ما رح نبيع

 بقلم : خالد منصور

     ظلت الحجة حليمة رحمها الله تردد حتى يوم وفاتها عبارة ( تيأسوش يا ولاد .. رح ترجع لبلاد لصاحبها ).. وكانت تضيف دوما ( بجوز أنا ما ارجع .. وبجوز ابني ما يرجع.. بس أكيد ولاد ولادي رايحين يرجعوا ويعمروا البلد ويطهروها من وسخ اليهود اللي اغتصبوها وطردونا منها ).

    أما أختها الأكبر منها– الحجة يسرى– رحمها الله فكانت تقول: (والله يا عمتي الظلم ما بدوم ومش ممكن هذولة الشقر صحاب العيون الزرق والسود وأصحاب الشعر المجعد يدوموا هون، لأنهم غربا عن الأرض ولأنها الأرض مجبولة بعرق ودم صحابها الفلاحين الفلسطينية)..

    وفي يوم من الأيام وفي شهر أيار بالتحديد قصدت بيت عمتي الحجة يسرى وكانت تسكن بجوار بيتنا في مخيم الفارعة.. وطرقت لوح الزينكو المسمى مجازا بالباب وناديت: يا حجة.. يا عرب.. فلم يرد على ندائي احد، دفعت الباب ومشيت حتى وصلت قاع الدار ( أمام الغرفة الوسطى ) فسمعت صوتا بالداخل.. استرقت السمع فكان حوارا هادئا وجدانيا بين الأختين الحجة يسرى وأختها الحاجة حليمة.. وانتبهت فإذا به يدور عن الهجرة وآلامها، وعن البلد الأصلية أم الزينات والحياة فيها قبل النكبة.. اقتحمت خلوة الأختين فرحبتا بي وأفسحتا لي مجالا للجلوس معهما على فرشة صغيرة ( نسميها نحن بالطراحة، ) وفورا صبت لي الحجة حليمة كاسة شاي من إبريق كانتا قد جهزتاه لنفسيهما مسبقا، فرشفت قليلا من الكاسة، وفورا عاجلتني الحجة يسرى بالسؤال : ( هل صحيح أن القيادة الفلسطينية تفكر بحل قضية اللاجئين بإسكانهم في المستوطنات بعد إخراج المستوطنين منها– ضمن حل نهائي للقضية الفلسطينية..؟؟ وتبعتها الحجة حليمة بالسؤال ( هل صحيح يا عمتي بدهم يعطونا مصاري بدل بلادنا.. ؟؟ ).. وهنا قررت استفزازهما لأعرف مدى تعلقهما بحق العودة وببلدهما الأصلي ام الزينات الواقعة على سفوح جبل الكرمل الى الجنوب الشرقي من مدينة حيفا، فقلت لهما وهل تكرهون ذلك..؟؟ وهل كان لديكم قبل تشريدكم بيوتا وشوارع وكهرباء ومياه ومدارس وحدائق عامة كالموجودة اليوم في المستوطنات..؟؟.. فانا اعرف أن بيوتكم كانت بدائية وحياتكم كانت بدائية ومعظمكم كان يعيش الفقر ولم تعرفوا التقدم إلا بعد اللجوء.. ولماذا لا تقبلوا التعويض وتبنوا بيوتا وتغيروا حياة البؤس التي تعيشوها في المخيمات إلى حياة أكثر رغدا وهناء فهنا ارض فلسطينية كما هي هناك ارض فلسطينية..!!!

    في البداية لم تصدق أي منهما ما قلته، فهما مشهود لهما بالذكاء الفائق وبحسن المنطق، وبالقدرة على الحديث وبالتأثير بالآخرين.. ابتسمتا وقالتا: يبدو انك تريد مناكفتنا.. لكنني أظهرت جدية وإصرارا على ما قلته.. وعندها انفجرتا بوجهي وانهالتا علي بالتوبيخ وبالشتم وبتوجيه شتى الاتهامات لي.. حاولت تهدئتهما وإنهاء ثورة غضبهما قائلا لهما: اقنعاني بعكس ما قلت.. فبدان الحديث– تكمل الواحدة منهما الأخرى وتضيف لحديثها ما يجعله أكثر قوة ووضوح.

  • ·   صحيح أن بيوتنا كانت بدائية.. ولكنها كانت ملكنا– وليست كما هي مسجلة الآن في مخيمات الانروا ( ساكن غير مالك ).. وحياتنا كانت بدائية.. لكنها كانت ابسط.. ولو لم تحصل النكبة لكنا قد طورنا حياتنا.. ودليل ذلك أننا بعد النكبة ساهمنا بقسط كبير بتطوير كل المجتمعات التي عشنا فيها.. ولعلمك كان لدينا في كل قرية مدرسة وكان لدينا في القدس وحيفا ويافا وعكا كليات ومعاهد متوسطة.
  • ·   ومن قال لك أننا كنا فقراء..؟؟ نعم كان عندنا فقراء.. لكن كان فقراؤنا اقل عددا بكثر من فقراء الدول العربية الأخرى.. فقد كانت بلادنا بلاد الخير الوفير، وكانت مكان جذب للعمال من شتى البلاد.. كان يأتي إلينا اللبنانيين والسوريين والمصريين والأردنيين ليعملوا في مصانعنا وموانئنا.. ففلسطين كانت قبل النكبة مثلما هي دول الخليج اليوم، وعندما كان الفلسطيني يصل إلى لبنان مثلا.. كان اللبنانيون يقولون جاء الفلسطيني أبو جنيه الذهب. 
  • ·   كنا ننتمي للأرض وللبلد، ونشعر أننا أسياد فيها، وأنها بلادنا التي سنعيش ونموت فيها بكرامتنا– دون أن ينعتنا احد أو يسمينا بالغرباء والأجانب واللاجئين، ولا يعاملنا الآخرون كمواطنين مشبوهين، أو من درجة ثانية أو ثالثة فيها.
  • ·   نحن لم نقبل التعويض ولا التوطين حتى ونحن في قمة بؤسنا وشقائنا في بدايات اللجوء– حين كنا نسكن العراء ونلتحف السماء.. وانتفضنا ضدها وأسقطناها.. فهل يعقل أن نقبل الآن بتلك العروض وقد تحسنت إلى حد كبير أوضاعنا..؟؟
  • ·   سنظل نشعر بالحرمان وأننا لاجئين ما دمنا بعيدين عن أوطاننا الأصلية، ولن تغنينا عن بلادنا الأصلية لا أمريكا ولا كندا ولا الدنمارك ولا استراليا ولا الخليج ولا كل أموال الدنيا.. ولا حتى ما يفكر به بعض السياسيين من إسكاننا في المستوطنات في مناطق الضفة الغربية– كحل نهائي لقضية اللاجئين– ولن نوافق على اعتبار العودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية بديلا للعودة الحقيقية– فنحن هنا في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة نعتبر أنفسنا أيضا ضيوف، ونشعر دائما أن وجودنا هنا مؤقت..

    وأضافتا: نحن نعرف أن تنفيذ حق العودة أمر صعب في المدى المنظور ونقول لسياسيينا انه حتى لو تأجل تنفيذ حق العودة مائة عام فنحن نقبل بذلك.. لكن لا توقعوا اتفاقيات تقتل حلمنا وحلم أبناءنا بالمطالبة بالعودة وبالكفاح من اجل تحقيقها.

    وختمتا كلامهما بالقول: كل ما يعرض اليوم علينا هو عملية بيع لحقوقنا وتصفية لقضيتنا.. ونحن نقول للعالم اجمع– لقيادتنا الفلسطينية ولأعدائنا وللمجتمع الدولي كله… ما رح نبيع.. فافعلوا ما تشاءون– وحتى لو وقعتم كل الاتفاقيات فلن تقتلوا حلمنا بالعودة إلى ارض التين والزيتون والصبر والرمان.. ونحن واثقون أن الزمن سيتغير يوما ما، وستنقلب الموازين، وعندها يا ويل اللذين تآمروا علينا.

مخيم الفارعة – 14/5/2010

 

Be Sociable, Share!

Leave a Reply

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash