محطات في تاريخ حزب مجيد – بقلم : خالد منصور**

 ليست ذكرى العاشر من شباط ( ذكرى تأسيس حزب الشعب الفلسطيني في العام 1982)، إلا محطة نضالية واحدة، من العديد من المحطات التي مر بها التاريخ المجيد للشيوعيين الفلسطينيين، حين كانوا يجدون السير وهم في طريقهم لتحقيق أماني وطموحات شعبهم، تلك الأماني التي صاغوا من اجلها بدقة فائقة وببصيرة ثاقبة مختلف برامجهم السياسية، ليكون التحرر الوطني دوما في مقدمتها، وإقامة الدولة الاشتراكية غاية نضالها.. وعلى الدوام كانت برامجهم النضالية تتسم بالمزج الخلاق والإبداعي بين ما هو وطني وما هو طبقي.. وطوال مسيرة حزبهم ظلت أحلامهم بإقامة النظام الاشتراكي ( الذي تسود فيه قيم العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة، وينتفي فيه الاستغلال والظلم ) تدفعهم لاجتراح المآثر العظيمة في الصمود والكفاح، وتشدد من عضدهم لخوض المواجهة الضارية، مع الآلة الدعائية التحريضية المسمومة التي وجهها ضدهم آنذاك كلا من المستعمر البريطاني والرجعية المحلية.

    والبداية لهذا الحزب– الذي يعتبر اليوم اعرق حزب سياسي فلسطيني– كانت في العام 1919 حين تأسست أولى خلايا الحزب ومنظماته، لتضم عددا من خيرة عمال سكك الحديد في مدينة يافا، أولئك العمال الذين قرروا حينها خوض النضال العنيد ضد الظلم الطبقي الذي مارسه أصحاب العمل لسرقة جهد وعرق عمال فلسطين.. وكان التفاف العمال حول هذه النواة الحزبية مرده بالأساس أنها تطرح فكرا جديدا وترسم أفقا للنضال يبشر بمستقبل أكثر عدلا لجماهير الفقراء والمظلومين.. ثم كانت محطة الثورة الفلسطينية الكبرى في العام 1936 حين انخرط الشيوعيين وعلى رأسهم حينذاك القائد الوطني الكبير فؤاد نصار في معارك الشعب الوطنية وثورته المسلحة ضد الانتداب البريطاني وضد عصابات الصهاينة التي كانت تعد العدة لتحقيق وعد بلفور المشئوم.. وكانت محطة العام 1942 عندما أعاد الشيوعيون رسم أولوياتهم مركزين أكثر على هويتهم الوطنية وعمقهم العربي فأسسوا حينذاك عصبة التحرر الوطني.. وفي خضم الصراع مع المشروع الصهيوني طرح الشيوعيون في العام 1945 رؤيتهم الشهيرة لحل القضية الوطنية الفلسطينية والتي دعت إلى إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية ليتعايش فيها جميع سكانها اليهود والعرب بمساواة تامة في الحقوق وبدون أي تمييز.. وخاض الشيوعيين في تلك الفترة نضالا لا هوادة فيه ضد تسريب الأراضي للوكالة اليهودية ونشر الوعي بين الجماهير الفلسطينية وبناء التنظيمات الجماهيرية وفي المقدمة منها النقابات العمالية.. إلى أن جاء العام 1947 وصدر فيه القرار الدولي رقم 181 والمعروف بقرار التقسيم، وحينها قرر الشيوعيون وبكل الألم الموافقة على هذا القرار– رغم ما يتضمنه من إجحاف بالحق التاريخي للفلسطينيين على ارض آبائهم وأجدادهم، وذلك انطلاقا من رؤية الحزب الثاقبة لمجريات الأمور ومعرفته الحقيقية بموازين القوى المحلية والدولية وتطلع الشيوعيون لقيام الدولة الفلسطينية كي تشكل سدا منيعا في وجع الأطماع الصهيونية التوسعية، ولتكون ركيزة قوية يمكن البناء عليها عندما تتغير الظروف وتلوح في الأفق فرصا لخيارات أخرى.. وانفرد الشيوعيون الفلسطينيون في ذلك الوقت بهذا الموقف الجريء وكلفهم ذلك حينها خسائر جسيمة، وحوربوا وألصقت بهم تهم شتى.

    وفي العام 1948 وعندما حلت النكبة الكبرى بالشعب الفلسطيني، باستيلاء العصابات الصهيونية على معظم الأراضي الفلسطينية، وقيامها بإنشاء دولة إسرائيل– ليس على الأرض المخصصة لليهود في قرار التقسيم فقط، بل وعلى أجزاء واسعة أخرى من الأرض التي كان من المفترض إقامة الدولة الفلسطينية عليها– وفي بداية تلك المرحلة العصيبة واصل الشيوعيون رفع شعار إقامة الدولة الفلسطينية على ما تبقى من الأرض الفلسطينية دون احتلال، لكن المأساة كانت اكبر، والتآمر الدولي كان أعظم، تسانده أنظمة حكم عربية رجعية تتربع على العروش في كل البلدان العربية، وهو ما أدى إلى وضع قطاع غزة تحت الوصاية المصرية، وضم الضفة الغربية إلى شرقي الأردن.

    وقد أدى تمزيق الأرض الفلسطينية وتشتيت الشعب الفلسطيني، إلى تفسخ الحزب الشيوعي الفلسطيني نفسه، حيث أعاد الشيوعيون الفلسطينيون الذين تبقوا داخل الأراضي المحتلة عام 1948 علاقاتهم مع نظرائهم الشيوعيون اليهود، وأسسوا الحزب الشيوعي الإسرائيلي– وهو الحزب الذي ظل إلى يومنا هذا شوكة في حلق الحركة الصهيونية، وخصما عنيدا لحكام الدولة الإسرائيلية، وظل يخوض النضال ضد القهر الطبقي والقومي، ويدافع ببسالة عن حقوق السكان العرب، محققا لهم الانتصار في معركة البقاء على ارض آبائهم وأجدادهم، ومقدما لهم نخبة من القادة العظام الاماجد أمثال توفيق طوبي وإميل توما وتوفيق زياد وماير فلنر وإميل حبيبي وغيرهم الكثير ممن تركوا بصماتهم جلية على تاريخ النضال العربي الفلسطيني..

    أما الشيوعيين الفلسطينيين الذين استقروا في قطاع غزة، فقد حافظوا على تسميتهم بالحزب الشيوعي الفلسطيني، وانخرطوا هناك في النضال الوطني والاجتماعي، ودافعوا ببسالة عن مصالح شعبهم، وكانت لهم إسهاماتهم المميزة في التصدي لمشاريع توطين اللاجئين، وفي المقاومة الوطنية بكافة أشكالها– وخصوصا في التصدي للعدوان الثلاثي عام 1956 ، ودفعوا لقاء نضالاتهم ثمنا باهظا، تجلى بشن النظام المصري حملة قمع شرسة ضدهم أدت إلى الزج بمئات الكوادر من الحزب في السجون والزنازين المصرية، لكن راية الحزب لم تنكس أبدا.. وواصل الشيوعيين عملهم النضالي في غزة إلى أن حصلت حرب عام 1967 ، وتمكنت إسرائيل من فرض سيطرتها الكاملة على ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وحينها اندفع الشيوعيون الفلسطينيون للانخراط في مختلف أعمال المقاومة ضد الاحتلال، بالتعاون والتنسيق مع فصائل العمل الوطني الأخرى– وخصوصا في إطار الجبهة الوطنية المتحدة—وقدموا العديد من الشهداء وعانوا كثيرا من عمليات الإبعاد والاعتقالات– شانهم في ذلك شان باقي القوى الوطنية الأخرى.. وظل صوت القائد والشاعر الشيوعي الفلسطيني الكبير معين بسيسو ملهما للجماهير ومحرضا لها– ليس في قطاع غزة وحده بل وفي سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.

     أما الشيوعيين الذين تواجدوا في أراضي الضفة الغربية أو استقر بهم المقام لاجئين في أراضي شرقي الأردن فلم يستكينوا ولم ييأسوا بل نهضوا بقوة وعزم من جديد.. رافعين شعار الدولة الفلسطينية المستقلة.. وواجهوا مؤامرة الضم في مؤتمر أريحا.. وعندما تأكد للشيوعيين الفلسطينيين ضم الضفة الغربية نهائيا للأردن، اضطروا حينها للعمل مع نظرائهم الشيوعيين الأردنيين في حزب واحد، أطلقوا عليه اسم الحزب الشيوعي الأردني، وخاضوا مختلف المعارك الوطنية والطبقية– دفاعا عن مصالح الجماهير، ومن اجل بناء نظام حكم ديمقراطي برلماني أكثر عدلا، وواجهوا بنضال عنيد وهبات شعبية مختلف مشاريع التوطين.. وقاوموا واسقطوا حلف بغداد اللعين.. ولم تثن عزائمهم كل الحملات البوليسية القمعية.. والتي كان أشهرها جرهم مقيدين خلف الخيل من نابلس إلى عمان.. حيث سقط رفيقهم روحي زيد الكيلاني شهيدا مخضبا ثرى الأرض بدمه الطاهر الزكي.. لقد اجبروا النظام الملكي على تعريب الجيش الأردني.. وخاضوا معركة الانتخابات عام 1956 بجبهة وطنية عريضة.. ونجحوا نجاحا أذهل النظام.. الأمر الذي دفعه إلى حل الوزارة والبرلمان.. وجعله يزج بكل الوطنيين وعلى رأسهم الشيوعيين في غياهب السجون.. إلى أن حل عام 1967 حين سقط  ما تبقى من ارض فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي.. وكعادتهم هب الشيوعيون رغم الجراح ورفعوا شعار الثبات على الأرض، والتمسك بكل حبة تراب فيها.. وانطلقوا للعمل الذي يتقنوه أكثر من غيرهم ( تعبئة الجماهير وتنظيمها ).. ففي الأردن شاركوا مثل غيرهم وقدر إمكانياتهم بالنضال المسلح عبر قوات الأنصار.. وفي غزة شاركوا في الجبهة الوطنية المتحدة، وقاوموا الاحتلال بكل ما لديهم من قوة.. أما في الضفة.. فقد كانوا من أوائل المبادرين لتشكيل الجبهة الوطنية الرائدة.. ذراع منظمة التحرير في الأرض المحتلة.. وناضلوا من خلالها اشد النضال إلى أن استطاع الاحتلال ضربها وإبعاد العشرات من خيرة كوادر الحزب إلى خارج الوطن.. وأكمل الحزب المشوار في لجنة التوجيه الوطني.. التي لعبت حينها دورا وطنيا مشهودا.. واستمر الشيوعيون الفلسطينيون في العمل تحت راية الحزب الشيوعي الأردني والتنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.. وقاموا بمهامهم بأكبر قدر من الطاقة، وخاضوا ببسالة معركة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وإسقاط شعار المملكة المتحدة، وشاركوا كذلك بزخم كبير في معركة الانتخابات البلدية.. والتصدي للإدارة المدنية وروابط القرى العميلة، وضد اتفاقيات كامب ديفيد.. بما رافق كل ذلك من انتفاضات متواصلة كانوا هم في جوهرها..

    وجاء عام 1982 المجيد.. حينما أعاد الشيوعيون الفلسطينيون تأسيس حزبهم من جديد.. ليعطوا بذلك دفعا متدفقا جبارا للنضال الوطني الفلسطيني.. في وقت لحقت بمنظمة التحرير أسوأ هزيمة في لبنان.. وبدأ الحزب يرسخ أقدامه وتزداد صفوفه.. ويدشن مجالات جديدة في النضال.. ويبني مؤسسات ثورية حقيقية.. من لجان العمل التطوعي ولجان المرأة العاملة ولجان الإغاثة الزراعية والطبية.. ويواجه بحزم وإصرار مخططات العدو التآمرية.. والتي كان أخطرها ( روابط القرى العميلة ).. ويسقط شهداء الحزب واحد تلو الآخر.. من احمد ذيب دحدول إلى باسم حجازي إلى داوود العطاونة.. وغيرهم.. معبدين الطريق إلى الانتفاضة المجيدة التي انطلقت في أواخر العام 1987.. والتي تعتبر بحق الترجمة الحقيقية لأفكار الحزب حول النضال الجماهيري.. واخذ الرفاق ينخرطون في معمعان النضال.. ويسجلون أروع آيات البطولة والتحدي.. وتأخذ أفكارهم طريقها إلى عقول وقلوب الجماهير.. عبر تشكيل اللجان الشعبية.. لكي يعطوا للنضال سماته الديمقراطية الحقيقية.. ويسقط شهداء الحزب من جديد.. اسعد الشوا واحمد العبد وخليل قنقر ورياض سلهب وعماد الخراز واحمد الطنيب وإياد بدران.. وغيرهم الكثير الكثير.. وتمتلئ السجون بهم .. أبطال صناديد.. لان الحديد ولم تلن لهم قناة.. وفي الوقت الذي انجرف فيه الكثيرون في طريق التجاوزات.. إلا أنهم سمو بأياديهم البيضاء فوق كل الأخطاء.. وكرسوا حينها جهدا كبيرا لحماية الانتفاضة من الداخل.. ووقفوا بجرأة كبيرة ضد نهج العسكرة البغيض.. وكذلك ضد روح الفئوية المقيتة.. وحاولوا بكل ما لديهم من إمكانيات دفع المسيرة للأمام كي تحقق المزيد من الانجازات بأشكال تحظى بالقبول الشعبي، وتؤمن لها المزيد من التأييد والتعاطف الدولي.

 

** عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني

مخيم الفارعة – 8/2/2011

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash