من حكايا الانتفاضة الفلسطينية – المتمردون

بقلم : خالد منصور

    ملاك الموت لم يبارح سماء المخيم منذ عدة شهور.. وكثيرا ما كان يدنو ويتدلى ويصير قاب قوسين أو أدنى من تحقيق غايته.. لكن المشيئة الإلهية كانت تتدخل دوما لترجئ وقوع الحدث.. حتى كان ليل الجمعة 27/10/2006 .. في تلك الليلة المشهودة.. وكما تعود أن يفعل كل ليلة.. ودع فادي صبح أمه– وهو الجريح السابق لأكثر من مرة– طالبا منها المسامحة.. أما مصطفى جبر ابن السابعة عشر ربيعا.. فقد احتال على أمه في تلك الليلة.. ووضع المخدة في سريره ليوهمها بأنه موجود في المنزل.. التقى الاثنان في احد أزقة المخيم.. لينضم إليهما بعد حين قصير شبان آخرين– مثلهم– تواعدوا واقسموا الإيمان أن لا تفوتهم ليلة واحدة دون أن يسببوا الصداع لجيش المحتلين.. ويربكوه ويفشلوا تدابيره الأمنية.. كانوا خليطا عجيبا من الشباب.. متفاوتي الأعمار والانتماءات الوطنية– من طلاب مدارس الى عاطلين عن العمل.. والذي كان يجمعهم ويجعلهم عصبة واحدة– هو اتصافهم جميعا بالجرأة اللا محدودة.. والإقدام المنقطع المثيل.. تمرسوا في المواجهات.. وتلاشى الخوف من قلوبهم.. حتى صارت متعتهم الرئيسية تكمن في تحدي وحدات جيش المحتلين وقواتهم الخاصة.. كانت البداية لالتئام شمل أولئك الشباب والفتية في التشارك بقذف دوريات الجيش بالحجارة عند مدخل المخيم– أثناء مرورها على الشارع الرئيسي .. الأمر الذي اجبر الجيش على الحد من اقترابه من حدود المخيم تحاشيا للصدام معهم.. لكن هؤلاء الفتية الشباب صعدوا من تحديهم.. وصاروا أكثر من ذلك يلاحقون قوات المحتلين إلى مسافات تصل إلى عدة كيلومترات.. وكان الجيش يطاردهم في الجبال.. وكثيرا ما ألقى القبض على بعضهم.. وكان يشبعه ضربا ثم يقوم بإطلاق سراحه ليس لسبب إلا لصغر سنهم.. ومع الأيام صار تعامل الجيش مع رماة الحجارة أكثر قسوة وشدة وأكثر دموية.. وبدا بإطلاق النيران الحية– بعد أن اكتفى لمدة طويلة بإطلاق الرصاص المطاطي وقنابل الصوت والغاز السام.. وأصيب عدد كبير من هؤلاء الشباب بالرصاص الحي والمطاطي.. ونزفت دماؤهم وروت حقول المزارعين– الذين تكبدوا مرارا خسائر كبيرة– جراء قيام آليات الجيش ( عمدا ) بتخريب مزارعهم– انتقاما من رماة الحجارة– حتى صار مألوفا أن ترى في شوارع المخيم وأزقته أعدادا كبيرة منهم يسيرون على عكازات– بسبب كسر عظام سيقانهم نتيجة الإصابات ..

    لم تفلح القسوة التي تعاملت بها قوات الاحتلال مع رماة الحجارة في ثنيهم عن نشاطهم المحبوب ( الذي يسمونه هم أحيانا بالعمل الوطني– ويعتبروه أحيانا أخرى ملئا للفراغ ) في الحد من تزايد نشاطهم.. بل وانضم إليهم أعداد أخرى– لان هؤلاء الرماة أصبحوا مع الأيام المثل الذي يسعى لتقليده كل أقرانهم.. وبالأساس لان الغضب والتمرد الكامنين في قلوب أبناء عموم الشعب الفلسطيني– واللاجئين على وجه الخصوص– وبالذات الجيل الصاعد منهم– هو غضب وتمرد تراكم عبر سنوات طوال من القهر والظلم والفقر والتهميش.. كما ويلعب تنامي الشعور بالإحباط واليأس لدى جمهور واسع من السكان.. دورا كبيرا في تحول ظاهرة التمرد إلى حالة طبيعية.. أخذت تطغى على الغالبية العظمى من شباب وفتية المخيمات.. والخطورة تكمن في أن هذا التمرد لم يعد موجها فقط ضد الاحتلال.. بل وامتد ليطال أيضا القوانين والأسرة والمجتمع.. ومن المرجح أن السبب في معظم ذلك التمرد راجع لغياب أي أفق سياسي لأي حل– قد يخلص الشعب والشباب من الاحتلال ومن قسوة وبطش جيشه– الذي يستهدف منذ وقت طويل– وبشكل منظم هذه الفئة العمرية– لإذلالها وكسر عنفوانها.. إن غياب الأفق الذي يطمئن الجماهير على مستقبلها ويحرك الأمور باتجاه واضح .. يجعل من المستحيل إحداث تغيير  كبير في حياة ونمط سلوك مجموعات الشباب.

 عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

مخيم الفارعة – 28/10/2006

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash