من اجل لقمة عيش

بقلم : خالد منصور

    عند الثالثة بعد منتصف الليل دقت ساعة المنبه في بيت المهداوي، وعلى الفور استيقظ  وزوجته، ونهضا من فراشهما بسرعة، غسل وجهه بقليل من الماء، وخلع ملابس النوم وارتدى ملابس العمل، وفي الأثناء كانت زوجته قد أعدت له فطورا سريعا– لم يزد عن إبريق شاي وخبز وزيت وزعتر، فتناول فطوره على عجل، وتسلل إلى غرفة أطفاله الستة، ليلقى عليهم نظرة ويملأ عيونه منهم، وهو الذي سيغيب لمدة طويلة، لم يوقظهم بل أمعن النظر فيهم بهدوء وبصمت، اقفل الباب خلفه بخفة، وحمل حقيبة ملابسه على كتفه، وقد وضعت له زوجته فيها ملابسه وبعضا من أرغفة الخبز وشيئا من الطعام.. ودع زوجته بعيون متحجرة وقال لها ( قد أغيب هذه المرة لشهر أو أكثر، لأني لا استطيع أن اكرر المغامرة كل أسبوع ).. وما هي إلا لحظات حتى سمع زامور سيارة الفورد، التي كان قد اتفق هو وتسعة من رفاقه العمال مع سائقها، ليوصلهم إلى حيث يعبرون الجدار في إحدى قرى غربي منطقة رام الله، حيث مازال الجدار العازل هناك لم يكتمل، ولم يحكم المحتلون إغلاقه تماما، وانطلقت السيارة مسرعة، واخذ السائق يشرح للعمال ميزات السفر بالليل قائلا أن تنقلهم بالليل أفضل وامن بكثير، لان الحواجز العسكرية الإسرائيلية تكون في الليل اقل منها في النهار، ولا يكون عليها طوابير طويلة من السيارات، وعندما وصلوا إلى آخر نقطة قرب الجدار، ترجلوا وساروا على أقدامهم مسرعين، حتى تخطوا منطقة الخطر الأكيد، حيث ترابط بالعادة دوريات من جيش الإحلال، مهمتها منع تسلل من تسميهم بالإرهابيين، الذين هم في الغالب ليسوا أكثر من عمال لسعهم الجوع والفقر،  كما وتحرس تلك الدوريات المعدات والآليات المستخدمة في إكمال بناء الجدار، واقتربوا من الشارع الرئيسي الموصل بين القدس وتل أبيب.. وكمنوا  خلف بعض الصخور وهاتفوا من هناك سائق سيارة من عرب إسرائيل، كانوا قد اتفقوا معه قبل يوم من مجيئهم، وكان الفجر قد بزغ وبدا النور يسطع ويكشف المكان، وبعد أن اطمئنوا أن سيارات حرس الحدود غير موجودة في المدى المنظور، اقتربوا كثيرا من الشارع، ووقفوا حيث اتفقوا مع سائق السيارة التي ستنقلهم إلى تل أبيب .. وما هي إلا دقائق حتى جاءت السيارة ولم تتأخر عن موعدها، وبسرعة جنونية قفزوا إلى داخلها، وانطلق بهم السائق وكان السيارة تحولت إلى طيارة، إلى أن وصل بهم إلى منطقة تل أبيب الكبرى، ودخل المناطق الإسرائيلية المأهولة، وبدا يوزعهم على أماكن عملهم..

    كانت الساعة قد شارفت على السابعة والنصف، فدخل المهداوي إلى ورشة البناء التي كان يعمل بها لاكثر من 6 شهور، والتقى هناك بزملائه العمال العرب الآخرين، كما والتقى بصاحب العمل ( وهو مقاول إسرائيلي من أصل عراقي )، وقد اعتاد هذا المقاول أن يستخدم عمالا عرب من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، ودافعه بذلك كون أجورهم اقل بكثير من نظرائهم العمال العرب الحاملين للجنسية الإسرائيلية.. وكان هذا المقاول يعلم علم اليقين أن معظم العمال الذين يستخدمهم هم عمال غير قانونيين– أي ليس لديهم تصاريح دخول لإسرائيل– الأمر الذي يجعلهم دائما عرضة لحملات التفتيش التي تقوم بها وحدات الشرطة الإسرائيلية، ورغم انه وفيما لو القي القبض على احد العمال الغير قانونيين داخل ورشة عمله، فان ذلك سيؤدي إلى سجنه ودفعه غرامات ضخمة— ومع ذلك فان هذا المقاول ومثله أعداد كبيرة من أصحاب العمل الإسرائيليين، يغامرون باستخدام عمال من الضفة وغزة– لان أجورهم قليلة، ولا يترتب أيضا على تشغيلهم أية ضمانات أو استحقاقات..

    انتهى يوم العمل الشاق، ولملم العمال حاجياتهم وانصرفوا كل باتجاه مرقده الليلي، تسربوا فرادى وجماعات يحملون آلامهم وآهاتهم، غرباء بعيدون عن عائلاتهم، يبحثون عن القليل من الراحة، البعض اعتاد افتراش الحدائق العامة وخصوصا في فصل الصيف، وآخرون تكيفوا والنوم تحت الجسور وفي المناطق المهجورة، وبعضهم تجده ملفوفا بغطاء وممدد كالميت تحت مطلع درج إحدى العمارات، ولكن العدد الأكبر من العمال وخصوصا عمال البناء، فإنهم جعلوا من العمارات الغير مكتملة البناء مآوي لهم، رغم أنها بلا أبواب وبلا شبابيك.

    وصل المهداوي إلى مأواه، وكان ذلك في عمارة من اثني عشر طابقا– أربعة منها تحت الأرض، وثمانية فوقها– وهي عمارة لم يكتمل بناؤها، وقد اجتذبت العمال بسبب موقعها النائي، وفي بعض الأحيان كان يصل عدد العمال الساكنين فيها أكثر من مائة وخمسون، وجميعهم من العمال الغير قانونيين، اختاروها لتكون مكان إقامتهم، وسكنوا طوابقها السفلية الواقعة تحت مستوى الأرض، وذلك كي يظلوا بعيدين عن أعين رجال الشرطة، لم يكد المهداوي يصل حيث مسكنه المفترض– حتى تساقط من التعب على الأرض، وتمدد على بعض من ألواح الكرتون كان قد رتبها لتكون كالفرشة، وما هي إلا لحظات حتى غط في نوم عميق، كان ذلك عند الساعة الثالثة والنصف عصرا، وعند الساعة الخامسة أيقظه احد زملائه من أبناء مخيمه، حيث جلس الاثنان على حجارة طوب، وأشعلا بعضا من الحطب من بواقي خشب البناء، واعدا إبريقا من الشاي، ثم صعدا الأدراج كما اعتادا أن يفعلا كل يوم، إلى أن وصلا إلى مستوى الأرض، وكان قد سبقهم إلى هناك العشرات من العمال ، يجلسون جماعات جماعات أتوا من مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، كانوا كعادتهم يجلسون كل يوم وقت المغيب ليتسامروا قليلا، ويخففوا عن أنفسهم آلام الغربة القسرية، ولم يكونوا يطيلون الجلوس لأنهم مرهقين وبحاجة لأخذ قسط اكبر من الراحة استعدادا ليوم العمل القادم.

    في ذلك اليوم الذي لن ينساه المهداوي داهمت الشرطة مكان تجمع وإقامة العمال، فأسرع العمال بالهرب، وكان أفضل وامن مكان هو النزول إلى الطوابق السفلى من العمارة، أسرع المهداوي بالفرار، وبدا ينزل الأدراج، ولكن تدافع العمال افقده توازنه، ليسقط بعد أن انزلقت قدمه، ويهوى لعدة طوابق، حيث وقع على رأسه مباشرة، لم ينتبه العمال الفارين للمهداوي، ولكن زميله ابن مخيمه انتبه إليه، وأسرع نحوه غير آبه برجال الشرطة، ولما وصل إليه اعتقد للوهلة الأولى انه قد فارق الحياة، فلم يكن به حراك، والدم ينزل من رأسه، وصلت الشرطة بعد دقائق، وتوقفت عن ملاحقة العمال، وتقدم بعض الشرطيين من المهداوي، فهالهم وضعه واتصلوا فورا بسيارة الإسعاف، وما هي إلا دقائق معدودة حتى كانت سيارة الإسعاف في المكان، وأسرع طاقمها لحمل المهداوي، ووضعه في السيارة، وأصر زميله على الركوب معه، وصل المهداوي إلى المستشفى فاقدا للوعي وقد تهشمت بعض عظامه ونزف كثيرا من دمه، لكن الأهم أن فمه قد تحرك من مكانه بشكل كامل، وأصبح منظر وجهه وعموم رأسه مريعا جدا ومشوه بشكل مذهل، وفي اليوم التالي وصل الخبر إلى عائلته، فبكت الزوجة وولولت، وبكى أطفاله بحرقة كبيرة، وبكى الجيران لبكائهم، لكنهم جميعا لم يستطيعوا الوصول إلى المستشفى، لتعذر حصولهم على تصاريح دخول لإسرائيل، واستمر المهداوي في المستشفى فاقدا للوعي بين الحياة والموت لأكثر من ثلاثة أسابيع، واعتقد الكثيرون ممن رأوه بانه لن ينجوا، لكن القدر تدخل رأفة بالأطفال، وخرج المهداوي من غيبوبته، واستفاق وكأنه قد كتب له عمر جديد، وتم نقله بعد أن زال الخطر على حياته إلى احد مستشفيات الضفة، حيث أمضى أيضا هناك عدة أيام، خرج بعدها وعاد إلى أسرته، لكن انحراف فمه وتشوه وجهه استمرا، وقد أمضى بعد خروجه من المستشفى حوالي الشهر مع أسرته، وكانت المفاجئة الكبرى أن المهداوي عاد وتسلل من جديد إلى داخل إسرائيل، ليعود إلى مكان عمله.

    المهداوي واحد من مئات آلاف العمال الفلسطينيين، الذين فقدوا عملهم داخل إسرائيل بسبب سياسة الحصار الشامل التي تفرضها دولة الاحتلال على سكان الضفة والقطاع، وهي تمارس سياسة إغلاق سوق العمل باعتباره سلاح لاستنزاف طاقات الفلسطينيين وجعلهم يلهثون وراء لقمة العيش بدلا من التوجه لمقاومة الاحتلال، وهذا السلاح يعتبر جزء من الحرب الشاملة التي تشنها عليهم منذ عدة سنوات، والمهداوي عامل واحد من عدة آلاف يغامرون يوميا بأرواحهم، للدخول سرا وتسللا إلى حيث أماكن العمل داخل إسرائيل، سعيا وراء لقمة العيش التي يحتاجها أطفاله، هذه اللقمة المهددة دائما بالانقطاع والمغمسة بالدم.

 مخيم الفارعة – 27/4/2007

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash