ليعد كل منا إلى دياره

بقلم : خالد منصور

     كنت طفلا حين اصطحبني والدي معه في مهمة عمل إلى مستوطنة بنيامينا، ( الواقعة إلى الجنوب من مدينة حيفا وعلى بعد 42 كم منها ) لإحضار قطع غيار لجرارات زراعية من نوع كارارو الايطالية، والتي كان يعمل والدي موظفا لدى وكيلها في مدينة بنابلس، وقد استأجر والدي لهذا الغرض سيارة نقل من نوع فولكس فاجن كابينا، الأمر الذي أتاح له الفرصة لاصطحابنا أنا واثنين من إخوتي معه في تلك المهمة– على اعتبار أن جزء منها سيكون بالنسبة لنا نزهة استجمام واستكشاف، وتعرف على بلادنا الأصلية– لم يكن بمقدور والدي تأمينه لنا على نفقته الخاصة، وهو الموظف البسيط ذو الراتب المتدني جدا انذاك..

    وصلت بنا السيارة إلى مستوطنة بنيامينا، وهناك لم يكن صعبا علينا الوصول إلى العنوان الذي نقصده، حيث كان سائقنا يتقن اللغة العبرية بشكل ممتاز، كما وان عددا من السكان الذين سألناهم عن العنوان كانوا يتقنون اللغة العربية، حيث وصلنا إلى منزل ريفي كبير، يضم مكان سكن جميل جدا، تحيط به حديقة واسعة، تحتوي على كل أنواع الأزهار، ويحيط بها سياج من نوع خاص من أشجار الحدائق، وكعادة كل الريفيين كان يقع إلى جوار المنزل العديد من المخازن، واستقبلنا في المكان صاحب المنزل الذي أدهشنا بترحيبه الحار بنا باللغة العربية، وبدعوته الصادقة لنا للدخول إلى بيته كي يقدم لنا الضيافة اللائقة.. وزادت دهشتنا أكثر عندما لاحظنا أن معظم ديكورات المنزل قد بنيت على الطراز المغربي، وان أثاثه بالكامل كان مغربيا.. دخلنا المنزل وعيوننا تتفحص كل شيء.. صحيح انه كان بداخلنا شيء من الريبة في بادئ الأمر، نظرا لأنها المرة الأولى التي ندخل بها بيت شخص يهودي، هو بالنسبة لنا عدو ومغتصب لأرضنا، وبيننا وبينه كراهية وأحقاد كبيرة.. لكن أسلوب لقاء ذلك اليهودي معنا، وترحيبه الحار بنا، وطابع منزله العربي.. كل ذلك اثر بنا إلى حد كبير، وأزال جزء من حالة الارتياب الشديد التي كانت تتملكنا.. وما أن دخلنا إلى غرفة الضيافة حتى واجهتنا صورة كبيرة معلقة على الحائط– للملك المغربي الراحل محمد الخامس– بلباسه المغربي وبطربوشه الأحمر.. وفور جلوسنا في صالون المنزل غاب مضيفنا اليهودي لدقائق، وعاد إلينا وهو حامل لشراب مثلج من عصير الليمون الطازج، وقدمه لنا وهو يردد عبارات الترحيب العربية، وبعد أن جلس انتبه لتحديقنا المستمر بصورة الملك محمد الخامس، فضحك وقال: من المؤكد أنكم تتساءلون كيف يضع يهودي صورة ملك عربي في صدر بيته، عندها قال له والدي: إن من عاداتنا أن نضع صور أبنائنا أو آباءنا أو صور الزعماء الذين نحبهم، فنحن مثلا نضع صورة جمال عبد الناصر.. وانت كان من المفترض على ما أظن أن تضع صور بن غوريون أو هرتزل.. لكن لم وضعت صورة محمد الخامس ..؟؟ فأجاب اليهودي: انه تماما كما تقول– فكل واحد يضع صورة من يحبه، ونحن اليهود المغاربة نحب الملك محمد الخامس حبا عظيما، لأنه كان الحامي والراعي الكبير لنا، وكان يعاملنا معاملة خاصة حافظا لحرياتنا ولكامل حقوقنا المادية والثقافية.. كما أننا نحب بلاد المغرب من أعماق قلوبنا التي ولدنا وعشنا فيها بسعادة ونعيم، كمواطنين من الدرجة الأولى، وها نحن نعيش هنا منذ عشرين عاما أو أكثر، ولم تسقط عن ألسنتنا اللغة العربية التي كانت لغتنا الأولى التي نتحادث بها، وحتى لهجتنا المغربية مازالت كما هي، وهنا فان التقاليد والعادات المغربية مازالت تصبغ وتطغى على كل نواحي حياتنا، حتى أنه لنا مناسباتنا وأعيادنا الخاصة كيهود مغاربة كعيد الميمون مثلا نحييها بانتظام، وعندما يلتقي الواحد منا بيهودي مغربي آخر فانه يتحدث معه باللغة العربية وباللهجة المغربية وتراثنا الذي نعتز فيه هو التراث المغربي، ويمكنك ملاحظة ذلك إذا ما دققت في الموسيقى التي تصدح في أحياء اليهود المغاربة، إنها الموسيقى الأندلسية المغربية.. وكنا أنا وأبي وإخواني نستمع بإنصات واستغراب شديدين لحديث ذلك اليهودي، وهو يتحدث بشغف عن المغرب وكأنه يتحدث عن جنة الدنيا، ويبدي حسرة واضحة على بعاده عنها.. عندها قال له والدي: إننا أيضا نحب بلاد المغرب كثيرا، لان لنا فيها أحباء أعزاء لم تكتحل عيوننا برؤيتهم منذ سنين.. فسال اليهودي: ماذا لكم انتم في بلاد المغرب..؟؟ فأجابه والدي: إن لي ابنا سافر للدراسة في المغرب قبل حرب عام 1967 بسنتين، وبعد انتهاء الحرب حرمته دولة الاحتلال إسرائيل من العودة إلى بلاده، ومنعته من الانضمام إلى باقي أسرته، كما أن لي أخا سافر إلى المغرب بقصد العمل في العام 1959 ،ولم أره منذ ذلك العام بسبب القرارات الجائرة لدولتكم، عندها أبدى اليهودي أسفه الشديد لتصرفات دولته، وقال: إن ذلك فعل قاس وغير صائب، لكنه كمواطن غير مسئول عن أفعال الحكام في دولته.. فقال له والدي : مادمت تحب المغرب إلى هذه الدرجة.. وتعتبرها موطنك.. لماذا لا تعود إلى هناك ..؟؟ فرد اليهودي بأنه جاء إلى فلسطين بعد أن أقنعه الصهاينة بأنها ارض الميعاد، وأنها الوطن القومي الخاص بهم، وأنهم أقنعوه بأنه لن يكون آمنا إلا إذا هاجر إليها، وبان العالم كله يكره اليهود، الأمر الذي يفترض باليهود جميعا أن يتجمعوا فيها، ويهاجروا إليها من كل البلاد.. وأضاف: لقد صورت لنا الحركة الصهيونية فلسطين بأنها الملاذ الآمن الوحيد لليهود، وبأنها ارض السمن والعسل الفارغة من السكان، فهاجرنا إليها من البلاد التي عاش فيها آباؤنا وأجدادنا وكانوا جزء أصيلا من نسيجها الاجتماعي، وحين وصلنا إلى هنا استقبلتنا الوكالة اليهودية، وأغدقت علينا الأموال والعطايا ( هذا كان في البداية )، حيث وفرت لنا المساكن، وقدمت لنا القروض المالية السخية، التي اكتشفنا فيما بعد أنها قيودا ذكية لإجبارنا على البقاء في فلسطين، ويوما بعد يوم اشتدت هذه القيود وزادت وطأتها، وتم منعنا لسنوات طوال من السفر خوفا من أن لا نعود أبدا.. وهكذا لم يكن أمامنا مفر من البقاء هنا والتأقلم مع الحياة.. عندها سأله والدي: لكن ألا تشعر بأن وجودكم هنا هو على حساب وجودنا..؟؟ فنحن طردنا من هذه البلاد على أيدي العصابات اليهودية المسلحة بوحشية منقطعة النظير، والهدف كان إفراغ الأرض من أصحابها الشرعيين، لاستجلاب المزيد من المهاجرين اليهود، الأمر الذي تسبب بأكبر مأساة في التاريخ، وأسس لنشوء اخطر واعقد قضية، ستظل سببا في اشتعال الحروب والمعارك بيننا وبينكم، حيث يقتل أبناءنا وأبناؤكم على مدى الزمان، إلى أن يتحقق العدل وننال حقوقنا التي سلبتنا إياها دولتكم..

    فابتسم اليهودي وقال لوالدي ( والله إني أحب أن يعود ابنك إلى بيته، ولا أعارض ذلك أبدا، لكنني مواطن عادي ولست حاكما في دولة إسرائيل ).. فرد عليه والدي بابتسامة اكبر قائلا له: لم لا نتبادل البلاد..؟؟ أي أن تعود أنت إلى المغرب– لأنك في نظرنا تعتبر لاجئ على أرضنا– ويعود ابني ليعيش هنا– لأنه في نظر العالم يعتبر لاجئ هناك– لم لا نتبادل اللاجئين..؟؟ وبذلك نضع حدا للحروب والآلام، وتعود أنت إلى البلاد التي أحببتها وعشت أنت وأجدادك فيها– ونعود نحن إلى بلادنا وأملاكنا التي عاش فيها آباؤنا وأجدادنا.. فأجاب اليهودي إن هذا الطرح جدير بالتفكير.. وعلى الساسة في بلادنا وبلادكم أن ينظروا فيه بجدية كأحد الحلول للمشكلة..

    وبعد هذا النقاش.. شكر والدي ذلك اليهودي على حسن ضيافته، ودعاه لزيارتنا في مخيم الفارعة، ليرى بأم عينه حجم الكارثة التي تسببت بها دولة إسرائيل للشعب الفلسطيني.. فرد اليهودي بأنه سيفكر بالأمر وسيلبي الدعوة حين يستطيع.. ثم قمنا باستلام قطع الغيار التي جئنا من اجلها وأعاننا اليهودي على تحميلها في السيارة، وعدنا إلى مدينة نابلس ومن هناك إلى مخيمنا حيث نسكن ونعيش.

    هذه قصة حقيقية حدثت قبل قرار الكونغرس الأمريكي الأخير بأكثر من 35 عاما .. ذلك القرار الذي اعتبر اليهود الذين غادروا الدول العربية بأنهم لاجئين– بهدف خلط الأوراق وتعقيد المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم .. لكن الفلسطينيين مستعدون للموافقة على اعتبار اليهود المتواجدين على ارض فلسطين لاجئين.. وهم مستعدون لدعم حق عودة كل اللاجئين اليهود إلى البلاد التي جاءوا منها، وأكثر من ذلك فان الفلسطينيين يطالبون البلاد العربية بالإعلان عن الاستعداد لإعادة كل اليهود إلى بلادهم العربية..

مخيم الفارعة

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash