فرح الابناء ووجع الاباء

بقلم : خالد منصور

     على ابواب افتتاح الموسم الدراسي.. ومع الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر السعيد، تعمدت الدخول الى البلدة القديمة من مدينة نابلس ( حي القصبة )، وقررت السير في اسواقها الشعبية ( السوق العتم او خان التجار كما يسميه السكان )، وهي الاسواق التي تمتاز برخص اثمان البضائع فيها، والتي لهذا السبب تكتظ في مثل هذه المواسم بالمتسوقين– الذين هم في معظمهم من فئات الفقراء وذوي الدخل المحدود وخصوصا من سكان الارياف والمخيمات ومن احياء الفقر في المدينة– وكان الهدف من وراء تجولي في تلك الاسواق الوقوف على حركة التسوق، التي من المفترض ان تكون نشطة بشكل لا يقارن مع الايام العادية، كما انني وددت الوقوف على مدى تاثير تردي مستويات الدخل، وتفاقم افة الغلاء، على القدرة الشرائية للمواطنين.

    بصعوبة كبيرة كان يمكنني السير في تلك الاسواق التاريخية الضيقة، حيث محلات الملابس والاحذية، وحيث لوازم المدارس من حقائب وقرطاسية، اضافة الى محلات المواد الغذائية ( من لحوم وخضار ومعلبات وتوابل وبهارات ) والكل يعرض بضاعته بشكل جذاب، ويقوم بتعليقها امام دكانه، مما يؤدي الى ارتطام راسك بالمعروضات من ملابس واحذية.. وكثيرا ما تجد حركة السير قد توقفت– لان بعض النسوة قد وقفن امام احد الدكاكين لفحض بضاعة ما، او لمساومة صاحب محل على سعر سلعة، وقد تطول تلك المساومة مما يتسبب بتعطيل السير، وقد يكون سبب تعطيل السير تحاشي الرجال الاحتكاك باجساد النساء، واحيانا تصادف حمالا يدفع عربة لنقل البضائع، الامر الذي يعني انك تصبح مضطرا للبحث عن فراغ في المكان كي تتجنب ارتطام العربة بجسدك.. الناس في السوق كانهم النمل يسيرون بالاتجاهين، الكل يحدق بكل شيئ، ويبحث عن الحاجيات التي جاء لشرائها وكان قد اعد قائمة باصنافها.. وترى هناك اولياء الامور– وخاصة النساء– تسير كل واحدة منهن ومعها اربعة او خمسة من ابنائها وبناتها، جلبتهم معها لتشتري لكل واحد منهم كسوته التي سيدخل بها العام الدراسي، وقرطاسيته وحقيبته المدرسية، كما ولتشتري لوازم شهر رمضان من الاغذية ( الجبنة الصفراء والبيضاء وقمر الدين ولوازم صنع الحلوى من جوز ولوز وفستق وكذلك التوابل والبهارات والمعلبات و. و.. الخ )، ومما يجعل حركة السير في السوق اكثر صعوبة– ان كل المتسوقين يحملون بايديهم اكياسا تحوي ما كانوا قد ابتاعوه.. وما ان وصلت الى البوابة الشرقية للسوق– عند الجامع الكبير– حتى شعرت بالانهاك الشديد، ووجدت نفسي اتصبب عرقا من شدة الحر، ومن ارتفاع الضغط داخل السوق، بسبب الازدحام الغير طبيعي.

    في البداية اقر بان حجم المتسوقين كان كبيرا جدا، ولم يختلف كثيرا عنه في الاعوام السابقة، لكنني بالمقابل لاحظت ان الناس قد قلصوا حجم مشترياتهم الى النصف تقريبا، فبدلا من شراء كسوتين رايتهم يشترون كسوة واحدة– سالت واحدة من النساء لم لم تشتري لابنائها الاربعة حقائب مدرسية..؟؟ فقالت: ان حقائبهم القديمة مازالت صالحة، وبامكانهم استخدامها لعام اخر– وقد لفت انتباهي جيدا الاقبال الشديد على التسوق من المؤسسات التجارية الكبرى، وعندما استفسرت عن السبب قيل لي: لان اسعارها تتناسب مع امكانيات الفقراء وذوي الدخل المحدود.. والاهم من ذلك انني لاحظت اقبالا غير عادي على شراء المستعمل من الملابس والاحذية، وكذلك على شراء البضائع الصينية– رغم انها اقل جودة من البضائع المحلية– وكان تعليل الناس لهذا التوجه انهم يجدونها ارخص بكثير من غيرها من البضائع.

    سالت احد سكان مخيمنا الذي التقيت به في ذلك اليوم في السوق– وانا اعرف عنه انه فقير بائس، يعمل بشكل غير منتظم، ويعيش وضعا اقتصاديا صعبا جدا– بسبب الديون المتراكمة عليه– مالذي يدفعه لانفاق كل ما انفقه في ذلك اليوم من المال ( 700 شيكل ) على شراء اللوازم المدرسية لابنائه، وعلى شراء لوازم شهر رمضان.. فاجابني : انا مثل كل الاباء مضطر لفعل كل ما من شانه جلب الفرح والسعادة لابنائي.. حتى ولو انفقت كل ما املك .. حتى ولو استلفت وتحملت مزيدا من الديون.. انا لا يمكنني ابدا تحمل رؤية دمعة واحدة في عين ابني بسبب حرمانه من التساوي مع اقرانه ( باقتناء حذاء جديد او قميص جديد او بنطال جديد ).. واضاف– ان ادخالي الفرح الى قلوب ابنائي يعادل عندي كل كنوز الدنيا، ومن اجل ذلك انا مستعد لتحمل كل ضغوط وهموم الديون، ومستعد لحرمان نفسي وزوجتي من كل الاشياء، وحتى تلك التي نحن بامس الحاجة اليها.. ومستعد للعمل حتى في الاشغال الشاقة جدا– ان وجدت– كي اكسب المال واتمكن من تلبية كل احتياجات ابنائي.

    لم استطع جدال ذلك الاب.. واعترف انني عجزت عن جداله.. فقد بدا لي وهو يتحدث مثل تلك اللبؤة التي تخوض اشرس المعارك– وقد تجرح وقد تفقد حياتها– لتصطاد اولا ولتحافظ على فريستها ثانيا، كي تقدمها لاشبالها، وتشبع جوع تلك الاشبال.. وقد علمني ذلك الحوار مع ذلك الاب انه لابد لي من النظر الى علاقة الاباء بالابناء من زاويتين– فمن الزاوية المادية ساجد ان فرح الابناء يجلب الوجع للاباء ( هذا في بعض الاحيان ).. ومن الزاوية الروحية ساجد ان فرح الابناء هو البلسم الشافي لوجع الاباء ( وهذا في كل الاحيان ).

 

مخيم الفارعة

     

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash