الفقير للفقير ولو كان على الحصير

بقلم : خالد منصور

     المحسود ( وهذا لقبه الذي لا اعرف كيف ولماذا أطلق عليه– مع انه بنظري ونظر كل من يعرفه إنسان عادي بسيط– وليس لديه ما يمكن أن يحسد عليه ).. عامل ابن عامل، من أسرة فلسطينية تعيش تحت مستوى خط الفقر بدرجات.. وهو لاجئ يسكن في مخيم الفارعة، في بيت صغير متواضع بناه بعرقه وبكده وتعبه.. يعمل منذ سنوات في منطقة الأغوار، باجر يومي يبلغ 53 شيقلا.. ينهض من نومه كل يوم عند الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر، كي يتمكن من الوصول إلى مكان عمله في الوقت المحدد– أي عند الساعة الخامسة صباحا.. وهو دائما يعود إلى بيته عند الساعة الثالثة بعد العصر.. يعمل مثل مئات عمال الأغوار في المزارع، حيث الحر الشديد الذي لا يطاق، ويشاركه العمل من أبناء مخيمه، مجموعة من الشباب عددهم خمسة عشر عاملا.. جميعهم من فئة الشباب، الذين لم يتجاوز أكبرهم سنا الثلاثين من العمر.. كلهم متزوجين ولديهم أطفال وعليهم التزامات كثيرة.. مجموعة من العمال تآلفوا مع الأيام، وتوثقت علاقاتهم كثيرا، وأصبحوا أكثر من مجرد زملاء عمل، بل أصدقاء مقربون.. كيف لا وهم يمضون مع بعضهم أوقات أكثر مما يمضون مع عائلاتهم وفي بيوتهم.. ويعانون سويا وبشكل يومي من مشاق السفر، وإذلال ذلك الحاجز ألاحتلالي اللعين المسمى بحاجز الحمرا.. وهو الحاجز الذي أقامه المحتلون ليشددوا به الخناق على مناطق الأغوار ويغلقوها بالتدريج، تنفيذا لسياسة التطهير العرقي الذي يمارسونه كمحتلين منذ زمن، بحق السكان العرب أصحاب الأراضي الحفيفيين الذين مازالوا صامدين هناك..

    المحسود ومثل كل الشباب الفلسطيني، كافح وكافح بنشاط إلى أن استطاع جمع ما يكفي من المال ليغطي تكاليف عرسه ومهر عروسه، وتزوج فتاة من نفس طبقته الفقيرة العاملة.. وفرح أبواه حينها بزواجه فرحا عظيما، وانتظرا مثل كل الآباء بفارغ الصبر أن تنجب زوجة ابنهم مولودا يحفظ اسم أبيه.. لكن المولود تأخر مجيئه، وطال الانتظار، وبدا القلق يظهر على الزوج والزوجة، وكذلك والد ووالدة العريس، وبدأت رحلة المعاناة في زيارة الأطباء، وأصبح كل قرش يدخل جيب المحسود ينفق على الأدوية وعلى أجور الأطباء.. والمصيبة هنا أن أطباء الاختصاص لمثل حالة المحسود وزوجته تكون دائما أجورهم باهظة.. وفي النهاية قرر الأطباء أن الإنجاب لا يمكن ان يحدث إلا من خلال عملية زراعة، ووافق المحسود وزوجته، واستدانوا وشدوا الأحزمة على البطون، كي يدفعوا تكاليف عملية الزراعة، وعندما أتموا جمع المبلغ المطلوب– اجروا العملية– وتكللت العملية بالنجاح، وحصل الحمل للزوجة.. فطار المحسود من الفرح، وكذلك أبواه وكل أصدقائه، وخاصة رفاقه العمال.. وبعد تسعة شهور بالتمام والكمال وضعت زوجة المحسود طفلا ذكرا، الأمر الذي جعل المحسود يشعر بفرح غامر.. لكن ومثل كل الفقراء وكما يقول المثل الشعبي ( اجت الحزينة تفرح لم تجد لها مطرح )، فلم تستمر الفرحة إلا لبضعة أيام، إذ ظهر أن المولود يعاني من تشوه خلقي في دماغه، وقال الأطباء أن دماغ المولود لم يكن مكتملا، الأمر الذي يعني أن هناك مشكلة جديدة وقعت على رأس المحسود– وهي قد تكون اكبر من مشكلته الصحية الأولى ( أي عندما كان يسعى للإنجاب )..

    لم يذق المحسود منذ ذلك اليوم طعم النوم، ولم يهدا له بال أبدا، وسيطر عليه القلق، وطاف حاملا ولي عهده على كل الأطباء، وزار كل المستشفيات.. يسال ويستفسر، وكانت كل الإجابات التي تلقاها واحدة– المولود بحاجة إلى عملية جراحية دقيقة في الدماغ– وهي عملية لا يمكن إجراءها إلا في مستشفيات متطورة ومجهزة بتقنيات خاصة ( إما في الأردن وإما في إسرائيل ).. الأمر الذي يعني ضرورة الحصول على كتاب تحويل من لجنة طبية حكومية فلسطينية عليا.. ومن المعروف أن الحصول على مثل هذا الكتاب لا يتأتى إلا بعد عناء شديد، وبعد مراجعات ومطالبات وواسطات، وسفر مضني من مخيم الفارعة إلى رام الله مرات ومرات، وبعد إجراء العديد من صور الأشعة والتحاليل المخبرية.. وهذا بالعادة يتطلب مالا طائلا– لا يستطيع أمثال المحسود من العمال أن يتحملوه..

    والمحزن المبكي انه لم تتقدم أي جهة رسمية أو جهة نقابية لمساعدة المحسود في محنته.. والمحسود شانه شان كل العمال وعموم الفقراء، مصابون أصلا بالإحباط من كل تلك الجهات، ولا يتوقعون منها أن تفعل الكثير لمساعدتهم أو الوقوف إلى جانبهم في أزماتهم.. لكن المحنة تفاقمت أكثر على المحسود، ووصلت الأمور عنده حدا  لم يجد في جيبه من المال ما يدفع به حتى أجور المواصلات.. واسودت الدنيا في عينيه أكثر عندما طلب منه الأطباء تصوير دماغ طفله صورة طبقية– وهي الصورة الغالية الثمن.. وفي تلك اللحظة العصيبة التي أقفلت فيها كل الأبواب في وجهه، وعندما سيطر عليه شعور الغريق الميئوس من نجاته، امتدت إليه أياد كي تنتشله، أيادي رفاقه العمال الذين حزنوا حزنا شديدا لوضع واحد منهم لطالما اقتسموا معه لقمة الخبز، الأمر الذي دفعهم للمبادرة بجمع مبلغ من المال، اقتطعوه من قوت عيالهم ليقدموه إلى المحسود، عل ذلك المبلغ يساعده قليلا في محنته..

    لقد فكر العمال رفاق المحسود سريعا، وتناقشوا جديا في سبل مساعدته والتخفيف من كربته، واستقر رأيهم أخيرا على أنهم يجب أن يكونوا هم في مقدمة من يقدم المساعدة.. ورغم فقرهم جميعا وسوء أوضاعهم ورغم أجورهم المتدنية جدا.. إلا أنهم تبرعوا باجر يوم واحد لكل واحد منهم ( كحد أدنى ).. وجمعوا مبلغ ألف شيقل وقاموا بتسليمه للمحسود كي يتدبر به بعض احتياجاته..

    انه التكافل الاجتماعي الذي يسود في بلادنا– وهو في هذه الحالة تكافل الفقير مع الفقير حتى ولو كان على الحصير.. التكافل الذي لولاه لما استطاع شعبنا الصمود في مواجهة اشد الأوضاع الاقتصادية صعوبة، تلك الأوضاع الناجمة بالأساس عن إغلاق دولة الاحتلال إسرائيل لسوق العمل لديها في وجه مئات آلاف العمال..

 مخيم الفارعة

30/10/2007    

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash