من حكايا الانتفاضة الفلسطينية – أطـفـال المـخـيـم

بقلم : خالد منصور

    سألني ابني الصغير سيف وهو الذي لم يتعدى الثامنة من عمره : لماذا لم يأتي الجيش إلى المخيم يا أبي ..؟؟ أنا كنت بانتظار قدومه منذ ساعات الظهر وحتى آذان المغرب ولم يأتي .. ونفس الشيء فعلت بالأمس .. فماذا افعل ..؟؟ فقلت له ولماذا تنتظر قدوم الجيش ..؟؟ فأجاب حتى أشارك مع الشباب في رشق الحجارة !! فقلت له ولماذا تضرب الجيش بالحجارة فقال مستهجنا سؤالي : لأنهم يهود .. ولأنهم يقتلون الناس !! فقلت له ألا تخاف أن يصيبوك بالرصاص فقال : لا .. فأنا اضربهم واركض في أزقة المخيم وهم لا يستطيعون اللحاق بي لأنهم يخافون دخول الأزقة وكل أولاد المخيم سيشاركون معي في الضرب .

    لم استغرب هذا الكلام من ابني الذي يختار بالعادة ألعابه دوما على شكل بنادق ومسدسات بلاستيكية .. وتكون لعبته المفضلة مع أقرانه في الحارة هي  نفس اللعبة التي كنت أنا العبها في طفولتي قبل أربعين عاما – لعبة عرب ويهود – … فكل أطفال المخيم وكل شبابه يكونون يوميا بانتظار مرور الجيش على الشارع الرئيسي المحاذي للمخيم .. ويقومون بقذف  سياراته بالحجارة وبكل ما تقع  أيديهم عليه من زجاجات فارغة وقضبان حديد .. وما أن يلمح الأطفال سيارات الجيش من على بعد كيلومترين  ، حتى يبدأ الصخب ، ويدب النفير في المخيم ، ويسارع الأطفال للتجمهر في منطقة السوق متحفزين مستنفرين .. يتوافدوا من كل النواحي والأزقة  ،ويتجمعوا عند الشارع الرئيسي ، ويعلو صراخهم ( صرصور  وعزيزة.. صرصور  وعزيزة ) — وهي الأسماء التي أطلقوها ومنذ سنوات الانتفاضة الأولى على سيارات الجيب العسكرية الصغيرة وعلى ناقلات الجند المتوسطة  — وكل واحد من الأطفال  يحمل بيديه أسلحته الخاصة – وهي عبارة عن حجارة صغيرة وأخرى كبيرة ، وأحيانا يحملون زجاجات مليئة بالزيت المحروق ، أو الدهان أو الشّيد وقد تكون مليئة بالمياه القذرة الآسنة ، لأنهم وبتجربتهم الخاصة أيقنوا أن حجارتهم لا تلحق ضررا حقيقيا بسيارات الجيش المصفحة تصفيحا جيدا ، ولذلك فإنهم يصرون على التنغيص على الجنود ومضايقتهم بأي شكل من الأشكال ، بل وحتى إلحاق الإهانة بهم .. وقد وصلت الجرأة والتحدي بهم إلى ملاحقة الجيش لمسافات طويلة تبلغ عدة كيلومترات بعيدا عن المخيم ،ورشقهم هناك بالحجارة ، كما ويقومون ببناء المتاريس الحجرية ويشعلون إطارات الكاوتشوك لإعاقة تحرك القوات العسكرية للجيش .. وفي بعض الأحيان يغلقون الشارع الرئيسي ، لإجبار الجيش على الدخول إلى المخيم ،حتى يخوضوا معه معركة حامية ويواجهوه عن قرب داخل أزقة المخيم الضيقة .. وفي كل مرة يسقط بعض الأطفال جرحى بالرصاص الحي والمطاطي بل وقد استشهد في المخيم نتيجة مثل هذه المواجهات  سيدة متوسطة العمر وطفل صغير .. والاثنين  سقطوا شهداء نتيجة اختناقهم بالغاز السام الذي يستخدمه الجيش لتفريق راشقي الحجارة .. – هذا عدا اثني عشر شهيدا سقطوا كمقاومين في مواجهات عسكرية  بالإضافة إلى اثني عشر شهيدا آخر كانوا قد سقطوا في الانتفاضة الأولى  — ودائما – بعد المواجهات التي تستمر أحيانا لساعات – يعود الأطفال إلى بيوتهم فرحين بأنهم شاركوا بالمواجهات ، ويستمتعوا بالتحدث عن أدوارهم وبطولاتهم ، وعن مغامراتهم وجرأتهم وتحديهم للمخاطر .. ويفكروا بتطوير أساليب مقاومتهم ، وبأشكال وتكتيكات جديدة سيقومون باستخدامها في المرات القادمة .. ولكن بعض الأطفال والشباب لا يكتفون بما فعلوا ، بل يستمروا بالتواجد على جانب الشارع الرئيسي بانتظار مرور سيارات الجيش إلى ساعات متأخرة من الليل .. .. ويقول أحد سكان المخيم المجاورين للسوق التجاري المحاذي للشارع الرئيسي انه أفاق في أحد الليالي ونظر من شرفة منزله فإذا بمجموعة من الأطفال نائمين على درج جامع المخيم وبأيديهم حجارة وزجاجات فارغة .. فأدرك أنهم ناموا بعد أن غلب عليهم النعاس وهم ينتظرون مرور الجيش ليشتبكوا معه …

    لا عجب في ذلك فمخيم الفارعة مخيم فلسطيني تربى أطفاله على الحقد على إسرائيل التي اغتصبت أوطانهم وسببت لهم التشرد واللجوء والمعاناة .. مخيم أقيم وبجانبه كان معسكر لفرسان الجيش الأردني .. وهو المعسكر الذي تحول في زمن الاحتلال الإسرائيلي إلى سجن رهيب ، عانى وتعذّب في زنازينه عشرات آلاف الشبان الفلسطينيين ، وكانت أنّاتهم وآهاتهم يسمعها كل ليلة جزء كبير من سكان المخيم … مخيم يعيش سكانه وهم يحملون اسم لاجئين .. بؤر للفقر والبؤس والحرمان .. البطالة تأكل الرجال .. واكتظاظ المساكن يخلق أكثر من أزمة سكانية أو اجتماعية أو نفسية .. لا مرافق عامة ، لا ساحات ولا حدائق ، لا مراكز ثقافية أو فنية ..الفراغ يشكل المساحة الكبرى من حياة الأطفال والشباب .. ولذلك ولكل هذه الأسباب     ( السياسية والاقتصادية والاجتماعية ) ولشعور اللاجئ نفسه بأنه في غربة ،وبان المحيط من حوله ينظر إليه كمواطن فلسطيني مختلف .. فان أهم الصفات التي تلازم عموم سكان المخيم ، وشبانه وأطفاله على وجه الخصوص ، هي النزوع الدائم نحو العنف والتمرد .. تمردوا على المحتل أولا وكانوا جمرة متقدة لا تنطفئ أبدا .. ثم تمردوا بعدها على كل شيء .

 

5/9/2004

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash