مسكين هذا الشهر —- بقلم/ توفيق أبو شومر

في كل عام تقريبا أكتب عن شهر رمضان، وكيف حوَّله الصائمون من غايةٍ نبيلة تهدف لتعويد النفس على الصبر، والإحساس بجوع الفقراء، ومعاناة المحتاجين، إلى طقسٍ احتفاليٍ ، وكرنفالٍ لملء البطون والاستمتاع بالأطباق الغنية بالسعرات الحرارية، والوصفات التي تفتح الشهية، فيزيد استهلاك الصائمين من الطعام أضعافا مضاعفة، وكان مفروضا أن يقلّ الاستهلاك ، فيكثرُ الإسرافُ، بدلا من الترشيد والإقلال والتوفير والادخار، حتى أن أحد معارفي قال:

إنني استدين ضعف مرتبي الشهري لأتمكن من خوض غمار معارك الطعام في هذا الشهر، ولأتمكن من رفع رأسي عاليا أمام أقاربي وأصدقائي، ولأنجو من وصمة العار التي تلازم كل من يُقصِّر في برتوكولات الطعام، وهي عار(البُخل) أعاذكم اللهُ منها!!!

كما أن كثيرا من الدول تعتبر شهر رمضان عبئا على ميزانيتها،فقد أشار تقريرٌ أصدرته الجزائر منذ سنوات أن الإنفاق على شراء السلع في شهر رمضان يُعادل إنفاق عدة شهور من شهور السنة!! لأن الصائمين اعتادوا أن يُفطروا على معجناتٍ مصنوعةٍ من دقيق أستراليا الأبيض، وأن يتناولوا السحور على القمردينالتركي اللدن الأشقر، ويملأون فراغ ما تبقى من الأمعاء في الفترة الواقعة بين طعام الفطور والسحور بحشوات القطائف من الزبيب اليوناني، وجوز الهند السيلاني، والبندق القبرصي والفرنسي!!

ولا يمكن أن أنسى ما نفعله نحن الفلسطينيين، ممن نناشد العالم صباح مساء بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، لأنها تحتل أرضنا وتفرض علينا الحصار، ونقوم في الوقت نفسه بتخزين منتجات شركة تنوفا للألبان والأجبان، فألبان المصانع الإسرائيلية ومنتجاتها من تمور شركة كنيرت، والمربيات والعسل الأسود والأشقر اللامع، هي التي نستعين بها على قضاء ساعات الصيام القليلة!!

وظللتُ طوال عقودٍ طويلة أناشد القارئين أن يبتدعوا في رمضان تقليدا فلسطينيا جديدا، بأن ندعو الصائمين إلى مقاطعة منتجات المُحتلين الغاصبين لحقوقنا الوطنية المشروعة، كأبسط نضالٍ ننفذه في هذا الشهر!!

غير أن لغة التجارة والاقتصاد تتفوق على دعواتي، بل وتطمسها، فأنا عدوٌ لدودٌ لمنظمة التجارة العالمية التي لا ترى في البشرية سوى أفواهٍ، ولا ترى في أجسادهم سوى وسائل إيضاح يعلقون عليها شعاراتهم وبضائعهم!!

كما أن الفلسطينيين- للأسف- اعتادوا أن يدخلوا إلى العالم من خلال موسوعة غينس للأرقام القياسية!! فاختاروا أسوأ المبارزات وأكثرها إساءة لنضالنا، فهم يبارزون العالم في أكبر أطباق المسخَّن والنمورة والكنافة النابلسية، بينما يواصل إعلامهم صباح مساء عادة الشكوى من القهر والحصار والجوع!!

وكان مفروضا على الفلسطينيين أن يدخلوا موسوعة غينس بالاقتصاد في استهلاك الطعام، أو أن يُنتجوا أطعمة بديلة مما تنتجه أرضنا، وأن يبتدع الفلسطينيون أصغر وجبة طعامٍ في العالم تكفي الصائم مثلا!!

كان مفروضا على الفلسطينيين أن يقيموا أكبر سرادق للإفطار الجماعي في العالم، بحيث يكون الطعام قليلا والضيوف هم من أبناء وعائلات الأسرى والشهداء من المناضلين، طوال الثلاثين يوما من أيام شهر رمضان!!

 

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash