• محرك بحث جوجل

  • مربعات القائمة الجانبية

      أضف ماتريد من مربعات القائمة الجانبية لتظهر هنا من خلال الذهاب الى قوالب - مربعات القائمة الجانبية اسحبهم الى القائمة الثانية
للصحافة عنوان في مدونتي@فخذ منها وأعطي

25 مايو 2011, Abla sleman @ 6:46 مساءً

 

رحلة من العذاب

الخالة أم توفيق … ألمها وفرحها في مشوار حياتها

 

 

 أحيانا نتنفس رغما عنا فيأتي النفس جارحا للروح نشهق أرواحا ويخرج من الروح لهيب حارق، هنا سأخط أوجاع إمرأة قتل بداخلها الحب وأغلقت دهاليزها السرية، بعد ما سار بها يوما، قصة إمرأة عانت وعانت وعانت ولا زالت تعاني من مرارة ومرض وقهر وغربة.

 

 طفولتي …. أين أنتي يا أيام زمان 

ساق الله على أيام زمان ساق الله على الراحة والأمان ساق الله وين الحب كان لما كنا نروح ونيجي بدون حرمان … زمان راح وما عدش مين يسأل علينا ومين يحس فينا يا خسارة الشقى وضياع الهنا لما كنا نحس فبعضينا ونخاف على نفسينا.

 

قابلتها وقلبي يبكي حرقة على حالها، من دقيقة تجلسها بجانبها تظن بأنها أمك التي لم تلدك، أمك التي تتمنى أن تكون فعلا أمك، ولدت ابنة مدينة قلقيلية زريفة درويش عذبه في العام 1956 في جو أسري محب، وعاشت هي وعائلتها في حي النقار، هي أخت ل7 أخوة بشير ويوسف ودرويش وغازي وعمر وأحمد ومحمد و6 أخوات نشمية وبشرى وعايشة وعزيزة وندى وفاطمة.

 

“عندما ولدتُ كان في عيني ماء يسمونها بالزرقاء ولم أكن أرى بها مطلقا وكانت تؤلمني كثيرا”، وفي عمر العشرين في مستشفى البقعة في القدس سحبوا من عينها الماء إلى أن مرت الأيام والسنين وعاودها الألم.

 

“درستُ للصف الرابع وبقيت طوال حياتي أمية لا أعرف القراءة والكتابة والحرفية، لكن مع مرور الزمن تعلمت التهجئة عندما اضطررت لتعلم التؤوريا، عندما كان زوج أختي عزيزة يقوم بالشرح لي وبتحفيظي الإشارات وبعض القوانين التي استصعبها”، وبفضل الله وبفضله نجحت الخالة أم توفيق بامتحان التؤوريا وقدمت للتيست وأيضا نجحت به.

 

مزجت بكلماتها … قصةَ حياتِها

“توفي أبي وكنت صغيرة بالعمر وكرست حياتي للعمل في مصانع الكولا والتعليب وغيرها، وتبعه أخي محمد بفراق الحياة قبل 30 عاما وترك وراءه زوجته وابنتيه حنان وجنان، وربيناهن أنا وأخواتي عزيزة وبشرى لأن والدتهن وهي ابنة خالنا سرعان ما توفي زوجُها تركت كامل المسؤولية لحماتها وهي (والدتَنا) وبناتِها أنا وأخواتي كي نتكفل بالطفلتين اليتيمتين اللتين لا يملكن أي ذنب لإنجابهن على هذه الحياة، زوجة أخي تركَتْهُن بقسوتها وذهبت للأردن وبعد سنة أو أقل تزوجت، بعد ذلك طلبني ابن عمي يوسف ووافقت لكن اكتشفت بعد سنتين من الخطوبة أنه صاحب كأس(سكرجي) ويريدني طمعا بي بحكم عملي وراتبي المتواضع”.  

 

“خلال فترة الخطوبة لم أتوقف عن العمل بل بالعكس ساعدت بشكل كبير في تحضير البيت من كافة مستلزماته”، خلافات عديدة كانت تواجه الخالة أم توفيق مع خطيبها لكنها صمدت وصبرت لترى ما سيحل بها.

 

“طلبتُ الطلاق منه وعاودتُ العمل والإسراف على عائلتي ووضعتُ كل تفكيري بالعمل وكنت رجاليه الجميع يحترمني”، كان لا يذكر اسم زريفة عذبه إلا والكل يمدح بها ويدعو لها بحفظها وسلامتها.

 

“وفي يوم من الأيام ذهبتُ والعائلة إلى بيت جيراننا أم محمود وبعد دقائق دخل ابنها وابن خالته وجلسوا وتسامرنا الحديث والعائلة، وثاني يوم تفاجئتُ بمجيء الجارة أم محمود تقول لها أتذكرين ذلك الشاب الذي رأيتهِ بالأمس مع ابني؟ قلت لها: نعم، قالت لي: ما رأيك لقد طلبك للزواج منه؟”، وافقت الخالة عليه ظنا منها أنها ستكون هذه المرة ليست كسابقتها، “كان يطمع بي كثيرا وكان يقضي معظم أيامه في البيت دون عمل، وفي يوم من الأيام تشاجر أخوتي معي لأن فترة الخطوبة طالت فقالوا لي بأن أوصل لخطيبي عبد الرازق هذا الكلام إما أن يتم الزواج سريعا أو يقلل مجيئه عندي حتى لا نسمع كلاما من الناس، ذهبت خفية لبيت عمتي إلى الطيرة وفضلته على أهلي، لكن واااااآآآآآآآسفاه وماذا ينفع الأسف الآن”.

 

جهزت أثاثها كاملا من راتب عملها، وقررت أن يكون توديعها لحفلة الزواج من بيت أخيها الكبير أحمد (أبو ياسر)، “لم يهن علي خروجي من بيت أخي لكن لم يكن باليد حيلة”، لم يحضر أحد من أهلها سوى أخيها أحمد صاحب البيت الذي خرجت منه لبيت زوجها.

 

تزوجت في قرية زيتا وسكنت في بيت العائلة، وحملت في فاطمة، “بكيتُ دموع فرحٍ عندما جاءت أمي وأخواتي لزيارتي في بيتي لأول مرة من بعد زواجي وبعد هذه الزيارة غير المرتقبة عادت المياه لمجاريها والعلاقة كما كانت، تبادلنا الزيارات بيني وبينهم، انتقلنا للسكن في قلقيلية وأنجبت فاطمة هناك، وبعد أسبوعين من الولادة عدنا إلى زيتا لأنه لم يعد زوجي يعمل في اسرائيل”، كان يعاملها بلطافة وبالأخص بعد ولادة فاطمة، “وبعد أشهر انتقلنا مرة أخرى إلى قلقيلية لحصوله على فرصة عمل هناك، حملتُ بتوفيق وكانت حياتي جيدة حتى ذلك الحين”.

 

وبنظرات قهر متتابعة لي تابعت حديثها، “بقي إنسانا ودودا لطيفا حتى عرّفني على عائلة من كفر قدوم أمهم من زيتا، ذهبت معه لزيارتهم مرتين لكنني لم أرتاح لهم بتاتا، بقي على تواصل دائم معهم يوم يوم، تعلم منهم على الحشيش وكانت السمعة السيئة تلاحقهم أينما ذهبوا يقومون بطردهم من كل بلد يدخلونها لأنه عميل وذو طباع سيئة، والمحزن في الموضوع من كثرة زيارته لهم أحب زوجي أحد بناته”.

 

أراحت جلستها وأكملت سرد قصتَها لي، “وأمام الخوف من الفقدان أو تحت تأثير نيران الاستسلام كنت في حيرة من أمري، ماذا سأفعل؟ هل أخبر أهلي بما يجري معي أم أسلم أمري لله وأسكت لأنني كنت حامل في توفيق، صبرت على عيشتي وبدأت معاناتي المريرة مع زوجي عندما فضل شراء الحشيش ونسيان واجباته على أهل بيته من حنان ورعاية ومصروف يومي”.

 

حفِظَتْ قصة حياتها غيبا لما سردته وعايشته من أحداث صعبة، “جاء توفيق على الحياة والديون والهموم تتراكم شيئا فشيئا علي”، لم يكن يشغل تفكيرها سوى همها وحزنها على ما تعيشه كل لحظة مع هذا الشخص الذي أنساه الإدمان بيته وزوجته وأولاده، ولم يكن همه سوى تعاطي المخدرات.

 

“بعد شهرين عدنا لزيتا وعادت الكَرَه من زيتا إلى قلقيلية ومن قلقيلية إلى زيتا”، وقررتْ الصبر على الجوع والألم من أجل أطفالها.

 

 الجيرة ………. من نقص وجوع إلى ذلة ومهانة

“كانت أخته أم سامي وأختي أم علاء جاراتي، لم يكن بيننا سوى حائط”، كانتا يشعرن بمدى معاناتها ويرفعن من همتها ويجلبن لها ما يقدرن عليه من الطعام، “لم يكن في بيتي حتى لقمة الخبز”.

 

ومن أضر عذابها أنه منعها من زيارة أخته وأختها، “حتى فتح الشباك الذي يطل على بيت أختي منعني منه لكنني صبرت، بدأ باستخدام أساليب أخرى حيث كان يجبر أبنائي على التعاطي، كنت أمنعه بقدر استطاعتي لكنه كان يضربني، كنت أفضل ضربي حتى لا يجبر أبنائي على التعاطي”.

 

“مرت الأيام وبحدود السنتين وجدت نفسي أنني حامل بالثالث سلوم”، طوال فترة حملها والمعاناة تلاحقها والقسوة من زوجها تزداد وتزداد، “تحملتُ كل ما فعله بي من ضرب وجوع وحرمان ومنعي الخروج من البيت وقسوته على أبنائي ووجوده ككاهل وعبء علينا وعلى عائلته الذين تخلوا عنه”. 

 

أنجبت سلوم وكان توفيق 3 سنين وفاطمة 5 سنين، وبمرور 4 أشهر من عمر سلوم، “في أيامي الأخيرة مع زوجي أصبحت الحياة لا تطاق”، سكتت خجلا لكنها مسكت بيدي وقالت لي بصوت منخفض: “أفضل أن أقول لكِ حتى تعرفين كيف أصبحت حياتي لا تطاق معه، مارس معي الأساليب الممنوعة شرعيا واجتماعيا”، كان يحاول اغتصابها أمام أولادها، هذا ما لم تتحمله الخالة أم توفيق وقررت أن لا تصبر بعد الآن وترفع دعوة طلاق عليه.

 

أيام الماضي قررت تخطيها بفك قيود أسرها

احترق قلبها عندما ضربها على عينها، “وعندما جاءت أختي وأخته للدفاع عني شتمهن وطردهن من المنزل، ذهبتُ للمحكمة الشرعية/قلقيلية ورفعتُ عليه دعوة طلاق”، أخبرتْ القاضي بأنه ضربها وطلب منها ورقة من الطبيب تثبت ذلك حتى يساعدها على الطلاق وعندما أتت بالورقة وأعلمته بكل الممارسات غير الشرعية التي كان يمارسها معها وافق القاضي على دعوة الطلاق، “أصبحتُ حرة من حيوان مفترس لا يعرف ما هي الإنسانية”. 

 

شعرت أم توفيق أن زواج ابنتها سيزيل كاهل العبء عنها، بكت بدموع لا تميزها أئذا كانت دموع فرحة أو حزن وتوقفت لحظات عن الحديث تتذكر لحظات زواج ابنتها بشعورها بأنها ستفارقها بعد أن كانت تعيش 24 ساعة معها وتساعدها بالبيت وتربي أخوتها أثناء تواجد والدتها في العمل.

 

“زوجتُ فاطمة والحمد لله، وأنجبت بنتين وولدين أركان وجلال وهدى وغيث”، كانت كلما ذهبت إلى السوق اشترت لهم الملابس والألعاب والهدايا لتزورهم كل نهاية أسبوع عند عودتها إلى مدينتها.

 

“رفعتُ عليه دعوة نفقة لكنني لم أحصل عليها منذ ذلك الحين، حتى قبل سنتين حركتُ القضية لأنني كنت بحاجة ماسة للمال وعلمت أنه يعمل ووضعه أفضل من السابق”، ولأنها زوجت توفيق تراكمت الديون عليها وكان بعد زواجه يعمل ب50 شيقل باليوم فقط فلا يكفيه قوت يومه.

 

بحر من الأوجاع يعيش بداخلها

أوجاع كثيرة عايشتها لسنين ولا زالت تجري بها إلى خطوات لا تعرف مصيرها، “قبل عشرة سنين كنتُ مريضة وأتعالج بالضفة لكنهم لم يشخصوا حالتي جيدا”، يئست من هذه المستشفيات وقررت الذهاب لمستشفى الطيرة فَصُعقتْ لذلك الخبر بأنها مصابة بالسرطان الحميد في جسدها، “ومنذ تلك السنين العشر وأنا أتعالج على الكيماوي وحمدا لله لم أشعر به، أشعر وكأنه مرضٌ عادي وليس بخبيث أظن بأن هذا يعزو لإيماني بالله وتمسكه به وقوة ديني التي لم تجعلني أيأس في يوم من الأيام، عاودت عيني قبل سنتين تؤلمني كثيرا وأصرفت الكثير من النقود عليها من قطرات وأدوية وغيرها”، كانت محرومة من الضوء كلما توجه لعينها أغمضتها ومن التدفئة في أيام الشتاء ومن الهواء في الصيف حتى لا تدخل الحرارة والهواء لعينها وتؤلمها، وفي سبيل إضفاء أجواء المرح التي رافقت الخالة أم توفيق في جلستنا معا قالت لي واصفة عينها: “يا بنتي إحكيلهم اللي بدو يشتري بندورة أنا عندي تنزيلات الكيلو بس ب3شيقل”.

 

وعندما سألت  الخالة أن تكمل لي أوجاعها قالت لي: “إيش بدك في الطويلة يا بنتي والله إلي مريت فيه لو وحدة تانية مرت فيه لهمها موتها من زمان”، وعلى هذه السيرة في يوم من الأيام كانت هي وأخواتها بشرى وعزيزة وبناتهما وابنة أخيها حنان وابنتها فاطمة في أحد الأعراس في صالة القصر في قلقيلية، “وطلبتُ منهن أن يرافقنني إلي بيتي لإكمال السهرة معا”، وهناك شعرت الخالة بالموت وكأنها تخرج بروحها لم تعد تتكلم واستخدمت يداها لتعبر عن كلماتها بالإشارات كرفع يدها على رأسها وتحريكها بشكل دائري، “لم يفهمني أحد وحاولت جاهدة أن أعبر عما بداخلي لكن لم يستوعب أحد أمري”، إلي أن فكرت جيدا وطلبت قلما وورقة وكتبت عليه شيخ، كانت تعرف بأن مجيء الشيخ لقراءة القرآن عليها سيحل عقد لسانها وتتكلم، “وبالفعل جاء الشيخ وقرأ القرآن علي وبعد دقائق عدت وتكلمت وعاد كل شيء كما كان، شعرتُ حينها أنني سأفارق الحياة”، كانت تبكي وتبكي بحرقة وطلبت رؤية ابنها سلوم القابع في السجون الاسرائيلية، سلوم كان كلما خرج من السجن كلما مُسِك مرة أخرى، في المرة الأولى كانت على سرقة سيارات إسرائيلية، لم يكن ابنها يسرق لحاجته للمال بل كان عادةً سيئة تَمسكَ بها من أصحاب السوء الذين عُرفوا شخصا شخصا في المدينة، ومنذ ذلك الوقت وتعاني الخالة مرارة الغربة والاشتياق لرؤية ابنها الذي أمضى حتى الآن 4 سنين ولا زال تحت الحكم.

 

 لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي رافقتنا فيه الخالة في سيارتها الأوبل الزرقاء كنت وأمي وأختي علياء وعرين، نزلت خالتي إلى الصيدلية التي تقابل مدرسة الإسراء الأساسية للبنات في شارع نابلس وبقينا ننتظرها في السيارة إلى أن ما رأينا السيارة ترجع للخلف ونحن تارة نضحك وتارة ننادي بأعلى صوتنا خالتي خالتي السيارة، سمعت خالتي وجاءت بسرعة وهي تضحك وتقول: “نسيت رفع الهاند برك”، وحتى ذلك اليوم أذكرها بالموقف المضحك وتذكرني به، وكم أتذكر سيارتها التي كانت بمثابة ابنتها كانت كلما تعطلت كلما حاكت عنها الحكايات الجميلة، وكلما سألتها: خالتي أين السيارة، قالت لي: “مفلوزة يا خالتي، وأحيانا تقول لي: “انجلطت وحطوها بالعناية المشددة”، وأنا أرد عليها قائلة الله يشفيها ويقيمها بالسلامة يا خالتي، ما كانت تمثل الروح لها تقضي بها حاجاتها لم تعد ملكها، باعت الخالة سيارتها لكثرة خرابها وحاجتها لأموالها بعد سنين من التعود عليها.

 

 يا غربة الأيام والسنين يا حرقة القلب والحنين

غاصت بها الحياة ممسكة بضحكاتها الممنوعة دامعة عيونها يوميا على أولادها، “أنا محرومة من أولادي من اليوم الذي بدأت العمل فيه، لا أراهم في السنة إلا أياما معدودة على اليد”.

 

“كنت أذهب وأعود يوميا إلى الطيرة لكن بعد هذه الحوادث الصعبة والتشديد على المدينة وبتذكير بعض المواقف المضحكة التي حدثت معي ومع من رافقنني للعمل بإسرائيل أنه بيوم من الأيام خرجت من بيتي للعمل بأواخر ساعات الليل وقبل شروق الشمس حتى لا يرانا الجيش الإسرائيلي”، وعندما شعرت الخالة ومن معها بوجود الجيش بحثن عن شيء يخفين به أنفسهن فلم يجدن سوى بعض الكراتين الكبيرة وغطين بها أنفسهن، “المضحك هنا بالموضوع أننا مشينا مشي الكنغر على رؤوس أصابعنا والكراتين تغطي أجسادنا ولا يظهر سوى الثلث الثالث منا”.

 

“تعرفتُ إلى الحاجة سمية عودة كانت تعيش في شقة في الطيرة وهي من قلقيلية لكن الزمن جار عليها وأصبحت أرملة، عشتُ معها وأصبح طعامها طعامي ووجعها وجعي وهي أنا وأنا هي”.

 

أسرها لم يقف حاجزا أمامها، “ففي كثير من المرات اعتقلتُ من الجيش الإسرائيلي لأنني لا أحمل التسريح، كان معي تسريحا لكن اليهودية التي أعمل معها انتقلت للسكن في الخضيرة وكانت لا تستطيع تجديد تسريحي لراس طيرة”، كانت كلما تعرضت للاعتقال تمسكت أكثر بالعمل، لم تكل أو تمل لأنها وضعت صوب أعينها أن تربي أولادها وأحفادها حتى آخر يوم بعمرها.

 

“وأتذكر في يوم من الأيام عندما جئت أنا وأختي بشرى وبناتها إلى بيت أختي عزيزة في قرية زيتا بعد الظهر كان يوما جميلا جدا، عندما وصلنا لبيتها تناولنا الغداء وكان ورق عنب وضحكنا على مائدة الطعام وأضفنا أجواء الفرح والمرح ودخل الكل في أجواء النقاش والحديث والتنكيت”.

 

وبعد تناولهم الغداء ذهبوا إلى بيت أختها علاء، “كنت لأول مرة أزوره، سررت كثيرا وشعرت كأن هذا البيت لابني سلوم”، بعد غرق دموعها في عينيها سكتت قليلا وعاودت الحديث “لا تعرفين كم أحب ابن أختي علاء وأشعر وكأنني أُحَدِثُ سلوم ليس لأنه ابن أختي بل لأن سلوم يعزه كثيرا بمعزة أخيه توفيق وأكثر وكم من المرات كان علاء يقف بجانبه وبجانبي ويزوره بالسجن ويسأله عن حاجته لأي شيء ويلبيه له بأسرع وقت”.

 

رفعت يديها وحركت شفتاها التي سرعان ما دعت: “الله يفرحني بسلوم وعلاء بيوم واحد يا رب وإن شاء الله أضل عايشه لحتى أشوفهم عرسان”.

 

“وصلنا أرض علاء بدأت عينيا تلفان يمينا وشمالا، تجولنا بالأرض وبالبيت غير المجهز بعد، ثم نزلنا وفرشنا الأرض بالبسط وبدأنا الحديث والتنكيت”، كانت بنت أختها عرين في إسبانيا وطلبوا من الخالة أن توجه رسالة لها على كاميرا الفيديو، “والمضحك بالموضوع أنني بدأت الحديث بالعبري بمعنى أنني في أرض علاء ورأيت منزله المكون من ثلاثة طوابق وأنا بصحة جيدة ومشتاقة لكم”.

 

 صاغت بكلماتها المشجونة بدمعات الانتظار رحيل الألم من عمرها وبداية يوم جديد يحمل بين أحشائه المخفي والمعلوم، “في ذلك اليوم نسيت كل أحزاني وكنت أفكر فقط بأن أضحك وأمرح، وعندما بدأت الساعة تدق على السادسة مساءا جاءت الحافلة لكي نعود إلى قلقيلية”، كانت خائفة كثيرا من أن ينقلب كل الضحك عليها إلى حزن.

 

  أحلام ليست بعيدة … طويلة لكنها قريبة

تجوب بنا الحياة إلى ميادين الهواجس ونبقى نرمقها من بعيد خوفا من ملامستنا، لكن تكون بداخلنا تلك الهواجس…، نتألم وننجرح وقليلا ما نجد من يواسينا…، نصبو إلى حياة تخلو من الأوهام…، إلى ضوء يأخذنا إلى الأحلام…، إلى أيام تنسينا الكلام.

 

لطالما تمنت أم توفيق أن تفرح بأولادها وأحفادها وأن تراهم بصحة جيدة، “تطمنتُ على فاطمة وزوجتها وتوفيق أيضا وزوجته وابنته ملاك، وبقي هم ابني سلوم عندما أزوجه سأرتاح كثيرا، والآن أكرس ساعات عملي وجهدي لكي أجمع تكاليف الحج التي تمنيتها في حياتي”، هذه الخالة التي تلقت صفحات من المطر القاسي على أوراق عمرها غرغرت دموعي من أجلها وقالت: “كلما فكرت بجمع النقود للحج كلما حصل ما لم يكن بالحسبان، كل ما بحسب البين بحسب معي، جمعتها مرة لكنني دفعتها كفالة لأخرج من الحبس ومرة لأزوج ابني توفيق ومرة مصاريف دواء لعيوني”، الآن وبعد كل هذه المعاناة نوت ورغم كل الظروف التسجيل للحج مع ابن أختها علاء لترتاح نفسيا قبل حدوث شيء لها.

 

كتاب حياتي يا عين ما شفت زيو كتاب

كلما قلبّتُ صفحةً من صفحات قلبها وجدتها في كل صفحة تحمل على كاهلها ما لم يحمله إنسان وما لم تلقاه إمراة، خالتي زريفة التي أراها أما صابرة مضحية طيبة، كلما مرت بمعضلة كلما رفعت يديها للسماء تتضرع لله وتشكره على محنتها، “إذا كان هناك شيءٌ آخر سيء ينتظرني ماذا بعد أكثر من الذي مررت به، حمدا لله أن كل لحظة حزن كانت تمر علي كانت تكون سببا لزيادة تقربي لله”.

 

يا خالتي إليك أحمل وردتي التي لطالما قبلتها بعيني أتمنى بقائك بقربنا، أتمنى من الله أن لا يحرمنا من ضحكاتك ومن وجودك بيننا، أيا من أرحتِ قلبي دائما، كلما كلمتك كلما عادت لي الحياة، أشكرك يا خالتي يا روحي ودمي يا فرحي وحزني يا دمعتي وبسمتي، كم أشتاق لضمي وغمري بين أحضانك، وكم أشتاق لندائك لي بشيرين أبو عاقلة التي لطالما حملتيها لقبا لي منذ تخصصي الصحافة والإعلام، آآه كم أشتاق إليك بكل معاني الاشتياق عودي لنا يا قلبنا………وكم أشتاق لتلك الكلمة المعروفة عنك “يا بركة” كلمة تندهين بها كل من رأيته، يا لطيب القلب الذي تملكينه لا تستغربوا لكنني لم أرى مثله بحياتي، أتمنى أن أكون مثلك لا أنهز من الحياة المحفوفة بالصعوبات والأحزان، حفظكِ ربي ورعاكِ على قدر دعاكِ يا من ملكت شفاكِ كلمة تحماكِ في رباكِ.

 

أتمنى من كل من سيقرأ هذا البروفايل ومن سيصل لهذه الفقرة الأخيرة إذا دعتكم القدرة لقراءته لنهايته أن تدعو لخالتي بالصحة والعافية وتتمنوا لها الحجة وخروج ابنها من السجن لأنه هو من كسر قلبها، فبخروجه ستعود لها الصحة والحياة التي لطالما اعتدنا عليها ترسم وجهها وتكحل عينها بالبسمة الحقيقية غير المشوشة بالأفكار الحزينة.

 

 

 

 

 



25 مايو 2011, Abla sleman @ 6:16 مساءً

عبرة لمن لم يعتبر…

رانية: لا تدع قطار حياتك يتوقف كثيرا على محطة اليأس

 

 

أجواء جميلة لطيفة تجوب المكان، عيون هنا وهناك تبحث عن الراحة والأمان، زمان ليس بزمان، إمرأة عانت من الحرمان، قصة تحكي لنا عذاب إمرأة بل شقاوتها وصراعها مع الحب والعذاب، حياة تبعتها وغاصت على قلبها وكتمتها لتجد ما تمنته سراب.

 

رانيه ابنة ال22 ربيعا من قرية سرطة قضاء سلفيت ولدت وترعرعت في جو أسري متسلط تزوجت قبل سنة ونصف وهي طالبة بكلية الفنون الجميلة بجامعة النجاح الوطنية، حيث لم تشعر بطعم السعادة منذ ذلك الحين.

 

بداية المشوار…نكسة حياتي

بنبرة حزن بدأت تقص لنا قصتها عندما بدأت خيوط الحزن تلفها،” لم أراه بتاتا لا بالصور ولا على أرض الواقع أو حتى سمعت عنه رأيته فقط عندما جاء يطلب يدي للزواج وكان من بعيد ولم أتكلم معه أيضا”.

 

تسرد رانية القصة وكأنها تقرأها غيبا بأدق تفاصيلها التي لم تنساها، “أبي زوجني رغما عني لأنه ببساطة كان الموضوع أنني أريد ابن عمي وهو يريدني، الوالد كان رافض الموضوع كليا، فكان يبحث عن أفضل وسيلة ومنفذ لكي يبعدني عن ابن عمي، ووجد أن زواجي من هذا الشخص من يكون سينهي علاقتي وابن عمي والحب ما بيننا دون النظر والاهتمام لهذا الشخص من هو ومن أي عائلة”.

 

وجدت رانية نفسها سلعة تباع وتشترى دون مشورة صاحبها، “لم أشعر كالفتيات لم أفرح بخطوبتي، كنت طفلة صغيرة لم أعي ما يجري حولي”، فضلا عن جميع ما ذكر ما سبب لرانية الضربة الكبرى هو أقاربها الذين تركوها للكلاب الجائعة، “اضطررت للموافقة على ما أجبرني عليه والدي لأنني لم أجد الخيار الآخر ولم يقف أحد بجانبي”.

 

بحسرتها لم تلق رانية سوى المعاناة والإهانة والشتم الذي مورس عليها من أهلها وزوجها لم تلق غير الدموع من ارتباطها بهذا الشخص الذي أجبرت عليه، “خطبنا مدة سنة وشهرين كان  هناك كثير مشاكل من أول يوم بدأت المشكلة وأنا ببدلة الزفاف كان يريد ضربي لسبب تافه جدا”.

 

كانت تشعر بالموت دقيقة بدقيقة وتحاول التخلص منه يوميا، “عندما مللت من وضعي وكبتي كنت أفضل البقاء في سكن الجامعة وعدم العودة للبيت حتى لا أراه ولا يأتي لزيارتي وبهذا أبقى في أفضل حال”.

 

“حصل ما حصل وتزوجت مما لا أحب ولا يحبني وتقبلت الواقع المرير”، ما الذي يدفع أما لتتمنى وتسعد لفقدان جنينها الأول وما أصل حكاية ألمها الناتج عن القهر والإكراه؟، “المأساة الكبيرة عندما علمتُ أنني حامل في ذلك اليوم تعرضت للضرب بطريقة بشعة جدا جدا نزفت كثيرا ووقعت أرضا، حملوني إلى الدكتور، وهناك قال لأهلي ابنتكم حامل، صدمت كثيرا لم أعرف ماذا أفعل، وبعد مرور بضعة أيام جاء الدكتور ليفحصني ليقول ذلك الخبر: الجنين توفي، لم أعرف ماذا شعرت ذلك الوقت لكنني صراحة فرحت كثيرا ليس لأنه توفي بل لأنني سأنتهي من هذا الوضع الذي أعيشه”.

 

من هو …؟؟؟

بارتفاع تدريجي لصوتها مع حدة بتلفظ أحرفها وصفت لنا زوجها، “هو كشخص لا يصلي ولا يصوم ولا يعرف الله والرسول و24 ساعة يشتم الله ويسكر ويشرب، ويفعل أشياء سيئة كثيرة، كان يتعامل مع أهله بطريقة غير طبيعية كان يضرب أمه ويرفع عليها السكين ويزيل سجادة الصلاة من أمامي ويخبط عليها ويمر، كان يربطني بالسرير، ويهددني كثيرا ويرميني بالحمام ويبدأ بضربي هناك، ويحاول خنقني وتشغيل المروحة على وجهي”، أساليب لا تعرف ما سببها لكنها تظن بأنها أساليب كانت تُمارس معه بما أنه خريج سجون عند اليهود والعرب ويقوم بتطبقيها عليها، وأيضا تعزو ذلك لعدم صحة عقله ومعاناته من مرض نفسي، “أنا متأكدة أنه إنسان غير طبيعي إنسان مريض ما يفعله بي ينم بكل تأكيد على وجود نقطة جنون في عقله”.

 

تشبثت بالكرسي الجالسة عليه منذ بدء حديثنا وسكتت قليلا وبدأت الدموع تنهمر من عينيها لتأثرها بما ستقوله، “لم يكتنف بي للحظة ولم يحبني في يوم من الأيام بل كان يخرج ما به من عصبية وكره للحياة بضربي”.

 

لم تنسى رانية كل ذلك لكنها تحدت نفسها ومجتمعها وكل من وقف بصفها لتعود وتتمسك بالحياة من جديد وترسم خطوات مستقبلها بيدها وتصرخ بألمها ووجعها لا أريده، “رفعتُ عليه محكمة أكثر من مرة، وتنازلت عن جميعهن وأظن أن هذا الذي شجعه في المرة الأخيرة بأن يتمادى، لكن هذه المرة لا لو جميع الدنيا وقفت بطريقي لن أتنازل سأبقى حتى آخر نفس، لو اضطررت للتخلي عن كل ما أملك في الحياة حتى الجامعة أنا مستعدة لكن حقي يعود لي”.

 

سنة ونصف عاشتها بمرارة ووجع قلب لم تشعر فيها بالسعادة قررت أن تترك العالم وتدافع عن حقها بنفسها دون أن يمد أحد يد العون لها، “جميع أعمامي وأقاربي وقفوا ضدي ولا أحد ساعدني، وجدت نفسي بغرفة مغلقة بمفتاح والمفتاح بالبحر”، لجئت لكثير من الناس وبحثت عن أحد يساعدها ولم تجد.

 

ظلم ذوي القربى أشد مرارة

بعد ما فعلوه بها وما سببوا لها من ألم هل بقي في قلبها مساحة للمسامحة والغفران؟، “طيلة حياتي لن أسامح أبي وزوجي وأعمامي وأخوالي ولا أي إنسان ظلمني وفعل بي هذا، وحتى هذا اليوم أقول الله ينتقم منهم جميعهم لأنهم وقفوا ضدي مع أنهم يعرفونه جيدا”.

 

جمعت نقاط ألمها في قلبها مستذكرة سبب حزنها وأكملت حديثها، “هربتُ منه في الليل الحالك وأرجلي لا تحملني إلى بيت أهلي، طبعا لم يستقبلونني بل شتموني وحملوا حقيبتي ورموها بالخارج”، وقالوا لها: اذهبي لبيت زوجك هو أحمل بك.

 

سنة ونصف بقيت معه لكن بشعورها كانت قرن ونصف غاصت عليها وتهجمتها الدنيا، “صحيح أنني لم أنتهي منه لكنني والحمد لله لم أعد أعيش معه في نفس البيت، ذلك البيت الذي يذكرني بالظلام الدامس والحزن والوحدة”.

 

سواعد الأم التي لطالما تمدها لابنتها لم تجدها رانية، أمها كانت تساندها لكن ما باليد حيلة كيف ستقف بجانبها والأب يرفض ذلك كله ويتسلط ويمسك بزمام الأمور في البيت. 

 

 

كيف تحولت من قطة مغمضة العينين إلى رانية التي لا تخاف أحدا؟؟

كل ما لقيته في حياتها لم يؤثر عليها بتاتا، “عاودتُ الحياة من جديد فلا أحد يصدق بأنني كنت متزوجة وتعذبت من زوجي وأنا الآن معلقة لست بمطلقة ولا بمتزوجة”، مارست رانية كل الهوايات التي باعتقادها أنها ستخفف عنها همها فدراستها للفنون الجميلة هو ما أسعفها من وضعها وغيرها من الهوايات التي مارستها كالتمثيل المسرحي كلها ساعدت بشكل كبير في محاولة تخطي تجربتها المُرة، وهي حتى الآن تعيش في تخوف لتعلق قضيتها في المحاكم لعدم قبول زوجها الموافقة على دعوة الطلاق والتهرب منها.

 

استطردت رانية حديثها قائلة: “أردتُ من قصتي هذه أن تكون عبرة لكل الفتيات من بعدي، لمن ليس لهن كلمة في بيت أهلهن”، ما قالته رانية وجهته لمن ستمر بموقف مشابه لموقفها في هذه الحياة لكي تكون لهن عبرة لمستقبل واعد حالم خال من الظلم والألم.

 

“في يوم من الأيام يجب أن يعلم كيف سأصبح وهو كيف سيصبح”، بقصتها التي  وجهت بها رسالة لكل أولياء الأمور لأخذ العبر قبل وقوع الفأس في الرأس.

 

تحلقت بروحها أجواء التفاؤل واستقبلت الأمل الحالم بمستقبل جديد وعانقت الإرادة والصمود عسى بعد كل هذا أن تحل قضيتها وتحصل على حقها بالطلاق من زوجها، رانية تمسكت بالحكمة التي تقول: “لا تدع قطار حياتك يتوقف كثيرًا على مـحـطـة اليأس واحتفظ دوماً بـتـذكـرة الأمل !!”.