من حكايا الانتفاضة الفلسطينية – مخيم يواجه دولة

بقلم : خالد منصور

     مخيم الفارعة  مخيم صغير من  مخيمات اللجوء يقع شمالي مدينة نابلس ،على بعد  17  كيلومترا منها ، أصول الغالبية العظمى من سكانه تعود إلى قرى منطقة حيفا شمالي فلسطين ، عدد سكانه حوالي أل   6000  نسمة ، اشتهر في الانتفاضة الأولى بمجاورته لمعتقل الفارعة الرهيب ، وبتقديم سكانه يد العون للمعتقلين وذويهم ، كما كان وبسبب تماسه اليومي والمباشر مع جنود الاحتلال ، موقع مشتعل تتأجج فيه الصدامات والمواجهات ، ومصدر تعب وقلق لجنود الاحتلال ، وعرباته القادمة للمعتقل  والخارجة منه ، وقدم خلال معارك المواجهة مع جيش الاحتلال اثني عشر شهيدا ، أمّا في الانتفاضة الثانية ، وبسبب تراجع حجم الاحتكاك مع جيش المحتلين ، فقد تقلص حجم الاشتباك والمواجهة ، مع انه -أي هذا المخيم – قدم أيضا في الانتفاضة الثانية ما يزيد عن عشرة شهداء ، والميزة الرئيسية للمواجهات بين سكان المخيم وقوات الاحتلال أنها دوما تجري بنفس الشكل والأسلوب الذي كان متبعا في الانتفاضة الأولى ، أي أن الشبان لا يستخدمون أسلحة نارية وسلاحهم الوحيد هو الحجارة ، وبالتالي فلا يمكن للمحتلين اعتباره منطقة إرهاب كما يطلقون على بعض المناطق التي تشهد أعمال مقاومة مسلحة ، وليس من بين شبان المخيم من هو مطارد معروف للإسرائيليين …

    سكان المخيم ذاقوا مرارة اللجوء وعاشوا وما  زالوا يعيشوا بطش وعسف الاحتلال ، وهم يتعرضون للعقاب الدائم شان كل الفلسطينيين ، لانهم لم  يستكينوا  ولم يرضخوا للمحتلين ….

    لانهم أباة ميامين ينجبون دوما أباة ميامين … ولانهم يوميا يصرون على القول لمحتلّيهم .. بحجارتهم ومتاريسهم وبكل ما يتاح لهم  …. نحن نرفض الاحتلال البغيض … نحن نرفض الاستعباد … نحن شعب يروم الحياة الحرة الكريمة  … فلترحلوا عن أرضنا … ويعلنوا انهم سيستمرون بالكفاح مهما غلت التضحيات ومهما سالت الدماء … وانهم لن تثنيهم عن أهدافنا النبيلة والسامية كل إجراءات المحتلين وأسلحتهم .. وكل حواجزهم واسوارهم .

    لقد استحقوا كل التحية استحقها الشبان المنتفضين .. الكبار الصابرين .. النساء والأطفال  …استحقوها لانهم جددوا روح الثورة والتمرد في هذا الشعب المعطاء … ولانهم أكدوا للعالم كله أن الانتفاضة الشعبية تراث فلسطيني كامن يتجدد كل يوم .. وهي سلاح الفلسطينيين الأمضى في مسيرتهم نحو فجر الحرية القادم حتما .. رغم انف الغاصبين .

    دونا عن كل الشعوب وبني البشر فان الفلسطينيين لا يسعون للجنة ولا يطلبونها فحسب … ولكن الجنة هي التي أيضا تطلبهم وتسعى إليهم ، كي يدخلونها شهداء أبرار طهورين ….

    عشرات الآليات العسكرية الإسرائيلية المحملة بالجنود ترافقها الجرافات الضخمة تحاصر المخيم عند الساعة الثالثة من فجر يوم الخميس الموافق  29/4/2004  ، ويبدا الجنود باقتحام المخيم وقت توجه التلاميذ إلى مدارسهم ، يطلق الجنود النار بكل اتجاه ، مستخدمين الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الصوت والغاز السام ، ويغلقون منطقة السوق بالكامل ، ويمنعون مرور السيارات ، يأمروا بإقفال منشآت وكالة الغوث كالمدارس ومكتب مدير المخيم ، ويقتحمون عيادة الوكالة ومركز الشباب الاجتماعي ،ويقيموا مركز تجمع لهم في مركز الشهيد صلاح خلف ، ويحتلوا سطح أحد المنازل العالية في مدخل المخيم ويستخدموه للمراقبة واطلاق النار على المواطنين ، ويرد عليهم التلاميذ بوابل من الحجارة لتسقط على رؤوسهم وكأنها المطر ، ويتضاعف حجم القوة العسكرية المقتحمة ،وتزداد حشود التلاميذ ،ويصل إلى المخيم عشرات من تلاميذ المدارس من أبناء القرى المجاورة ، ليشاركوا شباب المخيم بالتصدي لقوات الاحتلال المهاجمة ، وتستمر المواجهات طوال النهار ، وكأنها حرب كر وفر ، ويتحصن التلاميذ بأزقة المخيم ، وتزداد شراسة الجنود المهاجمين ، ويصاب العشرات من التلاميذ بالرصاص الحي والمطاطي ، ويختنق الأطفال والنساء والشيوخ بالغاز السام ، فتتحرك مجموعات المسعفين المتطوعين لإسعاف المصابين  ، ويقوموا بنقل من تكون إصابته بالغة إلى مستشفيات مدينة جنين والمستوصفات المجاورة بواسطة سيارات إسعاف الوكالة ، ويتطاير خبر اقتحام المخيم إلى المناطق المجاورة والى وسائل الإعلام ، ويصل إلى المخيم فريق من مكتب منسق الأمم المتحدة لشؤون المناطق –تيري رد لارسن – بناءا على طلب من سكان المخيم ، ولم يستطع هذا الفريق   دخول المخيم عبر مدخله الرئيسي بسبب رفض الجيش ذلك ، مما اضطرهم دخول المخيم عبر طرق جانبية ، كما يصل أيضا فريق من قناة الجزيرة الفضائية ، وعلى رأسه المراسلة جيفارا البديري ، ليصاب مصورهم برصاصة مطاطية ، وتقوم الجرافات بإغلاق كافة مداخل المخيم الرئيسية ، وحتى الشوارع الداخلية ، بأكوام من الأتربة انتزعوها من أراضي الفلاحين المجاورة ليتسببوا بإتلاف المزروعات …. وتستمر المواجهات حتى حوالي الساعة الثامنة والنصف بعد  إسدال الليل ستاره ، ويتراجع الجنود من وسط المخيم إلى مدخله الرئيسي ، وفجأة وصل إلى المخيم خبر استشهاد المواطنة أم تحسين ، ليسقط  على الأهالي كالصاعقة ، فعلت الهتافات ، وبدأت سماعات الجوامع بترديد النبأ ، وبتلاوة البيانات السياسية ، وآيات من القرآن الكريم .

     سقطت الشهيدة أم تحسين على ارض المخيم ، بعد اختناقها بالغاز السام الذي ألقى به الجيش الإسرائيلي أثناء محاولاته قمع الشباب ، حاول المسعفون إنقاذها بنقلها إلى مستشفى جنين ، لكنها فارقت الحياة قبل وصولها المستشفى ، فقد كانت مريضة بالقلب وتعاني من ارتفاع في الضغط  … أم تحسين هي مثال الفلسطينية البطلة  .. المرأة الشجاعة الجريئة  .. التي تميزت دائما بروحها الوطنية الصادقة .. وثوريتها العفوية…. والتي لم يستغرب كل سكان المخيم الذين عرفوها أن تسقط شهيدة ، وتختتم حياتها الدنيا بهذه النهاية المليئة بالعز والفخار .. فنشاطها وحيويتها طوال الأعوام السابقة وخصوصا إبان سنوات الانتفاضة المجيدة الأولى كان يضعها ويؤهلها لتكون في قائمة الشهداء مع وقف التنفيذ …  مثل كل أبناء وبنات شعبنا —- ولكنها كانت في مقدمة القائمة .

    لقد استحقت أم تحسين المجد  … ونال زوجها وذويها العز والفخار بحصولهم على  الشرف الرفيع الذي يحلم به ويتمنى الحصول عليه كل واحد من شعبنا .

    يقول المحتلون الغاصبون عن الفلسطينيين بأنهم إرهابيين — ولكن جريمة استشهاد أم تحسين تفضحهم ، وتؤكد زيف اتهامهم وأكاذيبهم ، وتظهر وجههم القبيح على حقيقته .

    فماذا فعلت أم تحسين ؟؟ وماذا فعل عشرات الأطفال والشيوخ والنساء  والمرضى ؟؟ الذين اختنقوا بالغاز واصيبوا بالرصاص الحي والمطاطي … وماذا فعل سكان المخيم جميعا حتى يعاقبوا وتداهم حاراتهم وأزقتهم ومنازلهم من قبل قطعان الوحوش الفاشية من جيش الاحتلال  ويتم التنكيل بهم وإرهابهم  ليس ليوم عابر ولكن على مدى الأيام والأشهر والسنين الماضية .

    مخيم الفارعة  … مثال حي صادق يفضح  كذب وتضليل ودجل المحتلين ..

تسقط أوراق التوت ويتعرى الاحتلال أمام كل العالم … مخيم اعزل يواجه بصدره العاري عدوان وهمجية أعتى قوة في  العالم – الكف يناطح المخرز – الدم ينتصر على السيف – فلا مبرر يمكن للمحتلين أن يسوقوه لتبرير فعلتهم ضد هذا المخيم – فلا مسلحين فيه ولا مطاردين … وكل جريمة المخيم وذنبه  وما يغيظ المحتلين فيه  … انه ظل دائما كفرس برية ، لا يقبل التطبيع ولا التطويع .. ويرفض حتى أطفاله أن يتحول منظر مرور سيارات الجيش وعرباته المجنزرة من أمام مخيمهم إلى منظر اعتيادي .. انهم متمردون وطنيون بفطرتهم … ومن حقهم الطبيعي أن لا يروا جنود الاحتلال وجلادي شعبهم ليس في مدخل مخيمهم فقط ولكن أن لا يرون المحتلين على كامل ثرى وطنهم الطهور .

    فماذا يفعل المحتلون في بلادنا ؟؟… لماذا لا يرحلوا ويتركونا نعيش بأمن وسلام ؟؟

 هذه هي رسالة استشهاد أم تحسين .. فلنحفرها في قلوبنا وعقولنا .. ولنحفظها ولنعمل على تنفيذها وفاءا لروحها التي صعدت إلى العلياء لتجاور الأنبياء والصديقين .

 مخيم الفارعة – 30/4/2004

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash