من مفكرة الانتفاضة الثانية- يوم في حياة موظف

بقلم : خالد منصور

أنا خالد منصور، ابلغ من العمر  45  سنة ، فلسطيني من سكان مخيم الفارعة ، متزوج وأب لاربعة أطفال ، اعمل مديرا للإغاثة الزراعية الفلسطينية في محافظة نابلس ، ومقر عملي الرسمي يقع داخل مدينة نابلس ، الأمر الذي يتطلب سفري الدائم من مكان سكني في مخيم الفارعة إلى مكان عملي  ومكتبي داخل المدينة … طول الطريق الواصل بين سكني ومكتبي  هو  17  كم ، وكانت بالعادة تستغرق  20  دقيقة سفرا  بالسيارة .

    لكن منذ شهر آب عام 2001 ، لم استطع استخدام سيارتي الخصوصية في الوصول إلى المدينة، وذلك بسبب الإغلاق التام لجميع الطرق والمداخل المؤدية للمدينة ، وذلك كنت اضطر  لركوب السيارات العمومية ، التي استبدلت الشوارع الرئيسية المسفلتة بالطرق الجبلية الوعرة كي تتخطى الحواجز ، وتنجح بالدخول للمدينة ، وهو الأمر الذي يكلف الراكب مبالغ باهظة جدا ،أي انه يعني حوالي    10 أضعاف الأجور السابقة ، وبدل العشرين دقيقة اصبح الوصول إلى العمل يحتاج إلى حوالي ساعة ونصف ، وفي شهر أيار عام 2002، وبعد الاجتياح الشامل للمدينة ، شددت قوات الاحتلال من إجراءات الحصار والإغلاق ، واحكمت قبضتها ، بحيث منعت جميع السيارات من دخول المدينة ، الأمر الذي جعل المواطنون يسيرون على الأقدام لآلاف الأمتار عبر الطرق الوعرة ، كي يستطيعوا الوصول إلى أعمالهم أو لقضاء حاجاتهم ، وبدأت أنا يوميا اركب بالسيارة لمسافة تزيد عن 35كم ، ثم أسير على اقدامي ما يزيد على ثلاث كيلو مترات كي اصل إلى داخل المدينة ، وهذا يستغرق حوالي ثلاث ساعات وفي كثير من الأحيان تكون دوريات الجيش الإسرائيلي من مشاة ودبابات موجودة على مداخل المدينة ، ويحولوا دون دخول المواطنون إليها، أو انهم يقوموا باحتجازهم لساعات طويلة ، من رجال أو نساء أو شيوخ أو أطفال ، وحتى المرضى لم يكونوا ليسلموا من إجراءات الجيش ، ومن المعروف أن نابلس هي اكبر مركز تجاري في الضفة الغربية ، وترتبط بها حياة جميع سكان القرى المجاورة تجاريا وصحيا وتعليميا .

    وسأسرد الآن ما حصل معي يوم الأحد — 10\11\2002 — ::: –

     في ذلك اليوم توجهت من مكان سكني الواقع في مخيم الفارعة ، إلى مكان عملي في مدينة نابلس ،وهو يوم لا يمكن لي أن أنساه – مع انه الآن يعتبر يوما عاديا ، وتعودت على مثله ككل أبناء شعبي – فالمعاناة أصبحت أمرا روتينيا ، وتوقع الأسوأ هو ما يشغل بال كل المواطنين .

    خرجت من منزلي عند الساعة السابعة صباحا ، ووصلت إلى موقف سيارات المخيم ، وسألت السائقين كالعادة عن أي الطرق مفتوحة في هذا اليوم للدخول إلى نابلس ، فأجابوا أن كل الطرق في هذا اليوم نصف مغلقة ونصف مفتوحة ،أي أن دوريات الجيش متواجدة على المداخل ولكنها متحركة (تروح وتجئ) ، والدخول إلى المدينة محفوف بالمخاطر _وقد قررت أنا واربعة ركاب آخرين أخذ سيارة أجرة صغيرة ( أربعة ركاب ) كي نحاول دخول المدينة عبر طريق الباذان _الصيرفي ، وهي اقصر الطرق رغم أنها مدمرة كليا ، بسبب الحفر والخنادق التي أقامتها جرافات الجيش الإسرائيلي ، ( ولكن أصحاب السيارات يغامرون بسياراتهم لحاجاتهم للعمل , ولأن الأجرة مضاعفة ) ، وصلنا إلى قرب المدينة ، من جهة حي المساكن الشعبية ، ونزلنا من السيارة ، وبدأنا السير على الأقدام ، ولم نشاهد أي جندي إسرائيلي على مدخل المدينة ، رغم انهم كانوا يروننا وينظرون إلينا من على سطح إحدى عمارات الحي ، ولم يحاولوا منعنا ، فدخلنا الحي ولكننا لم نجد أي سيارة عمومي تأخذنا إلى مركز المدينة ، وواصلنا السير لمسافة اكثر من ثلاث كيلو مترات ، حتى وصلنا مخيم عسكر ، وكانت هناك سيارة جيب عسكرية إسرائيلية تغلق الطريق ، وتمنع سيارات الركاب ( العمومي ) من التنقل ، فتحاشينا المرور من جانب الدورية الإسرائيلية ، ثم ركبنا سيارة عمومي تنقلنا إلى منطقة عراق التايه ، عند الحد الفاصل الذي شطر به المحتلون مدينة نابلس إلى شطرين منفصلين كليا ، الشطر الشرقي حيث مخيمات عسكر وبلاطة وقرية بلاطة وقرية عسكر والمساكن الشعبية وحي الضاحية ، والشطر الغربي حيث باقي أحياء المدينة ، وعند عراق التايه نزلنا من السيارة ، لان هناك أكوام كبيرة من التراب وضعها الجيش لاتمام عملية الفصل بين الشطرين ، وسرنا على الأقدام مسافة حوالي  150 مترا ، ثم ركبنا بسيارة عمومي أخرى … وصلت إلى مكتبي الساعة التاسعة والنصف ، وكنت مرهقا جدا من السير واتصبب عرقا – رغم انخفاض درجة الحرارة نسبيا في هذا اليوم – .

    ومنذ لحظة وصولي إلى مكتبي بدأت أفكر في أي طريق سأسلكها كي أعود إلى مسكني في مخيم الفارعة ، وقد نفذت كل مهماتي وواجباتي الوظيفية ، وما أكثرها حيث أن مؤسستي (الإغاثة الزراعية ) من اكبر المؤسسات التنموية ، وهي تنفذ مشاريع تغطي معظم التجمعات السكانية في المحافظة ، بل وفي معظم المناطق الفلسطينية ، وتحوز على ثقة كبيرة ومصداقية عالية ، سواء من قبل الجمهور الفلسطيني ، أو من قبل مؤسسات التمويل الأجنبية والعربية  .

    وغادرت المكتب حوالي الساعة الواحدة والنصف ، رغم أن الدوام الرسمي المعتاد في شهر رمضان يكون حتى الساعة الثانية بعد الظهر فقط ، ولكن بسبب حاجتي للوقت وخوفي من المفاجئات على الطرق فقد غادرت مبكرا ،واجريت الكثير من الاتصالات كي اهتدي إلى أي  الطرق مفتوحة ، وقد علمت أن طريق ( الصيرفي ) مغلقة  ويتواجد عليها الجيش ،وسألت عن طريق ( أل 17 ) المؤدية إلى عصيرة الشمالية وعلمت أنها مغلقة وكذلك طريق زواتا-اجنسنيا ، ولكن وعند وصولي إلى موقف سيارات بيت ايبا — دير شرف قال لي بعض السائقين أن طريق دير شرف — الناقورة  وبيت ايبا — الناقورة مفتوحتان ، فركبت بسيارة عمومي مع ستة ركاب من بينهم ثلاث نساء ، وسرنا باتجاه طريق بيت ايبا –الناقورة المسماة ( طريق المزبلة ) ، وعندما وصلت السيارة بنا إلى آخر نقطة تستطيع الوصول إليها ، نزلنا من السيارة ، وبدأنا السير على الأقدام في طريق ترابية وعرة ، بين أشجار الزيتون ، وكان أمامنا عدد آخر من المواطنون العائدين إلى قراهم ،المحملين بما اشتروه من المدينة لعائلاتهم ، وفجأة وإذا بعدد من الجنود الإسرائيليون يخرجون إلينا من بين أشجار ، ويشهرون سلاحهم في وجوهنا ، ويصرخون علينا بعنف وهستيريا ،ويأمرونا بالتوقف فتوقفنا ، واكتشفنا عندها أننا وقعنا بفخ وكمين نصبه لنا الجيش ، حيث جمع الجنود العشرات من المواطنون من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال ، وضمونا إلى المجموعة المحتجزة ، ثم فصلوا الرجال عن النساء ، وكان عدد الجنود ثلاثة ، يلبسون أحذية عسكرية حمراء ، واعمار اثنين منهم لا تزيد عن العشرينات من العمر ، أما الثالث فهو المسؤول عنهم (على كتفه شريطة ) فكان في منتصف العشرينات من العمر ، وكانت تقف على التلة التي لا تبعد اكثر من ثلاثين متر ، دبابة  ضخمة على برجها مدفع كبير ورشاش ثقيل ، وكانت باستمرار تصدر أصواتا مزعجة جدا في محاولة لإرهابنا .

    بدأت إجراءات الإهانة والإذلال ، حيث أمر الجنود جميع الرجال وحتى كبار السن برفع ملابسهم للأعلى حتى تبان ظهورهم وبطونهم ، والاستدارة حتى يتفحصهم الجنود ،وعند إكمال هذه العملية أمرونا بالجلوس على الأرض ، وكانت الساعة حوالي الثانية ظهرا ، وعلمت من بعض الرجال المحتجزين أن الجيش كان قد ألقى القبض عليهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر ، وجلسنا القرفصاء مجبرين على ارض مليئة بالأشواك والحجارة المسننة والأتربة ، وبدا الوقت يطول .. والجنود غير آبهين باحتجاجات المحتجزين .. ولم يكن بينهم من يفهم أو يتكلم باللغة العربية … وحتى لا اشعر بالملل من طول الوقت الذي لم يستطع أي من المحتجزين تقدير كم سيطول ، فقد قمت بتعداد المحتجزين  مرة ومرات ، فكانوا 55  رجل ، و35  امرأة ، وثلاثة أطفال المحتجزين الصائمين ،وحتى الحمير تعبت ، وقد وقع أحدها على الأرض لانه لم يستطع الاستمرار بالوقوف محملا بالبضائع ،وعندها تقدم أحد الجنود وامر أصحاب الحمير بإنزال الحمولة عن ظهور الحمير ، واقتراب هذا الجندي من الحمار الذي وقع واخذ يربت على رأسه ويداعبه بحنية واضحة ، وأمعنت النظر في هذا الجندي ، فلاحظت الدرجة الكبيرة من الذي أبداه مع الحمير ..!!  في حين انه لم يلتفت نهائيا إلى بكاء الأطفال ومناشدات أمهاتهم ، -والمضحك المبكي في الأمر ، كان أن هذا الجندي كاد يضرب أحد أصحاب الحمير ، لان صاحب الحمار ضرب حماره ( الشموص ) بعصا ، عقابا له على بعض تصرفاته ، ووصف الجندي صاحب الحمار بأنه لا يفهم وحمار اكثر من الحمار الحقيقي ( اتا خمور – باللغة العبرية ) – ، وكان التناقض الكبير والعجيب في تصرفات هذا الجندي واضح جدا ، فقد رفض السماح لامرأة وطفليها اللذين كان عمر أحدهما ثلاثة سنوات بينما لم يبغ الآخر السنة الواحدة ، – رفض طلبها ومناشدتها له بالسماح لها بإكمال سفرها إلى بلدتها رافة بالأطفال ، ولم يقبل إطلاق سراحها قطعيا ، ثم بدا الجنود يتفحصون كل أمتعة المواطنين بصورة استفزازية ، ويجبرونهم على نثر أمتعتهم على الأرض ، وكان الجنود يصرخون بوجه أي واحد منا إذا ما وقف منتصبا على رجليه – حتى ولو للحظة واحدة — ، وكان معنا في الحجز شخص أجنبي ( وعلى ما اعتقد فقد كان كندي الجنسية ) ، أوقفه الجنود معنا ، إلا انهم وبعد ساعة ابلغوه بأنه حر وان بإمكانه مغادرة المكان ، إلا أن ذلك الشخص الأجنبي ، ولموقف إنساني عظيم ، رفض تركنا واصر على البقاء معنا حتى النهاية ، وحاولت بعض النسوة الاستفسار من الجنود عن الوقت الذي سيطلقون به سراحنا ، لكن الجنود تحدثوا بالإنجليزية وقالوا انهم هم أيضا لا يعرفون ، وبرروا سبب احتجازنا بأننا نخرق حظر التجول المفروض على المدينة ، وعندما قلنا لهم انه لا وجود ظاهر للجيش داخل المدينة ، وان الوضع بداخلها عادي ، قال الجنود إن حركة الناس هي خروج على الأوامر ، وسألناهم أيضا لماذا تسمحون لنا أو تتغاضون عن دخولنا للمدينة في الصباح ثم تقوموا بحجزنا عند المساء … لم يتفوه الجنود بحرف ، وبدأت درجة الحرارة بالانخفاض ، وكان الأطفال أكثرنا تأثرا ، وبدؤوا بالبكاء – ولم يتأثر الجنود بمظهرهم وهم يبكون – ، وعندها قام بعض الرجال بخلع جاكيتاتهم واعطوها للأطفال ، وقام الشخص الأجنبي أيضا بتقديم غطاء ( حرام ) للأطفال ، لكن .. وللحقيقة فان أحد الجنود استجاب لطلب واحدة من أمهات الأطفال وأعطاها بعض الماء لتسقي طفلها ..!! .

     وبدأت الشمس بالغروب ، واقترب موعد آذان المغرب ، حيث يحتاج الصائمون للماء والطعام للإفطار ، ولكن الجنود لم يفكروا ولم يعيروا اهتماما بشهر رمضان ، ولا بالصائمين ، ولا بالأطفال ولا بالنساء ، ولا بأثر البرد القارس الذي سيلحق بالمحتجزين .

      وعند سماع صوت المؤذن القادم من القرية المجاورة ، بدا المحتجزون الصائمون بالإفطار ، بتناول قليل من الماء المتوفر الذي قدمه لهم الشخص الكندي ، وافطروا على القليل من الخبز والبسكويت ، واشعل البعض سجائره ، وبعد ربع ساعة من الآذان أي في حوالي الساعة الخامسة ، جاء رجل كبير السن مشيا على الأقدام من قرية بيت ايبا المجاورة ، وكان يحمل على ظهره حوالي عشر زجاجات ماء ، ولما رآه الجنود قادما من بعيد صرخوا عليه بصوت عال كي يقف ، وصوبوا أسلحتهم إليه ، لكنه أصر على التقدم ، ورفع صوته باحتجاج واضح قائلا ( الله اكبر نحن بشر مسلمون .. نحن صائمون لله في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك ) ، وقال أيضا انه جاء ليقدم الماء للمحتجزين العطشى الجائعين ، وبدا بتوزيع زجاجات الماء على النساء والرجال غير آبه بصرخات الجنود ، ثم توجه للنسوة قائلا إن بيته مفتوح لهن إذا أردن قضاء الليلة في بيته مع زوجته وبناته بعد أن يفرج عنهن ويطلق سراحهن ، ثم غادر عائدا إلى بيته ، ولكي يتقي المحتجزون البرد فقد قاموا بإشعال النيران ببعض أغصان أشجار اللوز اليابسة التي جمعوها من مكان احتجازهم ، ولم يمانع الجنود بذلك ،  رغم انهم ومع ازدياد حلكة الظلام ، طلبوا منا إغلاق أجهزة البلفونات التي بحوزتنا ، وكنت أحاول أن افهم نفسية هؤلاء الجنود .. فاقول مرة انهم أشخاص مثلنا .. وما هم إلا منفذين لأوامر تأتيهم من ضباطهم ، وان بداخلهم مشاعر إنسانية مثل باقي البشر ، ومرات أخرى وعندما كنت أراهم يمارسون أقصى أشكال القمع والتنكيل والإهانة والإذلال ، كنت اقول انهم أبدا ليسوا بشرا مثلنا ، وانهم وحوش مشربون بالحقد والكراهية والعنصرية ضد كل ما هو عربي – وإلا ما معنى حجزهم لمواطنين مسالمين أبرياء … أطفال ونساء وشيوخ … لعدة ساعات ؟! وما معنى الإرهاب والقمع والتنكيل والخنق والحصار ؟! هل يحاول الجيش الإسرائيلي إذلال الفلسطينيين وكسر روحهم المعنوية ، بهدف إخماد انتفاضتهم وتركيعهم وإجبارهم على التنازل عن حقهم في الحرية والاستقلال ؟ ألا يعتقد الإسرائيليون انهم إنما يزرعون في نفوس الفلسطينيين الحقد والكراهية ، بدل الحب والسلام والعدالة الإنسانية ؟ .

    وقد حاولت أن افهم رد فعل المحتجزين على ممارسات جيش الاحتلال التعسفية ، فعرفت أن قلوبهم مليئة ومحتقنة بالغضب ، ثم سألتهم إن كانوا سيمتنعون عن دخول المدينة مرة أخرى ، بعد ما لاقوه من تنكيل كبير على أيدي الجنود ؟ فأجابوا جميعا بالنفي ، وانهم مصممون على العودة في اليوم التالي ، وخاصة منهم طلاب الجامعات والموظفين ، واستفاض معظمهم برواية قصص حياتهم اليومية ، وبالشرح قائلين أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها حجزهم وانهم قد تعودوا على هذا الأمر ، وهم مليئين بالإصرار على مواصلة تحدي إجراءات الخنق والحصار التي يفرضها المحتلون الإسرائيليون ، لان الاستسلام لهذه الإجراءات من قبل الفلسطينيين يعني فقط موتهم الأكيد  .

    وفي حوالي الساعة السادسة وفي عتمة الليل أطلق الجنود سراحنا ، وسمحوا لنا بالمرور ، وبدانا السير في الظلام بين الأشجار ، رغم أن ذلك يشكل خطرا حقيقيا على حياتنا ، فمن الممكن أن تكون هناك كمائن أخرى للجيش ، وكانت المسافة التي سنقطعها تتجاوز الأربع كيلومترات ، إلى أن وصلنا إلى قرية الناقورة ، وهناك وجدنا بعض السيارات ، وركبت أنا واثنين من أبناء مخيمنا وثلاث صبايا وشباب آخرين من طوباس في أحد السيارات ، وقد تردد السائق كثيرا بالتحرك والسير ، لانه يعلم بان حواجز أخرى للجيش الإسرائيلي تتواجد في هذا الوقت على كل مفارق الطرق في المنطقة ، لكن لم يكن أمامنا بديل ، فنحن نريد العودة إلى بيوتنا ، وسارت السيارة بنا إلى أن وصلت إلى مفترق طرق جبع – ياصيد – عصيرة الشمالية – بيت امرين ، وإذا بمجموعة جنود يخرجون إلينا من بين أشجار الزيتون ، مسرعين همجيين كالمجانين ، يصيحون بأصوات هستيرية ، وانقضوا على السائق واشبعوه ضربا بحجة انه لم يطفئ أنوار السيارة فورا كما طلبوا منه ، ثم صرخوا بنا نحن الركاب وأمرونا جميعا أن نخرج جميعا من السيارة نساء ورجال ، وان نرفع أيدينا للأعلى ، وكذلك ملابسنا ، ثم أوقفونا صفا واحدا نحن وركاب سيارة أخرى كان حظها العاثر أن تمر بنفس الطريق ، وعمل الجنود على تسليط أضواء مصابيح إنارة كانوا يحملونها بأيديهم إلى وجوهنا ، وامطرونا بوابل من الشتائم القذرة ، ثم أمرونا بالعودة إلى سياراتنا والتحرك بأقصى سرعة بعيدا عن المكان ، وبالفعل واصلنا سيرنا بسرعة كبيرة حتى لا يغير الجنود رأيهم ويقرروا احتجازنا ، وكل شيء جائز وممكن ..!! واخيرا وصلنا إلى مخيمنا وكانت الساعة عندها حوالي السابعة ، وكانت زوجتي وابنائي الأربعة واخوتي واهل حارتي بانتظاري على أحر من الجمر .

مخيم الفارعة – 11/11/2002

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash