على شو بنحتفل..؟!

بقلم : خالد منصور

     أن نحتفل بذكرى الكرامة هذا جائز– لأننا صمدنا وكسرنا أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.. أن نحتفل بذكرى الانتفاضة جائز لأننا خضنا معركة شرف.. أن نحتفل بذكرى إعلان الاستقلال جائز– لأننا بإعلان الاستقلال تحدينا إرادة المحتل.. أن نحتفل بانطلاقات تنظيماتنا فهذا ممكن– لأننا نحتفل بأدوات تحقيق الاستقلال..

    لكن أن نحتفل كل يوم، بالهزيمة وبالنصر.. ونرقص ونغني في كل حفل، ونحشد الجيوش الجرارة من الجماهير وننقلها من مدينة لأخرى– فهذا مناقض للواقع الأليم الذي نعيشه تحت الاحتلال، ولا يقبله العقل والمنطق السليم مع تشييعنا كل يوم شهداء، واعتقال كل يوم العشرات من شبابنا، وخسارتنا كل يوم مساحة جديدة من أرضنا، وفقداننا كل يوم عدد من منازلنا ..

    والمصيبة تتجلى أمام أعيننا عند مشاهدة التلفاز مساء كل يوم، وعند مطالعة الصحف وتصفح المواقع الإخبارية الالكترونية صباح كل يوم.. في المدينة الفلانية احتفال.. وفي القرية الفلانية احتفال.. وفي الجمعية والنادي والجامعة والمدرسة احتفال.. نفتتح حنفية باحتفال ونفتتح ناد باحتفال ونفتتح طريق باحتفال ونفتتح مطعم باحتفال ويحضر الوزراء والقادة السياسيين ونقيم الولائم ونحرص على حضور الإعلام لتغطية أنشطتنا وكأننا افتتحنا الأندلس..  بل وطورنا خططنا السنوية ليكون في خطة كل وزارة ودائرة حكومية ومحافظة وفصيل، وكل ومجلس بلدي أو قروي، وكل جمعية ومؤسسة أهلية– مجموعة من الاحتفالات التي ستقيمها ( على ما يسمى بشرف ) مناسبة وطنية، أو بذكرى حدث محلي أو وطني عام.. واكثر من ذلك أننا وبعد أن وجدنا أن المناسبات لم تعد تكفي لإظهار فرحنا– ابتدعنا مناسبات جديدة لنقيم فيها احتفالاتنا– كأكبر سدر كنافة، واكبر سدر مسخن، واكبر منسف، واكبر كوفية.. ونسينا أننا نقعد على اكبر خازوق في التاريخ اسمه الاحتلال..!!

    والأدهى وأمر– أننا لو حسبنا تكاليف كل تلك الاحتفالات التي تقام في طوال البلاد وعرضها ( وأنا هنا ادعو لان تقوم جهة ما بهذه المهمة ).. لوجدنا أنها تقدر بعشرات الملايين– التي تقتطع بسهولة من الأموال المخصصة لتقديم الخدمات للمواطنين أو لتحسين مستوى تلك الخدمات.

    فعلى ماذا يحتفل العمال الفلسطينيون بعيد العمال العالمي.. وأوضاعهم تسوء يوما بعد يوم ويعيشون القهر القومي من عدوهم– والطبقي من أبناء جلدتهم.. وتعتاش قيادتهم النقابية على آلامهم.. وعلى ماذا تحتفل المرأة الفلسطينية وهي مازالت تعاني التمييز والتهميش وتعامل وكأنها قطعة أثاث من قبل الرجل.. ( وعلى شو بنرقص ) باحتفالات يوم الأرض وأرضنا تنهب وتغتصب كل يوم ولم نعد نملك منها الا حدائقنا المنزلية ( الحواكير ).. ونرقص ونغني بيوم الأسير و12 ألف أسير من خيرة أبناءنا يتعرضون كل يوم لأبشع أشكال التنكيل والتعذيب.

    والمضحك المبكي أننا نحتفل حتى بذكرى النكبة واللجوء.. ذكرى الكارثة التي حلت ومازالت تحل بنا .. نرقص وندبك وندفع الأموال الطائلة لنقل المشاركين من أقاصي البلاد، ولفرق فنية تغني لنا أحيانا أغاني الزمر الهابطة، ويصعد شبابنا إلى المنصات ليرقصوا بجنون وكأنهم قد تناولوا بعضا من حبوب الهلوسة أو حبوب الطاقة.

    وغدا سنحتفل بذكرى هزيمة 1967 ومجزرة صبرا وشاتيلا وبذكرى اجتياح جنين ونابلس وبذكرى إحراق الأقصى ومجزرة الحرم الإبراهيمي…. والحبل على الجرار..

    اعتقد أن في الأمر شيء خطير يجب أن ننتبه إليه جميعا.. فما يجري هو تضليل للواقع ومسح لدماغ الشعب ليعيش نشوة زائفة.. فيتخدر ويتبلد وتتراجع حافزيته للنضال.. وما نفعله لا يسهم ببناء ذاكرة فلسطينية حية كما يقول البعض

    ليس المطلوب أو المقصود منع الاحتفالات ولكن أن نرشد تلك الاحتفالات.. فلماذا لا يكون طابع احتفالاتنا كفاحي.. فالعمال المضطهدين من دولة الاحتلال لماذا لا يخرجون بمسيرات ضد حواجز المحتل وبواباته ومعابره التي أقامها ليذلهم.. ولماذا لا تخرج المسيرات بذكرى النكبة وتتوجه نحو موطن اللاجئين الأصلي إلى حدود عام 1948 حيث هناك يمكن بل الواجب أن يجري الاشتباك أو الاحتكاك بجيش الاحتلال.. ولماذا يتعامل البعض مع مناسبات أليمة وحزينة وكأنها مناسبات فرح ويحضر فرق الرقص والدبكة والغناء ( ويا ريت ) فرق فنية ملتزمة شكلا ومضمونا وغناء وحركة بل يستسهل البعض إحضار فرق هزيلة تغني أغان سوقية فيتم تشويه عقول وثقافة الجماهير..

    نعم.. نحن شعب حي ونحب الحياة، ونتحدى من يحاول إفناءنا.. نحب الفرح والبهجة والسعادة.. لكن المبالغة بالشيء تجعله ينقلب إلى ضده.. وأن إعطاءنا شعبنا وشعوب العالم الأخرى انطباع بأننا نعيش حياة هادئة هانئة عادية– كما تعيش الشعوب التي أنجزت استقلالها التام– يعتبر خطا شنيع له عواقبه الوخيمة على حاضر ومستقبل نضالنا الطويل المرير..  كما وان التعامل مع جميع المناسبات وكأنها فرص للرقص والغناء هو أمر غير مقبول.. فهناك مناسبات مؤلمة علينا أن نحييها بما يناسبها من أشكال تتسم بالجدية وتحمل رسالة توعوية تثقيفية تحريضية.. وهناك مناسبات مشرقة مبهجة يمكن لنا أن نحييها بأشكال تدخل الفرحة والسرور إلى قلوبنا وتشحذ هممنا وترفع روحنا الكفاحية..

مخيم الفارعة – 15/5/2010

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash