الكاس للحكومة

بقلم : خالد منصور/عضو المكتب السياسي لحزب الشعب

    تطالعنا الصحف كل يوم بأخبار حكومتنا ( الرشيدة )– افتتح ودشن وزار والتقى وصرح وتعهد وقال دولة رئيس الوزراء أو معالي الوزير الفلاني–  حتى كدنا في لحظة ما أن نصدق ومن كثرة المشاريع المعلن عنها أننا أصبحنا في مصاف الدول المتقدمة، وأننا نعيش انتعاشا اقتصاديا باهرا، وانه لم يبق عندنا إلا بضعة هموم صغيرة مصدرها الاحتلال.. ونفتح في المساء تلفزيوننا الرسمي فنرى العجب العجاب– وزراءنا مثل خلية النحل كل يوم في مدينة، وكل يوم في قرية، يلتقون بالجمهور ويقدمون الوعود بحل كل المشاكل، ونكاد نحسد أنفسنا على ما أنعمه الله علينا من حكومة تسير قدما لانجاز ما وعدت به من بناء مؤسسات الدولة خلال عامين.. ولإكمال اللعبة والمسرحية تنبري مجموعة المؤيدين للحكومة، لتقنعنا بالدعاء لدولة رئيس الوزراء ولحكومته ( الرشيدة ) على ما أنعموه علينا من مشاريع وانجازات… فتذكرت واحدة من مسرحيات غوار ( مسرحية غربة ) عندما رقص الشعب وغنى ( الهي يحرسا من العين ويديم علينا لحكومة….. ) وكانت نهاية الأغنية عبارة.. الكاس للحكومة.

 

    ومواطننا الفلسطيني الصابر الغلبان ليس بحاجة لأحد كي ( يقرصه) ليستيقظ من هذا الحلم المخادع.. فهو وبعينيه يرى أن الأمور ليست كما تحاول الحكومة إيهامه.. ولا يتطلب الأمر مجهود خارق لكشف عملية الخداع الرهيبة المدروسة التي يمارسها إعلام الحكومة على المواطن، فجولة واحدة من المواطن في الأسواق تكشف مدى فظاعة غول الغلاء الذي طال أهم المواد الأساسية لحياته من محروقات وطحين وأرز وسكر ولحوم وحليب وخضار.. وزيارة واحدة من المواطن لمكاتب الضريبة تجعله يصاب بالذهول من الرسوم الجديدة العجيبة والارتفاع الحاد في الرسوم القديمة.. وواهم من يراهن على عدم قدرة مواطننا على كشف الحقيقة، فهذا المواطن يدرك تماما أن بناء المؤسسات لا يكون بإلغاء إجراء الانتخابات المحلية.. وان الانتعاش الاقتصادي لا يتفق مع استمرار معدلات الفقر والبطالة على حالها.. وان تحسن مستوى المعيشة تنفيه شواهد الغلاء المستفحل والارتفاع الصاروخي برسوم الضرائب، وان شعار تجفيف المستوطنات كان يتطلب أن يكون معه العمل على إيجاد البدائل للعمال وهو ما لم يحدث.. وعبثا تحاول الحكومة إقناع الغالبية من الشعب أن سياساتها الاقتصادية المبنية على أوامر البنك الدولي ستخرجهم من الفقر، وتؤمن لهم فرص العمل، وتحقق لهم التنمية المستدامة، وهي نفس السياسات التي زادت الفقراء فقرا وعمقت التفاوت الطبقي في مجتمعات عربية أخرى، أنهكتها سياسات البنك الدولي قبلنا، وتسببت ومازالت تتسبب بانتفاضات شعبية من اجل لقمة العيش ومن اجل الحياة الحرة الكريمة.

 

    لكن أركان حكومتنا لا يركبون السيارات العمومية ليعرفوا اثر ارتفاع أسعار المحروقات، ولا يتناولون وأسرهم الطعام إلا في المطاعم والفنادق فلا يعرفون كم ارتفعت أسعار الأشياء، ولا يدفعون فواتير الهاتف والنقال ليعرفوا كم تستغلهم شركات الاتصال، ولا يزورون المستشفيات الحكومية كمرضى ليعرفوا حجم النقص في الخدمات الطبية، ولا يدرس أبناءهم على نفقة والديهم ليعرفوا كم هي باهظة الرسوم الجامعية، ولا يسكنون بشقق بالإيجار ليعرفوا كم ارتفعت أجور العقارات وأثمانها.

 

    العجيب في الأمر أن الحكومة لم تكل عن إصدار التقارير التي تتناقض مع الواقع، وتتعامى عن حقيقة أن نتائج سياساتها تتناقض مع ما ترفعه من شعارات، فسياسة الخصخصة والاقتصاد الحر وقوانين الاستثمار، فتحت شهية المستغلين من التجار ووكلاء الاستيراد للتلاعب بالأسعار، وأطلقت أيدي المعظم من المستثمرين وأرباب العمل للتحرر من أي حد أدنى للأجور، وسمحت لهم بالتهرب من الضرائب والتحلل من الالتزام بقوانين العمل، كما وان فتح أبواب الاستيراد بلا ضوابط –من إسرائيل ومن الخارج– أسهم بشكل كبير في إفلاس قطاعات إنتاجية عديدة، مما فاقم من مشكلة البطالة.

    ومن الطبيعي أن تتمادى حكومتنا ( الرشيدة ) بتنفيذ سياساتها العقيمة والضارة بمصالح الجماهير– كون هذه الحكومة منفلتة من أي رقابة أو مسائلة– بسبب غياب أو شلل المؤسسة التشريعية الفلسطينية، فالحكومة اليوم تعطي لنفسها الحق بالتشريع والتنفيذ في آن واحد، حيث تطبق قوانين لا شرعية دستورية لها، وتفعل ما تريد دون حسيب أو رقيب، في وقت كان لابد فيه من حشد كل الطاقات وتسخير كل الجهود لتعزيز صمود الجماهير، ورصد الموازنات الكافية للنهوض بالقطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية، وهو الأمر الذي كان يفترض بالحكومة إعادة النظر في أبواب الإنفاق في الموازنة العامة.. ولكنها لم تفعل.

 

    فليس من المعقول أن ترتفع الضرائب وترتفع الأسعار وان تبقى رواتب الموظفين ومخصصات الأسرى واسر الشهداء والشئون الاجتماعية على حالها، وان تترك أجور العمال بلا زيادات وان لا يوضع حد أدنى للأجور، وان يترك المزارعين بلا صندوق كوارث ولا تأمينات زراعية، وليس من المقبول أن نبقى ملتزمين وأسرى اتفاقية باريس الموقعة مع إسرائيل وهي المجحفة بنا وفق كل المقاييس.. ولا يجوز أن يكون إسهام المواطنين في الضريبة العامة أربعة أضعاف إسهام شركات القطاع الخاص.

 

    والمؤكد أن انكشاف عقم وضرر سياسات حكومتنا الاقتصادية والاجتماعية، أدى وسيؤدي إلى تآكل الثقة المؤقتة التي نشأت بينها وبين الجمهور في مرحلة ما، والى تراجع مصداقيتها بشكل كبير وملموس، وهو الأمر الذي سيستعدي فئات اجتماعية كثيرة– كالموظفين والمزارعين والعمال– وهو ما يمكن أن يدفع– ويجب أن يدفع– بهذه الفئات وبالنقابات والاتحادات الشعبية التي تمثلها، وبالقوى السياسية والمؤسسات الجماهيرية للتحرك وتحريك الشارع ضد هذه الحكومة، لتصويب سياساتها أو حتى للمطالبة برحيلها..

 

مخيم الفارعة – 10/1/2011

 

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash