برز اتجاه يقول أن الحراك الشعبي يجب أن يتوجه في معظمه ضد الاحتلال عند حواجز الجيش وبوابات الجدار وفي الأراضي المهددة بالمصادرة وقرب المستوطنات، ومناديا بتبني حملات شعبية لمقاطعة شاملة لإسرائيل، ولعموم البضائع الإسرائيلية التي لها بدائل، باعتبار المقاطعة شكلا من أشكال المقاومة يرتبط وجودها بوجود الاحتلال.. وتميز هذا الاتجاه بحفاظه على الطابع الشعبي للحركة، وبوضعه سقفا سياسيا لنفسه أعلى من سقف السلطة المكبلة بالاتفاقيات، وبأنه أبقى على مسافة بينه وبينها يضمن له حرية القرار .. واتجاه آخر اخضع حركته لتوجهات السلطة وتبنى خياراتها، وبدلا من تطوير النماذج الناجحة التي ساهم ببنائها اتجه للأنشطة الرسمية والمهرجانات العامة في مراكز المدن، وألغى كليا الفواصل بينه وبين السلطة وهو ما لا ينسجم مع التسمية التي انطلق تحتها ومع الأجسام التي سعى لبنائها كأطر ولجان شعبية، وكان لتعدد وتباين مراكز القرار في السلطة بالغ الأثر في إرباك هذا التوجه، والحد من قدرته على دفع المقاومة الشعبية خطوات أوسع للأمام– رغم كل ما يملكه من إمكانيات بشرية ومادية.

    ويتجلى التباين بين هذين الاتجاهين الان في التحضير لفعاليات أيلول، وهي الفعاليات التي يتفق الاتجاهان على ضرورتها، انطلاقا من إجماعهما على صواب توجه القيادة لرفع ملف القضية إلى الأمم المتحدة، لطلب قبول فلسطين عضوا كامل العضوية في مؤسساتها.. ويكمن التباين في الكيفية التي يجب أن تجري بها الفعاليات، حيث أن الاتجاه الأول يقول بضرورة أن تكون كل الفعاليات على طريقة المقاومة الشعبية، بينما يتبنى الاتجاه الثاني وجهة نظر السلطة التي تبذل أقصى الجهود لحصرها في تظاهرات ومهرجانات في المدن بعيدًا عن نقاط الاحتكاك مع المستوطنين وحواجز وجنود الاحتلال.

والسؤال المطروح أمامنا جميعا هو: هل نوجه الآلاف من المواطنين الذين نخطط لحشدهم يوم إلقاء الرئيس أبو مازن كلمته على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ميدان المنارة في رام الله، ليستمعوا إلى خطابات القيادة.. أم نوجههم إلى حاجز قلنديا عند مدخل القدس عاصمتنا الأبدية، أو حتى إلى بلعين أو نعلين أو المعصرة أو بيت أمر أو دير الغصون أو بورين أو أي مكان آخر فيه احتكاك مع جيش الاحتلال ومستوطنيه.

    والإجابة على هذا السؤال مرتبطة بأي رسالة نريد إرسالها للعالم ولعدونا المحتل لأراضينا.. هل نريد القول أننا حسمنا خياراتنا باتجاه مقارعة المحتل لتكون علاقتنا به علاقة صراع وتحدي.. وأننا لن نتوقف عن كفاحنا حتى ننال حريتنا ونقيم دولتنا على كامل أرضنا المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، ونحصل على كامل حقوقنا الوطنية المشروعة بما فيها حق العودة وفق القرار الدولي 194.. وأننا سائرون في طريق المقاومة الشعبية بأوسع زخم شعبي– لا يعترف بوقائع الاحتلال وإفرازاته، وغير مستعد لمواصلة الخضوع للالتزامات التي فرضتها اتفاقيات مجحفة حالت دون انتقالنا من سلطة وشعب تحت الاحتلال إلى دولة مستقلة كاملة السيادة على جميع أراضيها المحتلة..؟؟؟ أم نريد تنظيم فعاليات من النوع التي مللنا نحن من المشاركة فيها، وبات المحتل يعرف حدودها وآفاقها وتكيف للتعامل معها…؟؟؟  

مخيم الفارعة – 22/8/2011

 

 

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash